![]() |
![]() ![]() |
|
المكتبة المقروءة
:
الفقه
:
زاد المستقنع - الطلاق
|
|
المكتبة المقروءة
:
الفقه
:
زاد المستقنع - الطلاق
الطلاق |
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعينكتاب الطلاق
الطلاق لغةً : التخليةوفي الإصطلاح : حل قيد النكاح أو بعضه ، و" حل قيد النكاح " : أي كله بأن يطلق المرأة الطلاق البائن ، " أو بعضه " : بأن يطلقها الطلاق الذي تثبت معه الرجعة. قوله : [ يباح للحاجة ]فإذا كان الطلاق لحاجة فهو مباح وهذا بإجماع أهل العلم ، وهذا كأن يكون في المرأة سوء خلق أو نحو ذلك. قوله : [ ويكره لعدمها ]فيكره الطلاق لعدم الحاجة ، فإذا كانت الحالة مستقيمة بين الزوجين فإن الطلاق حينئذٍ مكروه ، وهذا هو المشهور من المذهب ، قالوا : لما روى أو داود في سننه أن النبي r قال : ( أبغض الحلال إلى الله الطلاق ) ، والحديث ورد موصولاً ومرسلاً ، والإرسال هو الصواب فيه كما رجح هذا أبو حاتم والدارقطني والبيهقي وغيرهم، قالوا: لأن الطلاق فيه إزالة النكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها من تحصين الفرج ومن النسل ، وفي البزار بإسنادٍ ضعيف أن النبي r قال : ( لا يطلق الرجل إلا من ريبة فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات ) . وعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة أن الطلاق محرم ، وذلك لما فيه من إعدام المصلحة الحاصلة للزوجين ، فكان كإتلاف المال وإتلاف المال بلا حاجة محرم وفي هذا القول قوة والله أعلم. قوله : [ ويستحب للضرر ]يستحب الطلاق للضرر الواقع على المرأة بسبب الشقاق الحاصل بينها وبين زوجها ، وذلك لما فيه من دفع الضرر الواقع على المرأة بسبب سوء العشرة ، وتقدم أن العشرة إذا ساءت بين الزوجين بحيث لم يمكن التلاؤم بينهما فإنه يُبعثُ حكمان ، حكم من أهله وحكم من أهلها ، وأصح قولي العلماء أنهما حكمان يقضيان بما يريانه وقد تقدم البحث في هذا ، قالوا : ويستحب الطلاق إن كانت المرأة تاركةً لبعض الحقوق الواجبةِ عليها من صلاة أو صيام أو نحو ذلك ويريدون بالصلاة بحيث لا تكفر ، كأن تكون تترك شيئاً من الصلوات بحيث لا تكفر بها ، قالوا : ويستحب الطلاق إن كانت المرأة غير عفيفة ، وعن الإمام أحمد وجوب ذلك ، فإذا كانت تاركة لبعض الواجبات أو كانت غير عفيفة ، فيجب طلاقها ، وهذا هو القول الراجح ، وهذا حيث لم يمكنه تقويمها ، وذلك لما في إبقائها معه مما يخشى من سريان ذلك إلى دينه بالنقص ، أي إن كانت فاسقة ، فإن كانت غير عفيفة ، فيخشى على فراشه منها ، وأن يدخل إلى نسبه ما ليس فيه . والقول بوجوب الطلاق ظاهر جداً لقوة التعليل المتقدم فإن هذه المرأة يخشى أن تفسد على زوجها فراشه وأن تنسب إليه ما ليس منه، وهذا اختيار شيخ الإسلام وابن سعدي ، وغير الصالحة إن لم يمكن تقويمها فالقول بوجوب الطلاق أضعف ، وإن كان فيه شيء من القوة. والذي يتبين في غير الصالحة هو التفصيل بأن يقال : إن كان الرجل يأمن على نفسه ويعلم من نفسه أي بالظن الغالب أنه أقوى بأن تؤثر المرأة عليه بنقص دينه فلا يقال بوجوب الطلاق وإنما يقال باستحبابه كما هو المشهور في المذهب ، و أما إن كان لا يأمن على نفسه الضعف ونقص الدين فيقوى الوجوب لأن إبقائها معه ، والحالة كما تقدم ذريعة مفسدة ، والشريعة قد أتت بسد الذرائع. قوله : [ ويجب للإيلاء ]هذا هو الحكم الرابع للطلاق ، فيجب للإيلاء ؛ وهو أن يحلف الرجل ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر ، ويأتي الكلام عليه في بابه إن شاء الله ، فإذا قضت الأربع أشهر ولم يفيء بوطء المرأة ، فإنه يجب عليه الطلاق. وهل يجب على الزوج أن يطلق امرأته بأمر والديه أم لا يجب ؟ المشهور في مذهب الإمام أحمد أنه لا يجب ، وعن الإمام أحمد: وجوب ذلك في حق الأب إن كان عدلاً وأمر ولده أن يطلق امرأته يجب عليه أن يطلقها ، ودليل ذلك ؛ ما روى الترمذي وأبو داود وابن ماجة وهو ثابت في مسند الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر قال : كان لي امرأة أحبها ، وكان عمر يكرهها فقال طلقها فأبيت فذكر ذلك للنبي r فقال : ( طلقها ) ، وهذا القول هو الأظهر حيث كان الأب عدلاً ، فعمر رضي الله عنه لا يشك في تحريه للعدل وعدم اتباعه للهوى ، فالذي يتبين أن الأب إذا أمر ولده أن يطلق امرأته وكان الأب عدلاً معروفاً برعاية الأصلح فإن الولد يجب عليه أن يطلق امرأته. وأما الأم ؛ فقد سئل شيخ الإسلام عن أمٍ تأمر ولدها أن يطلق امرأته فقال : " لا يحل له أن يطلقها بل عليه أن يبرها ، وليس تطليقه امرأته من برها ".آهـ وليست الأم كالأب في معرفة المصالح. قوله : [ ويحرم للبدعة ]أي يحرم الطلاق البدعي اتفاقاً ، كطلاق الحائض ويأتي الكلام عليه إن شـاء الله ، وعليه فالطلاق له أحكام خمسة فيباح ويكره ويستحب ويجب ويحرم. قوله : [ ويصح من زوج مكلف ]بلا خلاف بين أهل العلم ، فالزوج العاقل البالغ يصح طلاقه بلا خلاف بل قد أجمع أهل العلم على هذا ، والشريعة دالة عليه. قوله : [ ومميزٍ بعقله ]المميز الذي يعقل الطلاق ، طلاقه يقع في المشهور من المذهب ، والمراد بكونه يعقل الطلاق : أن يعلم أن هذا الطلاق يترتب عليه فراق المرأة وأنها لا تحل له ، واستدلوا بقوله r في الحديث الذي رواه ابن ماجة وغيره وهو حديث حسن : ( إنما الطلاق لمن أخذ بالساق ) ، وبقول علي الذي رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح أنه قال : "اكتموا الصبيان الطلاق" ، ومفهومه يدل على أن الطلاق من الصبيان يقع ، ولأنه طلاق وقع من عاقل في محله ، وذهب الجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد : إلى أنه لا يقع واستدلوا بقوله r : ( رُفع القلم عن ثلاثة – وذكر منهم – الصبي حتى يبلغ ) ، والذي يتبين ترجيحه هو القول الأول. وأما الجواب عن دليل القول الثاني : فإن المراد بالرفع رفع الإثم ، أي لا إثم عليهم ، وهذه المسألة متعلقة بحق آدمي وهي المرأة التي وقع عليها الطلاق ، بخلاف ما يتعلق بحقوق الله ، أما إذا كان الصبي لا يعقل الطلاق ، فلا يعلم ما يترتب عليه من أحكام ، من فراقه للمرأة وتحريمها عليه ، فلا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يقع ، وجماهير أهل العلم على أن السفيه غير الراشد إن طلق وقع ، وذلك لأنه إنما حجر عليه في ماله ، وكونه يحجر عليه في ماله لا يمنع من تصرفه في غيره ، وعلى ذلك يصح توكيل الصبي في الطلاق وكذلك السفيه ، وذلك لأن من صح تصرفه في الشيء صح توكيله فيه كما تقدم في باب الوكالة ، فتوكيل الصبي أباه أو أخاه ، وهو يعقل الطلاق ، توكيل صحيح لصحة تصرفه في شيء صح توكيله فيه. قوله : [ ومن زال عقله معذوراً لم يقع طلاقه ]من زال عقله بجنون أو إغماء أو ببنج لتداوٍ أو نحو ذلك فإن طلاقه لا يقع ، وكذا طلاق الموسوس فيه وكذا طلاق النائم وهذا باتفاق المسلمين ، وذلك لأن الأقوال إنما تعتبر في الشرع ممن يعقلها ويقصدها وهؤلاء لا يعقلون ما يتلفظون به ولا يقصدونه وفي البخاري معلقاً عن علي قال : " كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه ". إذن : إن زال عقله معذوراً كأن يُجن أو يغمى عليه أو أن يشرب دواءً أو أن يشرب مسكراً غير عالم بتحريمه أو هو عالم بتحريمه لكنه مكره ونحو ذلك ، فهؤلاء باتفاق أهل العلم لا يقع طلاقهم. قوله : [ وعكسه الآثم ]فالآثم في إزالة عقله وهو من شرب المسكر طوعاً فطلاقه يقع ، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم ، واستدلوا ؛ بما روى الترمذي بإسنادٍ ضعيف جداً أن النبي r قال : ( كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه ) ، والحديث إسناده ضعيف جداً ، وإنما يصح عن علي كما تقدم ، واستدلوا ؛ بالنظر فقالوا : إن هذا الرجل فرط في إزالة عقله فرتبت عليه الأحكام المترتبة على ألفاظه عقوبة له ، وهذا أيضاً ضعيف ، وذلك لأن الشارع قد عاقبه بالحد واختاره أبوبكر وابن عقيل . وذهب بعض أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد وهو أحد قولي الشافعي واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو مذهب طائفة من التابعين : أنه لا يقع الطلاق ، وهو قول عثمان وابن عباس ولا يعلم لهما مخالف كما قال ذلك ابن المنذر ، وقول علي المتقدم عام ، ورُوىَ عن بعض الصحابة ما يخالف قول عثمان وابن عباس ولكن لا يصح ، وأثر عثمان رواه البخاري معلقاً ووصله ابن أبي شيبة أنه قال : " ليس لسكرانٍ ولا لمجنونٍ طلاق " ، وقال ابن عباس : " طلاق السكران والمستكره ليس بجائز " ، أي ليس بماضٍ، رواه البخاري معلقاً، قالوا: والشريعة دلت عليه ، فالشريعة دلت على أن الأقوال التي يتلفظ بها السكران غير مؤاخذ عليها ومن ذلك أن النبي r كما في صحيح مسلم ؛ أمر أن يُستنكه ماعزٌ ، وقد أقر على نفسه بالزنا ولا فائدة من هذا إلا أن يرد إقراره ، ففيه أن إقراره وهو قول من أقواله لا يقبل حين كان شارباً للخمر ، ومن ذلك أن النبي r قال كما في سنن أبي داود : ( لا طلاق ولا عَتَاق في اغلاق ) ، ومن شرب الخمر فقد انغلق عليه قصده فلا يدري ما يقول ومنه الغضبان كما سيأتي ، وهذا القول هو الراجح لقوة أدلته ، فعلى ذلك من شرب الخمر طوعاً وأغماه الخمر فطلق امرأته فإن هذا الطلاق لا يقع ، والشرع إنما يعتبر الأقوال حيث كان المتلفظ بها في حالة عقل وقصد وأما حيث لا يعقل ما يقول ولا يقصده فإن الشارع لا يرتب على قوله شيئاً ولا يعتبر قوله.
قوله: [ ومن أكـره عليه ظلماً بإيلام له أو لولده ، أو أخذ مال يضره ، أوهدده بأحدها قادرٌ يظن إيقاعه به فطلق تبعاً لقوله لم يقع ] هذه المسألة في حكم طلاق المكره، وجمهور أهل العلم على أن طلاق المكره لا يقع ، ودليل ذلك قوله تعالى : ] إلا من أكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان [ ، فإذا كان الكفر لا يقع بالتلفظ به للإكراه مع أن الصدر منشرح بالإيمان ، فأولى من ذلك الطلاق فإذا أكره فطلق بقوله ولم يقصد ذلك بقلبه فليس قلبه منشرحاً بالطلاق فإنه لا يقع ، وقوله r : ( لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ) رواه أبو داود ، والإغلاق هو انسداد باب العلم والقصد والمكره قد انسد باب قصده فهو غير قاصد للطلاق ولا مريدٍ له ، ويدل عليه أيضاً : ما روى ابن ماجة والحديث حسن لغيره أن النبي r قال : ( إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عـليه ) ، والمكره إنمـا تلفظ بالطلاق لا لقصده وإنما لدفع الأذى الحاصل عليه ، وقـد قـال ابن عباس كما في البخاري : " الطلاق عن وَطَر " ، أي قصدٍ ، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير كما روى ذلك ابن حزم في المحلى . وقول المؤلف " ظلماً " يخرج ما لو أكره عليه بحق فإن الطلاق يقع ، كإكراه الحاكم المولى بالطلاق إن أبى الفيئه . قوله: " بإيلام له " : أي بضرب أو سجن طويل أو خنق أو غير ذلك ، وأما إن كان ضرباً يسيراً فإن الإكراه معه لا يعذر به وذلك لأنه لا يحتاج معه إلى الطلاق ، هذا إن كان ممن لا يبالي به ، وأما إن كان من ذوي المروءة الذين يؤذيهم ذلك أذىً عظيماً ويلحقهم ذلك إشهاراً وحطة عند الناس فإنهم يعذرون بذلك . قوله: " أو لولده ": فإذا كان الإيلام بالسجن أو الضرب الشديد لولد فكذلك ، فيتوجه - كما قال ابن رجب - أن يكون كذلك في كل من يُلحق مشقة عظيمة في أذاه ، من ولدٍ أو والدٍ أو زوجٍ أو صديقٍ ، وذلك لحصول الإكراه ، فيدخل ذلك في عمومات الأدلة . قوله: " أو أخذ مال يضره " : أي ضرراً كثيراً . قوله: " أو هدده بأحدها: " أي بأحد المذكورات ، فإذا هدده بأن يؤلمه إيلاماً شديداً أو يأخذ من ماله ما يضر به ضرراً كثيراً ، أو بأن يؤلم ولده أو والده أو زوجته أو صديقه ، فإذا هدد بذلك فإن طلاقه لا يقع ، ففي الكلام السابق حيث يقع المذكور وهنا لم يقع المذكور وإنما هدد به . قوله: " من قادر " : من سلطان أو متغلب كلص ونحوه . قوله: " يظن إيقاعه به " : قالوا يظن ظناً غالباً أي يظن ظناً غالباً أن هذا السلطان أو هذا الذي السلطان ظهره ، أو هذا اللص يمكنه أن يوقعه بهذا الوعيد أو التهديد إيقاعاً غالباً ، فإذا علم أنه يفعل ما هدده به ، أو غلب على ظنه ذلك فإنه يحصل بذلك الإكراه ، وقال شيخ الإسلام: " بل يكون إكراهاً مع استواء الطرفين، أي بمجرد كونه يخشى ذلك فإن الإكراه ثابت ولو لم يكن الظن غالباً، وهو كما قال فإن ذلك إكراهٌ ، فإذا هدده من يخشى منه ويخشى أن يوقع ما هدده به فإنه يكون مكرهاً وإن لم يغلب على ظنه أنه يوقع ما توعده به ، قوله: " فطلق تبعاً لقوله لم يقع " : وذلك للأدلة المتقدمة ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " من سحر ليطلق كان إكراهاً " ، قال صاحب الإنصاف: " بل هو من أعظم الإكراهات " لأنه لم يقصد الطلاق وإنما أكره عليه بالسحر ، فإذا أثبت أهل الخبرة أن هذا الرجل مسحورٌ ، وأن طلاقه كان بسحرٍ فإن الطلاق لا يقع.
قوله : [ ويقع الطلاق في نكاح مختلف فيه ] كنكاحٍ بلا وليٍ ، فالنكاح المختلف فيه يقع الطلاق فيه ، فيكون طلاقاً بائناً إن كان الزوج يعتقد فساده ، وإن كان يعتقد صحته كالحنفي الذي يقول به ، فإن الطلاق يكون رجعياً ، أما الحالة الثانية وهي فيما إذا كان يعتقد صحته فهذا ظاهر، وأما إذا كان يعتقد فساده فليس بظاهرٍ فالأظهر أنه لا طلاق له ، وإن من نكح نكاحاً فاسداً فطلق وهو يعتقد فساده ، فإنه لا طلاق له بل يفرق بينهما ، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة لأنه كالنكاحِ الباطل، واختاره شيخ الإسلام، فهو يعتقد أنه نكاح فاسد و الطلاق فرع عن النكاح الصحيح ، وهو لا يعتقد صحته وإنما يعتقد فساده وعليه فإنه يفرق بينهما ولا يكون طلاقاً ، وقد أجمع أهل العلم على أن الطلاق في النكاح الباطل لا يقع ، كمن نكح امرأة معتدة ثم طلقها ، فلا يكون هذا طلاقاً بل يفرق بينهم ، فإذا خرجت من عدتها فنكحها فلا تحسب عليه تلك الطلقة ، كذلك إذا نكح امرأة بلا وليٍ وهو يعتقد فساد هذا ، ثم نكحها بعد ذلك بولي ، فلا يحسب عليه طلقة لأنه ليس بنكاحٍ صحيح بل هو فاسد عنده ، والطلاق فرع عن النكاح الصحيح.
