عدد الزوار : 163983
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
الإجارة
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد

 

باب الإجارة

 

الإجارة في اللغة : مشتقة من الأجر ، وهو العوض ، وأما في الاصطلاح في عقد على منفعة مباحة معلومة من عين أو عمل بعوض معلوم مدة معلومة .

فقولنا ( عقد ) أي بين المتعاقدين المؤجر والمستأجر .

وقولنا ( على منفعة مباحة معلومة ) كسكنى الدار مثلا ، أو ركوب الراحلة أو نحو ذلك .

وقولنا ( من عين ) كالدار للسكنى أو للبيع فيها أو نحو ذلك ، سواء كانت العين معينة أو موصوفة ، كأن يقول : أجرتك وأكريتك هذه الدار ، أو موصوفة كأن يقول : أجرتك دارا سعتها كذا ، وفيها من الغرف كذا ونحو ذلك .

وقولنا ( عمل ) كأن يستأجر على أن يحمل له طعاما أو يبني له حائطا ، أو نحو ذلك .

وقولنا ( بعوض معلوم ) كأن يكون عشرة آلاف .

وقولنا ( مدة معلومة ) كسنة أو سنتين أو نحو ذلك .

وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على صحة الإجارة ، أما الكتاب فقوله تعالى ] فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن[ ، وأما السنة فمن ذلك ما ثبت في صحيح البخاري :( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر - رضي الله عنه - استأجرا رجلا من بني الديل هاديا خريتا - أي ماهرا في الدلالة - )[1]  وقد أجمع أهل العلم على صحة الإجارة ، والحاجة داعية إليها فإن الإنسان يحتاج إلى المنافع المتصلة بأعيان مملوكة لغيره ، فيحتاج إلى سكنى الدار ، وإلى أحد يحمل له ، وإلى رحلة يركبها ، وقد لا يكون مالكا لذلك ، فيحتاج إلى هذه المنافع التي أعيانها مملوكة لغيره ، فأجازتها الشريعة ، وهي قائمة على رفع الحرج وتحصيل المصلحة ، ولا شك أن الإجارة عقدها عقد مصلحة وحاجة .

والإجارة بيع للمنفعة ، وعليه فيشترط فيها ما يشترط في البيع ، ومن ذلك أن يكون المتعاقدان جائزي التصرف .

و الفرق بين الإجارة والبيع من عدة  أوجه منها :

1-   أن الإجارة لا يدخلها الربا بخلاف البيع فتصح إجارة الحلي.

2-   البيع على الأعيان بمنافعها و أما الإجارة فعلى المنافع فقط.

3-   لا يصح بيع الحر و لا الوقف و لا أم الولد و تصح إجارتها.

 

قوله [ تصح بثلاثة شروط : معرفة المنفعة ]

إما بالعرف أو بالوصف ، وقد ضرب المؤلف هنا ثلاثة أمثلة للعرف فقال :


قوله [ كسكنى دار ]

فإذا أراد أن يستأجر دارا ليسكنها فإن كيفية الانتفاع بها بالسكنى معروفة بالعرف ، ولذا فليس له سوى ما دل عليه العرف ، فليس له أن يجعلها مخزنا للطعام ، أو أن يضع فيها دوابا أو غير ذلك ، وله أن يكرم فيها ضيفه ونحو ذلك ، لأن العرف قد دل عليه ، وإن كانت هذه الدار فيها مساحة ، وقد قام العرف على جواز وضع الدواب فيها فإنها توضع.

 

قوله [ وخدمة آدمي ]

فعندما يستأجر عاملا ويقول : أريد أن تعمل عندي شهرا ، فإن تحديد زمن هذه الخدمة من الليل والنهار معروف في العرف ، فإنه يكون من صلاة الفجر - مثلا - إلى المغرب في عرف بعض الناس أو بعض العمال ، وهذا يختلف باختلاف الأزمان واختلاف العمال .

 

قوله [ وتعليم علم ]

فإذا استأجره لتعلم منه علما سواء كان علما شرعيا أو كان علما دنيويا - وسيأتي الكلام على أخذ الأجرة على العلم الشرعي - ، فإذا استأجره ليتعلم منه علما فهذا معروف في العرف .

وقد تكون المنفعة معروفة بالوصف وذلك إن لم يكن هناك عرف ، فإذا استأجره لبناء دار أو حائط ، ونحو ذلك فإنه يحدد له طوله وعرضه وطريقة البناء ومواد البناء التي يختلف باختلافها البناء ونحو ذلك ، وإذا أراد أن يستأجره لحفر بئر حدد له عمقها وعرضها وطولها ونوعية الأرض ونحو ذلك ، والمقصود أن تكون المنفعة المستأجرة معلومة محددة إما بعرف أو وصف ، ودليل ذلك أن الإجارة بيع ، فهي بيع منفعة ، ومن شروط البيع معرفة المبيع ، وهنا كذلك من شروط صحة الإجارة معرفة المنفعة المستأجرة .

 

قوله [ الثاني : معرفة الأجرة ]

كالبيع ، وهذا باتفاق العلماء ، وذلك لأن معرفة الثمن في البيع شرط ، فكذلك في الأجرة ، كأن يقول : استأجرت منك هذه الدار بعشرة آلاف كل سنة .

 

قوله [ وتصح في الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما ]

فيصح أن يستأجر أجيرا ليعمل له وتكون أجرته هي سكناه وطعامه وكسوته ، فهذا جائز ، وكذلك يجوز أن يستأجر مرضعة وتكون الأجرة طعامها وكسوتها ، ودليل ذلك قول الله تعالى ] وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف [  فعلى المولود له وهو ولي الرضيع أن يكسو وأن يرزق المرضعة ، وليس هذا للزوجة ، لأن الله عز وجل قد جعل أجرة للرضاعة ، وكذا أوجبه على الوارث غير الزوج فقال تعالى ] وعلى الوارث مثل ذلك[ ، فدل على أن هذا الرزق والكسوة من الزوج ليس بسبب الزوجية ، وإنما هو بسبب الرضاع فهو أجرة على الرضاع ، وكذلك الأجير كما تقدم ، وروى ابن ماجة بإسناد ضعيف جدا - فإن فيه بقية بن الوليد وفيه سلمة وهو متروك - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( إن موسى قد أجر نفسه ثماني سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه )[2] والحديث لا يصح ، لكن الأجير يقاس على الظئر .

فإن قيل هذه الأجرة مجهولة ، وقد شرطنا في الأجرة أن تكون الأجرة معلومة ؟

فالجواب : أنها ليست مجهولة ، بل هي معلومة ، فإن مرجع ذلك إلى العرف ، والعرف يدل عليها ، فيمكننا أن نحدد هذه الكسوة وهذه النفقة بالعرف .

 هل يجوز أن يستأجر دابة وتكون الأجرة علفها أو أن يحدد لها شيئا من المال مع تعليفها ، كأن يقول : استأجر منك هذه الدابة وأجرتها أن أعلفها عنك ، أو يقول : وأجرتها كل يوم درهم ، وأن أعلفها عنك ، فهل يجوز ذلك ؟

الجواب : منع الحنابلة من ذلك في المشهور عندهم للجهل ، قالوا : علفها مجهول ، سواء كان منفردا بالإجارة ، أو كانت هناك أجرة  مضافة إليه ، وعن الإمام أحمد أنه يصح ، وهو اختيار شيخ الإسلام وجمع من أهل العلم ، وهو القول الراجح ، وذلك لأن هذا معروف بالعرف ، فالعرف يقوم مقام التسمية ، فكما أجزناه في الظئر وفي الأجير فكذلك في الدابة .

 

قوله [ وإن دخل حماما أو سفينة أو أعطى ثوبه قصارا أو خياطا بلا عقد صح بأجرة العادة ]

قوله ( قصارا ) القصار هو من يفصل الثوب من غير خياطة ، فإذا وضع ثوبه عند قصار أو خياط ، أو ركب سفينة أو سيارة من الرياض مثلا إلى حائل ولم يتفق على أجرة ، أو أجر حمالا يحمل له طعاما ولم يسميا أجرة ، فإنه يصح بأجرة العادة ، وذلك لأن جريان العرف بالشيء يقوم مقام التسمية .

