بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
باب الوديعة
الوديعة : فعلية بمعنى مفعوله أي متروكة فهي من الودْع بتسكين الدال ، وهو الترك .
يقال : ودعه أي تركه .
والوديعة في اصطلاح الفقهاء : هو توكيل جائز التصرف مثله في حفظ ماله بلا عوض.
فالموكل في الحفظ وهو المودع ، والوكيل هو المودَع عنده كلاهما جائز التصرف .
فالمودِع هو رب المال الذي يراد حفظه .
والمَودَع هو من وضعت الأمانة عنده .
والوديعة : هي المال المدفوع المتروك عند هذا الأمين لحفظه .
والصيغة : هي اللفظ أو الفعل الدل على الإيداع .
والوديعة يستحب قبولها لمن علم في نفسه القدرة على حفظها اتفاقاً لأن في ذلك إعانة للناس قضاءً لحاجتهم ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .
وأما إن علم من نفسه ترك الواجب بالتعدي أو التفريط فلا يحل له ذلك ؛ لأن الإيداع هنا ذريعة إلى إضاعة مال الغير ، وإلى إيقاع النفس في الإثم فلا يحل ذلك .
وهي تبرع ، فالمودع عنده قد تبرع للمودع بحفظ ماله كما لو حفظه بمال فهي وكالة.
و من التعريف السابق يعرف أن وضع المال في البنك ليس إيداعاً لأن البنك مأذون له في التصرف فيه فعليه يكون قرضاً فيضمن البنك إذا تلف المال و لو لم يحصل تعد أولا تفريط.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] إن تلف من بين ماله ولم يتعد ولم يفرط لم يضمن [ .
التعدي : فعل ما لا يحل ، والتفريط : ترك ما يجب .
فإذا حصل له الوديعة تلف عنده ولم يتعد أن لم يفعل ما لا يحل له فلم يتصرف فيها تصرفاً أدَّى إلى تلفها ، وكذلك لم يفرط في حفظها وصيانتها فقد وضعها في حرز مثلها – فإن لا يضمن اتفاقاً بل حُكى إجماعاً.
ودليل ذلك : ما روى ابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهو عند ابن ماجه من حديث المثنى بن الصباح وهو ضعيف لكن رواه اثنان غيره – فعلى ذلك الحديث يكون حسناً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أُودع وديعةً فليس عليه ضمان ) والحديث حسن لغيره والنظر يقتضي ذلك ؛ فإنه لو كُلِّف ضمانها مع عدم تعدية وتفريطه فإن ذلك يؤدي إلى امتناع الأمناء من قبول الأمانات وفي ذلك تفويت للمصلحة ، والناس في مسيس الحاجة إليها .
و لو شرط المودع الضمان فهو شرطً باطل لمخالفيه مقتضى عقد الوديعة.
و قوله ( من بين ماله ) فيه إشارة إلى رد قول من قال أنها إذا تلفت من بين ماله و لم يتلف ماله فعليه الضمان و هو رواية في المذهب و المشهور في المذهب خلافه و هو الصحيح لعموم ما تقدم من الأدلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويلزمه حفظها في حرز مثلها [ .
يلزمه حفظ الوديعة في حرز مثلها أي في الحرز الذي يناسب مثلها أي اللائق بها عرفاً وهذا يختلف باختلاف العين المودعة فإن كانت دراهماً فلها حرز يختص بها ، وإن كانت دواباً فلها حرز يختص بها وهكذا ومرجع هذا إلى العرف .
فيجب عليه أن يحفظها في حرز مثلها وهذا يختلف باختلاف الأعيان المودعة وقد يختلف باختلاف الأزمان واختلاف البلدان.
ودليل هذا : أن الله قد أمر بأداء الأمانة في قوله سبحانه : ) إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ( وأمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ) ولا يتم هذا الواجب وهو اداؤها إلا بحفظها ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، و الحرز ما يحفظ فيه الشيء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن عينه صاحبها فأحرزها بدون ضمن ، وبمثله أو أحرز فلا [ .