قوله : [ ومن الغضبان ] أي يقع الطلاق من الغضبان ، فطلاق الغضبان طلاق واقع ما لم يغمَ عليه ، أي ما لم يزل عقله به ، والطلاق في حالة الغضب له ثلاث صور ، صورتان لا نزاع فيهما وصورة فيها النزاع : الصورة الأولى : أن يطلق في مبادئ الغضب بحيث أن له تصوراً صحيحاً ، فطلاقه واقع بلا إشكـالٍ ، بل أكـثر الطلاق من هذا القبيل ، وهـذا لا خـلاف فيه بين أهل العلم. الصورة الثانية : أن يطلق وهو غضبان غضباً قد زال عقله معه بحيث أصبح لا يدري مـا يقول ، فأصبح كالمجنون أو المعتوه فهذا طلاقه لا يقع ، بلا نزاعٍ بين أهل العلم. الصورة الثالثة : وهي التي اختلف فيه أهل العلم وهي أن يطلق وهو في الغضب المتوسط ، أي الذي قد تعدى مبادئ الغضب ولم يصل إلى منتهاه ، فالغضب ثابت والعقل لم يَزُل ، فقد أختلف فيه أهل العلم : 1.فالمشهور عند الحنابلة وغيرهم وقوع الطلاق . 2. واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ؛ عدم وقوع الطلاق . وصفة الغضب المتوسط : أن يكون الغضب قد استحكم في الغاضب وأصبح غير كامل القصد ، بل أصبح الغضب يتصرف فيه فيسكته وينطقه كما قال تعالى : ] فلما سكت عن موسى الغصب [ ، فقصده ضعيف ، بل هو غير كامل وتصوره غير تامٍ ، بحيث أنه يقدم على الشيء ثم يندم عليه ، والراجح هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، وذلك لقوله r فيما رواه أبو داود وغيره : ( لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ) ، والإغلاق ؛ هو انسداد باب العلم والقصد ، ويدخل فيه السكران والمكره والمجنون والمعتوه وأيضاً الغضبان بل قد فسر الإمام أحمد والشافعي وأبو داود قول النبي r ( في إغلاق ) فسروه بالغضب ، وفسره أبو عبيدة بالإكراه ، والصحيح شموله لهما ولغيرهما مما تقدم ، وهذا الرجل الغضبان الذي قد طلق ، والغضب يسكته وينطقه وقد استحكم به وانتشر وهو غير تام القصد ، هذا قد انغلق عليه تمام قصده فلم يقع طلاقه ، وقد قال ابن عباس رضي الله عنه : " الطلاق عن وَطَر " ، وهذا ليس عن وَطـر فليس عن قصدٍ تام ، وقد نصر ابن القيم هذا القول بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة ، والنظر، في كتابه { إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان }.
قوله : [ ووكيله كهو ] وكيل الزوج كهو ، فللزوج أن يوكل في الطلاق، وذلك للقاعدة السابقة : " أن من صح تصرفه في الشيء صح توكيله فيه " ، فللزوج أن يوكل غيره سواء كان هذا الوكيل مكلفاً أو مميزاً يعقله ، فإذا وكل فإن الموكل يطلق عنه وذلك لأن الطلاق إزالة ملك كالعتق ، فكما يجوز التوكيل في العتق فيجوز التوكيل في الطلاق لأنه إزالة ملك.
قوله : [ ويطلق واحدة ] أي الوكيل ، فليس له أن يطلق أكثر من واحدة ، وذلك لأن الأمر المطلق يتناول ما يصدق عليه الاسم ، ثم إن الطلاق ثلاثاً بلفظٍ واحدٍ محرمٌ ، فليس له فعله.
قوله : [ ومتى شاء ] ولو كان بعد شهرٍ أو شهرين أو سنة ، وذلك لأن التوكيل فيه إطلاق ، أطلق هذا الموكل توكيله فقال : " وكلتك أن تطلق امرأتي " ، ولم يوقت له وقتاً ، فكان هذا التوكيل غير موقت ، فلو طلق بعد سنة أو سنتين فإن الطلاق يقع ما لم يرجع عن التوكيل ، فإذا قال: رجعت عن توكيلك فذلك جائزٌ ، فللزوج الرجوع في التوكيل كسائر الوكالات ، وقد تقدم في باب الوكالة. فإن طلق الوكيل وادعى الزوج أنه قد رجع في هذه الوكالة فما الحكم ؟ المشهور في المذهب: أنه يقبل قول الزوج ، وعن الإمام أحمد: أنه لا يقبل قوله إلا ببينة تدل على أنه قد رجع قبل إيقاع الطلاق ، واختار هذا شيخ الإسلام وهو القول الراجح كسائر الوكالات ، ففي سائر الوكالات لا يقبل ادعاؤه الرجوع بعد فعل الوكيل الوكالة إلا ببينة ، وهنا كذلك.
قوله : [ إلا أن يعين له وقتاً ] فإذا قال له : " وكلتك أن تطلق امرأتي اليوم " فطلق غداً فلا يقع الطلاق لأن هذه الوكالة قد جعل لها وقتاً. قوله : [ وعدداً ] فإذا قال له : " وكلتك أن تطلق طلقتين " ، وليس له أن يزيد على ذلك.
قوله : [ وامرأته كوكيله في طلاق نفسها ] إذا وكل امرأته بالطلاق فقال : " فوضعت إليكِ أمر نفسك " ، فكذلك لأنه يجوز له أن يتصرف في الطلاق فجاز له أن يوكل به.
فائدة : ذكر شيخ الإسلام أن طلاق الفضولي كبيعه ، أي موقوف على الإجازة ، فإذا جـاء أجنبي فقال لزوجة فلان: " أنت طالق من زوجك " فأجاز الزوج فأمضى ذلك كبيع الفضولي.
فصل
هذا الفصل في الطلاق سنيّه وبدعيّه قوله : [ إذا طلقها مرة في طهر لم يجامع فيه ، وتركها حتى تنقضي عدتها فهو سنةٌ ] إذا طلقها مرة فقال : " أنت طالق " في طهر لم يجامعها فيه بمعنى حاضت المرأة فطهرت وتطهرت فطلقها ولم يجامعها، هذا هو طلاق السنة بالإجماع ، قال تعالى : ] فطلقوهن لعدتهن [ ، وفي الصحيحين أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض في عهد النبي r ، فسأل عمر النبي r فقال : ( مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء فليمسك بعد، وإن شاء فليطلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لـها النساء ) ، وثبت في النسائي بإسنـادٍ صحيح عن ابن مسعود قال : " طلاق السنة أن يطلقها طاهراً من غير جماع " ، لكن يستثنى من ذلك ما دل عليه حديث ابن عمر وهو مستثنى عند فقهاء الحنابلة ، وهو ما إذا طلقها وهي حائض فإنه يؤمر بمراجعتها ، فإذا طهرت من حيضها فلا يطلقها بل ينتظر حتى تحيض ثم تطهر وبعد ذلك يطلقها إن شاء كما دل على ذلك حديث ابن عمر. وعليه فالطهر الذي يتعقب الرجعة في طلاق الحيض الطلاق بدعي .
قوله : [ فتحرم الثلاث إذاً ] أي إذ هي طاهر لم تجامع فيه، فإذا طلقها ثلاثاً بكلمة واحدة أو بكلمات في مجلسٍ واحد أو في مجالس، و لم يكن هذا الطلاق المكرر بعد رجعة ولا بعد عقد فهذا محرم ، وذلك كأن يقول : " أنت طالق ثلاثاً " أو يقول: " أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق " ، سواء كان ذلك في مجلس واحد كما في المثالين السابقين ، أو كان بأكثر من مجلس ، بأن قال لـها في مجلس يوم السبت: " أنت طالق " ولم يراجعها فلما جاء يوم الأحد قال لها " أنت طالق " أي طلقة ثانية فلما جاء يوم الاثنين قال: " أنت طالق " أي ثالثة وليس الثانية بعد رجعة ولا عقد ، وكذلك الثالثة فهذا كله محرم. ودليل ذلك ما روى النسائي والحديث صحيح من حديث محمود بن لبيد أن النبي r " أخبر عن رجلٍ طلق امرأته بثلاث تطليقات جميعاً " فقام النبي r وهو غضبان فقال : ( أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ) ، واللعب بكتاب الله محرم ، ولأن الطلاق الوارد في الشرع إنما أن يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ، ولذا قال تعالى : ] فطلقوهن لعدتهن [ وقال سبحانه وتعالى : ] لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً [ ، أي الرجعة وهذا الطلاق – أي طلاق الثلاث – ليس بعده رجعة فكان محرماً ، وهذا مذهب جمهور العلماء ، وقال الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد ؛ هو جائز واستدلوا بحديث عويمر العجلاني في قصة الملاعنة وفيه أنه قال: " كذبت عليها أن أمسكتها هي طالق ثلاثاً " ، واستدلـوا بمـا ثبت في الصحيحين عـن أم رفـاعة قـالت للنبي r :إن أبا رفاعة بت طلاقي " ، قالوا ؛ فهذا يدل على جوازه لأن النبي r لم ينكره ، والقول الأول هو الراجح. والجواب عما استدل به الشافعية : أما الدليل الأول : فإن النبي r لم ينكر على عويمر لأن هذا اللفظ لا فائدة منه ولا قيمة له وذلك لأن الملاعنة يثبت معها البينونة الكبرى ، فيفرق بين المتلاعنين تفرقاً لا اجتماع بعده ، وأما حديث أم رفاعة ففي رواية مسلم أنها قالت " طلقني آخر ثلاث تطليقات " ، فدل على أنه لم يقل: " هي طالق ثلاثاً " ، فالصحيح أن الطلاق ثلاثاً محرم. واختلف أهل العلم هل يقع ثلاثاً أم لا على قولين : القول الأول : وهو مذهب جماهير العلماء وهو قول الفقهاء الأربعة وعليه فتوى أئمة الدعوة النجدية أن هذا الطلاق واقع ثلاثاً ، واستدلوا بفعل عمر ، وفي مسلم عن ابن عباس قال : " كان الطلاق على عهد النبي r وأبي بكر وسنتين من عهد عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر – إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فلوا أمضيناه عليهم - فأمضاه عليهم " ، قالوا : لأنه قد طلق ثلاثاً فقد تلفظ بالطلاق ثلاثاً فأوقعناه عليه كذلك. القول الثاني : وهو قول طاووس وعكرمة من التابعين وهو مذهب أهل الظاهر واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو قول طائفة من أصحاب أحمد وطائفة من أصحاب مالك وطائفة من أصحاب أبي حنيفة ، قالوا : " الطلاق لا يقع ثلاثاً بل واحدة " ، وهو الذي يكون بعد الرجعة . واستدلوا بالحديث المتقدم ، قالوا : كان طلاق الثلاث على عهد النبي r وأبي بكر وسنتين من عهد عمر طلاق الثلاث واحدة فهذا هو فعل النبي r وفعل أبي بكر وفعل عمر في بعض خلافته. واستدلوا : بما روى أحمد في مسنده وصححه وجوّد إسناده شيخ الإسلام: أن أبا ركانة طلق امرأته في مجلس واحدٍ ثلاثاً – عليها فقال النبي r : " إنها واحدة ". واستدلوا : بأن الشارع قد نهى عنه والنهي يقتضي الفساد . وأجابوا عما استدل به أهل القول الأول : أن فعل عمر رضي الله عنه اجتهاد منه وكل يؤخذ من قوله ويرد ، والعذر له في مخالفة النبي r وأبي بكر ؛ هو أنه قد جعل هذا من باب التعزير وهو سائغ للإمام ، كما عزر في جلد شارب الخمر ثمانين وكان يجلد في عهد النبي r أربعين ، وذلك أن الناس لما أكثروا من شرب الخمر وأظهروا ذلك عُزِروا بجعل الحد ثمانين ، كذلك هنا فإن الناس لما استهانوا بهذا الأمر المحرم وأكثروا منه عزرهم بذلك وأمضاه عليهم. إذن الطلاق الذي يقع هو الذي يكون بعد الرجعة ؛ كأن يطلق امرأته ثم يراجعها ثم يطلقها ، فهذه طلقة معتبرة ، أو طلقها فلما انقضت عدتها راجعها أي تزوجها بعقد جديد ثم طلقها فهذه الطلقة معتبرة أيضاً، واختار الشيخ عبدالعزيز رحمه الله ؛ عدم الوقوع إذا كان بكلمة واحدةٍ نحو أنت طالق ثلاثاً أو مطلقة بالثلاث أو هي طالق بالثلاث. وأما إذا كرره على وجهٍ يغاير فإنه يقع نحو أنت طالق وطالق وطالق أو أنت طالق ثم طالق ثم طالق أو أنت طالق أنت طالق أنت طالق، إلا إذا أراد بالثاني والثالث التأكيد أو إفهام المرأة فله نيته. أما لو قال أنت طالق طالق طالق فهي واحدة لأنه من باب التأكيد وفي الحديث أي ركانه عند أبي داود؛ ( والله ما أردت بها إلا واحدة فردها عليه ). وهذا القول أصح وبه تجتمع الأدلة .
قوله : [ وإن طلق من دخل بها في حيض ، أو طهرٍ وطئ فيه فبدعة يقع ] هذا أيضاً طلاق بدعي ، إذن النوع الأول من الطلاق البدعي الطلاق ثلاثاً ، والنوع الثاني هو الطلاق في الحيض ، والنوع الثالث أن يطلقها في طهر وطئها فيه ، ويدل على ذلك حديث ابن عمر المتفق عليه وقد تقدم. وطلاق الحائض يقع ، وهو مذهب جماهير العلماء ، وكذلك في طهر جامعها فيه ، فهو طلاق بدعة ومحرم لكنه يقع وحكاه أبو عبيد وابن المنذر إجماعاً حتى قال الإمام أحمد : من قال إنه لايقع هذا قول سيء رديء. والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو مذهب أهل الظاهر أن الطلاق لا يقع ، واستدلوا بما روى أبو داود في سننه من حديث أبي الزبير عن ابن عمر سماعاً قال : " ولم يرها شيئاً " – أي لم ير تلك التطليقة التي طلقها ابن عمر في الحديث المتقدم – وكان قد طلقها وهي حائض . وقالوا : لأن طلاق الحائض أو في طهر جامعها فيه طلاق محرم منهي عنه والنهي يقتضي الفساد. وأما الجمهور فاستدلوا بقوله r : ( مره فليراجعها ) ، قالوا : والرجعة إنما تكون بعد الطلاق. وهذا الاستدلال فيه نظر وذلك أن الرجعة تسمى رجعة حيث كانت بعد الطلاق في عرف الفقهاء ، وأما في عرف الشرع فـلا يتعين هذا ، والدليل قـول الله تعالى : ] فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله [ ، وهذا التراجع بعد أن تنكح زوجاً غيره وهو ليس مسبوق بطلاق بل هو عقد جديد ، لكن الاستدلال القائم هو ما ثبت في البخاري عن ابن عمر أنه قال : " وحسبت علي بتطليقة " ، وفي مسند الطيالسي أن النبي r قال : ( وهي واحدة ) ، وفي الدارقطني بإسنادٍ صحيح أن النبي r قال : ( ليحتسب تلك التطليقة التي طلقها أول مرة ) ، وقد بوب البخاري على حديث ابن عمر باباً فقال : " باب إذا طُلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق " ، وهذا القول الراجح وذلك لقوة أدلته ، فإن النبي r حسبها تطليقة. والجواب عن أدلة أهل القول الثاني : فالجواب عن رواية أبي الزبير عن ابن عمر : " ولم يرها شيئاً " ، فالجواب عليها من وجهين : الأول : أنها منكرة ، قال الخطابي : " قال أهل الحديث لم يروِ أبو الزبير حديثاً أنكر من هذا " ، وقال ابن عبد البر في رواية أبي الزبير هذه قال : " هو منكر لم يقله غير أبي الزبير " أي هذا القول منكر ، قال أبو داود: والأحاديث كلها تخالف ما قال أبو الزبير ، وفي الصحيحين أن ابن عمر قيل له : أفاحتسبت بتلك التطليقة ، قال : " فمه ! ، مالي لا أعتد بها أرأيت إن عجزت أو استحمقت ". والوجه الثاني وهو أولى من تغليط الراوي كما قال ابن حجر أن وقوله: " لم يرها شيئاً " أي لم يرها شيئاً صواباً مستقيماً بل هي شيء خاطئ وإن كان يعتد به ويحسب ولذا أمره النبي r أن يراجعها ، ولا شك أن حمل قول الراوي على موافقة غيره من الرواة أولى من جعله مخالفاً، فيحكم عليه بالشذود أو الإنكار ، وأما أن النهي يقتضي الفساد ، فهذا يخالف النص الوارد عن النبي r فلا يعبأ به ، ثم يقال إن الطلاق إزالة عصمة فيها حق آدمي فكيفما أوقعه وقع، لأنه ليس من العبادات فكيفما أوقعه وقع سواءً كان آثماً أو مأجوراً وهذا مذهب عامة أهل العلم ، واختلف أهل العلم في العلة من المنع من طلاق الحائض. 