 

قوله [ الثالث : الإباحة في العين ، فلا تصح على نفع محرم كالزنى والزمر والغناء وجعل داره كنسية أو لبيع الخمر ]

أو لبيع الأشرطة المحرمة من غناء أو فيديو أو غير ذلك من الأشياء المحرمة ، فهذا لا يجوز ولا تصح الإجارة ، وذلك لأن الشريعة من قصدها إزالة هذه المنكرات ، والإذن بالإجارة فيها وتصحيحها ينافي مقصود الشرع المتقدم ، ولقول الله تعالى ] وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان[ ، ولأنه لعن في الخمر من لعن ومنهم حاملها ، فهو أجير يحمل الخمر ، ومع ذلك لعنه النبي - صلى الله عليه وسلم – و لقوله عليه الصلاة السلام ( إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) ، إذن فالشرط الثالث : هو الإباحة في العين ، فعلى ذلك إذا استأجر رجل دكانا لبيع الخمر أو أشرطة الغناء أو نحو ذلك فتبين للمؤجر أن ذلك محرم فيجب عليه أن يبطل العقد ، وإن اتفقوا سنوات ، وإن كان استلم الأجرة ، مع أن عقد الإجارة عقد لازم لا يجوز لأحد من الطرفين فسخه ، لكن هنا هو عقد باطل ، وذلك لأن النفع غير مباح .


قوله [ وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه عليه ]

فيجوز أن يؤجر حائطه لوضع أطراف خشب معلوم ، لأن الأصل في العقود الحل ، وهذا نوع من أنواع الإجارة ، وه>ا حيث جاز له أن يمنعه من وضع خشبه على جداره و أما إن كان لا يجوز له المنع فليس له أن يأخذ أجرة على بذل ما هو واجب ، وكذلك لو كان عنده دكان ، فاستأجر أحد منه أن يضع عليه شيئا من الخارج أو نحو ذلك فيجوز له أن يؤجر ، وذلك لأنه أجر منفعة معلومة .

و لا يشترط ذكر المدة لأن الحاجة داعية إلى ذلك و كما لو صالحه على إجراء مائه في أرضه فلا تشترط المدة.

 

قوله [ ولا تؤجر المرأة نفسها بغير إذن زوجها ]

لا تؤجر المرأة نفسها بعمل من الأعمال بغير إذن زوجها ، وذلك لما في عملها من تفويت حق الزوج ، فلم يكن لها أن تعمل عملا إلا أن يأذن لها زوجها فيه . و على ذلك فلو كان عملها لا يفوت على الزوج حقه كأن تعمل في بيتها و هو غائب مع قيامها بحقه فلا بأس و لا يشترط إذنه.

 

فصل

 

تقدمت شروط المنفعة المستأجرة ، وهذا الفصل في شروط العين المؤجرة ، أي العين المشتملة على المنفعة ، فعندما يستأجر دارا ليسكنها ، فالسكنى منفعة ، والدار هي العين ، وعندما يستأجر جملا ليحمل عليه ، فالجمل هي العين ، والمنفعة هي الحمل ، وعندما يستأجر امرأة للرضاع ، فالرضاع هو المنفعة ، والمرأة هي العين .

 

قوله [ يشترط في العين المؤجرة معرفتها برؤية أو صفة ]

هذا هو الشرط الأول : وهو معرفة العين المؤجرة برؤية أو صفة .

وذلك لأن المنفعة تختلف باختلاف العين ، فعندما يستأجر دارا ليسكنها وهو لا يعرف ما في هذه الدار من غرف ولا يعرف مساحتها ونحو ذلك فلا شك أن هذا مؤثر في اختلاف الأجرة فاشترط ذلك .

و القول الثاني في المسألة : تصح الإجارة بلا رؤية و لا وصف و للمستأجر الخيار أي خيار الرؤية وهو مذهب الأحناف و وجه في المذهب و هو الراجح كما تقدم في البيع.

 

قوله [ في غير الدار ونحوها ]

فالدار ونحوها مما لا يصح فيه السلم لا تكفي الصفة ، بل تشترط المشاهدة والرؤية ، فإذا قال : أريد أن أكريك داري التي مساحتها كذا ، وعدد غرفها كذا ، وموقعها كذا ، ونحو ذلك فقال : رضيت ، فهذا لا يجوز ، ولا تصح الإجارة ، قالوا : لأن الدار ونحوها مما لا يصح فيه السلم لا ينضبط بالوصف ، وقد تقدم أن المشهور من المذهب أن السلم لا يصح إلا في المكيلات والموزونات والمذروعات ، وأما المعدودات وغيرها مما لا ينضبط فلا يصح فيه السلم ، لأن السلم بيع على الصفة ، وقد تقدم أن الراجح أن ما يكون الاختلاف فيه يسيراً ، والتفاوت فيه يسير فالسلم فيه جائز ، ولو لم يكن مكيلا أو موزونا أو مذروعا ، فهنا كذلك في باب الإجارة ، فعندما يصف له الدار وصفا بينا ظاهرا ثم يستأجرها على هذا الوصف التام الظاهر - وإن كان يقع فيه شيء من التفاوت اليسير - فهذا ليس بمؤثر ، فهذه جهالة يسيرة يعفى عن مثلها .

إذن هذه المسألة تنبني على المسألة السابقة في باب السلم ، فالصحيح أن كل ما ينضبط بالصفة وإن كان الانضباط فيه ليس تاما بل مع التفاوت اليسير فإن الإجارة فيه جائزة كالسلم ، أما إذا كان التفاوت كثيرا مما تقع بمثله المنازعة فلا يجوز ذلك كما في السلم .

 

قوله [ وأن يعقد على نفعها دون أجزائها ]

هذا هو الشرط الثاني : وهو أن يعقد على نفعها دون أجزائها .

بمعنى أن الإجارة لا تؤثر على أجزائها ، فلا يتلف من هذه العين شيء ، كسكنى الدار والحمل على الجمل ونحوه ، لكن لو كانت الإجارة على شيء من أجزائها كأن يستأجر طعاما للأكل أو شمعا ليشعله أو صابونا لغسل اليدين به أو نحو ذلك فلا تجوز الإجارة فيه ، فلا تصح الإجارة في أي شيء تتلف أجزاءه في الإجارة  بل لا بد أن تكون مختصة بالمنافع ، ولا يريدون ما يحصل من التلف اليسير ، فإن سكنى الدار يحصل فيها تلف يسير ، فهذا ليس هو المقصود ، بل المقصود أن يكون هذا العقد يتلف شيئاً من أجزائها ، وهذا هو المشهور من المذهب وهو مذهب جمهور الفقهاء ، واختار شيخ الإسلام جواز هذا ، واختاره طائفة من أصحاب الإمام أحمد من المتأخرين ، وهذا القول هو الراجح ، وذلك لأن الأصل في المعاملات الحل ، ولو سلمنا - ونحن نسلم بهذا - أنها ليست إجارة لأن الإجارة تكون على المنفعة مع بقاء العين وعدم استهلاكها لكن لا مانع من ذلك ، فهي وإن لم تكن إجارة لكن لا دليل على المنع منها ، ولذا قال شيخ الإسلام :" هي إذن بالإتلاف وليست إجارة وهذا سائغ " ، أي أن يأذن بإتلاف ماله مقابل مال يدفع إليه فهذا سائغ ، وهي ليست بإجارة ، لكنها عقد صحيح لا تستهلك فيه العين كلها فيكون بيعا ، وإنما يستهلك فيها بعض العين ، ويأخذ المؤجر حقه مقابل هذا الاستهلاك .