إذا عيَّن صاحبها حرزاً لها ، كأن يقول : احفظها في الموضع الفلاني ، فإذا أحرزها بدونه ثم تلفت فعليه الضمان لتعديه ، فإنه قد فعل ما لا يحل له حيث وضعها في الدون لكن إن أحرزها بحرزٍ مساو للحرز الذي عينه المودِع ، أو أحرز منه أي أعلى منه في الحفظ فإنه لا يضمن وهذا لأن تقييده بهذا الحرز يقتضي ما يماثله ، وأولى من ذلك ما فوقه .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن قطع العلف عن الدابة بغير قول صاحبها ضمن [ .
إذا قطع العلف عن الدابة فلم يعلفها فعليه ضمانها وذلك لأن تعليفها من حفظها ، إذا ترك تعليفها إهلاك لها ، وكذلك ترك سقياها ، فإذا لم يعلفها فحينئذ يكون قد فرَّط في حفظها والأمين إذ فرَّط فعليه الضمان ، لكن إن كان ذلك بقول صاحبها ، أي قال له صاحبها : لا تعلفها فحينئذ لا ضمان عليه ، لكن لا يجوز هذا فيجب إطعامها لكن لو تلفت عنده مع تركه تعليفها فلا ضمان وذلك لأن هذا قد وقع برضا مالكها فلا يضمن ، ولكن لا يجوز ترك تعليفها فإن علفها فإنه إن نوى الرجوع فإنه يرجع على مالكها كما تقدم في مسألة سابقة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن عيَّن جيبه فتركها في كمه أو يده ضمن وعكسه بعكسه[ .
الجيب ما نسميه نحن بالطوق وهو ما يدخل منه العنق .
فإذا قال له : احفظها في جيبك فحفظها في كمه أو حفظها في يده فتلفت فعليه ضمانها .
وذلك لأنه قد عيَّن له موضعاً فحفظها في دونه فتدخل في المسألة السابقة .
( وعكسه بعكسه ) : فإذا قال له : احفظها في يدك أو في كمك فحفظها في جيبه فهذا أحرز فلا ضمان عليه .
ولكن حفظها في اليد فيه خلاف ، أي إذا قال : احفظها في جيبك فحفظها في غيره ، فالقول الثاني في المذهب ألا ضمان عليه .
والقول الثالث : أن فيه تفصيلاً .
والتفصيل : أنه إذا كان يقظاً فأخذها منه غاصب فلا ضمان عليه وذلك لأن اليد حينئذ أحرز من الكم وأحرز من الجيب وأما إذا كان نائماً أو ناسياً فإنه يضمن وذلك لأنها في الكم حيث تربط أو في الجيب تكون بذلك أحرز وهذا وجه في المذهب و القول الراجح الأول.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن دفعها إلى من يحفظ ماله أو مال ربها لم يضمن[ .
إذا دفع المودَع عنده الوديعة إلى من يحفظه ماله عنده أي من يحفظ مال المودع عنده ، فالضمير يعود إلى الأمين إذا أودع زيد عمراً أمانة ، فزيد مودِع ، وعمرو مودَع عنده فوضعها عمرو عند من هو معتاد على وضع ماله عنده ليحفظه كزوجة أو خادمة أو ولده أو وكيله فتلف عند الزوجة أو الولد أو الخادم أو الوكيل فلا ضمان ويقبل قولها أو قول الخادم أو الولد أو الوكيل في الرد وفي التلف لأنهم يقومون مقام الأمين في الحفظ.
وإذا دفعها – أي دفع الوديعة إلى من يحفظ على ربها ماله . كما لو أعطاها الزوجة أو الولد أو أعطاها خادمه أو وكيله أو نحوهم ممن يعتاد المودع حفظ ماله عندهم فحينئذ لا ضمان على المودع عنده لو تلفت ولا ضمان على زوج صاحب الوديعة ولا على ولده ولا على وكيله أو خادمه ، لأنهم يقومون مقامه .
إذن : إذا أراد أن يرجع الأمانة فأعطاها من يعتاد صاحب الوديعة حفظ ماله عندهم كوكيله أو ولده الذي اعتاد حفظ ماله ، كأن يأتي إلى الدكان وفيه أحد أولاده الذي يعين والده على التجارة ويعمل له ، ونحو ذلك فيدفع له الوديعة فحينئذ قد برئت ذمته ، وذلك لأنه لم يحصل منه تعد ولا تفريط وقد أعطاها من يقوم مقام مالكها .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وعكسه الأجنبي والحاكم [ .
