بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
باب الشُفْعه
الشُفْعه : بضم الشين وتسكين الفاء من الشَفْع وهو في اللغة : الضم .
وسمية الشُفْعه شفعةً ، لأن الشفيع الذي يأخذ بالشفعة يضم المبيع إلى ملكه المنفرد .
وعرَّفها المؤلف بقوله هي :
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] استحقاق إنتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوضٍ مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد [
فعندما يشترك اثنان في عقار من أرض أو بستان لكل واحد منهما نصفه فباع زيد نصيبه على بكر بعشرة آلاف ريال فلعمرٍو أن يأخذ نصيب زيد من بكر بهذا الثمن الذي تم عليه العقد .
وهذا من محاسن الشريعة الإسلامية وذلك لأن الشراكة يقع فيها الضرر كثيراً ، ولذا فإن الشخص يحتاط فيمن يكون شريكاً له فقد يباع النصيب المشارك على من لا يصلح شريكاً له فكان أحق بنصيب شريكه .
ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ) . وفي مسلم : ( الشفعة في كل شرك في أرض ورَبْع - أي دار وحائط - لا يصلح وفي لفظ ( لا يحل ) أن يبيع نصيبه قبل أن يعرضه على شريكه) وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الجار أحق بصَقَبه ) أي بملاصقته فهو لملاصقته أحق بملك جاره .
فهذه أدلة تثبت الشفعة وقد اتفق العلماء على القول بها.
وقوله : ( بثمنه الذي استقر عليه العقد ) أي إذا استقر العقد على عشرة آلاف فهي له بعشرة آلاف وهكذا .
ويتوجه كما ذكر شيخ الإسلام – أنه أن حابى البائعُ المشتري محاباةً غير معتادة فيتوجه ألا يأخذ الشفيع إلا بالقيمة لأن المحاباة بمنزلة الهبة في بعض الوجوه ففي المثال المتقدم : إذا كان بين زيد وبكر صداقة أو قرابة محاباة بالبيع ، فهذا النصيب قيمته عشرة آلاف فباعه له بخمسة آلاف بل يأخذه بقيمته وهي عشرة آلاف لأنه إنما باعه بهذا الثمن نظراً للمشتري لما بينهما مما يدعي المحاباة ، وعليه فليست هي قيمته الحقيقية التي يرضى ببيعه ( أي يبيع شفعة به ) وعليه فإنه يقوم ويباع بقيمته ، بخلاف ما لو حابى المشتري البائع ، كأن تكون لا تساوي إلا عشرة آلاف فحابى المشتري البائع فأخذها منه بخمسة عشر ألفاً فيقال للشفيع : إن شئت فخذها بهذا الثمن الذي عرض عليه وهو خمسة عشر ألفاً لئلا تفوت المصلحة على البائع .
والثمن : ما وقع عليه العقد ، أما القيمة : ما يساوي عند الناس .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن انتقل بغير عوض [ .
فإذا انتقل هذا النصيب بغير عوض كهبة بغير شرط الثواب أو صدقة ، كأن يتصدق بنصيبه أو يهبه فلا شفعة .
قالوا : كما لو انتقل بالإرث فلا عوض فيهما جميعاً ، فكما أنه لو انتقل بالإرث فلا تثبت الشفعة فكذلك هنا لأنه انتقال بغير عوض فأشبه الإرث قولاً واحداً في المذهب وهو مذهب جمهور العلماء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو كان عوضه صداقاً أو خلعاً أو صلحاً عن دم عمد فلا شفعة [
كذلك إذا كان عوض هذا الشقص غير مالي كأن يجعله صداقاً أو تجعله المرأة خلعاً أو صلحاً عن دم عمد كأن يثبت على رجل قصاص فيقول : تنازل عن القصاص ولك نصيبي من هذا البستان .
أو تقول المرأة لزوجها : طلقني ولك نصيبي من هذا البستان فهذا الخلع أو الرجل يجعل مهر المرأة شقصاً له في بستان ، فيقول لك نصيبي من هذا البستان فهنا العوض ليس عوضاً مالياً فلا تثبت الشفعة فيه لأنه مملوك بغير مالٍ فاسبه الإرث
والقول الثاني في المذهب وهو اختيار طائفة من أصحاب الإمام أحمد كابن حامد وأبي الخطاب واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي : أن الشفعة تثبت في هذه المسائل ؛ وذلك للحوق الضرر ، فإن الضرر ثابت فيها كما هو ثابت في المسائل المتقدمة فالشفعة هنا تدفع الضرر كما تدفعه لو كان هناك عوض مالي ويمكننا الأخذ بالقيمة ، فكون الخلع والصداق وغيرهما غير معروفة القيمة فإنه يمكننا أن نعرف قيمة هذا النصيب والشقص بتقويمه ويأخذه الشفيع بقيمته ، وهذا القول هو القول الراجح في هذه المسألة وذلك لدفع الضرر عن الشريك ، وكذا فيما إذا انتقل بلا عوض وهو رواية عن مالك.