 

قوله [ فلا يصح إجارة الطعام للأكل ولا الشمع ليشعله ولا حيوان ليأخذ لبنه إلا في الظئر ]

أي في المرضعة فذلك جائز ، أما لو استأجر من رجل إبلا أو بقرا أو غنما ليأخذ لبنها في وقت درها فقال الحنابلة وهو مذهب الجمهور لا يجوز ذلك ، وذلك لأن الإجارة على المنفعة ، وهنا وقعت على العين ، فإن اللبن عين ، فليست الإجارة على منفعة ، وقال بعض أهل العلم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو اختياره رحمه الله ، واختيار تلميذه ابن القيم واختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن ذلك جائز ، قياسا على الظئر ، فكما أن الظئر يجوز لها أن تؤجر لبنها للطفل فكذلك يجوز في هذه المسألة ، قالوا : واللبن هنا مع بقاء الأصل كالمنفعة مع بقاء الأصل ، فاللبن هنا يستهلك والأصل باق ، فإن الأصل هو البقر - مثلا - باق ، واللبن يستهلك فأشبه هذا المنفعة ، فإن المنفعة تكون مع بقاء الأصل ، قالوا : وبالقياس على المساقاة فإنه يؤجر أرضه ونخله ويأخذ الآخر ثمرها بكراء من ذهب أو فضة ، وهنا كذلك فإنه يستأجر هذا البقر أو الغنم ويأخذ لبنها ، وهذا القول هو الراجح لقوة أدلته ، وليس مع المانعين دليل يمنع كما أن الأصل في العقود الحل . و عليه فا الأعيان التي تأتي شيئاً فشيئاً بمنزلة المنافع.

 

قوله [ ونقع البئر وماء الأرض يدخلان تبعا ]

إذا قيل : أنتم عندما تكرون بئراً يدخل فيها الماء ، وعندما تكرون أرضا للزراعة يدخل في ذلك ماء بئرها ، ويدخل في ذلك الماء الذي في الأرض وهي أعيان ، فلماذا لم تقولوا بالمنع ، فهي كاستئجار الحيوان لأخذ اللبن في وقت دره ، فأجابوا هنا : أنهما يدخلان تبعا ، ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا ، وهي قاعدة صحيحة ، وعلى القول الراجح المتقدم الذي اختاره شيخ الإسلام لا إشكال في هذه المسألة .

 

قوله [ والقدرة على التسليم ]

هذا هو الشرط الثالث : أن يكون مقدورا على تسليمه كما يشترط هذا في البيع .

ولا شك أنه إذا أجر ما لا يقدر على تسليمه فإن ذلك غرر .

 

قوله [ فلا تصح إجارة الآبق والشارد ]

فلا تصح إجارة العبد الآبق أي الهارب من سيده وكذلك لا تصح إجارة الشارد أي الجمل الشارد وهذا ظاهر .

 

قوله [ واشتمال العين على منفعة ]

هذا هو الشرط الرابع : وهو أن تكون العين مشتملة على المنفعة .

فعندما يستأجر منه عينا على أن ينتفع بها ولا نفع فيها فلا شك أن ذلك لا يجوز ، وذلك لأن المقصود هو استيفاء المنفعة ، فإذا لم تكن المنفعة ثابتة في هذه العين فحينئذ لا يمكن استيفاؤها ، فعندما يكريه جملا عاجزا عن الحمل لكي يحمل عليه فلا يمكنه أن يستوفي ذلك ، فكان ممنوعا ولذا قال :

 

قوله [ فلا تصح إجارة بهيمة زَمِنة لحمل ، ولا أرض سبخة لا  تنبت ]

فلا يجوز له أن يؤجر أرضا سبخة لا تنبت لأن هذه العين لا نفع فيها ولا يمكنه أن يستوفي نفعها ، كذلك عندما تكون البهيمة زَمِنة أي فيها عاهة فلا تستطيع المشي فلا يمكن أن تؤجر ولا تصح إجارتها وذلك لأن المنفعة لا يمكن استيفاؤها .

 

قوله [ وأن تكون المنفعة للمؤجر أو مأذونا له فيها ]

هذا هو الشرط الخامس : وهو أن تكون المنفعة للمؤجر مملوكة له أو مأذونا له فيها .

ولم يقال : العين ، وذلك لأن الإجارة تقع على النفع ، فمتى كان مالكا للنفع فله أن يؤجر ، فمثلا ناظر الوقف لا يملك الوقف لكنه يملك منافعه فله أن يؤجر ، والمستأجر لدار مثلا لا يملك الدار لكنه يملك منفعتها فله أن يؤجرها ، وكذلك عندما تكون هذه الأرض مملوكة لغيره وقد وكله بتأجيرها ، فهو لا يملك العين بل يملك النفع ، وهو نائب عن المالك فله أن يؤجرها ، فعلى ذلك إذا أجر رجل دارا لا يملك منفعتها فلا تصح إجارتها ، وذلك لاختلال هذا الشرط ، والإجارة كالبيع فكما أن البيع يشترط فيه أن يكون من مالك ، فكذلك الإجارة ، وعلى ما تقدم ترجيحه من صحة بيع الفضولي مع الإجازة فكذلك الإجارة ، فإذا أجر دارا وهو لا يملك منفعتها فأجاز مالك المنفعة ذلك فتصح الإجارة لأنه تصرف فضولي أجيز ، فهو صحيح خلافا للمشهور من المذهب كما تقدم في البيع .

قوله [ وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه  لا بأكثر منه ضررا ]

إذا استأجر أرضا أو دارا أو جملا أو نحو ذلك فهل له أن يؤجر ؟

الجواب : باتفاق العلماء له أن يؤجر ، وذلك لأنه مالك لمنفعتها المدة المتفق عليها.

ولكن هل له أن يؤجرها بثمن أكثر ؟

الجواب : له ذلك ، وذلك لأنه متصرف في ملكه ، فالمنفعة ملك له ، فله أن يؤجرها بما شاء .

ولكن هل له أن يؤجرها مع ضرر أكثر ؟

الجواب : ليس له ذلك ، مثاله : استأجرت أرضا لتزرع فيها قمحا ، فهل لك أن تؤجرها لمن يزرعها أرزا ؟

الجواب : ليس لك ذلك لأن الأرز يستهلك الأرض أكثر من استهلاك القمح لها ، وكذلك إذا استأجرتها لتزرع شيئا من الخضروات فليس لك أن تؤجرها لمن يزرعها قمحا لأن القمح يستهلك الأرض أكثر ، وكذلك إذا استأجرت دارا لتسكنها فليس له أن تؤجرها لما يضر بها ، كأن تؤجرها محلا أو نحو ذلك ، وذلك لأنك لا تملك ذلك ، فأنت عندما استأجرت الأرض لتزرع القمح ،

هل لك أن تزرعها أرزا ؟

الجواب : لا ، ليس لك ذلك ، لأن المنفعة المأذون لك فيها أقل ضررا ، فإذا كان لا يجوز لك ، فكذلك فيمن يقوم مقامك ، أما إذا أجرها بنفس الضرر أو أقل فلا بأس . و لو شرط المؤجر عليه أن يستوفيها بنفسه فالشرط باطل لأنه يخالف مقتضى عقد الإجارة و هو ملك النفع فله أن يؤجر أو يغير ، لكن إن كان له غرض صحيح كأن يؤجره الدور العلوي في بيته لثقته به فيرعى قصده و لا بد من إذنه.

 

قوله [ وتصح إجارة الوقف ]

وذلك لأن نفعه مملوك للموقوف عليه ، فإذا أوقفت دارا على أولادك فنفع هذا الوقف مملوك للأولاد ، فإذا أجر ، فالإجارة تقع على منفعته وهي مملوكة للمؤجر .