1.فذهب أكثر الحنابلة إلى أن العلة هي تطويل مدة العدة، لأنه إذا طلقها في الحيض ، فإنه لا تحتسب هذه التطليقة ، بل تنتظر حتى تطهر ثم تحيض ، فيكون في ذلك تطويلاً لعدتها. 2.وقال أبو الخطاب من الحنابلة : العلة أنه في زمن رغبةٍ عنها والشارع متشوف إلى إبقاء النكاح ، والمرأة في زمن النكاح يكون زوجها في رغبة عنها فربما طلقها ، والذي يظهر أن العلة هي إجتماع هاتين العلتين ، فالعلة هي تطويل العدة ولما فيه من طلاقها في زمن يرغب عنها به ، بدليل أن الشارع نهى عن طلاق المرأة في الطهر الذي قد جومعت فيه مع أنه ليس فيه تطويل لعدتها لكن لرغبته عنها بعد قضاء وطره منها. واختلفوا هل هذا لحق الله أو لحق المرأة ؟ فإذا قلنا إنه لحق المرأة فإذا سألته المرأة الطلاق فطلقها في الحيض فليس بمحرم لأنها قد أسقطت حقها ، أو سألته الطلاق في طهر قد جامعها فيه فأجابها إلى ذلك أو استأذنها في ذلك فإنه لا إثم ، فوجهان في المذهب ، والأرجح أنه لحق الله تعالى ، وهو ظاهر الكتاب والسنة ولذا النبي r لم يستفصل من ابن عمر هل أذنت بذلك وأسقطت حقها أم لا والمشهور في المذهب الجواز . مسألة : فإن قال إن دخل شهر كذا فأنت طالق فدخلت في زمن بدعة وقع ولا إثم عليه لأنه لم يتعمد الطلاق في زمن البدعة .
قوله: [ ويسن رجعتها ] الرجعة سنة ، فإذا طلقها وهي حائض أو في طهر جومعت فيه فيستحب له أن يراجعها ، لحديث ابن عمر المتقدم فإنه قال : ( مره فليراجعها ) ، وهذا هو مذهب جمهور العلماء. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب المالكية ورواية عن الإمام أحمد : أنه تجب مراجعتها إذا طلقها وهي حائض ، وهو أحد الوجهين في المذهب في الطاهر التي جومعت ، وهذا القول هو الراجح لظاهر حديث ابن عمر المتقدم : ( مره فليراجعها ) ، وظاهر الأمر الوجوب.
قوله : [ ولا سنة ولا بدعة لصغيرة وآيسة وغير مدخولٍ بها ومن بان حملها ] لا سنة ولا بدعة لا في عدد ولا في زمن لصغيرة، فالصغيرة لا تحيض فإذا طلقها في أي حال كان فلا بدعة وذلك لأن عدتها الأشهر وليس عدتها الأقراء ، وعليه فليس في طلاقها ما يكون بدعة ، كذلك الآيسة التي لا تحيض لأنها لا تعتد بالأقراء كذلك غير المدخول بها لأنها لا عدة لها ، فإذا عقد على امرأة ولم يدخل بها فيجوز له أن يطلقها وهي حائض فهذا الطلاق ليس بدعي لأنها لا عدة لها ، وكذلك المرأة إذا بان حملها بمعنى ظهر فيها الحمل فطلقها وهي حامل فليس فيه ما يسمى بالطلاق البدعي وذلك لأن عدتها وضع حملها فلا يعتد بالأقراء . وهنا مسألتان : ما يتعلق بالزمن وما يتعلق بالعدة : أما ما يتعلق بالزمن فهو مسلم وذلك لما تقدم من التعليل السابق ، وذلك لأن منهن من لا عدة لها ومنهن من عدتها في غير الحيض ، وعليه فليس ثمت طلاق بدعي من جهة الزمن . أما ما يتعلق بالعدد – وهي المسألة الثانية – فما ذكره المؤلف هو المشهور في المذهب ، وعن الإمام أحمد وهو اختيار الموفق أنه من حيث العدد فيه البدعة وهذا ظاهر جداً ، فإذا طلق الصغيرة ثلاثاً فإن هذا الطلاق محرم لنهي الشارع عنه، وليس له تعلق بالحيض ، وهي إنما افترقت عن النساء اللاتي لا يحضن بأنها لا تحيض وهذا متعلقه الزمن وأما العدة فلا متعلق له هنا ، وعليه فطلاق الآيسة ثلاثاً أو طلاق الصغيرة أو غير المدخول بها أو من بان حملها ثلاثاً طلاق بدعي محرم.
قوله: [ وصريحه ] أي صريح الطلاق ، أعلم أن عامة أهل العلم على أن من لم يتلفظ بالطلاق وقد نواه فإنه لا يقع ، ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم ) ، وكذا لو نواه وأشار بإشارة تدل عليه فإنه لا يقع الطلاق ، وأما لو كان أخرس وأشار إشارةً مفهمةً فإن الطلاق يقع بذلك بلا خلاف ، وذلك لأن الأخرس إشارته تقوم مقام نطقه، كذلك إن كتب الطلاق في ورقةٍ قاصداً الكتابة فإن الطلاق يقع بذلك ، وذلك لأن الكتابة حروف تُفهم الطلاقَ فأشبهت النطق ، أما لو كتبه على الهواء أو على شيء من ثوبه ونحو ذلك ولم يكن ذلك بالقلم فإن ذلك لغو لا يقع معه الطلاق.
قوله : [ وصريحه لفظ الطلاق وما تصرف منه غير أمرٍ ومضارعٍ، ومطلِّقة اسم فاعل ] ومتى قلنا إن هذا اللفظ صريح فلا تشترط النية ، بل يقع الطلاق بمجرد التلفظ بهذا اللفظ ، وأما الكناية فإن الطلاق لا يقع معها إلا إذا كان ثمة نية أو قرينة ، فإذا تلفظ بلفظ من كناية الطلاق وقال : أنا لم أنو فإن الطلاق لا يقع إلا إذا كان مقام النية قرينة ، كأن يتلفظ بها في غضب أو نحو ذلك وأما الألفاظ التي لـيست بصريحة في الطلاق ولا كناية فـإن الطلاق لا يقع وإن نواه كـأن يقول " أقعدي " أو " كلي " أو نحو ذلك وينوي الطلاق فلا يقع الطلاق، وذلك لأن هذا اللفظ ليس بصريح فيه ولا بكناية فكما لو نوى بلا لفظ ، إذن الألفاظ ثلاثة أنواع : 1. لفظ هو صريح في الطلاق ، فيقع الطلاق به ولو لم ينوِ. 2. لفظ هو كناية في الطلاق فيقع الطلاق معه عند النية أو القرينة. 3. ألفاظ ليست بصريحة ولا بكناية ، كقوله: " ابعدي " وينوي الطلاق فهنا لا طلاق وإن نواه كما لو نوى ولم يتلفظ. وصريح الطلاق لفظ الطلاق وما تصرف فيه كقوله: " أنت طالق " أو " عليك الطلاق " أو قال " قد طلقتك " أو " أنت مطلقة " ونحو ذلك. غير أمر كقوله " اطلقي " . أو مضارع كقوله " تطلقين " . ومطلقة أسم فاعل ، فهذه ليست من صريح الطلاق. إذن صريحة لفظ الطلاق وما تصرف منه سوى الأمر والمضارع وأسم الفاعل هذا هو المشهور في المذهب. وذهب الشافعية وهو قول لبعض أصحاب الإمام أحمد ؛ أن صريحه ثلاثة ألفاظ " الطلاق " و " السراح " و " الفراق " ، فإذا قال لها : " قد سرحتك أو قد فارقتك "، فهو من صريح الطلاق ، قالوا : لأن السراح والفراق قد وردا في الشرع على الطلاق ، قال تعالى : ] فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [ وقال : ] وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته [. وأجاب أهل القول الأول عن هذا الاستدلال ، قالوا : نحن لا ننازع في أن السراح والفراق يطلقان على الطلاق ولكن ننازع في أنهما صريحان به بأن يكونا من ألفاظ الطلاق التي لا يفهم منها إلا الطلاق إلا بإحتمال بعيد ، قالوا : وهذان اللفظان يطلقان على الطلاق ويطلقان على غيره فكان من كنايات الطلاق ، وقال بعض أهل العلم وهو القول الراجح في هذه المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، واختاره من المتأخرين الشيخ عبدالرحمن بن سعدي، قالوا : مرجع هذا إلى العرف ، فليس صريح الطلاق ولا كنايته محصوراً بألفاظ محدده بل كل لفظ لا يحتمل إلا الطلاق فهو صريح في الطلاق، وكل لفظ يحتمل الطلاق ويحتمل غيره فهو كناية فيه ، والأعراف في هذا تختلف إختلافاً بيناً فقد يكون اللفظ عند قوم من صريح الطلاق، ويكون عند آخرين من كنايته وهذا القول الراجح في هذه المسألة.
