بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
باب السبق
السبق بتسكين الباء هو المسابقة يقال سبق إذا بلغ الغاية قبل غيره ، وبالفتح السبق هو العوض الذي يجعل للسابق من المتسابقَين أو المتسابقِين .
قوله [ يصح على الأقدام ]
أي تصح المسابقة على الأقدام ، فالمسابقة على الأقدام جائزة ، وقد ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود أن النبي r سابق عائشة وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع : أنه سابق بين يدي النبي r رجلاً من الأنصار فسبقه .
وهنا مقدمة فيما يجوز من اللهو : اعلم أن اللهو ثلاثة أنواع :
1- النوع الأول : اللهو المفضي إلى ما نهى الله عنه من الصد عن ذكر الله ، والعداوة والبغضاء وغير ذلك وهذا محرم لا يجوز ، فكل لهو يفضي إلى ما نهى الله عنه فهو محرم لا يجوز كما قال شيخ الإسلام ما لم تكن هناك مصلحة راجحة.
وذلك لأنه يكون سببا للشر والفساد ، ولذا حرمت الشريعة النرد وهي ما تسمى بالطاولة عند العامة ، فقد روى مسلم في صحيحه أن النبي r قال :( من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه ) وفي موطأ مالك ومسند أحمد وسنن أبي داود و سنن ابن ماجة بإسناد صحيح أن النبي r قال :( من لعب بالنردشير فقد عصى الله رسوله ) وهذان الحديثان عامان في النرد سواء كان على عوض وهو القمار أو على غيره ، والتشبيه المذكور في الحديث المتقدم وهو قوله :( فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه) هذا التشبيه متناول للعب بالنرد سواء وجد الأكل أم لم يوجد ، فاللعب بالنرد محرم وذلك لأنا سبب للشر والفساد والعداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله ، وأولى من ذلك الشطرنج في مذهب جمهور العلماء من المالكية والأحناف والحنابلة ، وتوقف الشافعي في حكمها، وللشافعية قولان و المشهور عندهم الكراهية ، هذا إذا لم يكن فيها عوض ، فإذا كانت فيها عوض فلا خلاف بين العلماء في تحريمها وأنها من القمار ، والصحيح هو التحريم مطلقا سواء كانت بعوض أم لم تكن بعوض وذلك لثبوت تحريم النرد ، والشطرنج أولى من ذلك ، فإن صدها عن ذكر الله أعظم ، وإلقاءها للعداوة والبغضاء أكثر فكانت أولى بالتحريم ، فإنها تستغرق - كما قرر الشيخ الإسلام - تستغرق فكر لاعبيها حتى لا يشعر بنفسه ولا يشعر بمن حوله فهذا مماثل أو أشد من النرد ، وروى البيهقي في سننه وصححه شيخ الإسلام أن علي بن أبي طالب :" مر على قوم يلعبون بالشطرنج فقال : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون "
وروى ابن أبي شيبة بإسناد منقطع أنه قال :" الشطرنج من الميسر "
2- والنوع الثاني : هو اللهو الذي لا مضرة فيه فإن كان فيه منفعة فلا كراهة فيه وإن لم يكن فيه منفعة فهو مكروه لذهاب الوقت بلا فائدة ، وقد روى الترمذي في سننه وصححه ورواه ابن ماجة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق ) وروى النسائي في سننه الكبرى نحوه من وجه آخر في كتاب عشرة النساء وفيه :( وتعلم السباحة ) فهذه من الحق وفيها نفع فهي جائزة ، وإن كان لا نفع فيها فهي من القسم الباطل الذي يذهب على العبد وقته.
وللحنابلة وجهان في اللعب الذي لا يعين على عدو هل يكره أم لا ؟
قال صاحب الإنسان الإنصاف :" والأولى الكراهية اللهم إلا أن يكون له بذلك قصد حسن " .
3- النوع الثالث : ما كان معينا على ما أمر الله به في قوله ] وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم[ فهذا من اللهو المستحب .
وإذا كان من اللهو المستحب فيجوز فيه السبق وهو الجعل ، وإن كان من اللهو المحرم فلا يجوز مطلقا لا بجعل ولا بغير جعل ، وإن كان من اللهو المباح أو المكروه فلا يجوز فيه الجعل ويجوز بغير جعل .