 

قوله [ فإن مات المؤجر وانتقل إلى من بعده لم تنفسخ وللثاني حصته من الأجرة ]

إذا أجر الوقف ثم مات هذا المؤجر ، فإنه يتنقل إلى من بعده في المرتبة فما الحكم ؟

مثاله : قال هذا البيت وقف على زيد فإن مات زيد فهو وقف على عمرو ، فإذا أجره زيد سنة ، فلما مضى شهر مات ، فهل تنفسخ الإجارة ؟

قال المؤلف : لا تنفسخ الإجارة لأن زيدا لما أجره كان مأذونا له في ذلك ، وكان ذلك تحت ولايته ، فكان له أن يؤجره كما أنه لمالك غير الوقف أن يؤجر ملكه ، فإن مالك غير الوقف إذا أجر ثم مات فإن الإجارة لا تنفسخ كما سيأتي ، فجعلوا إجارة من بيده الوقف كإجارة مالك الشيء غير الموقوف ، والقول الثاني في المسألة وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام واختيار ابن عقيل من كبار الحنابلة أنه ينفسخ ، قالوا : لأنه أجر هذا الوقف في وقت ملكه للنفع ، وذلك وقت حياته ، وأجره في غير ملكه وهو ما بعد موته ، فليس له أن يؤجره في غير ملكه ، فقد انتقل إلى طبقة أخرى ، وهذا القول هو الراجح ، والفرق بين إجارة المالك لغير الوقف وبين إجارة المالك لمنفعة الوقف ظاهرة ، والقياس مع الفارق لا يصح ، ويمكن أن يكون الفرق من وجهين :

الأول : أن ملكية المالك لغير الوقف أقوى من ملكية مالك نفع الوقف ، فإن ملكية المالك تثبت على العبن والنفع ، وأما الوقف فالموقوف عليه لا يملك إلا نفعه .

الثاني : أن المؤجر المالك لغير الوقف له أن يأخذ المال - أي الأجرة - ويكون في ملكه من أول الإجارة ، وأما المالك لنفع الوقف فإنه يؤخذ من تركته كما قرر ذلك الحنابلة - فيما سيأتي - ، بمعنى : أجره ثم بعد شهر مات هذا المؤجر ، فلا يملك من هذه الإجارة إلا مدة شهر ، وأما المالك الآخر فلو أخذ المال أي الأجرة قبل الموت فهو مالك لها ، فاختيار شيخ الإسلام هو الراجح وبه يحفظ حق الموقوف عليه ، فإن المدة قد تطول عليه .

فإن قلنا : لا تنفسخ ، فكما قال المؤلف هنا ( للثاني حصته من الأجرة )

إذا أجره الموقوف عليه الأول لمدة سنة بعشرة آلاف ريال ، وأخذ فيها خمسة آلاف ريال ، ومات بعد ستة أشهر ، فللموقوف عليه الثاني الخمسة الآلاف الباقية ، لأن النفع في هذه المدة الباقية أصبح ملكا له ، وليس للموقوف عليه أن يستسلف الأجرة كما قال شيخ الإسلام ، وذلك لأنه لا يملك منفعتها المستقبلة ، وبالتالي لا يملك أجرتها المستقبلة ، فإذا اتفق معه على الإجارة خمس سنوات وأخذ الأجرة مع العقد فما يدريه أنه سيعيش ويبقى له الوقف هذه السنوات المقبلة ، فإنه لا يملك إلا منفعتها الحالة ، فعليه : يأخذ الأجرة أقساطا ، فإذا أخذ الموقوف عليه الأول الأجرة كاملة وكان الاتفاق على سنة ثم مات بعد شهر ، فالمشهور من المذهب أن الموقوف عليه الثاني يرجع إلى تركة الموقوف عليه الأول ، فإن لم يجدها قالوا : تسقط ، وذلك لأنه لا يمكن الرجوع فحينئذ تسقط ، وهذا فيه تضييع حق كما تقدم ، وليس له أن يفسخ ، لأن الأول قد أثبت هذا العقد ، والراجح كما تقدم من اختيار شيخ الإسلام وهو أحد الوجهين في المذهب .

 

قوله [  وإن أجر الدار ونحوها مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها صح]

فإذا أجر داره التي يغلب على ظنه بقاؤها مدة طويلة إذا أجرها مدة طويلة صح ، كأن يؤجر بيتا له يغلب على ظنه بقاؤه عشرين سنة يؤجره عشرين سنة ، فهذه الإجارة صحيحة ، وذلك لأن الأصل في العقود الحل ، ولا محذور في هذا العقد ، وإذا صح لسنة أو سنتين أو نحوهما فإنه يصح أكثر من ذلك ولا محذور فيه . فإن انهدمت قبل تمام المدة انفسخت الإجارة وللمستأجر حصته من الإجرة فيما لم بستوفي منفعته .

هل يجوز للوكيل المطلق أن يؤجر الدار ونحوها - التي قد وكل في إجارتها - مدة طويلة يغلب على الظن بقاؤها فيها ؟

منع نم ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وذلك لأن العرف يقضي بذلك ، فإن العرف أن الوكيل لا يؤجر السنين الطويلة وإنما يؤجر السنة والسنتين ونحو ذلك ، وصوب صاحب الإنصاف أنه إذا كان في ذلك مصلحة جاز ذلك وقال :" لا يظهر أن الشيخ تقي الدين يمنع من ذلك "  ، ويعرف ذلك بالقرائن ، فإذا ظهر للوكيل أن في إجارة الدار المدة الطويلة مصلحة للموكل فإنه لا مانع من هذا ، وهذا يقع عندنا في مثل استئجار الدوائر الحكومية أو الشركات ونحو ذلك ، فإنها في الغالب تحتاج إلى استئجار مدة طويلة ويكن فيها مصلحة ، فمثل هذا لا يمنع منه ، فالعرف وإن لم يجر به فإن الوكالة تكون فيما فيه مصلحة ، وهنا فيه مصلحة ويغلب على الظن بل يتيقن أن هذا الموكل لا يمنع من هذا ، وعلى القول بأنه يمنع من ذلك فإنه موقوف على إجازته .

إذن لصاحب الدار أن يؤجر داره مدة طويلة يغلب على الظن بقاء الدار فيها ، وأما الوكيل فليس له أن يؤجر إلا ما جرت العادة له كسنة أو سنتين أو نحو ذلك ، إلا أن تكون هناك مصلحة ظاهرة فإن ذلك جائز ولا حرج فيه .

وأما الصبرة فهي على منفعة الأرض ولذا له أن يهدم البيت وينشأه من جديد وتطول المدة إلى مائة سنة أو أكثر وتسمى أيضاً بالحكورة .

 

قوله [ وإن استأجرها لعمل ، كدابة لركوب إلى موضع معين ،  أو بقر لحرث ، أو دياس لزرع ، أو استأجر من يدله على طريق ، اشترط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف ]

فإذا استأجر من يدله على طريق أو استأجر جملا أو نحوها لتحمل أو استأجر بقرا لدياس الزرع أو لحرث الأرض ونحو ذلك فإنه يشترط أن يعلم هذا العمل ويعرف بما لا يختلف فيه ، وذلك لأن المعقود عليه هو العمل ، فاشترط  العلم به كالبيع ، فكما أنه يشترط العلم بالمبيع في عقد البيع ، فيشترط أيضا العلم بالعمل في عقد الإجارة ، فإن الإجارة نوع من أنواع البيع .

وعليه ما يختلف به استيفاء المنفعة لابد من ذكره .

 

قوله [ ولا تصح على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة ]

لا تصح الإجارة على عمل من الأعمال التي يختص أن يكون عاملها من أهل القربة ، وأهل القربة هم المسلمون ، والأعمال التي يختص بها أهل القربة هي الأعمال التي لا تصح ولا تقع إلى على جهة التعبد كالأذان والإقامة والصلاة والحج وغير ذلك من الأعمال الصالحة ، أما إن كان العمل لا يختص أن يكون من القرب كبناء المساجد مثلا فإن باني المسجد قد يبنيه لله عز وجل وقد لا ينوي به التعبد ، وكتعليم علوم اللغة ، فإنه من نوى بها التعبد كانت عبادة ، ومن لم ينو بها التعبد لم تكن عبادة وهكذا .