قوله : [ فيقع به وإن لم ينوه ] فإذا قال رجل لامرأته: " أنت طالق " وادعى أنه لم ينوِ ذلك فلا يقبل منه ذلك بل تكون المرأة طالق وذلك لأن هذا صريح لفظه فلا عبرة بنيته ، وإنما يعامل بما يقتضيه ظاهر لفظه.
قوله : [ جادٌ أو هازلٌ ] أي وإن كان هازلاً فإن الطلاق يقع ، وهو مذهب عامة أهل العلم ، ودليلهم ما روى الأربعة إلا النسائي أن النبي r قال : ( ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد ، النكاح ، والطلاق ، والرجعة ) وهو حديث حسن ، وله شاهد مرسل عن الحسن عند أبن أبي شيبة ، وشاهد موقوف عند ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء وعليه العمل عند أهل العلم كما قال ذلك الترمذي وحكى القول به إجماعاً ابن المنذر.
قوله: [ فإن نوى بطالقٍ من وثاق أو في نكاحٍ سابق منه أو من غيره أو أراد طاهراً فغلط لم يقبل حكماً ] لما قال طالق قال : إنما نويت أنها طالق من وثاق أي من قيد أو في نكاح سابق منه أو من غيره أي أنها : طالقة من طلاق طلقها إياه من سنة أو هي طالق من زوجها الأول الذي قد طلقها قبله ، أو قال : أردت أن أقول لها أنت طاهر فقلت لها أنت طالق لم يقبل حكماً في المشهور من المذهب ، وعن الإمام أحمد أنه يقبل حكماً ، والأظهر أنه لا يقبل حكماً ، وذلك لأنه يعامل بما يقتضيه لفظه هذا في الحكم. لكن هل يقبل فيما بينه وبين ربه ؟ الجواب : نعم فيدين بنيته فيما بينه وبين ربه أي يجعل نيته ديناً بينه وبين ربه فإذا كان يعلم من نفسه الصدق فإن الطلاق لا يقع في الباطن. وهل يقع الطلاق في الظاهر ؟ الجواب : نعم يقع ، فإذا ترافعا إلى القاضي فإن القاضي يحكم بالطلاق ، لأن القاضي يحكم بما ظهر ، وقد ظهر للقاضي فيه الطلاق فقد تلفظ بما يقتضي الطلاق ، لكن في الباطن أي إن لم يترافعا إلى القاضي فهل يوقع على نفسه الطلاق أم لا ؟ إن كان يعلم من نفسه الصدق وأنه لم ينو الطلاق بل قد غلط ونحو ذلك فإن الطلاق لا يقع ، هذا كله حيث لا قرينة ، أما إن كان هناك قرينة تدل على أنه قد نوى الطلاق فإن الطلاق يقع قولاً واحداً. فمثلاً : رجل غضب على امرأته ثم قال : أنت طالق وقال أنا أقول : هي طاهر فهذا لا يقبل منه وذلك لأن القرينة تكذب دعواه ، أو قال هي طالق مني قبل ذلك أو طالق من زوج آخر ولم تطلق منه البته فحينئذٍ يقع طلاقاً حتى فيما بينه وبين ربه ولا خلاف في ذلك ، فالخلاف المتقدم هل يقبل قوله في الحكم أم لا؟ هذا كله حيث لا قرينة تدل على أنه قد نوى الطلاق.
قوله : [ ولو سُئل أطلقت امرأتك فقال : نعم وقع ] لو أن رجلاً سُئل فقيل له: أطلقت امرأتك فقال : نعم ، فإن الطلاق يقع ، وذلك لما تقدم من أن المذكور في السؤال كالمعاد في الجواب ، فكما لو قال نعم طلقتها. إذن صريح الطلاق يكون أولاً : بلفظ الطلاق في المشهور من المذهب. وثانياً : بالجواب الصريح باللفظ. وثالثاً : ولم يذكره المؤلف ، إذا عمل عملاً وقال للمرأة هو طلاقك ، كأن يخرج امرأته إلى أهلها ويقول هذا طلاقك ، فهل يقع الطلاق بهذا أم لا ؟ 1. المشهور في المذهب أن الطلاق يقع ويكون صريحاً فيه ، قالوا : والتقدير كأنه يقول : أوقعت عليها الطلاق ، وهذا الفعل – وهو الإخراج من المنزل – من أجله. 2. وهو مذهب أكثر الفقهاء أن هذا العمل منه ليس صريحاً في الطلاق ولا كناية وعليه فلا يقع. 3. وهو اختيار الموفق ابن قدامه أنه من كناية الطلاق ، وهذا القول أظهر ، والذي يدل على هذا أن هذا الفعل منه يحتمل الطلاق وليس صريحاً بدلالة احتياجنا إلى التقدير المتقدم فلو كان صريحاً لما احتجنا إلى التقدير المتقدم. رابعاً : في المذهب ، إذا أشركها مع من صرح بطلاقها ، إذا قال لإمرأته الثانية وقد طلق الأولى : " أنتِ مثلها أو شركتك معها " ، أي زوجتي الأولى ، فهذا من الطلاق الصريح. خامساً : كل لغة من اللغات يتلفظ بها الشخص وهو يفهم المعنى ، فإذا تلفظ الفارسي بكلمة في الفارسية هي صريحة في الطلاق فإن الطلاق يقع مع ذلك ، وأما إذا تلفظ بلفظ من ألفاظ الطلاق بلغة ما وهو لا يفهم المعنى من هذا اللفظ فإن الطلاق لا يقع وذلك لأنه غير مختار للطلاق ، فهو غير مختار للفظ وغير مريد له فأشبه المكره.
قوله : [ أو ألك امرأةٌ فقال : لا، وأراد الكذب فلا ] فلو سُئل ألكَ امرأةٌ فقال : لا ، وأراد الكذب فلا يقع الطلاق وذلك لأن هذا القول منه كناية والكناية تحتاج إلى نية.
فصل
هذا الفصل في كنايات الطلاق ، وله كنايتان: 1. كناية ظاهرة : وهي الألفاظ التي يفهم منها البينونة. 2. كناية خفية : هي الألفاظ التي لا يفهم منها البينونة.
قوله : [ وكنايته الظاهرة نحو أنت خليةٌ ، وبريةٌ ، وبائنٌ ، وبتةٌ ، وبتلةٌ ، وأنت حرةٌ وأنت الحرجُ ] بتلةٌ : البتلة المقطوعة الوصل أي مقطوعة الوصل مني ، قوله: " أنت حرج "؛ أي أنت الإثم والحرام ، بمعنى أنت حرام علي ، أو قال: " لا سبيل لي عليك " أو " حبلك على غاربك " أو " تقنعي مني " أو " غطي شعرك " أو نحو ذلك.
قوله : [ والخفية نحو أخرجي ، واذهبي ، وذوقي ، وتجرعي ، واعتدي ، واستبرئي ، واعتزلي ، ولست لي بامرأةٍ ، والحقي بأهلك ، وما أشبهه ] تجرعي : أي تجرعي مرارة الطلاق والفراق والطلاق ، وقد تقدم اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن مرجع ذلك إلى العرف في الصريح والكناية.
قوله : [ ولا يقع بكناية ولو ظاهرة طلاق إلا بنية مقارنة للفظ ] فالكناية لا يقع معها الطلاق إلا بالنية أو دلالة الحال لا فرق في هذا الحكم بين الكناية الظاهرة والكناية الخفية ، وقول المؤلف: " ولو ظاهرة "؛ إشارة إلى خلاف وهو خلاف الإمام مالك ورواية عن الإمام أحمد: أن الكناية الظاهرة يقع معها الطلاق بلا نية ، قالوا : لأن الكنايات الظاهرة تستعمل في الطلاق في العرف ، والراجح هو قول الجمهور وذلك لأن هذه الألفـاظ تحتمل الطلاق وتحتمل غيره فـلم يتعين الطلاق إلا بنية أو قرينة.
قوله : [ إلا حال خصومة أو غضب أو جواب سؤالها ] الكناية الظاهرة والخفية لا يقع معها الطلاق إلا بنية ، فإن كانت هناك دلالة الحال تدل على النية ، وقد نفى هو النية كأن يكون ذلك حال خصومة أو غضب. فمثلاً : رجل قال لامرأته في حال خصومة أو غضب " أنت بائن ولا سبيل لي عليك " ونحو ذلك أو كان جواب سؤالها ، كأن تقول له: طلقني، فقال: " أنت حرة " أو قال " أنت بتة " فهنا يقع الطلاق وإن قال : " أنا لم أنو " ، فذلك لدلالة الحال بأن هذه الألفاظ يظن معها في الأصل الطلاق فلما وجدت دلالة الحال كان الظن قوياً.
قوله : [ فلو لم يرده أو أراد غيره في هذه الأحوال لم يقبل حكماً ] فإن لم يرده أو أراد غيره في الأحوال المتقدمة لم يقبل هذا في الحكم ، لأن الحكم إنما ينظر فيه للظاهر ، وهذه الألفاظ التي تلفظ بها مع قرائن الأحوال تدل في الظاهر على الطلاق ، لكن لـو كان في الباطن لا يريد ذلك ولم يترافعا للقاضي فـإنه يُدَيّن بنيته فيما بينه وبين ربه.
قوله : [ ويقع مع النية بالظاهر ثلاثٌ ] فلوا أن رجلاً قال لامرأته: " أنت بائن " ونوى الطلاق فإنه يقع ثلاثاً في المذهب ، وذلك لأن هذا اللفظ يقتضي البينونة.
قوله : [ وإن نوى واحدة ] أي وإن قال أنا أنوي واحدة، وذلك لأن لفظه يخالف نيته ، والعبرة بالألفاظ الظاهرة في الحكم.
قوله : [ وبالخفية ما نواه ] فالخفية لا تدل على عدد ، فإذا كان قد نوى الطلاق أو كان في حال خصومة أو غضبٍ ، فأوقعنا عليه الطلاق فإنها تكون واحدة ، وذلك لأن لفظه لا يدل إلا على واحدة ، وهذه المسألة مبنية على المذهب ، والراجح ما تقدم وأن طلاق الثلاث واحدة كما تقدم من اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
فصل
قوله : [ وإذا قال : أنتِ علي حرام أو كظهر أمي فهو ظهار ] إذا قال الرجل لامرأته: "أنت علي حرام" فإنه يكون ظهاراً ولو نوى به الطلاق ، لكن إن قال " أنت علي حرام " أعني به الطلاق فإنها تطلق به ثلاثاً ، وإن قال : أعني به طلاقاً ، فواحدة لأن قوله الطلاق فيه " أل " التي تفيد الإستغراق فاستغرق ذلك الطلاق كله والطلاق كله ثلاث طلقات ، وأما لو قال أعني به طلاقاً ، هذا اللفظ وهو قوله " طلاقاً " ليس فيه ما يفيد الاستغراق فيكون طلاقاً رجعياً وهذا الحكم – أي كونه ظهاراً – لأن هذا اللفظ صريح في التحريم فكان ظهاراً كما لو قال : " أنت علي كظهر أمي " إنما تحرم عليه زوجته باللزوم أي بالنظر إلى تحريم الأم ، وأما قوله لزوجته " أنت على حرام " فقد صرح بتحريمها ولا شك أن هذا منكر من القول وزور ، وذلك لأنه ليس لـه التحليل والتحريم ، بل ذلك إلى الله عز وجل. وعن الإمام أحمد في قوله " أنت علي حرام أعني به الطلاق " أنه ظهارٌ أيضاً ، وذلك لأن هذا اللفظ صريح في الظهار فلا ينتظر منه بيان مراده بقوله " أعني به الطلاق " وهو اختيار شيخ الإسلام. وأما المذهب فإنه إذا قال: " أنت على حرام أعني به الطلاق " ، فإنه يكون طلاقاً وذلك لأن التحريم نوعان : 1. تحريم طلاق 2. وتحريم ظهار وحيث قال " أعني به الطلاق " فإنه يصرف إليه لأنه هو قائل ذلك فصرف إلى مراده الذي بينه ، والصحيح ما اختاره شيخ الإسلام وهو وراية عن الإمام أحمد ، وذلك لأن هذا اللفظ صريح في الظهار ، فليس فيه احتمال فلا عبرة بتفسيره ، كما لو قال لامرأته : " أنت علي كظهر أمي أعني به الطلاق " فلا عبرة بقوله بل يقع ظهاراً لأن قوله: " أنت علي كظهر أمي " صريح في الظهار ، وفي المسألة أي مسألة قول الرجل لزوجته " أنت علي حرام " أقوال كثيرة ذكرها ابن القيم في كتابه زاد المعاد ، وأوصلها إلى ثلاثة عشر مذهباً ، وما ذكرناه هو مذهب الحنابلة وهو أحد المذاهب فيها ، واختار شيخ الإسلام وهو أحد المذاهب المتقدمة وهو القول الراجح في هذه المسألة: أن في المسألة تفصيلاً: فإن قال لامرأته أنت على حرام وأوقعه منجزاً أو معلقاً تعليقاً مقصوداً سواء نوى به الطلاق أم لم ينوه ، وصله أم لم يصله بقوله " أعني به الطلاق " فإذا قال: "يا فلانة أنت علي حرام " فهنا قد أوقعه منجزاً ، أو أوقعه معلقاً مقصوداً أي يقصد به التحريم ، كأن يقول لامرأته: " إن وصل شهر رمضان فأنت علي حرام "، فهنا قد علقه تعليقاً مقصوداً فإنه يكون ظهاراً ، وأما إن كان حلفاً لا يقصد به الإيقاع كأن يقول: " إن فعلت الشيء الفلاني فإمرأتي علي حرام " ، أو قال: لامرأته " أنت علي حرام إن فعلت كذا وكذا " ويقصد من ذلك حثها على الترك وأن تمتنع عن الفعل فهو لا يقصد إيقاع التحريم وإنما يقصد المنع والحث فهي بمين يكفرها. وهذا جارٍ على قاعدته رحمه الله التي خالف فيها أحمد وغيره وهي أنه يفرق بين الإيقاع والحلف ، وقد ثبت في الصحيحين وهذا لفظ مسلم عن ابن عباس قال : (إذا حرّم الرجل امرأته فإنما هي يمين يكفرها) وفي النسائي أنه قال لمن حرم امرأته : (أعتق رقبة) ، ويحمل هذان الأثران اللذان ظاهرهما التعارض على التفصيل المتقدم الذي ذكره شيخ الإسلام ، فقوله لمن حرم امرأته " أعتق رقبة " ، لأنه أوقع التحريم أو علقه تعليقاً مقصوداً ، وأما كونها يمين تكفر ، فذلك لأنه لم يرد إيقاع الطلاق وإنما أراد الحث أو المنع وذلك يكون من قبيل الحلف لا من قبيل الإيقاع.
قوله : [ أو كظهر أمي فهو ظهارٌ ، ولو نوى به الطلاق ] إذا قال لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " فهو ظهار نوى به الطلاق أم لم ينوه اتفاقاً فإذا قال الرجل لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " وهو ينوي به الطلاق فعامة أهل العلم على أنه ظهار وليس بطلاق وعلى ذلك أنزل الله القرآن ، فإن العرب كانوا يرون أن قول الرجل لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " طلاقٌ فلم تعتبر نيتهم وحُكم بأن ذلك ظهار ويأتي بيان ذلك في باب الظهار.
قوله : [ وكذلك ما أحل الله علي حرام ] فإذا قال ما أحل الله علي حرام فهي كمسألة قول " أنت علي حرام " فالمعنى واحد لكن اللفظ مختلف ، قوله: " ما أحل الله علي حرام " يدخل في ذلك تحريم امرأته.