أي عكسه في الحكم فإذا دفع المودع عنده الوديعة إلى أجنبي ولو كان ثقةً أو غير ثقة من باب أولى ، أو دفعها إلى القاضي ، فالحاكم عند ما يطلق في كتب الفقه فالمراد به القاضي – فإذا تلفت فإن عليه الضمان – هذا إن لم يكن هناك عذر وأما إذا كان هناك عذر له فسيأتي الكلام عليه
إذن : إذا وضعها المودع عنده عند القاضي أو عند أجنبي ثقة ، أو غير ثقة من باب أولى فتلفت فإنه يضمن أي الأمين وذلك لتعدية فقد فعل ما لا يحل له ، وتصرف في ملك غيره بلا إذنه
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولا يطالبان إن جهلا [ .
هل يطالب الأجنبي أو القاضي بالضمان ؟
الجواب : انهما لا يطالبان بها إن جهلا الحال أي لم يطلعا على حقيقة الأمر بل ظنا أنها ليست وديعة عنده ، أو ظنا أنها وديعة وأنه معذور في نقلها منه إلى هذا الثقة أو هذا الحاكم ، فإذا جهلا الحال فلا ضمان عليهما لأن يدهما يد أمانة واليد الأمينة لا ضمان عليها .
أما إذا علما بالحال أي علما أن هذا المودع عنده قد نقل الوديعة منه بغير عذر ومع ذلك قبلها ، فحينئذ تكون يده – أي يد الحاكم أو يد الثقة الأجنبي – يداً متعدية حيث قبل ما لا يحل له قبوله .
وحينئذ فإذا تلفت عنده فالضمان يستقر عليه ويقول لصاحب الوديعة فإن شئت أن تطالب الأجنبي أو الحاكم ، وإن شئت أن تطالب المودع عنده فإن طالب المودع عنده رجع المودع عنده إلى الحاكم أو إلى الثقة لأن الضمان يستقر عليه وقد تلفت تحت يده .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن حدث خوف أو سفر ردها على ربها [ .
فإذا حدث عذر كخوف أو سفر أو حضره الموت – أي المودع عنده ، فإنه يردها على ربها لقوله تعالى : ) إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ( .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن غاب حملها معه إن كان أحرز [ .
فإذا غاب ربها ولا وكيل له ، فإنه يحملها معه في السفر إذا كان أحرز لها وذلك لأن الواجب عليه حفظها ، وبالسفر بها يحصل المقصود من حفظها ، وعلى مالكها مؤنة السفر بها إن نوى المودع عنده الرجوع على الموِدع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإلا أودعها ثقة [ .
وإلا – أي إلا يكن السفر بها أحرز ، أو نهى عن ذلك المودع كأن يقول له : أضع عندك هذه الأمانة لكن إذا حصل خوف أو نحوه فلا تسافر بها – فحينئذ يدفعها إلى الحاكم ؛ لأن الحاكم يقوم مقام الغائب .
فإن لم يجد حاكماً أهلاً لوضعها عنده فإنه يودعها – كما قال المؤلف - : ( ثقة ) .
إذن : يودعها الحاكم فإن تعذر ذلك أودعها ثقة للحاجة إلى ذلك .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ومن أودع دابةً فركبها لغير نفعها أو ثوباً فلبسه أو دراهم فأخرجها من محرزٍ ثم ردها أو رفع الختم ونحوه عنها أو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن [
من اودع دابة فركبها لغير نفعها أي ولم يؤذن له في ذلك ، أو أودع ثوباً فلبسه أو دراهم فأخرجها من محرزٍ أي من حرزها ثم ردها ، أو رفع الختم الذي على كيس الدراهم أو نحوه كأن يقطع ما على الكيس من حبل أو نحوه أو خلط الوديعة بغير متميز كأن يضع عنده زيتاً فيخلطه بزيت آخر ففي مثل هذه المسائل يضمن المودع عنده – فإذا تلفت في مثل هذه المسائل عليه الضمان .
وذلك لأنه متعدٍ حيث تصرف في ملك غيره بما لا حق له به فانتقلت يده من كونها يد أمانة إلى يد تعدٍ ، فخرج من الاستئمان وليس مرادهم أن التلف حاصل بسبب هذا التعدي ، بل يضمن ولو كان هذا الاستعمال لم تتلف به ، وإزالة الختم لم تتلف به ، وإخراج الدراهم لم تتلف به لكنه بمثل هذه الأفعال يكون قد خرج عن الاستئمان ، فأصبح متصرفاً حينئذ ممسكاً لهذه العين لحظ نفسه حيث تصرف فيها ، فيده أصبحت يد تعدٍ أشبهت يد الغاصب لأنه أصبح يتصرف في ملك غيره باستعمال أو نحو ذلك فخرج عن الاستئمان هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد ومذهب الإمام الشافعي .
فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويقبل قول المودع في ردها إلى ربها [ .
إذا اختلف المودع والمودع عنده في رد الوديعة ولا بينة ، فالقول قول المودع عنده مع يمينه وذلك لأنه أمين وقد قبضها لحظ غيره فهو محسن إحساناً محضاً وما على المحسنين من سبيل ، فهو ممسكها لحظ غيره بخلاف المرتهن فإنه قد قبض الرهن لحظ نفسه ، وظاهر كلام المؤلف أن ذلك مطلقاً أي سواء كان المودع قد أقام بينةً على الإيداع أم لم يقم .
بمعنى : وضع زيد عند عمرو أمانة وأشهد شاهدين على وضع هذه الأمانة عند عمرو ثم بعد سنة أدعى عمرو الرد فحينئذ يقبل قوله بلا بينة ، هذا ظاهر كلام المؤلف وهو المذهب وهو مذهب الجمهور .
والقول الثاني : وهو مذهب الإمام مالك ورواية عن الإمام أحمد أنه إن كان المودع أقام بينةً عند الإيداع فلا يقبل قول المودع عنده إلا بينة وذلك لأن ترك الإشهاد على الحقوق الثابتة بالبينة تفريط وهنا هذه الأمانة قد ثبت عنده بالبينة وإذا ترك الإشهاد على ردها فإن هذا تفريط منه ولأن المقصود من هذه البينة هو حفظ حق أي حق المودع وهذا القول فيه قوة ظاهرة والعمل في المحاكم على القول الأول وهو مذهب الحنابلة .
إذن : على الأقوى والأرجح المسألة فيها تفصيل .
فيقال : إن وضع عنده الوديعة بلا بينة فإنه يقبل قول الأمين بلا بينة في الرد وأما إذا وضعها بينة فحينئذ أصبح غرضه من وضع هذه البينة تأكيد حفظ حقه ، فلا يقبل قول الأمين إلا ببينة فإذا أدعى الرد ببينة لم يقبل قوله ، ولو كان قد ردَّ فإنه قد فرطَّ لأن الحقوق الثابتة بالبينات ترك الإشهاد عليها تفريط .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو غيره بإذنه [ .
إذا قال المودع عنده : أنا قد أعطيت الوديعة فلاناً بإذنه أي بإذن المودع ، فهنا لا يدعى المودع عنده أنه رد الوديعة إلى المودع كما في المسألة السابقة بل يقول : أنا أعطيتها بكراً وذلك لأنه أذن لي بذلك أو أمرني بذلك .
1- فالمشهور في المذهب : أن الحكم كذلك فالقول قول المودع عنده لما تقدم ، فالعلة السابقة ثابتة في هذه المسألة.
2- وقال الجمهور : بل القول قول المالك .
قالوا : لأن الأصل هو عدم الأذن ، وهنا المودع عنده يدعي خلاف الأصل ، ومن أدعى خلاف الأصل فعليه البينة ومن معه الأصل وهو المالك هنا ، القول قوله مع يمينه .
والقول الأول أرجح للعلة المتقدمة وهو أنه محسن وما على المحسنين من سبيل ، وأما كون الأصل عدم الأذن ، فإن هذا يشبه المسألة السابقة فإن الأصل عدم الرد أيضاً ومع ذلك فقد حكمنا بقول الأمين مع أن قوله خلاف الأصل ، فالأصل عدم الرد وهنا عدم الأذن كذلك .
فإذن تركنا للأصل هناك سببه التمسك بقوة يد الأمين وأنها يد أمانة وأنها يد محسنة وكذلك هنا ، فيخالف الأصل بهذا الدليل أيضاً .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وتلفها وعدم التفريط [ .