فمثل هذه يجوز أن يأخذ عليها الأجرة بلا خلاف بين أهل العلم ، وإنما وقع الخلاف على أخذ الأجرة على الأعمال التي لا تختص بأن يكون فاعلها نم أهل القربة ، ولا خلاف بين العلماء أن الرزق الذي يكون من بيت مال المسلمين كالرواتب التي تكون للخلفاء والقضاة والعلماء وغيرهم لا خلاف بينهم أن هذا جائز عند الحاجة ، وأما إذا كان آخذه غنيا غير محتاج إليه فقولان لأهل العلم كما حكى ذلك شيخ الإسلام ، والجمهور على الجواز ، ويدل عليه جواز أخذ الغنيمة للمجاهد الغني ، فقد تقدم في كتاب الجهاد أن المجاهد الغني يجوز له أن يأخذ الغنيمة وأن يعطى من النفل فكذلك هنا وهو مذهب جماهير العلماء ، وهو الصواب وما يؤخذ من بيت المال فليس بأجرة ولا عوض على عمله بل رزق للإعانة على الطاعة ولا يقدح في الإخلاص لأنه لو قدح ما استحقت الغنائم كما قال شيخ الإسلام ، ولا نزاع بين أهل العلم على أن الأعمال التعبدية اللازمة كالصلاة والصوم والحج عن النفس وغير ذلك أنها لا تجوز فيها أخذ الأجرة وذلك لأنه لا نفع للغير فيها ، فنفعها لازم لصاحبها فلا وجه لأخذ الأجرة عليها ، فإن أخذ الأجرة إنما يكون عوضا عن نفع يقع للغير ، وهنا لا نفع يقع للغير ، واتفق العلماء على أنه يجوز أخذ الأجرة على الرقية لأنها نوع تداوي لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ) رواه البخاري [ خ 5737 ] ، واختلف أهل العلم في أخذ الأجرة على ما سواه مما تقدم ، أي أن يأخذ أجرة من الناس لا من بيت المال على قضاء يقضيه بين الناس ، أو على عقد الأنكحة لهم ، أو على تعليم الناس القرآن أو السنة أو الفقه ونحو ذلك من العبادات المتعدية ، فمنع من ذلك الأحناف والحنابلة ، واستدلوا بما رواه أبو داود وابن ماجة والحديث حسن لغيره عن عبادة بن الصامت أنه علم رجلا من أهل الصفة شيئا من القرآن ، فأهدى له قوسا ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال :( إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها ) [ حم 22181 ، د 3416 ، جه 2157 ] وله شاهد عند ابن ماجة من حديث أبي بن كعب بإسناد ضعيف [ جه 2158 ] وآخر بإسناد لا بأس به من حديث أبي الدرداء عند البيهقي [ هق 6 / 126 ] وعلى ذلك فالحديث حسن لطرقه أولا ، ولشواهده ثانيا ، وهذا السوط وإن كان هدية لكنه مقابل لهذا النفع حيث علمه شيئا من القرآن فكان بمعنى الأجرة ، وأجاز المالكية والشافعية أخذ الأجرة على ذلك ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، واستدلوا بحديث :( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ) قالوا : فنقيس هذه المسائل المختلف فيها على جواز أخذ الأجرة على الرقية ، وأجاب أهل القول الأول بأن أخذ الأجرة على الرقية باب آخر ، فإن الرقية نوع من أنواع الطب ، فكان أخذها كالطب ، فإن فيها مداواة ، لما فيها من العمل من نفث وغير ذلك ، واستدلوا أيضا بما رواه البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لخاطب المرأة :( ملكتكها بما معك من القرآن ) [ خ 5030 ، م 1425 ] فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - صداق هذه المرأة أن يعلمها ما معه من القرآن ، فيكون صداقها هو تعليمها القرآن ، فدل هذا على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، وأجاب أهل القول الأول عن هذا الدليل بأن هذا من باب الإكرام له لا من باب الصداق ، وهذا الجواب ضعيف ، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له كما في رواية مسلم :( فعلمها القرآن ) [ م 1425 ] فدل على أنه ليس لإكرامه فحسب بل ليعلمها القرآن ، وأجابوا عنه أيضا بأن هناك فارقا بين عوض النكاح وعوض الأجرة ، فعوض النكاح لا يجب تسميته عند العقد ولها مهر مثيلاتها ، وأما الإجارة فكما تقدم أنه يشترط فيها تسمية الأجرة ، وهذا التفريق ضعيف ، وذلك لأننا نجيز على الراجح الإجارة إذا لم تسم حيث كان هناك عرف ، فإذا استأجر شيئا ولم يذكر في العقد أجرته وكان له أجرة في العرف فإن الإجارة تصح ،  والقول الثالث في هذه المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام أنه جائز عند الحاجة ، وهذا القول هو الراجح وبه تجتمع الأدلة ، فإن قوله :( ملكتكها بما معك من القرآن ) إنما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان هذا الرجل فقيرا لا يملك شيئا ، فهو محتاج ، وبهذا القول تحصل المصالح ، وتدرأ المفاسد ، ولذا استحبه الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه ، استحبه وفضله على العمل عند السلطان ، وعلى أن يتدين وهو لا يدري هل يقضي دينه أو يموت وأمانات الناس في عنقه ، إذن عن الإمام أحمد ثلاث روايات :

1- الرواية الأولى : المنع مطلقا ، وهو مذهب الحنابلة والأحناف .

2- الرواية الثانية :  الجواز مطلقا ، وهو مذهب الشافعية والمالكية ، وفيه ما فيه من المفاسد حيث يبخل أهل العلم وأهل النفع المتعدي الديني بما معهم إلا بمال .

3- الرواية الثالثة : وهو اختيار شيخ الإسلام أنها جائزة عند الحاجة ، ومما يدل على هذا قول الله تعالى في ولي اليتيم ]  ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف[ ، وقد روى الإمام أحمد بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( اقرؤوا القرآن واعملوا به ، ولا تجفوا عنه ، ولا تغلوا فيه ، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا ) [ حم 15103 ] وهذا من أدلة المنع ، ولكن عند عدم الحاجة كما تقدم .

 

قوله [ وعلى المؤجر كل ما يتمكن به من النفع كزمام الجمل ورحله وحزامه والشد عليه وشد الأحمال والمحامل والرفع والخط ولزوم البعير ومفاتيح الدار وعمارتها ]

هذا في الأشياء الواجبة على المؤجر ، والحاكم في ذلك هو العرف ، فما يذكره المؤلف من التفاصيل حيث كان العرف يوافق هذا، وأما حيث كان العرف لا يوافقه فلا يصح كما قرر هذا صاحب الإنصاف ، والشيخ عبد الرحمن السعدي وغيرهما من أهل العلم ، فيرجع إلى العرف في مثل هذه المسائل ، إذ لا دليل من الشرع يدل على ذلك ، وليس هناك شرط لفظي فرجع إلى الشرط العرفي ، فمثلا عندنا الكهرباء والمياه هذه واجبة على المستأجر ، وأما إصلاح الدار إذا انهدم منها شيء فهذا واجب على المؤجر.

وقوله ( ورحله ) أي ما يقعد عليه الراكب .

وقوله ( والشد عليه ) أي شد هذه البضاعة ونحو ذلك ، فهذا واجبة على المؤجر .

قوله ( وشد الأحمال ) أي البضائع .

وقوله :( والمحامل ) وهي ما يكون على جنب البعير للحمل من اليمين واليسار وفي الوسط وهو مايسمى بالشداد .

قوله ( ولزوم البعير ) فمثلا وهم في الطريق قال المستأجر أريد أن أقضي حاجتي ، فالذي يلزم البعير هو المؤجر .