قوله : [ وإن قال : ما أحل الله علي حرام أعني به الطلاق طلقت ثلاثاً ، وإن قال : أعني به طلاقاً فواحدة ] فإذا قال : ما أحل الله علي حرام أعني به الطلاق ، فإنها تطلق ثلاثاً ، لأن لفظة " أل " تفيد الإستغراق فحينئذٍ يوقع عليه الطلاق مستغرقاً وهو طلاق الثلاث وهذا مبني على القول بطلاق الثلاث وقد تقدم أنه قول مرجوح وإذا قال : أعني به طلاقاً فواحدة ، لأنه ليس فيه ما يدل على الاستغراق كما تقدم بيانه.
قوله : [ وإذا قال : كالميتة والدم ولحم الخنزير وقع ما نواه من طلاقٍ ، وظهار ويمين ، وإن لم ينوِ شيئاً فظهار ] إذا قال لامرأته: " أنت علي كالميتة " أو " كالدم " أو " كالخنزير " ، فإنه يقع عليه ما نواه، فإن كان نوى طلاقاً يقع طلاقاً وإن كان نوى ظهاراً وقع ظهاراً وإن كان نوى يميناً وقعت يميناً وإن لم ينوِ شيئاً كان ظهاراً. وعند الشافعية أنه كقوله: " أنت علي حرام " وهذا هو الراجح ، وعليه فما تقدم ترجيحه في المسألة السابقة يقال هنا، فحينئذٍ يكون ظهاراً إن كان يريد إيقاعه وإلا فإنها يمين يكفرها.
قوله : [ وإن قال حلفت بالطلاق وكذب لزمه حكماً ] إن قال لامرأته: " أنا قد حلفت بالطلاق " ثم بعد ذلك كذّب نفسه ، لم يصر حالفاً فيما بينه وبين الله ؛ دون الحكم وذلك لأن الحكم يتعامل مع المكلفين في الظاهر ، وأما في الباطن – أي إن لم يترافعا إلى القاضي وهكذا يكون في الإفتاء – فإنه يدين فيما بينه وبين ربه ، أما إذا رفعت المسألة إلى القاضي ، فإنه يحكم بوقوع الطلاق مع الحنث ولا يقبل رجوعه، وذلك لأنه إقرار يتعلق به حق مكلف وهي الزوجة فلم يقبل رجوعه.
قوله : [ وإن قال أمرك بيدك ملكت ثلاثاً ، ولو نوى واحدةً ] إذا قال لامرأته " أمرك بيدك " ، كأن تسأله الطلاق أو أن يشك في رغبتها به ولا يرغب أن تبقى معه إلا أن تكون تحبه فيقول لها " أمرك بيدك " فحينئذٍ تملك المرأة ثلاث تطليقات لأن هذا اللفظ من الكنايات الظاهرة ، وتقدم أن الكنايات الظاهرة يقع بها الطلاق ثلاثاً فتملك المرأة ثلاثاً ولو نوى واحدة وذلك لأن هذا هو مقتضى لفظه.
قوله : [ ويتراخى ] فإذا قال لها: " أمرك بيدك " وطلقت نفسها بعد شهرٍ أو شهرين أو بعد سنة ، فإن هذا التطليق صحيح ، وذلك لأن هذا اللفظ مطلق منه، فيه توكيل المرأة لطلاق نفسها فأشبه توكيل الأجنبي وتقدم الكلام في توكيل الأجنبي. وذهب الجمهور إلى أنه إن قال لها: " أمرك بيدك " فإنها تملك الطلاق في المجلس ، قالوا : لأن الطلاق بيد الزوج وإنما استثني هنا حيث كان ذلك في المجلس. الراجح مذهب الحنابلة ، وذلك لأنه توكيل فأشبه توكيل الأجنبي ، ولكن له الرجوع ولذا قال:-
[ ما لم يطأ أو يطلق أو يفسخ ] إذا وطئ المرأة بعد قوله: " أمرك بيدك " أو طلقها أو فسخ هذه الوكالة فقال: " قد رجعت " وكل هذا قبل أن تطلق نفسها منه ، فإن هذا يعتبر رجوعاً منه والرجوع في الوكالة جائز . وقال المالكية والأحناف : ليس له حق الرجوع ، وذلك لأن هذا تمليك منه ، فقد ملكها أمر نفسها ، وهذا ضعيف وذلك لأن الطلاق لا يُملَّك بل هو توكيل ، فالطلاق ملك الزوج لا يملكه غيره أبداً وهذا إنما هو من باب التوكيل ، فله أن يرجع ، وكل قول كقوله: " فسخت الوكالة " أو فعلٍ كالوطء ، يدل على الرجوع فإن الرجوع يثبت معه.
قوله : [ ويختص اختاري نفسك بواحدة ] أو قال لامرأته: " اختاري نفسك " فهنا يختص بواحدة ، فإذا أوقعته المرأة فقالت: " اخترت نفسي " أو قالت " اخترت والدي " فإنها حينئذٍ تكون طلقة واحدة ، قالوا : لأنه تفويض معين ، فصدق على أقل المسمى. وقال المالكية وهو رواية عن الإمام أحمد: بل يكون ثلاثاً وذلك لأن هذا اللفظ فيه إزالة سلطة الرجل على المرأة لا تكون إلا بالثلاث، وهذا القول أقوى .
قوله : [ وبالمجلس المتصل ] في المسألة السابقة وهي فيما إذا قال لها : " أمرك بيدك " فإن ذلك يكون على التراضي ، وأما هنا فإنه يكون على الفورية ويكون بالمجلس المتصل ، أي الذي لم يقطع ، أما إذا كان في مجلس ثم حدث قطع للكلام ، فإنه لا يقع ، فإذا قال لها: "اختاري نفسك " ثم تشاغلا بشيء سواه ثم قالت: " اخترت نفسي " فإن هذا الاختيار لا عبرة به. إذن : يجب أن يكون على الفور في المجلس الواحد وأن يكون متصلاً ، أما لو فصل بقاطع في العرف ، فإنه لا يعتد بقولها وذلك لأن هذا من باب الخيار ، فهو هنا خيار تمليك ، فأشبه الإيجاب والقبول المتقدم ، وقد تقدم أن الزوج إذا قال قبلت وكان ذلك في المجلس المتصل فإنه لا عبرة بهذا القبول فكذلك هنا ، فالمقصود أن هذا خيار تمليك وخيار التمليك يكون على الفور كخيار القبول .
قوله : [ ما لم يزدها فيهما ] فإذا قال للمرأة: " اختاري نفسك واحدة شئتِ أو اثنتين أو ثلاثاً " فهنا لو قالت : اخترت نفسي وأن يكون هذا ثلاثاً فإن هذا يعتد به ، وذلك لأن هذا حقه وقد رضي بذلك، وأتى ما يدل على جوازه منها ، كذلك إن قال : " ولك الخيار ما شئت " فلا نقيده بالمجلس المتصل لأن تقييدنا له بالمجلس المتصل مراعاة لحقه بإعتبار لفظه ، وأما هنا فقد أسقطه بلفظه فقد قال : " ولك الخيار ما شئتِ " ، وقد قال r لعائشة كما في الصحيحين : ( إني ذاكر لك أمراً فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك ) ، وذلك لما خير النبي r نساءه فاخترنه واخترن الدار الآخرة. وتخيير الرجل لامرأته بمجرده ليس بطلاق ، فإذا قال الرجل لامرأته: " اختاري نفسك " فإن هذا اللفظ بمجرده ليس بطلاق وإنما يكون طلاقاً إذا قالت المرأة: " اخترت نفسي" وقالت ذلك في المجلس المتصل ، ويدل عليه ما ثبت في مسلم قالت : ( خيرنا النبي r ولم نعده طلاقاً ) . إذن : مراده بقوله " ما لم يزدها " أي ما لم يزد المرأة – في المسألتين السابقتين، كأن يقوله " واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً " ، أو بقوله " لك الخيار ما شئت ".
قوله : [ فإن ردت أو وطئ أو طلق أو فسخ بطل خيارها ] إذا ردت فقالت: " اخترت زوجي " فقد أسقطت خيار نفسها ، أو وطئ هذه المرأة أو طلقها أو فسخ هذا الخيار ، بطل اختيارها في الكل، وذلك لأنه جاء منه ما يدل على الفسخ قولاً لقوله: " قد فسختِ " ولقوله: " أنت طالق " أو فعلاً بالوطء.
|
|
|
|
حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved info@al-zad.net ![]() |