قوله [ يصح على الأقدام ]
فتصبح المسابقة على الأقدام كما تقدم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة .
قوله [ وسائر الحيوانات ]
من البغال والخيل والفيلة وغيرها .
قوله [ والسفن والمزاريق ]
كذلك تصح في السفن والطائرات كما في هذا الوقت وتصح في المزاريق وهي جمع مِزراق وهو الرمح القصير.
قوله [ ولا تصح بعوض إلا في إبل وخيل وسهام ]
فلا تصح بعوض أي بجعل إلا في إبل وخيل وسهام ، لما رواه أحمد والثلاثة بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( لا سَبق إلا في خف أو حافر أو نصل ) .
( في خف ) : أي في الإبل ، ( حافر ): أي في الخيل ، ( نصل ): أي في القوس ، فهذا الحديث يدل على أن الجائزة لا تحل على شيء من المغالبات وأنواع الملاهي إلا في هذه الأنواع الثلاثة التي تعين على الجهاد إعانة ظاهرة وهي سباق الخيل ، وسباق الإبل ، وسباق الرمي ، وأما غيرها فلا يجوز فيها السبق أي الجعل ، فالمسابقة على الأقدام والمصارعة ونحو ذلك هذه كلها لا يجوز فيها السَبق .
واختلف أهل العلم هل يقاس على هذه المسابقة ما فيه إعانة على ظهور حجة الإسلام وبراهينه من علوم القرآن والسنة والفقه والعقيدة ؟ قولان لأهل العلم :
القول الأول : منع من ذلك جمهور علماء .
القول الثاني : أجازه الأحناف ، وهو اختيار شيخ الإسلام ، وتلميذه ابن القيم .
وما ذكروه هو الراجح ، وذلك لأن القياس قياس صحيح بل هو من باب قياس الأولى ، فإن الدين قائم على الحجة والبرهان ، وقائم على السيف والسنان ، وقيامه بالحجة والبرهان أعظم ، وإنما يحتاج إلى السيف والسنان إذا وقف أمام الحجة وعورضت ، فتبين من هذا أن الحجة والبرهان القائمة على العلم النافع الموروث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والسنة أحق بجواز هذا السَبق .
واعلم أن السبق فيها جائز سواء كانت من أجنبي كالإمام أو نائبه أو غيرهما كأن يضعه أحد من أرباب الغنى ، فيضع مالا لسباق الخيل أو لسباق الإبل أو الرمي فهذا جائز للحديث المتقدم وهو عام سواء كان من المتسابقين أو من غيرهما ، فهنا المتعلق محذوف فيفيد هذا العموم ، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا .
فإذا وضع الجائزة أجنبي سواء كان الإمام أو نائبه ، أو وضعه غيرهما ، أو كان الواضع أحد المتسابقين فهذا جائز .
أما إذا كانت الجائزة من المتسابقَين كليهما أو من المتسابقِين كلهم فمنع من ذلك جمهور العلماء ، قالوا : لأن كليهما يكون إما غانما أو غارما وهذا قمار ، والقمار محرم ، بخلاف ما لو وضعها أحدهما دون الآخر فإن هذا الواضع يكون غارما أو غانما ، وأما الآخر فإنه إما أن يكون غانما أو سالما ، قالوا : ويجوز حينئذ أن يضع المحلل ، فإذا تسابق زيد وعمرو ودفع هذا ألفا ودفع الآخر ألفا فأدخلا بينهما ثالثا لا يضع شيئا فهذا جائز بشرط ألا يؤمن سبقه بحيث لا يكون حيلة إلى تحليل ما حرم الله ، قالوا ودليل هذا ما رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( من أدخل فرساً بين فرسين لا يأمن أن يسبق فلا بأس ، وإن أمن فهو قمار ) واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم الجواز من غير شرط محلل ، قالا : إذا تسابق على خيل أو إبل أو سهام أو على علوم شرعية كما تقدم فيجوز أن يشارك كل واحد من المتسابقين بالسبق ، قالا : لأن القمار أكل للمال