 

قوله [ فأما تفريغ البالوعة والكنيف فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة ]

البالوعة لعلها أشبه ما يكون بما يسمى عندنا بالبيارة ، وهي حفرة تحفر في الأرض فتجتمع فيها مياه الأمطار ومياه المستحم ، ونحو ذلك من المياه الفائضة في الدار ، وقوله ( والكنيف ) وهو محل قضاء الحاجة ، ويلزم المستأجر لأنها نتيجة فعله واستخدامه بهذه الدار ، وهذا إذا تسلمها فارغة ، أما إذا تسلمها غير فارغة فهنا بالمشاركة ، وإذا تسلمها فارغة فإنه يسلمها فارغة ، والعرف يقضي بهذا .

 

فصل

 

قوله [ وهي عقد لازم ]

فالإجارة عقد لازم لأنها نوع من أنواع البيع ، وعليه فلا تنفسخ بفسخ أحد المتعاقدين مع عدم رضا الآخر ، قال تعالى { يا أيها الذي آمنوا أوفوا بالعقود } فهي عقد لازم يجب إيفاؤه ، وعليه فليس لأحد من الطرفين أن يفسخه كالبيع ، إلا في وقت الخيار ، فإن فيه خيارا كالبيع ، خيار مجلس وخيار شرط .

 

قوله [ فإن أجره شيئا ومنعه كل المدة أو بعضها فلا شيء  له ]

وهذا هو المشهور من المذهب ، فإذا أجرة شيئا كأن يؤجره دارا ويكون الاتفاق على مدة سنة ، ثم منعه كل المدة فلم يمكنه من الانتفاع بها أو منعه بعض المدة فلم يسلمه الدار إلا بعد ستة أشهر مثلا فلا شيء له ، وهذا هو المشهور من المذهب ، قالوا : لأنه لم يسلمه ما تشارطا عليه ، فإنهما قد تشارطا على المدة كلها فلم يوف بشرطه ، ولم يسلمه ما عقد عليه من الإجارة فلا شيء له ، ولو كان المستأجر قد انتفع بها بعض المدة كأن يستأجرها سنة ثم يجبره على الخروج منها بعد ستة أشهر ، فلا شيء له لأنه لم يسلمه ما اتفقا عليه ، وقال الجمهور : بل له الأجرة بقسطه  ، فمثلا : إذا أجره داره سنة بعشرة آلاف ، ومكنه من الانتفاع ستة أشهر ثم أجبره على الخروج فإن المؤجر يملك من الأجرة نصفها فله خمسة آلاف ، وهذا القول هو القول الراجح ، وذلك لأن المستأجر قد انتفع بهذه العين المؤجرة هذه المدة على وجه المعاوضة فكان عليه قسط ذلك من العوض ، لكن يتوجه ما ذهب إليه الحنابلة فيما إذا لم يكن له نفع بهذه الإجارة ، كأن يستأجر حمالا أو غيره على عمل فيعمل له بعض العمل على وجه ولا ينفعه ، بل قد يكون عليه فيه ضرر ، كأن يتفقا على حمل شيء من المتاع من بلدة إلى أخرى فيحمله إلى بعض الطريق في موضع يضر بالمستأجر أو لا ينفعه فحينئذ لا يتوجه أن يكون له أجرة ، لأن المستأجر لم ينتفع ، أما لو كانت البضاعة مثلا تحمل من جدة إلى حائل فحملها له إلى المدينة وهناك من يحملها له من المدينة إلى حائل بأجر أقل بسبب قصر المسافة فإنه يترجح ما ذهب إليه الجمهور لأنه قد انتفع بهذا العقد على وجه المعاوضة فكان عليه الأجرة .

وأما إذا سلمها إليه في أثناء المدة فتنفسخ الإجارة فيما مضى وتجب أجرة الباقي بالحصة .

 

قوله [ وإن بدأ الآخر قبل انقضائها فعليه ]

إذا بدأ الآخر - وهو المستأجر - قبل انقضائها فعليه أي الأجرة ، فإذا استأجر دارا لمدة سنة ثم خرج منها بعد بضعة أشهر ولم يستوف المدة المتفق عليها فعليه الأجرة كاملة ، وهذا هو مقتضى عقد الإجارة ، فإن مقتضاه أن المستأجر يملك المنفعة هذه المدة ، والمؤجر يملك الأجرة ، وعليه فإذا تحول المستأجر عن الدار قبل انقضاء المدة فإن للمؤجر الأجرة كاملة ، وذلك لأن هذا هو مقتضى عقد الإجارة .

ولا يجوز للمؤجر التصرف فيها في حال كون يد المستأجر عليها فإن تصرف فعليه أجرة المثل يدفعها للمستأجر .   

 

قوله [ وتنفسخ بتلف العين ]

فالإجارة تنفسخ بتلف العين ، فإذا استأجر جملا ليركبه فمات الجمل فإن الإجارة تنفسخ ، وذلك لتعذر استيفاء المنفعة .

وهل يجوز للمؤجر أن يبيع العين المؤجرة ؟

الجواب : يجوز لأنه لا محذور فيه ، فمثلا أجر عمرو زيدا داره لمدة خمس سنوات ، ثم أراد أن يبيعها ، فالبيع صحيح ، وتبقى الإجارة على ما هي عليه فلا تنفسخ ، لأن المستأجر مالك للمنفعة تلك المدة ، لكن إن لم يعلم المشتري بالإجارة فله الفسخ كما تقدم في كتاب البيع .

 

قوله [ وبموت المرتضع ]

 قال تعالى { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } فإذا استأجر ولي الطفل - الذي يحتاج إلى رضاع - إذا استأجر ظئرا لترضع طفله ، ثم مات المرتضع ، فإن الإجارة تنفسخ ، وذلك لأن هذه المنفعة وهي منفعة الرضاع لا يمكن استيفاؤها .

 

قوله [ والراكب إن لم يخلف بدلا ]

كذلك إذا مات الراكب ولم يخلف بدلا ، فإذا استأجر دابة ليركبها من بلدة إلى أخرى فمات المستأجر ولم يخلف وارثا بدلا عنه يقوم بالانتفاع بهذه العين أو كان غائباً بعيداً ، فإن الإجارة تنفسخ في أحد قولي المذهب ، قالوا : لأن فيه ضرر ، فإن المستأجر لا ينتفع بها ولا تورث عنه ، والمؤجر يمنع من التصرف بها ، فتبقى هذه العين عاطلة لا ينتفع بها ، وهذا أحد القولين في المذهب وهو اختيار الشيخ السعدي ، والقول الثاني في هذه المسألة وهو المذهب أن الراكب إذا مات ولم يخلف بدلا فإن عقد الإجارة لا ينفسخ ، قالوا : لأن عقد الإجارة عقد لازم كما تقدم ، والأظهر ما ذهب إليه أهل القول الأول ، لثبوت الضرر ، ولأن هذه العين تبقى عاطلة لا ينتفع بها .

فالذي يتبين والله أعلم في هذه المسألة أحد الوجهين في المذهب وهو أنه إذا مات الراكب ونحوه ولم يخلف بدلا ينتفع بهذه العين المؤجرة فإن عقد الإجارة ينفسخ ، وذلك لأن خلاف هذا يبقى هذه العين عاطلة ، فلا يمكن للمكري - أي المؤجر - أن يتصرف بها ، والمكتري لا نفع له بها .

وذلك لتعذر استيفاء المنفعة .

 

قوله [ وانقلاع ضرس أو برئه ونحوه ]

فإذا اتفق زيد مع الطبيب على أن يقلع ضرسه ، وكانت الأجرة كذا وكذا ، فانقلع الضرس قبل قلع الطبيب له فحينئذ تنفسخ الإجارة ، وقوله ( أو برئه ) أي برء الضرس قبل قلعه . فتنفسخ الإجارة ، فلا شيء للطبيب وذلك لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة المعقود عليها .