وأما القياس على الإرث فلا يصح لأنه قياس مع الفارق ، والفارق هو أن النصيب انتقل في الإرث من المورث إلى وارثه – انتقل قهراً ، بخلاف الهبة والصدقة ونحوهما فإنه قد انتقل باختيار الواهب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويحرم التحيل لإسقاطها [ .
كأن يتحيل بهبتها إلى زوجته أو ولده ثم يجعل زوجته تبيعه له فلا يحل التحيل لإسقاطها ، ولا يمضي وذلك لحرمة التحيل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تفعلوا كما فعلت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ) والضرر ثابت مع الحيلة ، فهذه الحيلة لا تزيل الضرر ، بل الضرر ثابت فوجب دفعه وذلك بتحريم الحيلة أولاً وبعدم إفضائها ثانياً .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وثبت لشريك في أرض تجب قسمتها [ .
فيثبت الشفعة لشريك في أرض هذا هو المشهور في المذهب وأن الشفعة لا تثبت إلا في العقار وأما المنقول كالحيوان والمركوبات كالسفن ونحوها فالشفعة لا تثبت فيها .
واستدلوا بما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ) .
قالوا : فدل على أن الشفعة لا تثبت إلا فيما كان عقاراً غير منقول من بستان وأرضٍ وبناء ونحو ذلك .
وعن الإمام أحمد وهو اختيار ابن عقيل واختيار شيخ الإسلام وهو مذهب أهل الظاهر أنها ثبتت فيه فتثبت في المنقول كما ثبت في العقار .
واستدلوا : بما روى الطحاوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الشفعة في كل شيء ) وفيه عنعنة ابن جريح ، لكن له شاهد صوَّبَ الترمذي إرساله عنده من حديث ابن عباس ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم .
قالوا : وهذا عموم أيضاً .
قالوا : وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ) وهذا لا يعدو إلا أن يكون ذكر شيء من أفراد العام وذكر شيء من أفراد العام لا يقيد الخصوص كما هو مقرر في علم أصول الفقه . وهذا القول هو القول الراجح ، ولأن المعنى الذي من أجله ثبتت الشفعة ثابت أيضاً فيما سوى العقارات من المنقولات .
وقوله : ( تجب قسمتها ) أي تجب قسمتها عند المطالبة بقسمتها أي ما يمكن قسمته بلا ضرر ولا رد عوض ، فما يمكن قسمته كذلك تجب قسمته عند مطالبة من له جزءً بذلك فالأرض مثلاً يمكن قسمتها وكذلك البستان ونحو ذلك .
ومثال ما لا تمكن قسمته البئر ، فإذا اشترك اثنان في بئر فلا يمكن أن يقسم ، وكذلك إذا اشتركا في دار صغيرة لا يمكن أن تقسم أو دكان صغير لا يمكن أن يقسم فكذلك وهذا لا تثبت فيه الشفعة أو أرض صغيرة فإن قسمت لم تصلح لشيء كعشرة أمتار في مثلها فما يمكن قسمته تثبت فيه الشفعة لقوله : ( فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ) وهذا إنما يكون فيما يقسم .
وعن الإمام أحمد وهو اختيار الشيخ ابن تيميه والشيخ ابن سعدي أن الشفعة تثبت أيضاً فيما لا يمكن قسمته ، بل الشفعة تثبت فيه من باب أولى ، وذلك لأن الضرر فيه أكثر فإن المشاركة فيه مؤبدة أما ما يقسم فإنه متى شاء أحدهما طلب المقاسمة وزال الضرر عنه وأما هنا فإن الضرر أعظم وأشد ، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم في الشفعة في كل ما لم يقسم وهذا عام فيما يمكن قسمته وما لا تمكن قسمته وأوضح من هذا : الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم : ( الشفعة في كل شيء ) ويندرج في هذا العموم ما لا تجب قسمته لعدم إمكان القسمة
وأما قوله : ( فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق ) فالجواب عنه كالجواب عنه في المسألة المتقدمة وأنه ذكر فرد من أفراد العموم فلا يفيد هذا التخصيص .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويتبعها الفرس والبناء ولا الثمرة والزرع [ .
إذا باع نصيبه من الأرض فإن للشفيع أن يشتريها وهو أولى من غيره بذلك ، ويتبع الأرض ما فيها من بناء وغرس وذلك لأن البناء والفرس يتبع الأصل كما تقدم في باب الأصول والثمار بخلاف الزرع والثمر فإنه لا يتبع الأصل ، فإذا باع أرضاً وفيها زرع أو ثمر فإن البيع لا يقع على الثمر ولا على الزرع إلا أن يشترطه المبتاع كما تقدم في باب الأصول والثمار .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فلا شفعة لجار [ .
فالجار ليست له الشفعة ، وإنما الشفعة للشريك فلو أن رجلاً بجانبه أرض فأراد صاحبها أن يبيعها فليس هو – أي الجار – أحق بالشراء بخلاف الشريك فالجار لا تثبت له الشفعة ، هذا هو المشهور في المذهب واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم : ( فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ) والجار قد وقعت الحدود بينه وبين جاره وصرفت الطرق وحينئذ فلا شفعة وهذا هو مذهب جمهور العلماء .