فإذا اختلفا في تلفها ، فقال المودع عنده قد تلفت عنده فالقول قوله أي قول المودع عنده ، ولا ضمان عليه لأن الأمين لم يضمن حيث لم يتعدَّ ولم يفرط .
فإذا أدعى أنها قد تلفت بغير تعدٍ ولا تفريط فالقول قوله أي قول المودع عنده ، لأن يده يد أمانة ، ما لم يدعي تلفاً ظاهراً لا يعجز عن إثباته بالبينة فحينئذ لا يقبل قوله إلا ببينة كحريق عام أو نهب جيش ونحو ذلك ، فهذا لا يتعذر عليه أن يأتي ببينة لأنه شيء ظاهر .
إذن : إذا أدعى المودع عنده تلفاً فإما أن يكون هذا التلف خفياً فالقول قوله مع يمينه وإما أن يدعي تلفاً ظاهراً لا يتعذر عليه إقامة البينة فحينئذ يطالب بالبينة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن قال لم تودعني ثم ثبت ببينة أو إقرار ثم أدعى رداً أو تلفاً سابقين لجحوده لم يقبلا ولو ببينة [ .
إذا أدعي زيداً أنه وضع أمانة عند عمرو ، فعند القاضي قال عمرو : لم تودعني المقصود أنه جحد ونفى الإيداع – وكان ذلك في يوم الأربعاء مثلاً ، ثم ثبتت الوديعة ببينة كأن يأتي المودع بما يدل على صدق قوله ، أو أقرَّ المودع عنده بذلك بعد جحوده ، ثم أدعى المودع عنده أنه ردها رداً سابقاً لجحوده أو أنها تلفت تلفاً سابقاً لجحوده كأن يدعي أنه ردها يوم السبت السابق أو يوم الأحد أو نحو ذلك .
فحينئذ لا يقبل قوله وذلك لأنه بجحوده وإنكاره قد خرج عن حد الأمانة فلم يصبح أميناً يقبل قوله ، فقد خرج عن الاستئمان بجحوده وإنكاره .
قالوا : ( ولو ببينة ) : أي ولو جاء المودع عنده ببينة على أنها قد تلفت أو ردها ، قال المؤلف : فلا يقبل قوله وذلك لأنه مكذب للبينة ، وذلك أنه قد جحد وأنكر أن يكون لفلان عنده أمانة وهذه البينة التي له تثبت أمرين :
الأمر الأول : أنها تثبت الأمانة ، والثاني : أنها تثبت الرد ، إذا لا رد ولا إتلاف إلا وهو مسبوق بإيداع ، وقد جحد هذا الإيداع وجحد هذه الأمانة فحينئذ الرد والإتلاف يكون تبعاً لذلك فهو مكذب لها .
والقول الثاني في المذهب : قبول قوله وهو الراجح وذلك لأن الكذب الصادر منه لا يمنه من إظهار الحق ولا يمنع من إعطائه حقه .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] بل قوله مالك عندي شيء ونحوه [ .
إذا قال المودع عنده – في مجلس القاضي : مالك عندي شيء ، أو قاله في مجلس الشهود أو قال : ذلك للمودع ، ثم بعد ذلك ثبتت الوديعة ببينة من المودع أو بإقرار من المودع عنده ، ثم أدعى تلفاً أو رداً سابقين فحينئذ القول قوله – أي قول المودع عنده – بلا بينة وذلك لأنه إذا قال مثل هذه العبارات فإنها عبارات لا تفيد إنكاراً ولا جحوداً ، فقوله : ( مالك عندي شيء ) أي لا يجب لك علي شيء لأني قد رددتها في الأسبوع السابق أو لأنها تلفت في الأسبوع السابق ، فلا تعارض بين قوله الأول وبين قوله الثاني فلا يخرج بذلك عن حد الأمانة ولكن لابد وأن يكون القاضي فطناً ، فإنه قد يأتي بمثل هذه الألفاظ نيابةً عن الجحود والإنكار ، فإذا ثبت للقاضي بالقرائن الثابته مثل هذا فإنه لا يقبل قوله ، كأن يقول : ليس لك علي شيء ثم يجلس المودع يبحث شهراً عن الشهود ثم يأتي بالشهود فيقول المودع عنده : قد رددتها إليه فلا شك أن مثل هذا أراد الجحود والإنكار فالمقصود أن مثل هذه الألفاظ لا تخرجه عن حد الأمانة إلى حد الخيانة وذلك لأن مثل هذه الألفاظ تقال مع رد سابق أو تلف سابق .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو بعده بها [ .
أي بعد الجحود بها أي بالبينة ، فتقبل بينته إذا جحد الأمانة وقال : أنت لم تودعني فأقام المودع ببينة تثبت الإيداع أو أقر هو بالوديعة ثم بعد زمن أدعى الرد وأقام بينة على ذلك فتقبل ببينة على ذلك وذلك لأن الجحود والإنكار لا ينافي هذه البينة الجديدة التي قد صدرت بعد ذلك الجحود مثال ذلك إذا أنكر الوديعة في أول الشهر ثم ثبتت بالبينة في منتصف الشهر ثم أدعى الرد أو التلف في آخر الشهر ببينة قبلت لعدم التنافي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن أدعى وارثه الرد منه أو من مورثه لم يقبل إلا ببينة [
أودع زيد وديعة عند عمرو ، فمات عمرو ، فادعى الوارث أنه قد ردها هو ولذا قال :
( منه) فالضمير يعود إلى الوارث فيقول الوديعة التي كانت عند والدي قد رددتها إلى زيد أو أدعى أن مورثه وهو عمرو قد ردَّ الوديعة قبل وفاته فحينئذ لم يقبل إلا ببينة ، لأن قوله يخالف الأصل ، فالأصل هو عدم الرد ، وإنما خرجنا عن الأصل سابقاً مراعاةً لقول الأمين الذي قد وضعت الوديعة عنده ، وأما هنا فالمدعي غيره فتبقى القاعدة فالبينة على المدعي واليمين على من أنكر. فإن قال الورثه إن المورث لم يتركها فلم نجد عنده شيء لم يلزمه شيء إلا ببينة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن طلب أحد المودعين نصيبه من مكيلٍ أو موزون ينقسم أخذه [ .
إذا وضع زيد وعمرو عند بكر وديعةً وهي كذا وكذا صاعاً من الطعام فأتى أحدهما إلى بكر وقال : رد إلى نصيبي وكل واحد منهما له النصف فإذا قال أحدهما أعطني نصيب وأمكن القسمة بلا ضرر على الأخر فذلك جائز .
فإن كان هناك ضرر فلا يجوز إلا أن يشرف على هذا الحاكم أي القاضي فإذا كان يخشى الحيف في القسمة كأن يكون هذا في أشياء لا يؤمن في قسمتها الحيف فحينئذ لابد وأن يحضر الشريك أو القاضي فيشرف على هذه القسمة لإزالة ما يخشى من الحيف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وللمستودع والمضارب والمرتهن والمستأجر مطالبة غاصب العين [ .
للمستودع وهو المودع عنده .
والمضارب : وهو الذي أعطى مال ليتاجر به ، والمرتهن وهو من وضع عنده الرهن والمستأجر ، لكل من هؤلاء مطالبة غاصب العين .
فإذا اغتصبت العين المؤجرة أو العين المرهونة أو العين المودعة ونحو ذلك فلهؤلاء أن يطالبوا الغاصب بالحق وذلك لأن هذا من حفظ الأمانة .
وعبارة صاحب الفروع أن ذلك يلزمه وهو ظاهر أي اللزوم حيث كان صاحب المال غائباً أو نحوه فيلزمه المطالبة لأن هذا من الحفظ المأمور به : ) أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ( وأما إذا حرجت عن يده قهراً وتمكن صاحبها أن يطالب بها فلا يظهر وجوب ذلك عليه – أي على المستأجر والمرتهن والمودع عنده والمضارب – بل له أن يطالب .
ويظهر لزوم هذا عليه حيث كان الأخر غائباً بحيث إن لم يطالب بها ضاع حق الأخر فحينئذ يجب عليه أن يطالب محافظة على الوديعة فقد أمره الله عز وجل بالمحافظة عليها .
و الله اعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبيناً محمد وعلى آله وصحبه أجمعين