بالباطل ، وهذا ليس بأكل للمال بالباطل بل هو أكل للمال بالحق ، فأن فيه إعانة على ما أمر الله به عز وجل من الجهاد في سبيله ، وأجابوا عن حديث أبي هريرة المتقدم بأن إسناده ضعيف فهو من حديث سفيان بن حسين وسعيد بن بشير عن الزهري ، ورواية سفيان بن حسين عن الزهري ضعيفة ، وسعيد بن بشير ضعيف الحديث ، قالوا : ورواه الثقات عن الزهري عن سعيد بن المسيب من قوله ، فهو من قول سعيد بن المسيب ، وهذا القول هو القول الراجح ، فإن القمار أكل للمال بالباطل وهذا ليس أكلاً للمال بالباطل بل هو أكل للمال بالحق ، واستدلوا بما روى أحمد في مسنده بإسناد جيد :( أن أنس بن مالك قيل له هل كنتم تراهنون على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - قال نعم لقد راهن النبي - صلى الله عليه وسلم - على فرس يقال له سبحة فسبق فهش له وأعجبه ) والإسناد جيد ، قالوا : وروى أحمد في مسنده :" أن أبا عبيدة قال : من يراهنني ، فقال شاب : أنا إن لم تغضب ، قال - أي الراوي - فسبقه فرأيت عقيصتي - ] ضفائره - أبي عبيدة تنقزان وهو خلفه على فرس عربي " قالوا : والمراهنة مفاعلة ، فإذا قال من يراهن أي من يقابلني في الرهان فيدفع هذا ويدفع هذا ، وروى الترمذي وصححه والحديث صحيح :" أن أبا بكر - رضي الله عنه - راهن قريشا على غلبة الروم على الفرس " فدل هذا على أن المراهنة جائزة .
قوله [ ولا بد من تعيين المركوبين ]
فلا بد من تعيين المركوبين سواء كانا فرسين أو ناقتين أو نحو ذلك ، ولا بد من تعيين الرماة ، ولذا قال بعد ذلك :
قوله [ والرماة ]
وذلك لأن المقصود من المسابقة بين الخيل وبين الإبل معرفة سرعة عدوها ، فالمسابقة متعلقة بالمركوب ، وإذا لم يعين المركوب فقد يكون المركوب مما يؤمن سبقه ، وحينئذ يكون هذا من أكل المال بالباطل ، والمسابقة في الرمي المقصود منها معرفة حذق الرماة ، فتعلقها بفعل الرماة ، فاشترط أيضا تعيين الرماة .
قوله [ واتحادهما ]
فلا بد من تعيين المركوبين واتحادهما ، بأن يكونا عربيين أو أن يكونا هجينين ، فلا بد أن يكونا من نوع واحد ، وهذا هو المشهور في المذهب ، والوجه الثاني في المذهب أنه يجوز أن تكون من أنواع مختلفة ، والحاكم في هذه أنه إذا حصل المقصود من المسابقة بان كانت هذه الخيول وإن اختلفت أنواعها كل واحد منها لا يؤمن سبقه فكان فيه الفائدة المرجوة من التدريب على الجهاد في سبيل الله ، فذلك جائز ، وأما إذا كان بين نوعين مختلفين وأحدهما يؤمن سبقه فإن هذا ممنوع منه لأنه لا فائدة من هذا السباق ، وهذا هو الراجح في هذه المسألة .
قوله [ والمسافة ]
فلا بد من تحديد المسافة ، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال :( سابق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الخيل التي قد ضمرت من الحيفاء - وهو موضع خارج المدينة - إلى ثنية الوداع ، وبين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ) قال ابن عمر في رواية للبخاري :" بين الحيفاء وبين ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة ، وبين الثنية ومسجد بني زريق ميل " وإضمار الخيل بأن تسمن ثم بعد ذلك لا تطعم إلا قوتها ، وتوضع في بيت وتجلل أي تغطى حتى تعرق فيخف لحمها ، ثم إن المسافة إذا لم تحدد فإن هذا يفضي إلى الخلاف والتنازع للجهالة ، وإزالة الجهالة المفضية إلى النزاع واجب .