وقال الأحناف : بل له الشفعة ، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الجار أحق بصقبه ) رواه البخاري أي أحق بسبب ملاصقته وقربه وفي المسند والترمذي وغيرهما من حديث آخر أن ذلك في الشفعة .
وعن الإمام أحمد وهو اختيار غير واحد من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وغيرهم من أهل العلم أن المسألة فيها تفصيل :
فالجار أحق بالشفعة إن كان بينهما حق مشترك كأن يكون الطريق مشتركة بينهما ، أو يكون البئر مشتركاً بينهما أو نحو ذلك ، فحينئذ الجار أحق بالشفعة وأما إن لم يكن بينهما طريق مشترك ولا حق آخر من الحقوق المشتركة فحينئذ الجار أسوة غيره وهذا القول هو القول الراجح الذي تجتمع به الأدلة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ) وهنا ليس الأمر كذلك ، فإن ثمت طريق مشترك أو حق مشترك ، وقد نص على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والأربعة بإسناد صحيح أنه قال : ( الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً ) فدل هذا الحديث على أن الجار أحق بشفعة جاره إذا كان الطريق مشتركاً أو نحو الطريق مما يكون فيه اشتراك بينهما من بئر ونحوه .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وهي على الفور وقت علمه فإن لم يطلبها إذاً بلا عذر بطلت [ .
هنا يبين المؤلف أن الشفعة على الفور ، وأنه متى علم ببيع شريكه حصته ولم يطالب بها شفعةً بلا عذر فلا حق له بعد ذلك بالشفعة .
واستدلوا بما روى ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الشفعة كحل العِقال ) أي أنها تذهب عن صاحبها كما يذهب البعير الشرود إن حُل عقاله والحديث فيه من يُتهم بالكذب فالحديث إسناده ضعيف جداً وهذا هو مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور .
وعليه : فإذا لم يعلم بالبيع فله المطالبة ولو بعد سنوات وكذلك إذا علم لكن كان له عذر من مرض أو غيبة وليس له من يوكله وليس هناك من يشهده على المطالبة بالشفعة أو علم بالليل فأخر ذلك إلى النهار فإن له الحق بالمطالبة بها .
وقال المالكية : وهو رواية عن الإمام أحمد : بل له المطالبة بها على التراخي وذلك لأنه حق له فلا يسقط إلا بإسقاطه ، فلو علم ولا عذر له بالتراخي لكنه تراخى ثم طالب بها فله الحق بالشفعة .
قالوا : لعموم الحديث الوارد في الشفعة ، فإنه ليس فيه أنها لابد وأن تكون على الفور ، بل عموم الحديث يدل على أنها تثبت له ما لم يدل دليل على إسقاطها أو الرضا بالشريك الجديد ثم إن هذا الذي له حق الشفعة يحتاج إلى زمن ليستشير وليتأنى في أمره ولينظر في هذه السلعة ، فاشتراطنا لثبوتها أن تكون على الفور تفويت لحقه ، لأنه يحتاج إلى تأنٍ وتريثٍ ونظر واستشارة واستخارة وهذا القول هو القول الراجح وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي وعليه فيحدد له زمن يحصل به مقصوده عرفاً ، فلا يكون الزمن مفتوحاً ولا إلى سنة كما قال بعضهم ولا إلى ثلاثة أيام أيضاً بل يكون ذلك إلى العرف ، وهذا يختلف باختلاف السلع وباختلاف المشترين وحذقهم في معرفة السلع وهو قول عند الشافعية وأنها تمتد مدة تسع التأمل في مثله .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وأن قال للمشتري بعني – أو صالحني [ .
إذا باع أحد الشريكين نصيبه فقال الشريك الآخر للمشتري بعني هذا النصيب أو قال : صالحني على هذا النصيب أو أجرني فلا شفعة له ، إذن تسقط الشفعة لأن هذا يدل على الرضا بهذا البيع .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو كذب العدل [ .
إذا أخبره العدل الثقة الذي يقبل خبره أن شريكه قد باع حصته فلم يصدق خبره فحينئذ تسقط شفعته فلو طالب بها بعد ذلك على التراخي فلا تثبت له لأنه تراخى بلا عذر هذا على القول بثبوت الشفعة على الفور .
وعلى القول الراجح إذا أخبره الثقة بالخبر ولم يقبل خبره ومضت مدة يحصل بمثلها ما يحتاج إليه من النظر والتروي والاستشارة ثم أتى بعد ذلك ليطالب بها فلا يقبل وذلك لأنه قد علم بها من طريق هذا العدل وتكذيبه له تفريط منه بخلاف ما إذا أخبره الفاسق لأنه لا يقبل خبره لكن إن صدقه فحينئذ كما لو أخبره بذلك الثقة لحصول علمه بهذا البيع .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو طلب أخذ البعض سقطت [ .
إن قال هذا الشريك للمشتري : أنا لي الشفعة لكني لا أريد أن آخذ النصيب كله بل أريد أن آخذ بعضه كأن تكون الأرض المتشارك بها مساحتها ألف متر ، فباع أحدهما نصيبه وهو خمسمائة متر ، فقال الشفيع وهو الشريك الأخر أريد من المشتري مائتين وخمسين متر فلا شفعة له وذلك لما في تبيعض المبيع من الإضرار بالمشتري فإن المشتري إنما اشتراها على إنها خمسمائة متر فإذا أثبتنا للشريك الشفعة بالنصف فقد فوتنا عليه مقصوده .
إذن يشترط أن يأخذ المبيع كله شفعة ، فإن أراد البعض فلا وذلك لما فيه من تفويت المقصود على المشتري بتبعيض المبيع عليه .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] والشفعة لاثنين بقدر حقيهما [ .
إذا كان بين ثلاثة اشتراك في بستان لكل واحد منهم الثلث فباع أحدهم نصيبه ، فالشفعة حق للاثنين وكل واحد منهما له المطالبة بنصف البيع شفعة فإن كان هؤلاء الثلاثة أحدهم له النصف والثاني والثالث لكل واحدٍ منهما الربع ، فباع الثاني نصيبه فإن الشفعة تثبت للشريكين بقدر ملكيهما وذلك لأن الشفعة حاصلة بسبب الملك فكانت للشفعاء بقدر أملاكهم .
فمثلاً : لو كان هناك بستان يملك زيد نصفه ، ويملك عمرو ربعه ويملك بكر ربعه ، فباع بكر نصيبه وهو الربع فالباقي يكون ثلثاه لزيد وثلثه لعمرو فلهما الحق بالشفعة بقدر أملاكهما فلزيد الثلثان ولعمرو الثلث .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن عفا أحدهما أخذ الآخر الكل أو ترك [ .
إذا قال أحدهما أنا قد تنازلت عن نصيبي من الشفعة فحينئذ إن شاء الآخر أن يأخذ الكل أو أن يترك ففي المثال المتقدم : إذا تنازل عمرو وله الربع ، تنازل عن الشفعة فحينئذ إن شاء زيد فله الشفعة ولكن ليس لزيد أن يأخذ بعضها بل إما أن يأخذ النصيب كله وإما أن يبقيها للمشتري كلها ، وذلك لما تقدم فإن تبعيض المبيع على المشتري فيه إضرار عليه وهذا ممنوع منه .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن اشترى اثنان حق واحدٍ [ . إلى أن قال : ] فللشفيع أخذ أحدهما[ .
ففي المثال المتقدم : لما أراد بكر أن يبيع نصيبه من هذا البستان وهو الربع اشتراه منه اثنان ، فحينئذ هل للشفيع أن يأخذ من أحدهما نصيبه ويترك الآخر أم لا ؟
الجواب : له ذلك فللشفيع أخذ نصيب أحدهما ، وذلك لأن تعدد المشترين تعدد في العقود فهو بمنزلة عقدين ، ولا ضرر حينئذ على المشتري لأن المشتري الذي نبقي له نصيبه لا يتضرر بذلك فنصيبه كامل فبقي له .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو عكسه [ .
أي أن يشتري واحد حق اثنين .
إذا اشترك زيد وعمرو وبكر في أرض لكل واحدٍ منهما الثلث فباع زيد وعمرو نصيبهما لرجل واحد ، فهل لبكر أن يأخذ من هذا المشتري نصيب أحدهما دون نصيب الآخر ؟
1- قال المؤلف : له ذلك ، قالوا : لأن تعدد البائع كتعدد المشتري هذا المذهب وهو من المفردات.
2- والقول الثاني في المذهب : المنع من ذلك وهو القول الراجح ، وذلك لأن المشتري لما كان واحداً فإذا قلنا بجواز الشفعة بأحد النصبين اللذين اشتراهما ففيه تبعيض المبيع وهذا يخالف مقصوده ففيه إضرار بالمشتري وهذا هو القول الراجح ، وأنه يقال له : إما أن تأخذ النصبين جميعاً وإما أن تتركهما جميعاً ، وذلك لأن في أخذ أحدهما دون الآخر تفويتاً لمقصود المشتري .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقةً واحدة [ .
لزيدٍ وعمروٍ بستانان فباع زيد شقصيه أو حصتيه من البستانين باعهما لبكر ، فالمشتري واحد والشقصان متعددان، فهل لعمروٍ وهو الذي له حق الشفعة ، هل له أن يأخذ أحد الشقصين شفعةً ويترك الشقص الآخر أم لا؟
1- قالوا : يجوز له ذلك .
2- والقول الثاني : أنه لا يجوز له ذلك ، لما فيه من تبعيض الصفقة على المشتري وفي ذلك إضرار به والأول أظهر لتعدد المعقود عليه .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن باع شقصاً وسيفاً ..... فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن [.
يشترك إثنان في أرض لكل واحدٍ منهما خمسمائة متر فباع أحدهما نصيبه من الأرض وهو خمسمائة متر وباع معها سيفاً أو باع معها سيارة أو دابة ونحو ذلك ، فهل تثبت الشفعة أم لا ؟
قال المؤلف : فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن .
إذا باع حصته من الأرض ومعها سيف باعها بألف درهم ، حصته الشقص من الألف درهم ثمانمائة درهم ، وحصة السيف مائتا درهم فهل للشفيع أن يأخذ الأرض بحصتها من الثمن دون السيف ؟
الجواب : له أن يأخذ الشقص بحصته وذلك لأن الشفعة ثابتة في الشقص منفرداً فبقيت مع غيره .
والأصل بقاؤها وكونه يضاف إليها مبيع آخر لا يعني هذا انتفاء الشفعة فالأصل هو بقاؤها ، ولا ضرر على المشتري بهذا التبعيض لأنهما سلعتان مختلفتان هذا هو قول الحنابلة ، وهذا هو تعليلهم وهو تعليل ظاهر .
قال المؤلف رحمه الله تعالى:] أو تلف بعض المبيع فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن [
اشترك زيد وبكر في بستان ، لكل واحد منهما النصف ، فاشترى عمرو من بكر نصيبه ، ثم تلف بعضه بآفة سماوية أو أتلفه أحد أو نحو ذلك ، فهل للشفيع وهو زيد ، أن يأخذ ما لم يتلف من هذا النصيب هل له أن يأخذه بحصته من الثمن ؟
قال المؤلف هنا : له ذلك هذا هو المشهور في المذهب لأنه تعذر أخذ الكل فجاز له أخذ البعض .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولا شفعة بشركة وقف [ .
إذا كانت هناك دار نصفها وقف ونصفها طلْق أي ليس بوقف فأراد صاحب الطِلْق أن يبيعه فهل للموقوف عليه أي المنتفع به الشفعة أم لا ؟
1- قالوا : ليس له الشفعة ، فالموقوف عليه ليس له أن يأخذ الباقي سواء كان للوقف أو له ، ليس له أن يأخذه شفعة .
قالوا : لأن ملكه ملكاً ناقصاً ، فالذي تصرف له مصالح الوقف ملكه ملك غير تام بل هو ملك ناقص ، وعليه فلا تثبت الشفعة .
2- والقول الثاني : في هذه المسألة وهو قول بعض الحنابلة واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله : أن له الحق في الشفعة وهذا القول هو الراجح .
وذلك لأن الأدلة عامة لم تفرق بين الملك التام والملك الناقص ، بل ضرر هذا أعظم لأن هذا الموقوف عليه لا يمكنه بيع الوقف حتى يخرج من ضرر هذا الشريك بخلاف الآخر فإنه إذا تضرر فيمكن له أن يبيع ومع ذلك أثبتنا له الشفعة ، فأولى من ذلك هنا .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولا غير ملك سابق [ .
إذا اشترى اثنان داراً من رجلٍ ، فليس لأحدهما الشفعة وذلك لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر
فمثلاً : اشترى زيد وعمرو داراً من رجل ، فلا تثبت الشفعة لأحدهما في نصيب الآخر ، فلا تقول: لك أن يملك المبيع كله شفعة وذلك لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر فترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجح ، فلابد وأن يكون هناك ملك سابق ، ومثله أيضاً الموصى له بها .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولا لكافر على مسلم [ .
فلا يثبت الشفعة لكافر على مسلم فلو أن رجلاً له دار ويشاركه ذمي في هذه الدار فباع المسلم نصيبه لمسلم آخر فهل تثبت الشفعة للذمي ؟
1- قال : لا تثبت وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد .
2- وقال الجمهور : تثبت الشفعة للذميين وذلك لعمومات الأدلة .
والراجح المذهب واختاره ابن القيم وذكر أنه ليس أحد من السلف يقول بالشفعة لهم وذلك لأن ثبوتها للمسلم لا يلزم منه ثبوتها للذمي وذلك لأن مراعاة حق المسلم أولى وأعظم فلا يلحق بها حق غيره كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم في الصحيحين : ( وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه ) فكيف يؤخذ من المشتري المسلم لمراعاة حق الذمي وهذا القول هو الراجح .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن تصرف مشتريه بوقفه أو هبته أو رهنه لا بوصية سقطت الشفعة]
إذا تصرف مشتريه أي مشتري ما ثبتت به الشفعة ، بوقفه أو هبته أو رهنه سقطت الشفعة كأن يشتري ما ثبتت فيه الشفعة ثم أوقفه أو وهبه أو رهنه فإن الشفعة تسقط
وفي هذه المسائل التي ذكرها المؤلف خلاف:
ودليل الحنابلة على سقوط الشفعة فيها : أن في إثبات الشفعة ضرراً على الموقوف عليه ، وضرراً على الموهوب له ، لأنه قد ملكها بلا عوض ، وضرراً على المرتهن ، قالوا : فدفعاً للضرر تسقط الشفعة .
والمشهور في المذهب في الرهن خلاف ما ذكر المؤلف هنا فما ذكره المؤلف هنا هو أحد القولين في المذهب والصحيح في المذهب – أي المشهور فيه – أن الشيء إذا ثبتت فيه الشفعة فرهنه مشتريه فإن هذا الرهن لا يسقط الشفعة ؛ لأن حق الشفيع سابق لحق المرتهن.
وأما مسألة الوقف فخالف في ذلك الجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول أبي بكر عبد العزيز من الحنابلة ، وإن الشفعة لا تسقط مع الوقف وكذا الهبة أيضاً ، واختار شيخ الإسلام ابن تيميه أن الهبة لا تسقط الشفعة والصحيح في هذه المسائل كلها أن الشفعة لا تسقط وذلك لأن الشفعة حق للشفيع فلا تسقط إلا بإسقاطه وحقه أسبق ، فحقه أسبق من الموقوف عليه ، وحقه أسبق من الموهوب له ، وحقه أسبق من المرتهن .
( لا بوصية ) : فإذا اشترى ما فيه شفعة ثم أوصى به فالشفعة لا تسقط وذلك لأن الوصية لا تلزم إلا بعد موت الموصي ، وقبول الموصى له بعد موته .
وعلى ما تقدم فيبطل الوقف لأجل حق الغير كما لو وقف المريض أملاكه و عليه دين و أما الهبة فالأظهر أن الثمن مدفوع إلى الموهوب له.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وببيع فله أخذ بأحد البيعيين [
اشترك زيد وعمرو في بستان لكل واحدٍ منهما نصفه ، فباع زيد نصيبه على بكر بعشرة آلاف، وباعه بكر لرجل آخر بعشرة آلاف أو بأحد عشر ألفاً أو بتسعة آلاف ، فللشفيع وهو الشريك وهو في هذا المثال ( عمرو) أن يأخذ هذا الشقص المبيع بأحد البيعيين فإن شاء أخذه بثمن البيع الأول وأن شاء أخذه بثمن البيع الثاني .
فله أن يفسخ البيع الثانية ويأخذ المبيع شفعةً في البيع الأول وهو عشرة آلاف وله أن يمضي بصرف المشتري ويأخذ هذا الشيء الذي قد ثبتت فيه الشفعة بالثمن في البيع الثاني وهو عشرة آلاف أو تسعة آلاف أو أحد عشر ألفاً وهكذا لو ثبت بيع ثالث أو رابع .
قالوا :لأنه شفيع بالعقدين وهذا باتفاق العلماء ؛ وعليه فإن أخذ بالأول رجع الثاني على الأول .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وللمشتري الغلة والنماء المنفصل والزرع والثمرة الظاهرة[
إذا اشترى شقصاً من بستان ، والشريك الذي له حق الشفعة غائب ، فأجر هذا البستان أو زرع فيه أو أثمر ما فيه من غراس ، فالثمر والزرع والأجرة كل ذلك للمشتري – إذا أتى هذا الغائب فقال : أريد هذا البستان شفعةً لأنه لو حصل في هذا البستان تلف لكان الضمان على المشتري ومن كان الضمان عليه فالخراج له لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الخراج بالضمان) وقول المؤلف : ( النماء المنفصل ) احتراز من النماء المتصل فإذا كان في هذا المبيع الذي قد ثبتت فيه الشفعة نماء متصل كأن يشتري بستاناً ثبت فيه الشفعة ونخلة صفار فتنمو وتكون كباراً .
وعلى القول بثبوت الشفعة في الحيوان ونحوه إذا سمن هذا الحيوان فهنا نماء متصل ، فالنماء المتصل يكون للشفيع ، كما تقدم في مسألة الرد بالعيب ويتخرج على قول شيخ الإسلام – فيما تقدم ذكره في مسألة سابقة – يتخرج عليه أن يقوم هذا البستان وينظر إلى قيمته قبل أن ينمو هذا النماء المتصل وقيمته بعد أن نما هذا النماء المتصل والفارق بينهما يدفع للمشتري .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] فإن بنى أو غرس فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه ويغرم نقصه[
إذا اشترى الأرض وفيها حق شفعة – فبنى فيها داراً وغرس فيها نخلاً أو شجراً ، ثم أتى من له حق الشفعة فطالب بهذه الأرض .
فالحكم : أن الشفيع يخير بين أمرين – إن لم تختر أحدهما فلا شفعة لك .
1- الأمر الأول : أن يُقوم هذا البناء أو هذا الغرس ثم يدفع قيمته للمشتري وذلك دفعاً للضرر عن المشتري .
2- الأمر الثاني : أن يقلع ما فيه من بناء أو غراس ويغرم النقص فإذا كان من نقصٍ في الغراس أو في البناء وقد يتصور هذا في بعض الأبنية لا في سائرها ، وقد يتصور هذا في البناء إذا كان يسيراً فيرغب الشفيع بهدمه إبقاءً لأرضه وإن كان يغرم ، وذلك دفعاً لضرر المشتري ، فإن أبى فلا شفعة له .
وطريقة التقويم ظاهرة – كما تقدم في عدة مسائل وهنا كذلك : تقوم الأرض ولا غراس فيها ولا بناء وتقومها وفيها غراس وبناء فالفارق بينهما هو قيمة الغرس والبناء وكذلك في مسألة القلع ، فهذا النخل يساوي الآن مائة ألف وإذا قلع لا يساوي إلا تسعين ألفاً فعليه قيمة هذا النقص وهي عشرة آلاف ، فإن أبى ذلك فلا شفعة له ، كل ذلك لدفع الضرر عن المشتري ، فلا يزال ضرر الشفيع بضرر يلحق المشتري .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولربه أخذه بلا ضرر [ .
إذا اختار الشفيع أن يتملكه – أي يتملك الغراس أو البناء – فأبى ذلك المشتري وأراد القلع فهل يجبر المشتري على ترك القلع أم لا ؟
الجواب : أنه لا يجبر على ذلك لأن هذا ملك له ، فلم يجبر على خروجه بغير رضا منه .
وعليه : فإن أراد أن يقلع غراسه أو بناءه فهل له ذلك ؟
الجواب : له ذلك بلا ضرر يلحق الشفيع ولذا قال المؤلف : ( ولربه أخذه بلا ضرر ) فإن كان هدم البناء أو قلع الغرس يحدث ضرراً في الأرض فليس له ذلك – هذا ما ذكره المؤلف وهو أحد القولين في المذهب .
والمشهور في المذهب أن له ذلك بضرر وبغير ضرر ، فلو أراد المشتري قلع شجرة أو بنائه فله ذلك وأن تضررت الأرض والقول الأول أرجح لحديث ( لا ضرر ولا ضرار ) .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن مات الشفيع قبل الطلب بطلت ، وبعده لوارثه [ .
هل تورث الشفعة أم لا ؟
اشترك رجلان في أرض ثم باع أحدهما نصيبه ، وقبل أن ينزع الشريك الآخر نصيب شريكه بالشفعة مات فهل لورثته المطالبة بها ؟ هنا حالتان :
1- الحالة الأولى : أن يطالب بها قبل موته ، فإن الشفعة تثبت لورثته هنا ، وذلك لأنها حق له مُورث كسائر حقوقه .
2- الحالة الثانية : أن يموت قبل المطالبة بها :
أ- فالمشهور في المذهب : أنها لا تورث . قالوا : لاحتمال رغبته عنها .
ب- وقال المالكية والشافعية وهو قول في المذهب بل تثبت لورثته فلهم حق المطالبة بها وذلك لأنها حق من حقوقه فورثت عنه كسائر حقوقه وكونه لم يطالب بها ولم يظهر منه ما يدل على إسقاطها لا يخرجها عن أن تكون حقاً له وهذا هو القول الراجح .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويؤخذ بكل الثمن [ .
فإذا باع الشريك نصيبه بعشرة آلاف ، فهي للشفيع بعشرة آلاف والقاعدة في هذا : أن الشفيع يستحق المبيع بقدر الثمن وصفته فهنا يقدر الثمن ، فإن اشترى هذا المبيع الذي يثبت فيه الشفعة بعشرة آلاف فللشفيع أن يأخذه بعشرة آلاف ، فليس له حق أن يأخذه بتسعة إلا أن يشاء المشتري .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن عجز عن بعضه سقطت شفعته [ .
إذا قال : أنا أقدر على خمسة آلاف وثمنه عشرة آلاف فإن الشفعة تسقط لدفع الضرر عن المشتري .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] والمؤجل يأخذه المليء به ، وضده بكفيل مليء [ .
تقدمت القاعدة وأنه يستحق الشفعة بقدر الثمن وصفته .
( صفته ) من تأجيل أو حلول فإذا كان الثمن حالاً فإن الشفيع يأخذ المنع حالاً ، وإذا كان مؤجلاً فإنه يأخذه مؤجلاً.
مثال ذلك : اشترى هذه الأرض بعشرين ألف مؤجلاً فللشفيع أن يأخذها بعشرين ألف مؤجلاً، وذلك لأنه يستحق المبيع بالشفعة بقدر الثمن وصفته ، وهنا صفته أنه مؤجل .
فإذا كان الثمن حالاً فليس للشفيع التأجيل ، بل إما أن يأخذه حالاً أو أن تسقط عنه الشفعة فإن قال : أمهلوني .
1- فالمذهب أنه يمهل ثلاثة أيام .
2- وعن الإمام أحمد وهو مذهب مالك : أنه يُمهل بما يراه الحاكم وهذا هو القول الراجح فما يراه القاضي مناسباً للإمهال فإنه يمهله إياه ، لأنه قد يحتاج إلى جمع ماله هنا وهناك فيعجز عن إحضاره بسرعة فيحتاج إلى مهلة من الأيام ، فيمهله القاضي بما يناسب لئلا يفوت عليه حقه .
وقوله : ( وضده بكفيل مليء ) تقدم أن المؤجل يأخذ المليء به مؤجلاً لأن هذه هي صفة الثمن وهذه إن كان غير مليء كالمعسر فإنه لا يأخذه مؤجلاً إلا بكفيل مليء وذلك دفعاً للضرر عن المشتري ، لأن الثمن لا يكون في الذمة على البائع الأول ، فإن البائع قد انتهى من هذا المبيع وخرج من ملكيته ببيعه فيبقى في ذمته للمشتري .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويقبل في الحلف مع عدم البينة قول المشتري [ .
يقبل في الاختلاف بين الشفيع والمشترى في قدر الثمن – حيث لا يبيعه – يقبل قول المشتري .
إذا قال المشتري : قد اشتريته بعشرة آلاف فقال الشفيع بل اشتريته بتسعة آلاف ، فاختلف قولاهما .
فالقول قول المشتري ، وتعليل ذلك أن هو أحد العاقدين في البيعة الأولى فهو أعلم بالثمن ولأنه – أي هذا المبيع – ملكه فلا يخرج من ملكيته بدعوى لا بينة معها ، والشفيع هنا ليس بغارم .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن قال : اشتريته بألف أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع أكثر [ .
إذا قال الشفيع للمشتري كم اشتريته فقال : بألف ، فإن الشفيع يأخذ المبيع بألف ، ولو أثبت البائع أكثر ولم يقل المؤلف : ( ولو قال البائع ) بل قال : ( ولو أثبت ) فقول البائع معه إثبات أي معه بينة .
فهنا المشتري يقول : اشتريته بألف ، والبائع يقول : بل اشتراه مني بألف وخمسمائة وعندي شاهدان يشهدان على هذا فحينئذ يأخذ الشفيع بألف ؛ وذلك مؤاخذةً له على إقراره .
فإن قال المشتري بعد ذلك غلطت أو نسيت أو نحو ذلك قالوا : فلا يقبل قوله ورجوعه وذلك لأنه إقراره في حق آدمي فلم يقبل فيه الرجوع هذا هو المذهب .
وقال القاضي من الحنابلة : المذهب خلاف هذا أ.هـ
وهو قول ابن سعدي ، وأنه إذا قال : غلطت أو نسيت فإنا نعطي الشفيع بالثمن الذي أثبته البائع وهذا هو القول الراجح وذلك لأن الرجوع في الإقرار في حق الآدمي يمنع حيث لم يكن هناك إلا مجرد الإقرار ، وأما والإقرار تخالفه بينة عادلة صادقة فلا .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت [ .
باع أحد الشركين نصيبه على زيد ، فقال زيد : أنا ما اشتريت والشريك الأخر يريد الشفعة ، فتقول : نعم لك الشفعة ؛ لأن البائع بإقراره بالبيع قد أقر بحقين حق للمشتري وحق للشفيع .
فإذا بطل حق المشتري بإنكاره فلا يبطل حق الشفيع ، فنقول للبائع كم بعت فإن قال بألف أخذه الشفيع بها .
قال المؤلف رحمه الله تعالى:] وعهده الشفيع على المشتري ، وعهدة المشتري على البائع[
العهدة هي : إدراك ما يكون فيه درك أي مسؤلية إذا وجد في المبيع عيب أو نحو ذلك فالضمان على من يكون؟
الجواب : أن عهدة الشفيع تكون على المشتري .
اشترك زيد وعمرو في أرض ، ثم باع زيد نصيبه إلى بكر ، فأتى الشريك الآخر وهو عمرو وقال : لي الحق في الشفعة فأخذ هذا الشيء شفعة فبان مستحقاً للغير ، أي بان مغصوباً أو ثبت فيه عيب ، فإن الشفيع يرجع إلى المشتري ، والمشتري يرجع إلى البائع .
إذن : إذا ثبت في هذا الشيء الذي ثبتت فيه الشفعة : إن ثبت فيه عيبه أو بأن مستحقاً للغير كأن يكون مغصوباً أو نحو ذلك ، فعهدة الشفيع تكون على المشتري ، وعهدة المشتري تكون على البائع .
فالشفيع يرجع إلى المشتري وذلك لأن هذا الشفيع قد ملكه فإنه قد اشتراه من البائع فأصبح ملكاً له ولذا ثبتت الشفعة ، فإن الشفعة لا تثبت إلا بعد خروجه عن ملكية البائع ، فهنا بالشراء انتقلت ملكيته من البائع إلى المشتري فكانت عهدة الشفيع على المشتري ، وعهدة المشتري على البائع .
وهنا ثلاث مسائل :
المسألة الأولى : هل تثبت الشفعة مع الخيار أم لا ؟
الجواب : لا تثبت الشفعة مع الخيار وذلك لأن إثبات الشفعة حينئذ فيه إضرار على البائع وتفويت لحقه في الخيار ؛ لأنه قد يفسخ هذا البيع ، أما إذا كان الخيار للمشتري فنعم .
فإذن : إذا كان الخيار لهما جميعاً أو للبائع دون المشتري فلا تثبت الشفعة حتى يزول الخيار وذلك لئلا نفوت الخيار على البائع لأنه قد يفسخ بعد ذلك وإذا أثبتنا الشفعة فقد فوتنا عليه الفسخ .
المسألة الثانية : المذهب أن الولي إذا ترك الأخذ بالشفعة لم تسقط ، والراجح وهو وجه في المذهب وعليه أكثر الأصحاب أنه إن كان فيها حظ لم تسقط واختاره شيخ الإسلام .
المسألة الثالثة : إذا تنازل الشفيع عن حقه في طلب الشفعة قبل البيع لم يسقط حقه بعد البيع في المذهب وهو قول الجمهور ؛ لأنه إسقاط للحق قبل سببه ، وعنه وهو مذهب طائفة من أهل الحديث أنه يسقط لحديث مسلم في أنه لايحل له أن يبيع حتى يعرض على شريكه وهو الراجح واختاره شيخ الإسلام .
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين