المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
اللقيط
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

باب اللقيط

 

اللقيط : على زنة فعيل بمعنى مفعول أي الملقوط

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وهو الطفل الذي لا يُعرف نسبه ولا رقه نبذ أو ضل [

والطفل هو من لم يميز .

والمشهور في المذهب وهو قول أكثر الحنابلة أن غير البالغ كالطفل أي إذا نبذ أو ضاع ولا يعرف نسبه ولا رقه فهو لقيط ويكون ذكر الطفل من باب ذكر الغالب ، فإن الغالب فيمن ينبذ ويضل أنه الطفل الذي لا تمييز له.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وأخذه فرض كفاية [ .

وذلك لأنه من باب إنقاذ من تخشى هلكته وعطبه كإنقاذ الغريق وإطعام الجائع ونحوهم فإذا لم يقم به البعض أثم الجميع فهو من باب فروض الكفاية .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وهو حر [ .

فاللقيط يحكم له بالحرية ، وذلك لأن الأصل الحرية وفالرق عارض ولما روى مالك في موطئه بإسناد صحيح أن عمر قال لملتقط ، وقد سأل عريفه عنه فقال له : ( إنه رجل صالح فقال : اذهب فهو حر وأنت وليه وعلينا نفقته ) فإن أدعى إنسان أنه مملوك له لم يقبل قوله إلا ببينة حتى الملتقط وإن كان المدعي سوى الملتقط في يده فإن القول قوله مع يمينه فإذا أدعى رجل أن هذا الطفل الذي في يده أنه مملوك له فإن قوله يقبل مع يمينه بلا بينة " ذلك لأنه في يده فما دام في يده فالقول قوله " .

وأما الملتقط فلا يكفي أنه في يده وذلك لمعرفتنا سبب كونه في يده وهو الالتقاط ، بخلاف الآخر فإن الظاهر أنه ملك له فما دام في يده فهو ملك له فيقبل قوله بيمينه بلا بينة .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وما وجد معه [ .

فما وجد مع هذا الطفل ذكر كان أو أنثى ، كأن يوجد معه صرة فيها دراهم أو دنانيراً أو نحو ذلك

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو تحته طاهراً [ .

أي غير مدفون كفراشه ، أو ما يوضع تحت الفراش ، كأن يوجد تحت فراشه صرة فيها دراهم أو دنانير أو قطعة من ذهب أو نحو ذلك .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو مدفوناً طرياً [ .

أي يوجد تحت فراشه شيء من الدراهم والدنانير مدفونة ، ودفنها دفن طري ، فهي للقيط عملاً بالظاهر.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو متصلاً به كحيوان وغيره [ .

" متصلاً به " كحيوان يربط بسريره أو نحو ذلك كماشية ونحوها .

" وغيره " كأن يوجد في بستان وليس هناك أحد يدعي هذا البستان فهو له أو يوجد – مثلاً – في خيمة في بر ونحو ذلك فهي له .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وينفق عليه منه [ .

أي ينفق عليه الولي منه ، والولي من تقدم وهو الملتقط ، فهذا الملتقط ينفق على هذا اللقيط من هذا المال الذي وجده معه ، فينفقها عليه بطعام وشراب وكسوة ونحو ذلك مما يحتاج إليه بالمعروف .

فإن اختلف الملتقط واللقيط – أي بعد بلوغه – في النفقة ، كأن يقول اللقيط أنفقت آلفاً ويقول الآخر : أنفقت خمسمائة أو اختلفا هل أسرف الملتقط في الإنفاق أم لم يسرف ؟

فالقول : قول الملتقط لأنه أمين والقول قول الأمين .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإلا فمن بيت المال [ .

إن لم يكن معه مال ينفق عليه منه ، فينفق عليه من بيت المال لما تقدم من قول عمر : ( وعلينا نفقته ) فإن لم ينفق عليه من بيت المال لكونه ليس بمنتظم بمصالح المسلمين أو ليس هناك بيت مال ، فيجب عليه أن ينفق عليه من علم حاله من المسلمين وهذا فرض كفاية سواء كان الملتقط أوغيره .

فإن أنفق عليه منفق بنية الرجوع إلى اللقيط إذا بلغ وأيسر أو الرجوع إلى بيت المال فله ذلك .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وهو مسلم [ .

فاللقيط يحكم بإسلامه ، وذلك إن كان التقاطه في دار إسلام تبعاً للدار ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وأما إذا كان في دار كفار أي وجد في دار كفار فإنه يحكم عليه بالكفر سواء كان فيها مسلمون أو لم يكن فيها مسلمون – تبعاً للدار هذا هو المشهور في المذهب .

وقال الشافعية وهو وجه في المذهب : إن كان في البلد مسلمون فإنه يحكم له بالإسلام تغليباً للإسلام ، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه وفيه قوة حيث أمكن أما إذا لم يمكن ، أو ثبتت قرائن تدل على كفره فلا كأن يوجد في قرية من قرى الكفار وكان عليه بعض لباسهم وزيهم ونحو ذلك فلا يمكن أن ينسب مع ذلك إلى المسلمين .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وحضانته لواجده الأمين [ .

الحضانة تكون لواجده الأمين فيشترط أن يكون الحاضن له أميناً وهو واجده وعليه فإن كان فاسقاً فلا حضانة له عليه لان المقصود من حضانته حفظه و القيام بمصالحه ،.

ودليله ما تقدم من أثر عمر لما سأل عريفه عن الرجل فقال هو رجل صالح .

وعليه فإذا كان الملتقط فاسقاً فإن الإمام ينزع اللقيط من يد هذا الواجد ويضعه في يد أمين و عنه يصح أن يكون فاسقاً إذا كان أميناً عليه و هو مذهب الأحناف و الحاجة داعية إليه فإن وجده اثنان حكم للأنفع له منهما ، فإذا وجده اثنان أحدهما أنفع للقيط في دينه ودنياه فإنه يحكم له به مراعاة للأحظ لهذا اللقيط فإن اختلف فيه اثنان كل يدعى أنه التقطه ، فيحكم لمن كان في يده فإن لم يكن في يد أحدهما فحينئذ نسلك مسلك القرعة هذا إذا لم يكن هناك بينة ، أما إذا كان هناك بينة فإن البينة تظهر الحق وتقضي به .

والذي يتبين أنه إن كان أحدهما أنفع للقيط من الآخر فإنه يحكم له حيث لم تكن يد الآخر عليه ولا بينة .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وينفق عليه بغير أذن الحاكم [ .

لأنه ولي فلم يحتج إلى أذن الحاكم .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وميراثه وديته لبيت المال [ .

إذا مات اللقيط وله مال ، أو قتل ، فماله الذي ورثَّه وديته تكون لبيت المال لأنه لا وارث له لا بنكاح ولا بنسب ولا بولاء هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور .

واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو قول إسحاق أن الملتقط يرثه وذلك لأن أنعام الملتقط على لقيطه ليس دون إنعام المعتق على معتقه ، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات وهذا القول هو الأرجح وفي السنن بسند ضعيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قـال :

( المرأة تجوز ثلاث مواريث : لقيطها وعتيقها وولدها الذي لا عنت عليه ) والحديث إسناده ضعيف لكن المعنى يدل عليه .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ووليه في العمد الإمام بتخيير بين القصاص والدية [ .

إذا قتل اللقيط عمداً فإن وليه الإمام يتخيير إما القصاص وإما الدية فيختار الأصلح هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور .

وقد يقال إن وليه في ذلك ملتقطه لقول عمر : ( أنت وليه ) وقد تخرج هذه المسألة على المسألة السابقة .

فإن قطع للقيط طرف فإنه ينتظر بالجاني حتى يبلغ اللقيط ويرشد ثم يقال له : إن شئت أن تأخذ بالقصاص وإن شئت أن تأخذ بالدية .

وعن الإمام أحمد : أن للإمام استيفاء القصاص قبل البلوغ ، واختاره صاحب الفائق وهو أرجح .

وعليه أيضاً : له أن يختار الدية ، فيختار الأصلح من قود أو دية .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن أقر رجل أو امرأة ذات زوج مسلم أو كافر أنه ولده ألحق به ولو بعد موت اللقيط [ .

هنا مسألتان :

1-                 المسألة الأولى : إذا أقر رجل – سواء كان هذا الرجل مسلماً أو كافراً حراً أو عبداً – أقر أن هذا اللقيط ولده فيقبل قوله ولا يطالب ببينة لما في ذلك من مصلحة اللقيط في اتصال نسبه ولا نتزحزح عن الحكم المتقدم وهو الحكم بحريته وإسلامه فكون المدعي كافراً لا يجعلنا ننتقل إلى الحكم بكفر هذا اللقيط ولا الحكم برقه بعد حريته .

فإذا أدعى كافر أن هذا اللقيط ابن له وقد حكمنا له بالإسلام ، فيثبت له الإسلام يبقى له ويثبت نسبه لهذا الكافر .

وكذلك تثبت حريته ويثبت نسبه لهذا الرقيق .

2-                 المسألة الثانية : أن تدعيه امرأة فتقول : هو ابني و لو كانت ذات زوج ، فحينئذ يلحق بها ولا يلحق بالزوج – هذا هو المشهور في المذهب .

وقال الجمهور وهو قول في المذهب بل لا يلحق بها لأنه لا منفعة له بذلك إذ لا يثبت له بذلك نسب ، وأيضاً يتضرر بذلك زوجها ويتضرر بذلك أهلها للحوق العار بهم – وهذا هو القول الراجح وعلى القول بأنه يلحق بها – كما هو المشهور في المذهب – إذا ادعته الزوجة فلا ينسب إلى الزوج والعكس كذلك فإذا ادعاه الزوج فلا ينسب لزوجته إذ قد يكون لنكاح شبهة أو من زوجة أخرى ، أو نحو ذلك فما دام إنها لم تقربه فلا ينسب إليها ، أما إذا أقرت به فإنه ينسب إليها قوله و لو بعد موت اللقيط : و القول الثاني لا يقبل مجرد الإقرار إن كان هناك تهمة و هو كأن يكون هناك له مال.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولا يتبع الكافر في دينه إلا ببينة تشهد أنه ولد على فراشه [ .

إذا ادعى كافر أن هذا اللقيط ابنه ، وجاء ببينة تدل على أنه ولد على فراشه فحينئذ تلحقه بهذا الكافر نسباً وديناً لأن البينة قامت على أنه ابن له وحينئذ يلحق به في دينه وأما إذا كانت مجرد دعوى لا بينة معها فنثبت له النسب لا الدين .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن اعترف بالرق مع سبق مناف أو قال : أنه كافر لم يقبل منه [ .

إذا قال هذا اللقيط بعد أن بلغ : أنا رقيق مع سبق مناف أي مع سبق شيء مناف لذلك كأن يكون قد باع واشترى أو نكح أو نحو ذلك فهذه أفعال لا يفعلها إلا الأحرار .

وكذلك إذا كان مع عدم سبق مناف فالحكم كذلك فلا يقبل منه ذلك خلافاً لظاهر كلام المؤلف ، لحق الله عز وجل في الحرية ، فإن الحرية يلحقها أحكام ، إذن هذه مجرد دعوى لا تخرج بها من الأصل من ثبوت حريته وما يترتب على ذلك من أحكام لله عز وجل في الأحرار أو لما بلغ قال إنه كافر ، فلا يقبل منه ، وحينئذ فلا يبقى مسلماً بل يكون مرتداً ، لأنه إذا قبلنا منه وقلنا أنت كافر فحينئذ نبقيه كسائر الكفار الذين قد تثبت لهم أحكام تعصم دماءهم كالذميين وأما إذا لم تقبل منه ذلك فحينئذ يكون قوله ردة فيحكم عليه بالقتل .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن ادعاه جماعة قدم ذو البينة [ .

إذا ادعاه جماعة ، فكل يقول هذا ابني ، فإنه يقدم ذو البينة منهم سواء كان مسلماً أو كافراً حراً أو عبداً لأن البينة تظهر الحق وتحكم به .

 

 

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإلا فمن الحقته القافة به [ .

إن لم تكن هناك بينة ، فنعرضه على القافة ونحكم بقولهم و يكفي قول قائف عدل ذي تجربة.

والقافة : قوم لهم معرفة في النسب فيلحقون الشبيه بشبيهه وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( دخل على عائشة يوماً مسروراً تبرق أسارير وجهه فقال : ألم ترى إلى مجزر المدلجي " وبنو مدلج كانوا مشهورين بالقيافة " قد دخل على أسامة وزيد وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال : إن هذه الأقدام بعضها من بعض ) فقد أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم العمل بها ، وكذلك أقرَّ عمر كما في البيهقي والطحاوي بإسناد صحيح .

فإن حكمت البينة للجميع حُكم به للجميع فكان ابناً لهم يرثهم ويرثونه ويثبت الأحكام كلها .

ودليل ذلك الأثر عن عمر ، فقد ثبت في البيهقي والطحاوي بإسناد صحيح : ( أن رجلين اشتركا في وطء امرأة في طهر فدعى عمر القافة فقال : أخذ الشبه بهما جميعاً ، فقضى به لهما ) فيحكم به للجميع وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد و ذهب الشافعية إلى أنه لا يمكن ذلك لأن البويضة إنما تتلقح بحيوان منوي واحد كما قرر الأطباء المعاصرون و قرره أيضاً ابن القيم و عليه فيخير بينهما عند بلوغه و هو أظهر ، وإن أشكل على القافة أو نفى القافة أن يكون شبيهاً لأحد من هؤلاء المدعين ؟

ضاع نسبه في المشهور من المذهب .

وقال الإمام أحمد في رواية عنه بل يلحق بأيهما أحب وهو القول الراجح وهو مذهب الشافعية ودليله : ما ثبت في البيهقي بإسناد صحيح : ( أن رجلين ادعيا رجلاً ولا يدرى أيهما أبوه فقال عمر : اتبع أيهما شئت ) .

وهل ينتظر حتى يبلغ أو حتى يميز ؟

قولان للشافعي :

1-                 القول القديم للشافعي : أنه ينتظر حتى يبلغ .

2-                 والقول الجديد : أنه ينتظر حتى يميز .

والقول القديم هو قول في المذهب وهو أولى وأنه ينتظر حتى يبلغ لأن اختياره بعد ذلك يكون أتم

 

 

 

 

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبيناً محمد وعلى آله وصحبه أجمعين




حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net