 

قوله [ لا بموت المتعاقدين أو أحدهما ]

المتعاقدان هما المؤجر والمستأجر ، فإذا ماتا أو مات أحدهما فإن الإجارة باقية لازمة ، لا تنفسخ لأنها عقد لازم ، فإن قيل هناك ضرر ؟ فالجواب : أنه لا ضرر فإن المستأجر موروث ، ومن إرثه ملك المنفعة في هذه الأجرة ، فينتفعون بهذه الدار إما بسكناها أو بتأجيرها وهو مذهب الجمهور ، وقال الأحناف تنفسخ بموت أحدهما والراجح الأول لما تقدم ولذا لم يذكر أن أبا بكر ولا عمر حددا الإجارة لأهل خيبر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، والأظهر أنه تنفسخ إن لم يخلف وارثاً كما تقدم في المسألة السابقة . 

 

قوله [ ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه ]

كاحتراق بضاعته مثلا ، فمثلا : استأجر جملا فضاعت نفقته ، أو استأجر دكانا فاحترقت بضاعته ، فإن الإجارة ثابتة فلا تنفسخ ، وذلك لما تقدم من أنها عقد لازم فهي كالبيع ، ويمكنه حينئذ أن يؤجر هذه الدار أو يؤجر هذا الجمل ونحو ذلك ، وكذلك لو استأجر سيارة ليركبها وضاعت نفقته التي منها هذه الأجرة التي تدفع إلى صاحب السيارة فإن الإجارة تثبت لأنها عقد لازم كالبيع ، واختار شيخ الإسلام أن العذر إن كان لايمكنه ولا غيره من الإنتفاع كأن يجيء جيش فيُخرج الناس من مساكنهم أو برد أو ريح أو نار يفسد الزرع فلا أجرة وهو الراجح فهو بمنزلة الدابة وقد أم النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح ؛ واختار رحمه الله أيضاً أنه إن تعذر الإستيفاء بنفسه لمرض أو تلف مال أو إرادة سفر أو نحوذلك فله الفسخ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح وهو الأظهر .

 

قوله [ وإن اكترى دارا فانهدمت الدار أو أرضا لزرع فانقطع ماؤها أو غرقت انفسخت الإجارة في الباقي ]

فإذا استأجر دارا ليسكنها فانهدمت هذه الدار ، أو استأجر داكنا ليعمل به فانهدم هذا الدكان أو استأجر أرضا ليزرعها أو ليغرس فيها نحلا ، أو غار الماء الذي فيها ، أو انقطع أو غرقت ، فإن الإجارة تنفسخ في الباقي ، وذلك لأنه لا يمكنه أن ينتفع بهذه العين ، فأشبه هذا تلف العين ، ولكن في ما مضى عليه الأجرة ، فمثلا : استأجر دارا لمدة سنة ، فانهدمت بعد ستة أشهر فعليه أجرة ستة أشهر ، وذلك لأنه انتفع بها على وجه المعاوضة فقد استوفى منفعتها فعليه الأجرة ، ولا وجه لإسقاطها .

 

قوله [ وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ وعليه أجرة ما مضى ]

كأن يستأجر عبدا ليعمل له مدة معلومة ، أو استأجر جملا ليركبه فوجد في هذه العين عيبا ، فللمستأجر الفسخ كالبيع ، فإذا استأجر شيئا فوجده معيبا أو حدث به عيب عنده فإنه بالخيار إن شاء أمضى المدة وإن شاء فسخ ، فإن أمضاها فهل يكون له أرش أم لا ؟

مثاله : استأجر دارا بعشرة آلاف ، فوجدها معيبة بحيث إنها لا تساوي مع العيب إلا ثمانية آلاف فإن شاء فسخ ، وإن شاء أمضى ، فإن أمضى فهل يأخذ الألفين أرشا ؟

تنبني على المسألة السابقة في خيار العيب ، وقد تقدم أن المذهب أن له الأرش ، وأن الراجح أنه لا أرش له ، ومع ذلك إن المشهور في المذهب هنا أنه لا أرش له ، وقياس المذهب أن له الأرش كالمسألة السابقة ، والصحيح ما تقدم في تلك المسألة وفي هذه المسألة المتفرعة عنها فلا أرش له .

فإن تبين بعد مضي مدة أن بها عيبا كأن يستأجرها بعشرة آلاف ، ثم تبين له أن فيها عيبا يجعل إجارتها تساوي ثمانية آلاف بهذا العيب ، فإذا سكنها ستة أشهر ثم تبين له العيب فعلى المذهب لا أرش له هنا ، وحينئذ فإذا أراد الفسخ فإنه يدفع خمسة آلاف أجرة الستة أشهر ، وإن شاء أن يمضي بعشرة آلاف ، وفي هذا فيما يظهر نظر ، وذلك لأن هذا الأرش يدفع عنه الضرر هنا بخلاف المسألة المتقدمة ، فإنه قد استوفى المنفعة هنا في هذه المدة وفيها هذا العيب ، فحينئذ عليه ضرر حيث إنه استأجر معيبا على أنه غير معيب ، وقد استأجره بأجرة غير المعيب ، وليس هذه كالمسألة المتقدمة ، فهنا لا يدفع الضرر عنه إلا بحساب الأرش ، فالذي يظهر أنه لا يدفع قسط الأجرة على أن السلعة غير معيبة ، بل يدفع القسط على أن السلعة معيبة ، فمثلا : استأجر دارا مدة ثمانية أشهر ، ثم تبين له أن فيها عيبا ، فالثمانية أشهر لغير المعيبة لعشرة آلاف ، وللمعيبة بستة آلاف ، فعلى المذهب إن أمضى فإنه يدفع العشرة آلاف ، وهذا فيه نظر ، فإنه لا يندفع عنه الضرر إلا بإعطاء هذا الأرش الفارق بين ثمنها معيبة وثمنها غير معيبة وصوبه صاحب الإنصاف .

والعيب ما ينقص الأجرة وإن أزاله المؤجر بلا ضرر على المستأجر فلا فسخ كأن يصلح ما تهدم من الدار .

 

قوله [ ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأ ]

الأجير نوعان :

1- أجير خاص .

2- أجير عام مشترك .

فالأجير الخاص هو من يختص المستأجر بنفعه مدة معلومة ، فعندما يستأجر عاملا للزراعة أو للتجارة أو نحو ذلك لمدة شهر أو شهرين أو نحو ذلك فهذا الأجير نفعه خاص بالمستأجر فالخاص من قدر نفعه بالزمن والمشترك بالعمل  ، فإذا جنى هذا الأجير جناية خاطئة لم يتعد فيها ولم يفرط فتلف مال المستأجر أو بعضه فإنه لا يضمن ، كأن يستأجر عاملا للمزرعة فيعمل على مكائنه فيفسدها من غير أن يتعدى ولا يفرط ، فإنه لا ضمان عليه ، كالوكيل والمضارب ، فهو نائب عن المالك في منافعه ، فإن منافع هذا الأجير مملوكة لمستأجره ، فهو نائب لهذا المستأجر في تصريف منافع نفسه على حسب ما يأمره به هذا المستأجر ، فإذا حصل شيء من التلف بغير تعد ولا تفريط فإنه لا يضمن كالوكيل والمضارب .

 

قوله [ وطبيب وبيطار لم تجن أيديهم إن عرف حذقهم ]

البيطار هو طبيب البهائم ، والطبيب هو الطبيب المعروف ، وهو في العرف الحادث يراد به كما ذكر ابن القيم الطبيب الطبائعي ، وأما في اللغة فهو أعم من ذلك ، فإن الحجام والكواء ونحو ذلك يقال لهم طبيب ، فعلى ذلك كلهم يدخلون في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي والحديث حسن :( من تطبب وهو لا يعلم بطب فهو ضامن ) [ ن 4830 ، د 4587 ، جه 3466 ] فالطبيب بكل أنواعه سواء كان طبيبا للآدميين أو للبهائم أو حجاما أوكيميائيا أو كواء أو نحو ذلك فإنه إذا لم تجن يده وعرف حذقه في الطب فإنه لا يضمن ، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم :( من تطبب ولا يعلم بطب فهو ضامن ) ومفهومه أنه إذا كان يعلم بالطب فإنه لا يضمن ، ولأن هذا الفعل مأذون له ، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون ، وما ذكره المؤلف هنا بالاتفاق ، فإذا لم تجن يده وهو طبيب حاذق فإنه لا يضمن ، وكذلك إذا صرف دواء وهو حاذق وهو غير مخطيء في ذلك بل صرفه صرفا صحيحا ومع ذلك ترتب عليه ضرر ولم يقع منه تفريط ولا تعدي فإنه أيضا لا يضمن .

فإن جنت يده ولو خطأ فعليه الضمان كما لو تعدى الحجام موضع الحاجة أو الجراح موضع الحاجة أو يزيد في قدر العلاج خطأ فحصل تلف فعليه الضمان

 

قوله [ ولا راع لم يتعد ]

فالراعي إذا لم يتعد ولم يفرط في حفظ ما تحت يده من البهائم فإذا حصل شيء من التلف فإنه أيضا لا يضمن لأنه أمين والأمين غير ضامن .

 

قوله [ ويضمن المشترك ما تلف بفعله ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله ولا أجرة له ]

الأجير المشترك : هو من لا يختص أحد من المستأجرين بنفعه ، بل نفعه يشترك فيه بحيث إنه يعمل لعدة أشخاص في وقت واحد ، كخياط الثياب أو مصلح السيارات ونحو ذلك ، فإذا حصل عنده تلف ولم يتعد ولم يفرط فإنه يضمن في المشهور عند الحنابلة ، وذهب بعض الحنابلة وهو مذهب الشافعية واختاره شيخ الإسلام ومال إليه صاحب الإنصاف واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أنه لا يضمن ، وهذا القول هو الراجح ، واستدل أهل القول الأول بما روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - :" أنه كان يضمن والصواغ ، ويقول : لا يصح الناس إلا بهذا " لكن الحديث إسناده منقطع فلا يصح ، ولذا ضعفه الشافعي وغيره ، والراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني ، وذلك لأنه لم يحصل من تعد ولا تفريط ، وهو مأذون له بهذا العمل فترتب على عمله المأذون له فيه تلف من غير تعد ولا تفريط فلا ضمان عليه . لكن إن اقتضت السياسة الشرعية في بعض الأزمان الضمان لحفظ أموال الناس فالعمل على القول الأول .

وقوله ( ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله ) مثاله : لما خاط الثوب وضع الثوب في حرز مثله ، أي في محل يحفظ فيه الثوب عادة ، فسرق الثوب ، أو حصل له تلف بغير فعل منه ، فحينئذ لا يضمن وذلك لأنه أمين والأمين لا يضمن ـ فالثوب الآن أصيح أمانة عنده .

وقوله ( ولا أجرة له ) فلا أجرة له في هاتين المسألتين كلتيهما ، فإذا حصل في الثوب تلف بفعله أو حصل له تلف وهو في حرزه أو بغير فعله فلا أجره له في هذه المسائل ، وذلك لأنه لم يسلم ما اتفقا عليه ، واختار ابن عقيل من الحنابلة وقواه صاحب الإنصاف واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن له الأجرة ، وذلك لأن الأجرة في مقابل العمل وقد حصل العمل ، وهذا هو القول الراجح ، فالاتفاق على أن يخيط له هذا الثوب مثلا ، وقد خاطه فإذا حصل له تلف من غير تعد ولا تفريط منه أو حصل له تلف في حرزه فإنه يستحق الأجرة لأن الأجرة عوض عن عمله . فإن ادعى صاحب الثوب مثلاً أنه لم يخطه فالقول قوله وعليه اليمين لأن معه الأصل .

وقوله هنا ( ولا يضمن ما تلف من حرزه ) أي من غير تعد ولا تفريط ، قالوا : فإذا حبس الثوب على الأجرة ثم حصل فيه تلف فإنه يضمن ، كأن يقول له : لا أعطيك الثوب حتى تدفع الأجرة فحصل له تلف فإنه يضمن ، وذلك لأنه قد تعدى بعدم إعطائه الثوب في الوقت المحدد .

وهذا ينبني على أن حبس الثوب ونحوه المعمول فيه على الأجرة أنه تعد ، والصحيح أنه ليس بتعد كما هو اختيار ابن القيم رحمه الله ، فإنه قرر أن هذا العمل من هذا الأجير قائم بهذه العين المستأجرة ، والعمل يجري مجرى الأعيان ، بدليل ثبوت العوض في الأعمال كثبوتها في الأعيان ، وحينئذ فله أن يمتنع من تسليم عمله  بهذا الثوب حتى يستلم العوض ، فلم يتعد .

 

قوله [ وتجب الأجرة بالعقد إن لم تؤجل وتستحق بتسلم العمل الذي في الذمة ]

إذا اتفق زيد وعمرو على أن يعمل زيد لعمرو في داره في إصلاح ما انهدم منها ، واتفقا على أن يكون العمل لمدة شهر ، فيجب الأجرة بمجرد العقد ، أي تثبت الأجرة بمجرد العقد كما يثبت الثمن في المبيع ، وكما يثبت الصداق ، فبمجرد ما يعقد الرجل على المرأة يجب صداقها ، أي يلزم ، وبمجرد ما يشتري السلعة فإن ثمنها يثبت ويلزم ، ولكن هذا الأجير لا يستحق المطالبة بها حتى يسلم العمل الذي في الذمة ، ولذا قال ( وتستحق بتسليم العمل الذي في الذمة ) ، وفي البخاري يقول الله تعالى في الحديث القدسي :( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره )1 وفي ابن ماجة والحديث حسن :( أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه )2  إذن يملك الأجير المطالبة الأجرة عند تسليم العمل الذي في الذمة ، وأما إذا كانت الإجارة على عين فإنه يملك المطالبة عند تسليم العين ، فإذا استأجرت دارا لتسكنها فسلمك المؤجر الدار وأعطاك مفتاحها وأخلاها لك فأنت الآن متمكن من الانتفاع بها ، فحينئذ يملك هو المطالبة بالأجرة ، ولا ينتظر حتى تستوفي المنفعة إلى سنة أو نحو ذلك ، بل يطال بالأجرة بمجرد تسليمك العين ، وذلك لأنه بتسليمه العين قد مكنك من الانتفاع بها ، وأنت قد ملكت المنفعة ، لكن لا تستقر إلا باستيفاء المنفعة وتسقط بتلف العين .

وقوله ( إن لم تؤجل ) فالأجرة واجبة بالعقد لكن إن اتفقا على تأجيلها فالمسلمون على شروطهم ، فإن قال : لا أعطيك الأجرة حالة ، بل الأجرة مؤجلة إلى سنة فالمسلمون على شروطهم .

 

قوله [ ومن تسلم عينا بإجارة فاسدة وفرغت المدة لزمه أجرة  المثل ]

إذا تسلم دارا ليسكنها بالإجارة لكن هذه الإجارة إجارة فاسدة كأن يؤجره دارا ، ويكون المؤجر غير جائز التصرف مثلا ، ثم فرغت المدة فحينئذ ما ذا يلزم المستأجر ؟

يلزمه أجرة المثل ، فإذا اتفقا على أن تكون الأجرة عشرين ألفا وأجرة المثل عشرة آلاف فلا يعطيه إلا عشرة آلاف ، وكذا العكس ، وهذا هو المشهور في المذهب ، وذلك لأنها إجارة فاسدة فحينئذ لا تعتبر الأجرة المذكورة فيها ، وقياس المذهب كما قال القاضي من الحنابلة  أن الواجب هو الأجر المسمى قياسا على النكاح ، فكما أن النكاح الفاسد إذا ذكر فيه صداق فيجب الصداق المسمى فكذلك هنا بل أولى ، وذلك لأن الأجرة مقصودة في الإجارة بخلاف الصداق في النكاح فليس بمقصود كقصد الأجرة في الإجارة ، فإن هناك مقاصد أخرى للنكاح هي أعظم من مقصد الأجر بخلاف الأجرة في الإجارة فإنها هي المقصودة ، وهذا القول هو الراجح .

 

 

والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net