قوله [ بقدر معتاد ]
فلا بد أن يكون القدر معتادا ليحصل المقصود ، وإلا فإن الغرض يفوت ، فمثلا : الرمي الطبيعي مائة وخمسون مترا تقريبا ، فإذا زاد عن هذا فإنه يفوت الغرض لأنه لا يصل إلى الهدف إلا نادرا ، كذلك الخيل أو الإبل إذا وضعت مسافة بعيدة جدا لا تصل إليها في العادة فإنه حينئذ يفوت الغرض المقصود .
قوله [ وهي جعالة لكل واحد فسخها ]
السبق جعالة في المشهور من المذهب ، ويأتي الكلام على الجعالة ، وبين ابن القيم في كتابه الفروسية الفارق بين الجعالة والسبق بما يدل على ضعف كون السبق جعالة ، فإن بينهما فروقا منها : أن الجاعل للجعل إنما يجعله لنفع نفسه ، فإذا ضاع له مال يقول : من يحصل لي هذا المال أعطيه كذا وكذا ، فهو يقصد بدفع هذا الجعل نفع نفسه ، وأما في السبق فهو يدفعه لمن يعجزه ويقهره ويغلبه ، ومنها : أن الجعالة يجوز أن يكون العوض والمعوض مجهولين ، فيجوز أن يقول : من أتى بعبدي الآبق وهو مجهول فله كذا وكذا ، فالمعوض وهو العبد الآبق مجهول ، ويجوز أن يقول القائد في الحرب : من دلني على حصن فله ثلث ما فيه من الغنيمة ، والغنيمة التي فيه مجهولة ، وهذا كله لا يجوز في باب السبق ، بل يشترط أن يكون السبق معلوما وأن تكون المسافة والمركوب والرماة معلومين ، فدل على أن السبق ليس بجعالة ، كما أنه ليس بإجارة ، وليس بشركة ، وليس بنذر ، كما بين ابن القيم أنه نوع مستقل له حكمه الخاص ، فلا يؤخذ أحكامه من أحكام غيره ، وهنا الحنابلة قالوا : هو جعالة ، وعليه فلكل واحد منهما الفسخ ، فمثلا : اتفق زيد وعمرو على المسابقة ، وأن يكون بينهما سبقا قدره كذا وكذا ، سواء دفع واحد منهما كما هو مذهب الجمهور ، أو دفعا كلاهما ، فلما شرعا في السباق ولما يتبين الفضل لواحد منهما فيجوز لكل واحد منهما الفسخ ، فيجوز قبل الشروع ، وبعد الشروع ما لم يتبين أن لأحدهما فضلا ، أما إذا تبين أن لأحدهما فضلا فله الفسخ ، وأما الآخر فليس له الفسخ ، لأنه قد ظهر ما يكون مرجحا لجانب الآخر ، فحينئذ إذا جاز له الفسخ ففيه إسقاط لحق الآخر ، وهذا هو المشهور من المذهب وهو مذهب أبي حنيفة وهو أحد قولي الشافعي أن عقد السبق عقد جائز ، والقول الثاني للشافعية وهو وجه في المذهب أن هذا العقد عقد لازم ، فإذا شرعا فيه فليس لأحدهما أن يفسخ ، قالوا : قياسا على عقد الإجارة ، والقياس على عقد الإجارة هنا ضعيف ، للفارق بين عقد الإجارة وبين السبق ، قالوا : الجامع بينهما أن في كليهما يشترط أن يكون العوض والمعوض معلوما كما تقدم ، والجواب : أنه قياس مع الفارق ، فبينهما فروق منها أن الإجارة يشترط أن يكون العمل المطلوب فيها مقدورا على تسليمه ، وليس هذا في باب المسابقة ، فإنه قد سبق وقد لا يسبق ، وهناك فروق أخرى ، فالراجح القول الأول ، وهو جواز الفسخ ، لأنه لا يجوز أن يأخذ مال أخيه بغير طيب نفس منه ، وحيث لم يشرعا في السباق فلم يترتب على ذلك عمل من الآخر .
قوله [ وتصح المناضلة على معينين يحسنون الرمي ]
المناضلة هي المسابقة في الرمي ، وقوله " على معينين " كما تقدم فيشترط أن يعين الرماة ، وقوله " يحسنون الرمي " فإن كان بعضهم لا يحسن الرمي فإن هذه من المسابقة التي يؤمن فيها السبق ، فيكون هذا من أكل أموال الناس بالباطل .
والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم