المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الطلاق

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الطلاق
تعليق الطلاق بالشروط
 

 

باب تعليق الطلاق بالشروط

 

      أي بالشروط اللغوية كقوله لزوجته " إن دخلت الدار فأنت طالق " والشرط هنا ينقسم إلى قسمين :

الأول : شرط محض : وهو الذي يقصد المشترط فيه إيقاع الطلاق مع حصوله - أي مع حصول هذا الشرط - ، فإذا قال لزوجته " إن جاء رمضان فأنت طالق " أو قال " إن دخلت الدار فأنت طالق " فهده شروط محضة يقصد بها إيقاع الطلاق متى حصل الشرط ، وفي البخاري معلقاً : أن ابن عمر سأله نافع عن رجل قال لامرأته " أنت طالق البته إن دخلت الدار " فقال : إن دخلت الدار فهي بائن.

و القسم الثاني : الشرط الذي لا يقصد معه إيقاع الطلاق وإنما يقصد معه الحض أو المنع لنفسه أو لامرأته أو لغيرهما ، كأن يقول لامرأته " إن خرجت من الدار بغير إذني فأنت طالق " وهو لا يقصد إيقاع الطلاق بل يقصد منعها من الخروج ، أو يقول الآخر " إن لم تدخل في داري فامرأتي طالق " أو يقول " إن لم أفعل كذا فامرأتي طالق " ونحو ذلك مما يقصد معه الحض أو المنع وهو ما يسمى بالحلف بالطلاق ، فليس المقصود بالحلف بالطلاق أن يقول " والطلاق " بل المقصود أن تكون الجملة التي فيها تعليق الطلاق بمعنى اليمين ، فإذا قال للرجل " إن لم تدخل الدار فامرأتي طالق " كأنه قال " والله لأطلقن امرأتي إن لم تدخل الدار " .

        فجمهور أهل العلم أنه يقع الطلاق فيها إذا وقع الشرط وذلك لحصول الشرط الذي علق الطلاق به.

وذهب أهل الظاهر وهو قول طائفة من السلف والخلف وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم الجوزية واختاره الشيخ محمد بن عبدالوهاب أن الطلاق لا يقع وأنها يمين ويكفرها ، واستدلوا بما يأتي :

أولاً : أن هذه الألفاظ أيمان باتفاق أهل اللغة ، وعليه عرف الفقهاء كما ذكر شيخ الإسلام ، وعليه فيدخل في عموم قوله تعالى : ] قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [ وفي قوله r : ( إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني ).

ثانياُ: أن العبرة بالنيات والمقاصد لا بالألفاظ ، فالأحكام لا تترتب على الألفاظ إلا إذا كان المتكلم قاصداً المعنى وهنا ليس الأمر كذلك فهو لا يقصد الطلاق وإنما يقصد الحث والمنع.

ثالثاُ : ويستدل على هذا بالقصة التي رواها البيهقي وغيره عن أبي رافع ؛ أن مولاته قالت له " أنا يوماً يهودية ويوماً نصرانية وعبيدي كلهم أحرار ومالي كله في سبيل الله وأمشي على قدمي إلى بيت الله إن لم تطلق امرأتك " فسأل ابن عمر وابن عباس وعائشة وحفصة وأم سلمة فكلهم قال " تكفر عن يمينها " ، فإذا كان هذا في في العتق وفي النفقة وفي الصدقة المستحبة التي يتشوف الشارع إليها إذا كان هذا في ذكره فأولى أن يكون في الطلاق الذي يبغضه الشارع ، وهذا هو القول الراجح لقوة أدلته.

 

        قوله  : [ لا يصح إلا من زوج ]

        لا يصح الطلاق المعلق إلا من زوج ، فلو قال " إن تزوجت فلانة فهي طالق " فلا تطلق عليه عند جماهير أهل العلم ، لقول النبي r فيما رواه الترمذي وغيره والحديث حسن : ( لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك ) وهي أجنبية عنه ، وقال تعالى ] يا أيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن [ ، فرتب الطلاق على النكاح فلا طلاق قبل نكاح.

        قوله : [ فإذا علقه بشرطٍ لم تطلق قبله ]

        هذا ظاهر ، فإذا قال " إن خرجت الدار فأنت طالق " ، لم تطلق قبله لعدم حصول الشرط الذي قد علق الطلاق به.

 

قوله : [ ولو قال : عجلته ]

إذا قال لامرأته " أنت طالق إن جاء شهر رمضان " ثم قال " عجلته " أي عجلت الطلاق المعلق ، فهنا لا ينفعه هذا فلا يمكنه أن يعجله بل يقع في الوقت الذي قد شرطه فيه ، قالوا ؛ لأنه ليس له من سبيل إلى ذلك فهو معلق بزمن مستقبل فلم يكن إليه من سبيل لا بتصريح ولا بتأخير ، وعليه فإذا أراد أن يطلقها طلاقاً آخر فإنه يطلقها حينئذٍ فإن كانت في عصمته في رمضان طلقت طلاقاً آخر هذا هو مذهب جمهور أهل العلم وهذا هو مذهب جمهور أصحاب الإمام أحمد ، قال شيخ الإسلام " وفي ذكر جمهور الأصحاب نظر وذلك أنه يملك تعجيل الدين ولا فرق بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد في الجملة سواء في شرع أو شرط " ، وفيما قاله رحمه الله قوة والله أعلم.

 

قوله : [ وإن قال سبق لساني بالشرط ولم أرده وقع في الحال ]

إذا قال " إن دخلت الدار فأنت طالق " ثم قال " سبق لساني بالشرط ، إذن هو يريد أن يوقعه فإنه يقع في الحال لأنه أقره على نفسه بما هوأغلظ .

 

قوله : [ وإن قال : أنت طالق وقال : أردت إن قمتِ لم يقبل حكماً ]

إذا قال " أنت طالق " ثم قال " أردت إن قمت " فإن هذا لا يقبل في الحكم لأن هذا خلاف الظاهر ، فقوله " أنت طالق " هذا يدل على أنه أأراد الطلاق المنجز وكونه يقول " أردت إن قمت " هذا يجعله طلاقاً معلقاً وهذا خلاف الظاهر المتقدم والحكم إنما يتعلق بظاهر الألفاظ ، وأما في الباطن فإنه يدين بنيته فيما بينه وبين ربه.

 

قوله  : [ وأدوات الشرط إن وإذا ومتى وأي ومن وكلما ، وهي وحدها للتكرار ]

فالأدوات المتقدمة لا تفيد التكرار سوى " كلما ".

 

قوله : [ وكلها ومهما بلا لم أو نية فورٍ أو قرينته للتراخي ]

الأدوات المتقدمة وكذلك مهما إذا لم تقترن بها " لم " ولم تقترن بها نية الفورية أو قرينة الفورية فإنها تفيد التراخي.

 

قوله : [ ومع لم للفور ]

فإذا اقترنت بهذه الأدوات " لم " فإنها تفيد الفورية إلا بقرينة تدل على التراخي ، كأن يقول " إذا لم تفعلي كذا فأنت طالق " أو " متى لم تفعلي كذا " أو " أي وقت لم تفعلي كذا " أو " كلما لم تفعلي كذا فأنت طالق " فهي تفيد الفورية.

 

 

قوله : [ إلا إن مع عدم نية فورٍ أو قرينةٍ ]

"إن" إذا اقترنت بها " لم " فإنها لا تفيد الفورية ، مع عدم نية الفور أو القرينة.

 

قوله  : [ فإذا قال : إن قمت أو إذا أو متى أو أي وقتٍ أو من قامت ، أو كلما قمت فأنت طالقٌ فمتى وجد طلقت ]

فمتى وجد القيام فإنها تطلق في أي يوم وفي أي ساعة.

 

قوله : [ وإن تكرر الشرط لم يتكرر الحنث إلا في كلما ]

إذا قال " إن قمتِ فأنت طالق " فقامت فإنها تطلق ، فإن قامت مرة أخرى فإنها لا تطلق فإن هذه الأدوات لا تفيد التكرار بخلاف " كلما " ، فإذا قال " كلما قمت فأنت طالق " فإذا قامت فإنها تطلق فإذا راجعها ثم قامت مرة أخرى فإنها تطلق لأن كلما تفيد التكرار ، وقال شيخ الإسلام لاتطلق إلا واحدة وهو الراجح كما تقدم .

 

قوله : [ وإن لم أطلقك فأنت طالق ولم ينو وقتاً ولم تقم قرينة بفور ولم يطلقها طلقت في آخر حياة أولهما موتاً ]

إذا قال لامرأته " إن لم أطلقك فأنت طالق " ولم ينو الفور ولم تقم قرينة على الفورية ولم يطلقها ، فإنها تطلق في آخر حياة أولهما موتاً ، لأن هذه الأداة للتراخي ، فإذا مات أحدهما علمنا الحنث.

 

قوله : [ ومتى لم أو إذا لم أو أي وقتٍ لم أطلقك فأنت طالق ومضى زمن يمكن إيقاعه فيه ولم يفعل طلقت ]

إذا قال لامرأته " متى لم أطلقك فأنت طالق " أو إذا لم أطلقك فأنت طالق " أو " أي وقت لم أطلقك فأنت طالق " فهذه الأدوات تفيد الفورية لاقتران " لم " بها فإذا قال ما تقدم ومضى وقت يمكن إيقاع الطلاق فيه ولم يفعل طلقت.

 

قوله  : [ وكلما لم أطلقك فأنت طالق ومضى ما يمكن إيقاع ثلاث مرتبة فيه طلقت المدخول بها ثلاثاً وتبين غيرها بالأولى ]

فإذا قال " كلما لم أطلقك فأنت طالق " ومضى زمن يمكن إيقاع ثلاث طلقات مرتبة فيه فإنها تبين به المدخول بها لأنه يكون بذلك قد وقع عليها الطلاق ثلاثاً ، وأما غير المدخول بها فإنها تبين بطلقة ويكون طلاقاً بائناً بطلقة.

 

قوله : [ وإن قمت فقعدتِ ، أو ثم قعدت أو إن قعدت إذا قمت أو إن قعدت إن قمت فأنت طالق لم تطلق حتى تقوم ثم تقعد ]

إذا علق طلاقه على شرطين مرتبين فلا يقع الطلاق إلا بهذين الشرطين مرتبين، فإذا قال لها " إن قمت فقعدت فأنت طالق " فإذا قامت فقعدت فإنها تطلق ، وإذا قال لها " إن قمت ثم قعدتِ فأنت طالق " فإنها تطلق إذا قامت ثم قعدت " لأنه قد شرط شرطين مرتبين فلا تطلق إلا بقعود مسبوق بقيام .

 

 

 

 

قوله : [ وبالواو تطلق بوجودها ، ولو غير مرتبين ]

إذا قال " إن قعدت وقمت فأنت طالق " فلا يشترط الترتيب بل يكتفي بالجمع ، لأن الواو لا تفيد الترتيب ، فإذا قال لها " إن خرجت من الدار وذهبت إلى السوق فأنت طالق " فخرجت من الدار لكنها لم تذهب إلى السوق ، فلا يقع الطلاق حتى يجتمع المتعاطفان بالواو.

 

قوله : [ وبأو بوجود أحدهما ]

إذا قال إن خرجت من الدار إلى السوق أو إلى أهلك فأنت طالق " فخرجت من الدار إلى أهلها أو خرجت من الدار إلى السوق فإنها تطلق بأحدهما لأن " أو " تفيد ذلك ، وما تقدم ذكره حيث كان بدلالة اللغة  وأما العامة فإنه يحكم عليهم بما تقتضيه ألفاظهم عرفاً.

 

فصل

 

قوله : [ إذا قال : إن حضت فأنت طالقٌ طلقت بأول حيضٍ متيقن ]

وذلك لوجود الصفة المشروطة ، أما إذا كان حيضاً مشكوكاً فيه فلا ، لأن الأصل بقاء عصمة النكاح ، فالنكاح هو المتيقن فلا يزول بالشك.

 

قوله : [ وإذا حضت حيضة تطلق بأول الطهر من حيضةٍ كاملة ]

إذا قال لها " إن حضت حيضة فأنت طالق " فهنا علق الطلاق بحيضة كاملة فإذا حاضت مرة واحدة فإنها تطلق وهذا إنما يكون بأول الطهر ، فأول طهرها يتم لها حيضة كاملة ، فإن قال لها وهي حائض " إن حضت حيضة كاملة فأنت طالق " فإنها لا تطلق حتى تطهر من حيضها التي هي فيه ، فإذا طهرت منه فحاضت حيضة كاملة فإنها تطلق بأول الطهر.

 

قوله : [ وفي إذا حِضتِ نصف حيضةٍ تطلق في نصف عادتها ]

إذا قال لها " إن حضت نصف حيضة فأنت طالق " فإنها تطلق في نصف عادتها ، فإذا كانت عادتها ستة أيام فإذا تم اليوم الثالث فإنها تطلق ، وعليه فلا يُعلم نصف العادة حتى يمضي الحيض كله وذلك لأن العادة قد تطول وقد تقصر.

والمشهور في مذهب الإمام أحمد أن المرأة يقبل قولها في الحيض فإذا قالت " إني قد حضت حيضة" فإن قولها يقبل ، وقال بعض الحنابلة لا يقبل إلا بيمين لإحتمال كذبها ، وعن الإمام أحمد وهو قول أبي بكر من الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف وهو أرجح الأقوال الثلاثة " أنها تعطى خرقة فتضعها في فرجها ، فتعطيها بعض النساء الثقات قطنة أو نحوها فتضعها في فرجها " وذلك لأنه يمكن أن يعلم الحيض من غير جهتها فلم يقبل فيه القول المجرد ، فالقول المجرد إنما يقبل حيث لا يمكن أن يعلم إلا من جهة الشخص وأما إذا كان يمكن العلم به من غير جهته فإنه لا يقبل قوله وهنا يمكن أن يعلم الحيض الذي ادعته وأنكره الرجل ، يمكن أن يعلم من غير جهتها ، بخلاف ما لو قال لها " إن كنت تبغضيني فأنت طالق " فقالت المرأة " إني أبغضك " فإنه يقع الطلاق لأنه أمـر قلبي ولا يطلع عليه غـيرها فـإن قـولها يصدق لأنه لا يعلم إلا من جهتها.

 

فصل

 

قوله : [ إذا علقه بالحمل فولدت لأقل من ستة أشهر طلقت منذ حلف ]

إذا قال " إن كنت حاملاً فأنت طالق " فولدت لأقل من ستة أشهر سواء كان الزوج يطأ أو لا يطأ فحينئذٍ يعلم أنها حامل لأنها لما ولدت لأقل من ستة أشهر علمنا قطعاً أنها حامل حين حلفه ، سواء كان يطأها أو لا يطأها وعليه فإنها تطلق ، وإذا ولدت لأقل من أربع سنين وهو لا يطأها فنقطع أنها حامل وهذا هو أكثر مدة الحمل في المذهب وعليه فتطلق ، وقد تقدم أن المدة القصوى للحمل غير محددة كما في كتاب الفرائض فإذا أتت به وهي فراشٌ لزوجها و لا يطأها ولو كان بعد أكثر من أربع سنين فهو ابنٌ له ، وعليه فتكون حاملاً عند قوله المتقدم وإن أتت به لأكثر من أربعة سنين.

فإن وطيء بعد الحلف و ولدت لستة أشهر فأكثر من أول وطئه لم تطلق لإمكان أن يكون الحمل من الوطء بعد الحلف و الأصل بقاء عصمة النكاح.

 

قوله : [ وإن قال : إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق ]

إذا قال " إن لم تكوني حاملاً الآن فأنت طالق "  وهي عكس المسألة السابقة.

 

قوله : [ حرم وطئها قبل استبرائها بحيضة في البائن ]

فهذا الحكم للمسألتين كلتيهما فإنه يحرم عليه الوطء حتى يستبريئها بحيضة ، أي حتى تثبت براءة الرحم من الحمل بحيضة واحدة فإذا حاضت فإنه يعلم أنها ليست بحامل في المسألة الأولى فلا تكون طالقاً ، و عنه و هو ظاهر كلام المؤلف أنه لا يحرم في المسألة الأولى وطؤها عقيب اليمين ما لم يظهر بها حمل وفي المسألة الثانية يعلم أنها ليست بحامل فتكون طالقاً لكن هذا في البائن فهي التي يحرم وطئها ،ن لكن لو كان طلاقاً رجعياً فله أن يطأ لأن الرجل لا يمنع من وطء امرأته في الطلاق الرجعي.

 

قوله : [ وهي عكس الأولى في الأحكام ]

وهذا ظاهر فالحالة الأولى إثبات والمسألة الثانية نفي فعكس الأحكام المتقدمة في المسألة الأولى يثبت عكسها في المسألة الثانية فماذا قلنا في المسألة الأولى يقع الطلاق فنقول في المسألة الثانية لا يقع الطلاق.

 

قوله : [ وإن علق طلقة إن كـانت حـاملاً بذكـر وطلقتين بأنثى فـولدتهما طلقت ثلاثاً ]

إذا قال لامرأته " إن كنت حاملاً بذكر فأنت طالق طلقةً ، وإن كنت حاملاً بأنثى فأنت طالق طلقتين " فولدتهما طلقت ثلاثاً لوجود الصيغتين اللتين وقع عليهما الطلقات ويأتي ما في هذه المسألة من النظر في آخر هذا الدرس.

 

 

قوله : [ وإن كان مكانه إن كان حملُك أو ما في بطنك لم تطلق بهما ]

إذا قال لها مكان قوله إن كنت حاملاً قال " إن كان حملك " أو قال " إن كان ما في بطنك " فإنها لا تطلق إن ولدتهما وذلك لأن قوله هنا " حملك " وقوله " ما في بطنك" ظاهره الحصر بأن يكون ذكراً أو أنثى وهو هنا بعضه ذكرٌ و بعضه أنثى ، وعليه فلا يقع الطلاق.

 

فصل

 

قوله : [ إذا علق طلقة على الولادة بذكر وطلقتين على الولادة بأنثى فولدت ذكراً ثم أنثى حياً أو ميتاً ، طلقت بالأول وبانت بالثاني ولم تطلق به ]

في المسألة المتقدمة منها تعليق الطلاق على الحمل وأما هنا فهو تعليق له على الولادة ، فإذا قال لامرأته " إن ولدت ذكراً فأنت طالق طلقة وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين " فولدت ذكراً ثم ولدت أنثى حياً كان المولود أو ميتاً طلقت بالأول منها سواءً كان ذكراً أو أنثى ، فإن كان ذكراً فإنها تطلق طلقة وإن كان أنثى فإنها تطلق طلقتين فإذا ولدت ذكراً فإنها تكون قد طلقت طلقةً ، فلما أتت بالثاني فإنها لا تطلق بالثاني لكنها تبين به، لأنها بالثاني تكون قد وضعت حملها والمرأة إذا وضعت حملها فقد خرجت من عدتها وإذا خرجت من عدتها فهي بائن منه.

 

قوله : [ وإن أشكل كيفية وضعهما فواحدة ]

فإذا أشكل كيفية وضعهما فلا يدري آلذكر سابقٌ أم الأنثى فواحدة ، وذلك لأن الأصل بقاء النكاح والطلقة الثانية مشكوك فيها وعليه فتبين بواحدة.

 

فصل

 

قوله : [ إذا علقه على الطلاق ، ثم علقه على القيام ، أو علقه على القيام ، ثم على وقوع الطلاق فقامت طلقت طلقتين فيهما ]

إذا قال لامرأته " إن طلقتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن قمت فأنت طالق " فقامت طلقت طلقتين ، الطلقة الأولى بقيامها والطلقة الثانية بطلاقها.

 وقوله " أو علقه على القيام ، ثم على وقوع الطلاق " ؛ إذا قال لها إن قمت فأنت طالق " ثم قال " إن وقع عليك الطلاق فأنت طالق " فقامت فإنه يقع لها الطلاق المعلق الأول ، وبوقوعه عليها يقع الطلاق الثاني.

 

قوله : [ وإن علقه على قيامها ثم على طلاقه  لها فقامت فواحدة ]

هذه بعكس المسألة الأولى ، فإذا علقه على قيامها ثم على طلاقها ، فالفرق بين المسألة الثالثة والمسألة الأولى ؛ أن المسألة الثالثة هي عكس الأولى ، والفرق بين المسألة الثالثة والمسألة الثانية أن المسألة الثانية فيها وقوع الطلاق فإنه قال في المسألة الثانية " ثم علقه على وقوع الطلاق " ، أما في المسألة الثالثة فإنه قال " ثم علقه على طلاقها " ، وفرق بين قوله " إن طلقت فأنت طالق " وبين قوله " إن وقع عليك الطلاق فأنت طالق " والمسألة الثالثة هي إذا قال لامرأته " إن قمتِ فأنت طالق " ثم قال بعد ذلك " إن طلقتك فأنت طالق " فإذا قامت فلا يقع عليها إلا طلاق واحداً ، لأن قوله " إن طلقتك فأنت طالق " يقع الطلاق ليس منه إنما بالشرط الذي قد وقع فهو طلاق معلق بخلاف ما إذا علقه على وقوع الطلاق فإنه متى ما قلنا بوقوع الطلاق فحينئذٍ يحصل الشرط.

 

قوله : [ وإن قال : كلما طلقتك أو كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق فوجدا طلقت في الأولى طلقتين وفي الثانية ثلاثاً ]

إذا قال " كلما طلقتك فأنت طالق " ثم قال لها " أنت طالق " فحينئذٍ يقع الطلقة الأولى وهي قوله " أنت طالق " ويقع الطلاق المعلق فيكون عليها طلقتان لكن لو قال " كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق" فالثانية طلقة واقعة عليها فتقع بها ثالثة.

 

مسـألة :

وهي تسمى بالسرجية ؛ نسبة إلى ابن سُريج الشافعي ، وهي فيما إذا قال الرجل لامرأته " إن وقع عليكِ طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً " قال ابن سريج الشافعي " وهو قول محدث في الإسلام " كما قال شيخ الإسلام " قال لا يقع شيء " ، لأن قوله " أنت طالق " مسبوق بثلاث وعليه فهو طلاق منفي وليس بشيء لأنه طلقة رابعة والطلقة الرابعة ليست بشيء ، وما دام أنها ليست بشيء فكذلك ما قبلها ، وهو قوله " فأنت طالق قبله ثلاثاً " أي كذلك الذي علقت عليه ليس بشيء فما دام منفياً فلا يمكن أن يثبت ما يترتب عليه ، هذا هو قول ابن سريج وهو كما تقدم قول محدث في الإسلام.

وقال الحنابلة ؛ يقع الطلاق ثلاثاً ، فقوله " أنت طالق " يقع طلقة ، وقد قال " إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً " فنختار من هذه الثلاث اثنتين فتكون طالقاً ثلاث ، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول ابن عقيل من الحنابلة " أنها لا تطلق إلا واحدة في قوله أنت طالق " ، وأما قوله " فأنت طالق قبله ثلاثاً " فعلى القول بصحة طلاق الثلاث بكلمة واحدة ، وقد تقدم أن شيخ الإسلام لا يختار هذا القول وعليه فما نذكره هو دليل ابن عقيل فعلى القول بصحة طلاق الثلاث يكون من الطلاق الماضي والطلاق في المضي لا يقع ، فالراجح أنه تقع عليها طلقة واحدة ، و في قول المؤلف " إذا علق طلقة على الولادة بذكر وطلقتين بأنثى " ، إن ولدتهما فإنها تطلق ثلاثاً كما تقدم تقريره وكذلك في الحمل ، وهذا فيه نظر ، فإن مراده في الغالب الحمل الواحد والولادة الواحدة ، إذ الأصل أن يكون حملاً واحداً وأن تكون الولادة ولادة واحدة ، وعليه فيقع على ما نواه ، وهو رواية عن الإمام واختاره شيخ الإسلام ، فإذا قال الرجل لامرأته " إن كنت حاملاً بذكر فأنت طالق طلقةً ، وإن كنت حاملاً بأنثى فأنت طالق طلقتين " فتبين أنها حامل بذكر وأنثى جميعاً فإن هذا ليس مراده بل مراده حيث كان الحمل منفردأ أي منفرداً بالذكورية أو منفرداً بالأنثوية والأمر لم يكن كذلك وهو حمل كلامه على الأصل ونّوعه هنا بالذكورية والأنثوية وعلق على هذا التنويع لأن الأصل هو هذا التنويع ، وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة.

 

 

 

 

 

 

فصل

قوله : [ إذا قال : إذا حلفتُ بطلاقك فأنت طالقٌ ، ثم قال : أنت طالق إن قمت طلقت في الحال ]

تقدم معنى الحلف بالطلاق عند الفقهاء و أن معناه تعليق الطلاق بشيء للحض و المنع  فإذا قال " إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق " قم قال " أنت طالق إن قمت " ، فقوله هنا " أنت طالق إن قمت " هذا حلفٌ بالطلاق فتطلق في الحال وذلك لوجود الصفة.

 

قوله : [ لا إن علقه بطلوع الشمس ونحوه لأنه شرطٌ لا حلف ]

إذا قال لها " إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق " ، ثم قال بعد ذلك " إن طلعت الشمس فأنت طالق " فلا تطلق عليه في الحال وذلك لأن قوله " إن طلعت الشمس فأنت طالق " ليس حلفاً بل هو شرط محض لأن  المكلف لا يقصد بمثله الحض أو المنع وهذا ظاهر ، وقد تقدم الفرق بين الحلف والشرط وأن عرف الفقهاء على ذلك كما تقدم نقله عن شيخ الإسلام.

 

قوله : [ وإن حلفتُ بطلاقك فأنت طالقٌ ، أو إن كلمتك فأنت طالقٌ وأعاده مرةً أخرى طلقت مرة ]

إذا قال لامرأته " إن حلفت بطلاقك فأنت طالق " ثم قال " إن حلفت بطلاقك فأنت طالق " فإنها تطلق بالجملة الثانية طلقةً واحدة وذلك لوجود الصفة وهي الحلف بالطلاق ، وإذا قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " فإنها تطلق بالجملة الثانية طلقة واحدة ، وذلك لأن قوله " إن كلمتك فأنت طالق " كلام وقد علق طلاقها بكلام وهذا كلام فيقع الطلاق به.

 

قوله : [ ومرتين فثنتان وثلاثاً فثلاثٌ ]

إذا قال لها " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " ثم قال " وإن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت واحدة  ، ثم قال " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت ثانية ، ثم قال " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت ثالثة ، لوجود الصفة المعلق عليها الطلاق في كل مرة ، هذا ما لم يقصد إفهامها أو التأكيد ، أما إذا قصد إفهامها أو التأكيد فإنه لا يقع إلا في الأولى ، فإذا قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " طلقت واحدة ، فإن قال لها ذلك مرة أخرى وقصد إفهامها أو التأكيد فإنها لا يقع عليه طلقة أخرى لأنه لا يقصد الطلاق وإنما يقصد إفهامها قوله أو يقصد التأكيد.

 

فصل

 

قوله : [ إذا قـال : إن كلمتك فـأنت طـالق فتحققي أو قـال : تنحي أو اسكتي طلقت ]

فتتحققي ؛ أي تحققي قولي وأنتهي له.

إذا قال لزوجته " إن كلمتك فأنت طالق فتحققي أو اسكتي أو تنحي " فإنها تطلق لأنه قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " فتحققي " أو " اسكتي " وهذا كلام فالصفة قد وجدت وعليه فالطلاق واقع ، وظاهر كلام المؤلف أن ذلك مطلقاً سواء أراد إفهامها أو أراد الابتداء بالكلام وهذا فيه نظر ظاهر ، ولذا اختار ابن القيم التفصيل في هذه المسألة ، فإذا قال " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال " اسكتي " وأراد بذلك منعها من الكلام ولم يرد بذلك ابتداء كلام يقع به الطلاق ، فإن الطلاق لا يقع ، وأما إن كان يريد ابتداء كلام يقع به الطلاق فإن الطلاق يقع والراجح هو ما ذكره ابن القيم لأن هذا هو مقصود الحالف فمقصود الحالف أن يتكلم بكلام في مجلس آخر وأما أن يقصد أن ذلك يدخل بمجرد الكلام ولو كان يريد به التأكيد أو الإفهام أو نحو ذلك و هو احتمال في المغني و صوبه صاحب الأنصاف.

 

قوله : [ وإن بدأتك بالكـلام فـأنت طالق ، فقالت : إن بدأتك به فعبدي حر ، انحلت يمينه ]

إذا قال لزوجته " إن بدأتك بكلام فأنت طالق " فقالت له امرأته " إن بدأتك بالكلام فعبدي حر " فإن يمينه تنحل فلا حنث عليه وذلك لأنها بدأته بالكلام ، فإذا تكلم معها فلا يكون مبتدءاً الكلام.

 

قوله : [ ما لم ينو عدم البداءةِ في مجلس آخر ]

فإذا كان لا يريد ما يقع بينه وبينها من نقاش وجدال أو نحو ذلك في ذلك المجلس بل يريد ما يكون بعد ذلك ، فإن كان هذا مرداه و مقصوده فإنه يحنث إن بدأها بالكلام وإن قالت له ما تقدم ، لأنه ينوي مجلساً آخر ووقتاً آخر.

والقول الثاني في المسألة وهو احتمالٌ للموفق ابن قدامة ، وقال صاحب الإنصاف في هذا القول " وهو قوي جداً " وهو كما قال ، هذا القول مبني على أنه يريد بذلك وقتاً آخر وعليه فلا يحنث إلا أن يبدأها بالكلام في وقت آخر لأن هذا هو مراده ، فالرجل إذا قال لامرأته " إن بدأتك بالكلام فأنت طالق " فإنه لا يريد ما يقع من الكلام في المجلس الذي وقع فيه الحلف بل يريد وقتاً آخر ، وعليه فإذا بدأها في وقت آخر بالكلام فإن الطلاق يقع ، ولا عبرة بإجابتها إياه في المجلس الذي وقع فيه الحلف لأن الحالف بمثل هذا إنما يريد وقتاً آخر ، هذا هو الجاري في العرف وهذا هو الغالب في إرادة المتكلمين.

 

فصل

 

قوله : [ إذا قال : إن خرجت بغير إذني أو إلا بإذني أو حتى آذن لك ، أو إن خرجت إلى غير الحمام بغير أذني فأنت طالق ]

هنا قد علق الطلاق بالخروج من البيت بلا إذن ، فالوصف الذي علق عليه الطلاق هو الخروج بلا إذن إلا ما استثنى ، كأن يقول لها " إن خرجت من الدار إلا لأهلك فأنت طالق.

 

قوله : [ فخرجت مرة بإذنه ثم خرجت بغير إذنه ]

أي قالت له مرة " استأذنك بالخروج إلى السوق مثلاً " فقال لها " قد أذنت لك" فخرجت إلى السوق ثم خرجت بغير إذنه خروجاً آخر فإن الطلاق يقع لوجود الصفة.

 

قوله : [ أو أذن لها ولم تعلم ]

أي أخبر أباها أو أمها أو أحد أبنائها أنه أذن لها لكن هذا الإذن لم ينقل إليها فخرجت عاصيةً له فإن الطلاق يقع وذلك لوجود الصفة وهي الخروج بلا إذن ، والأذن إنما يكون إذناً حيث أعلم به المأذون له فلا إذن إلا بإعلام ، فالإذن في اللغة هو الإعلام ومنه سمي الأذن إذناً لما فيه من الإعلام ، والوجه الثاني في المذهب لا تطلق والأول هو الراجح.

 

قوله : [ أو خرجت تريد الحمام وغيره ]

فإذا قال لها " إن خرجت بلا إذن فأنت طالق إلا إلى أهلك " ، فخرجت إلى أهلها وإلى غيرهم ، فإنها تطلق وذلك لوجود الصفة.

 

قوله : [ وعدلت منه إلى غيره ]

ففي المثال السابق ، أنها خرجت إلى أهلها لكنها عدلت عن أهلها إلى غيرهم فإن الطلاق يقع لأنه خروج غير مأذون به فوجدت الصفة التي علق الطلاق عليها.

إذن ؛ إذا جمعت بين مأذون به وغير مأذون به فإنها تطلق.

 

قوله : [ طلقت في الكل ]

وذلك لوجود الصفة التي علق الطلاق عليها.

 

قوله  : [ لا إن أذن فيه كلما شاءت ]

إذا قال الرجل لامرأته: " إن خرجت يوماً من الدهر بلا إذني فأنت طالق " فما هو المخرج من ذلك ؟

المخرج أن يقول لها: " أذنت لك في الخروج كلما شئت ".

 

قوله : [ أو قال : إلا بإذن زيدٍ فمات زيدٌ ثم خرجت ]

إذا قال لها: " لا تخرجي إلا بإذن والدك وإن خرجت بغير إذنه فأنت طالق " فمات والدها فخرجت فلا طلاق ، وذلك لأن الميت لا إذن له ، ولأن هذا معلوم من حلفه فإنه إنما أراد حيث كان له إذنٌ وأما الميت فلا إذن له.

 

فصل

 

قوله : [ إذا علقه بمشيئتها بإن أو غيرها من الحروف لـم تطلق حتى تشاء ولو تراخى ]

إذا قال لها: " أنت طالق إن شئت أو إذا شئت أو متى شئت " فإنها لا تطلق حتى تشاء أي حتى تشاء بلسانها فتقول شئت ذلك ، أما مشيئة القلب فلا عبرة بها وذلك لأن ما في القلب لا يعلق به حكم حتى يعبر عنه باللسان .

 " ولو تراخى " فلو قالت بعد يوم أو شهر أو سنة قالت: " شئت " فإنها تطلق عليه ، فمتى قالت شئت فإنها تطلق عليه ولو كان ذلك مع التراخي كسائر التعاليق ، فكما أنه إذا قال لها: " إذا دخلت الدار فأنت طالق " فليس له الرجوع فكذلك : " أنت طالق إن شئت ".

وقال الشافعية: بل هو على الفور، وذلك لأنه تمليك للطلاق فأشبه ما لو قال لها:  "اختاري " وقد تقدم أنه إذا قال لها: " اختاري " فإن الخيار يثبت لها في المجلس ، والراجح هو القول الأول.

والجواب عن الثاني ، أن الفرق بين هذه المسألة وبين قوله: " اختاري " ظاهر ، فإن قوله: " أنت طالق إن شئت " من باب الشروط ، وقوله: " اختاري " من باب الخيار ، والخيار على الفور ، ولا يصح رجوعه كبقية التعاليق وعنه يصح كاختاري.

 

قوله  : [ فإن قالت : قد شئتُ إن شئتَ فشاء لم تطلق ]

إذا قالت له: " شئت إن شئتَ " فهنا شرطت مشيئته وشرط المشيئة ليس بمشيئة فلا تكون طالقاً ، فهي لم تقل: " شئت " لكنها علقت مشيئتها بمشيئته فهذا شرط وليس بمشيئة وعليه فلا طلاق.

 

قوله : [ وإن قال : إن شئتِ وشاء أبوكِ أو زيدٍ لم يقع حتى يشاءآ معاً ، وإن شاء أحدهما فلا ]

إذا قال لها: " أنت طالق إن شئت أو شاء زيد " فشاءت ولم يشأ زيد فلا طلاق لعدم وجود الصفة وهي مشيئتهما جميعاً ، أو قال لها : " إن شئتِ وشاء أبوكِ " لم تطلق حتى يشاءا معاً ولو تراخى أحدهما فالمشيئة ثابتة.

 

قوله : [ وأنت طالق أو عبدي حرٌ إن شاء الله وقعا ]

إذا قال لامرأته: " أنت طالق إن شاء الله " أو قال: " عبدي حر إن شاء الله " فإن زوجته تطلق وعبده يعتق ، قالوا: ؛ لأنه قد علقه إلى ما لا سبيل إلى علمه وهي مشيئة الله فأشبه تعليقه على المستحيل.

وعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي: أن الطلاق لا يقع ، قالوا : لأنـه عـلقه على صفةٍ لا يعلـم وجودها ، فهو لا يعلم هـل شاء الله عز وجل الطلاق أم لـم يشأه.

وفصل شيخ الإسلام تفصيلاً حسناً في هذه المسألة فقال: إن كان تعليقاً فلا يقع ، وإن كان تحقيقاً أو تأكيداً فإنه يقع ، فإذا قال ذلك تعليقاً أي علقه على مشيئة الله المستقبلة فلا تطلق عليه لأن الله لا يشاؤه في الواقع وقوعاً حتى يتكلم به هذا المكلف ، فلا يقال إن الله شاء الطلاق لفلانة من فلان إلا أن يكون قد وقع وحدث ، وعليه فإذا قال لها "أنت طالق إن شاء الله " فلا تطلق حتى يقول لها بعد ذلك: " أنت طالق " ، وأما إن كان تحقيقاً أو تأكيداً بمعنى قال: " إن شاء الله" يحقق قوله  أي قد وقع قوله وشاءه الله عز وجل فهذا هو التحقيق ، أو تأكيداً كأن يقول: " إن شاء الله " مؤكداً للطلاق مثبتاً له وهذا تفصيل جيد في المسألة.

أما لو قال: " أنت طالق إلاّ أن يشاء الله " فإنها تطلق وذلك لأن قوله: " أنت طالق إن شاء الله " جملة فيها إثبات الطلاق ووقوعه ، وفيها تعليق رفعه على مشيئة الله فقوله: " إلا أن يشاء الله " تعليق لرفع الطلاق على مشيئة الله ومشيئة الله ليست بمعلومة.

 

قوله : [ وإن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله طلقت إن دخلت ]

إذا قال لها: " إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله " فإنها تطلق بذلك ، وهذا تفريعٌ عن المسألة السابقة ، ما لم ينو الاستثناء للفعل وهو دخولها فإنها لا تطلق وذلك لأنها إن دخلت فيعلم أن الله عز وجل قد شاءه ويكون هذا التعليق كالتعليق على اليمين ، كما قال r : ( من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث ) رواه الترمذي والنسائي وغيرهما وهو حديث صحيح ، فإذن إن قال لها: " إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله " إن كانت المشيئة للفعل المحلوف عليه فلا تطلق إن دخلت ، لأن دخولها بمشيئة الله المعلق عليها ، وكل يمين علقت بمشيئة فلا حنث فيها للحديث المتقدم بخلاف ما إذا كان التعليق للطلاق.

 

قوله : [ وأنت طالق لرضا زيدٍ أو لمشيئته طلقت في الحال ]

لأن معنى كلامه " أنت طالق لكون زيد رضى ذلك " و " أنت طالق لكون زيد يشاء ذلك " فإنها تطلق في الحال كما تقدم ، ومعنى كلامه " وقد اوقعت عليك الطلاق لأن أمك تشاء ذلك أو لأن أباك يشاء ذلك.

 

قوله : [ فإن قال : أردت الشرط ، قُبل حكماً ]

أي أردت " أنت طالق إن رضي زيد " أو " أنت طالق إن شاء زيدٌ " فإنه يقبل في الحكم الظاهر ، لأن لفظه يحتمل.

وعن الإمام أحمد وهو أحد الوجهين عند الشافعية: أنه لا يقبل في الحكم ، وهو الأرجح لأنه يخالف ظاهر قوله فإذا قال: " أنت طالق لرضا أبيك " فإنها تطلق لأن ظاهر لفظه " أنت طالق لكون أبيك يرضى ذلك " فإذا ادعى أنه أراد الشرط فإن هذا الإدعاء يخالفه الظاهر ، والإدعاء الذي يخالفه الظاهر لا يقبل في الحكم وأما كونه يدين فيما بينه وبين ربه فهذا ظاهر.

 

قوله : [ وأنت طالقٌ إن رأيت الهلال ، فإن نوى رؤيتها لم تطلق حتى تراه ، وإلا طلقت بعد الغروب برؤية غيرها ]

إذا قال لها: " إن رأيت الهلال فأنت طالق " فتقول ما الذي تنويه ؟

فإن قال: " نويت أنها طالق إن رأته بعينها " فحينئذٍ لا تطلق إلا إذا عاينته ببصرها ، وهنا لفظه يحتمل ذلك ، وإن قال: " لم أرد معاينتها بل أريد رؤية الهلال فتطلق بغروب الشمس حيث رأى الهلال غيرها ، كما أنها تطلق بتمام الشهر ثلاثين وذلك لأن تمام الشهر ثلاثين في حكم رؤية الهلال شرعاً.

 

فصل

 

قوله : [ وإن حلف لا يدخل داراً أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعض جسده أو دخل طاق الباب أو لا يلبس ثوباً من غزلها فلبس ثوباً فيه منه أولا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه لم يحنث ]

طاق الباب ؛ هو أي ما عطف من الابنية أي جانباه للباب.

فلا يحنث في هذه المسائل كلها وذلك لأن فعل البعض ليس كفعل الكل ، والحلف إنما هو عن الامتناع عن فعل الكل وليس فعل البعض كفعل الكل ، ولذا كان النبي r يخرج رأسه وهو معتكف لعائشة فترجله ولم يكن رسول الله r يخرج من معتكفه وليس هذا في حكم الخروج من المعتكف ، لكن لو قال: " أنت طالق إن شربت ماء هذا النهر " فقطعاً لا يريد كله ولا يمكن أن تصرف اليمين إلى ذلك ، فإذا شرب بعضه فإنه يحنث لأنه يمتنع إرادة الكل فتصرف يمينه على إرادة البعض ، ومبنى الأيمان على نية الحالف ، فلو أنه قال: " أنت طالق إن شربت ماء هذا الإناء " وهو ينوي بعضه ، فشرب البعض فإنه يحنث فإن الأيمان مبناها على النية ، فالأحكام المتقدمة إنما ينظر فيها باعتبار الألفاظ أما لو نوى خلاف ظاهر لفظه فإن الأيمان مبناها على النية.

 

قوله : [ وإن فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً حِنث في طلاق وعتاقٍ فقط ]

إذا قال: " إن فعلتُ كذا فامرأتي طالق " أو قال: " إن فعلتِ كذا فأنت طالق " ففعل هو أو فعلت هي نسياناً ، أو كان ذلك عن جهل كأن تكون هي لم تعلم باليمين ففعلت ما فعلت ، وإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فأنت طالق " فنسيت فخرجت ، أو قال لأحدٍ من الناس: " إن خرجت امرأتي من الدار فهي طالق " فخرجت من غير أن تعلم بيمينه .

قال الحنابلة: يثبت الحنث وذلك لأن  يمين الطلاق ويمين العتاق فيها حق آدمي ولا فرق فيها بين تعمد ولا خطأ ولا نسيان ، ويعذر عندهم المكره والنائم والمغمى عليه.

وقال الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وممن اختاره من المتأخرين الشيخ عبدالرحمن بن سعدي : أن الأيمان كلها لا حنث فيها مع الجهل والنسيان ، وكذا لو عقدها يظن صدقَ نفسه فبان خلاف ذلك أو لقصد الإكرام ، قال شيخ الإسلام: "من حلف بالطلاق كاذباً يعلم كذب نفسه لم تطلق " ، وكذا من فعله متأولاً تقليداً لمن أفتاه أو فعل محلوفاً معتقداً زوال النكاح ونحو ذلك .

واستدلوا بقولـه تعالى ] وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم [ ، وبقوله تعالى ] ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [ ، وبقول النبي r : ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ).

قالوا : وهذه أدلة عامة ليس فيها استثناء.

و قالوا : ولأن حقيقة الحنث هو مخالفة اليمين ، والمخالفة إنما تكون مع التعمد ، وأما مع عدم التعمد ، وعدم القصد فإنه ليس ثمت مخالفة ، ولأن مقصود الحالف عدم المخالفة وإذا خولف أو خالف هو نسياناً أو خطأً فإن مقصوده لا ينتقض، فإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فذهبتِ إلى السوق فأنت طالق " وهو يريد ألا تخالفه وألا تعصيه فإنها إذا فعلت ذلك نسياناً أو خطأً فإنها لا تعد عاصية ولا مخالفة لأن العصيان إنما يكون مع التعمد وهذا هو الراجح في هذه المسألة ، أما إذا فعل ما حلف عليه مكرهاً فقال الحنابلة : لا يحنث وذلك لأن المكره لا يضاف إليه الفعل ، فإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فأنت طالق " فأخرجت كرهاً فإنها لا تطلق وذلك لأن المكره لا يضاف إليه الفعل وكذلك النائم والمغمى عليه لزوال العقل بعذر ، فإذا فعلت ذلك نائمةً أو مغمى عليها فإن الحنث لا يقع كما هو المشهور في المذهب، وكذا لو عقدها يظن صدق نفسه أو للإكرام أو كاذباً فلا طلاق ولا كفارة.

 

قوله : [ وإن فعل بعضه لم يحنث إلا أن ينويه ]

إذا قال: " إن دخلتُ الدارَ فزوجتي طالق " فدخل بعض بدنه إلى الدار ، أو قـال: " إن شربت ماء هذا الإناء فامرأتي طالق " فشرب بعضه فإنها لا تطلق لأن فعل البعض ليس فعلاً للكل إلا أن ينويه ، فإذا نوى منع نفسه من هذا الشيء كلية حتى القليل منه ، فإن الأيمان مبناها على النية وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما   نوى ، فإن قال: " إن شربت هذا الماء الذي في الإناء فامرأتي طالق " وهو ينوي وقوع الطلاق ولو شرب بعضه ، فإن شرب بعضه فإن زوجته تطلق عليه.

 

قوله : [ وإن حلف ليفعلنه لم يبرأ إلا بفعله كله ]

وذلك لأن فعل البعض ليس فعلاً للكل وقد حلف أن يفعله كله ، فلا يبرأ حتى يفعله كله.

 

باب التأويل في الحلف

 

ومن التأويل في الحلف التأويل في حلف الطلاق.

 

قوله : [ ومعناه أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره ]

هذا هو معنى التأويل في الحلف ؛ هو أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره، فظاهر لفظه له معنى وهو يريد معناً أخر يحتمله اللفظ كما لو قال: " نسائي طوالق " وهو لا يريد زوجاته بل يريد نساءه من عماته أو خالاته أو غيرهن ، والتأويل في الحلف جائزٌ إن كان دفعاً لظلمٍ ، ففي سنن أبي داود بإسنادٍ صحيح عن سويد بن حنظلة قال: " خرجنا نريد النبي r ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدوٌ له فتحرج القوم أن يحلفوا فحلفت أنه أخي فأخبرت بذلك النبي r فقال: ( صدقت ، المسلم أخو المسلم ) ، فظاهر قوله: " أخي" أنها أخوة النسب وهو يريد أخوة الدين ، وفال عمر كما في البيهقي ( إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ) وروي مرفوعاً والصواب وقفه .

 

قوله : [ فإذا حلف وتأول يمينه نفعه ]

فلو أن رجلاً أكره على طلاق نسائه فقال: " نسائي طوالق " وهو لا يريد بنسائه زوجاته وإنما يريد بناته فهنا لا يقع الطلاق ، فينفعه ذلك.

 

قوله : [ إلا أن يكون ظالماً ]

فيستثنى من ذلك أن يكون الحالف ظالماً فلو أن رجلاً قال له القاضي: " احلف " فقال: " نسائي طوالق " إن كان هذا الشيء لي وهو كاذب فهنا هو ظالمٌ وتأول في الحلف فهنا يكون عليه الحنث ولا ينفعه هذا التأويل لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي r قال : ( اليمين على نية المستحلف ) ، ولأننا إذا أجزنا ذلك فإنه يكون ذريعة إلى إبطال الحق ، ولا شك أن ما كان ذريعة إلى ذلك ، فهو محرم ، وظاهر كلام المؤلف أنه إذا لم يكن ظالماً ولا مظلوماً فإن ذلك جائزٌ ، فإنه لم يستثن إلا أن يكون ظالماً ، وعليه فالأحوال ثلاثة :

      1.         أن يتأول يمينه وهو ظالم فلا ينفعه هذا كما تقدم.

      2.         أن يتأول يمينه وهو مظلوم فينفعه ذلك.

      3.         ألا يكون ظالماً ولا مظلوماً فينفعه ذلك أيضاً في المشهور من المذهب.

والقول الثاني في المسألة وهو ظاهر كلام الإمام أحمد كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ؛ المنع وأن ذلك لا ينفعه ، وهو الراجح لعموم قوله r : ( اليمين على نية المستحلف ) وهذا عام لا يستثنى منه إلا أن يكون الحالف مظلوماً. وختار شيخ الإسلام أنه لايجوز التعريض لغير ظالم بلا حاجة لأن هذا تدليس كتدليس البيع والمذهب جوازه لأن النبي r  كان يقوله في المزاح من غير حاجة و هو أظهر لكن لا يجوز التعريض مع اليمين للحديث المتقدم و هو منصوص أحمد.

قوله : [ فـإن حلفه ظـالمٌ مـا لزيدٍ عندك شيء ولـه عنده وديعةٌ بمكانٍ ، فنوى غيره ]

فلو أن ظالماً أراد  أخذ مال زيدٍ فقال: " ما لزيدٍ عندك شيء " وله وديعة عنده فحينئذٍ الأمر أن له وديعة عنده فقال " ما لزيدٍ عندي شيء " ونوى غير المكان الذي هي فيه ، أي ما لزيدٍ عندي في البيت وله عنده في الدكان,

 

قوله : [ أو بما الذي ]

أي نوى أن " ما " بمعنى " الذي " ، " ما لزيدٍ عندي شيءٌ " أي الذي لزيدٍ عندي شيءٌ ، وهذا يصح.

 

قوله : [ أو حلف ما زيدٌ هاهنا ونوى غير مكانه ]

قيل له: " هل زيد في البيت " فقال: " ما زيدٌ هاهنا " ونوى مكاناً آخر بأن يشير بيده إلى موضع آخر فيقول: " ما زيد هاهنا " ، وهذا تأويل سائغ.

 

قوله : [ أو حلف على امرأته لا سرقت مني شيئاً فخانته في وديعةٍ ولم ينوها لم يحنث في الكل ]

فإذا قال لامرأته: " إن سرقت مني شيئاً فأنت طالق " فخانته المرأة في وديعة عنده ولم ينوِ دخول الخيانة في قوله لم يحنث وذلك لأن الخيانة ليست بسرقة لأن السرقة إنما تكون من حرزٍ وهذه ليست كذلك ، أي في حق المودع عنده ، لكن لو نوى بقوله " إن سرقت مني شيئاً فأنت طالقٌ " نوى دخول الخيانة أو كان سبب تهيجها للحلف هو ذلك ، أي خشي أن تخونه فحلف على ذلك ، فإنه حينئذٍ يحنث في يمينه ، لأن هذا السبب الواقع منه قرينة لإرادته دخول الخيانة.

و المذهب أن يقبل منه حكماً إن أدعى التأويل لعدم مخالفته للظاهر إلا مع بعد الاحتمال لمخالفته الظاهر.

 

 

باب الشك في الطلاق

 

قوله : [ من شك في طلاقٍ أو شرطه لم يلزمه ]

شك لا يدري هل طلق امرأته أم لا ، أو شك في شرطه أي هل وقع الشرط أم لم يقع ، إذا قال لامرأته: " إن دخلت الدار فأنت طالق " ثم شك لا يدري أدخلت المرأة الدار أم لم تدخلها ، لم يلزمه لأن هذا شك والشك لا يزول به اليقين ، فاليقين بقاء عصمة النكاح فلم يزل بهذا الشك الطارئ عليه.

 وقال الموفق رحمه الله: " الأولى له إيقاع الطلاق تورعاً " ، وفيما ذكره نظر ، قال ابن القيم: " الأولى إبقاء عصمة النكاح ، ويكره أو يحرم العمل بالشك فإن الطلاق بغيض إلى الرحمن حبيب إلى الشيطان " فمثل هذا لا يقال أن التورع إيقاعه ، فالصحيح ما ذكره ابن القيم.

 فإن قال كلمة فشك هل هي طلاق أم ظهار لم يلزمه شيء قالوا والأحوط كفارة الظهار ليبرأ بيقين.

 

قوله : [ وإن شك في عدده فطلقةٌ ]

إذا شك لا يدري أطلق امرأته طلقتين أم طلقة فاليقين أنها طلقة والطلقة الثانية مشكوك فيها فاليقين لا يزول بالشك.

قوله : [ وتباح له ]

أي تباح له هذه المرأة لما تقدم من أن الأصل بقاء عصمة النكاح ، وهذا الطلاق مشكوك فيه.

 

قوله : [ فإذا قال لامرأتيه : إحداكما طالقٌ طلقت المنوية ]

إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق ونوى فلانة منهما مبهماً فإن المنوية تطلق عليه لأنه قد عينها بنيته فلفظه مبهمٌ لكن نيته معينة.

 

قوله : [ وإلا من قرعت ]

وإلا ؛ أي إن لم ينوِ إحداهما فإنه يوقع بينهما القرعة ، والقرعة طريقٌ شرعي لإخراج المجهول ، فالحق لواحدة منهما غير معينة فوجبت بالقرعة ، أي وجب حقها بالقرعة ، فيضع بينهما القرعة فمن خرجت عليها القرعة فهي طالق بتلك اللفظة التي تلفظ بها.

وقال الشافعية والأحناف: بل يتخير أيتهما شاء ، قالوا : لأنه له ابتداءً إيقاع الطلاق وتعينه ، وهنا قد أوقعه ولم يعينه فبقي له حق التعيين استيفاءً لملكه.

والأرجح هو القول الأول وذلك لأنه حق لإحداهما من غير تعيين فوجب بالقرعة كالسفر ببعض النساء ، وتقدم أنه ليس له أن يسافر بإحدى نسائه إلا بقرعة ، فأما ما ذكروه فهو ضعيف وذلك لأنه يملك الطلاق قبل إيقاعه وأما بعد أن أوقعه فإنه ليس له فيه أي ملك ، وكان له حق التعيين مع الإيقاع وأما وقد أوقعه ولم يعين فقد خرج عنه حق التعيين.

 

قوله : [ كمن طلق إحداهما بائناً ونسيها ]

رجل طلق إحدى امرأتيه طلاقاً ثلاثاً بائناً لكنه نسيها و لا بينة فالحكم أنه توضع بينهما القرعة في الحل وفي الإرث ، أي في حكمها له وفي كونها ترث منه ، أما الإرث فهذا ظاهر للتعليل المتقدم فهو حق لواحد غير معين ولا سبيل لنا إلى تعيبن صاحب الحق فسلكنا هذا الطريق الشرعي وهو القرعة.

وأما في الحِل فاختار الموفق وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب أكثر أهل العلم كما حكى ذلك الموفق: " أن القرعة هنا لا طريق لها ، ذلك لأن الزوجة هنا قد اشتبهت عليه ، فكما لو اشتبهت زوجته بأجنبية فإنه لا يحل له أن يطأ" وهنا كذلك فقد اشتبهت عليه إحدى المرأتين هذه محرمة عليه بالبينونة و هذه حلال له ، ولأن القرعة لا تحل المرأة المطلقة ، ومعلوم أن القرعة قد تقع على المرأة المطلقة المنسية ، وهذه القرعة لا تحل المرأة التي قد وقع عليها الطلاق ولا ترفع الطلاق عنها.

فإن قيل فما الفرق بينها وبين المسألة المتقدمة ؟

فالجواب : أن المسألة المتقدمة الطلاق لم يقع على واحدة بعينها بل الطلاق مبهم فاحتجنا إلى تعينه بالقرعة ، وأما في هذه المسألة فإن الطلاق واقع على واحدة بعينها فإن إحداهما طالق بعينها ولكنها مجهولة وهذا فرق ظاهر بين المسألتين ، فالراجح ما ذكره الموفق وهو مذهب أكثر أهل العلم.

 

 

 

قوله : [ وإن تبين أن المطلقة غير التي قرعت ردت إليه ما لم تتزوج أو تكن القرعة بحاكم ]

هذا تفريع على القول المرجوح ، فإذا وقعت القرعة فخرجت على فلانة وتبين للزوج ، أي تذكر أن المطلقة غير التي قرعت ، وهذا أي التذكر أمر لا يعلم إلا من جهته فيقبل فيه قوله ، فإذا تذكر أنها التي قرعت فإنها ترد إليه ما لم تتزوج ، فإذا تزوجت فلا ترد إليه وذلك لأن قوله المجرد عن البينة لا يسقط حق غيره فالمرأة هنا قد تزوجت فأصبحت في عصمة غيره فقوله المجرد لا يسقط حق غيره.

"أو تكن القرعة بحاكم" فإذا كانت القرعة من طريق الحاكم فيكون هذا قضاءً وحكماً والحكم لا يرفع بقوله المجرد.

إذن : إذا تزوجت المرأة أو كانت القرعة بحاكم فإنها لا ترد إليه وأما إذا لم تتزوج ولم يثبت حكم القرعة بحاكم فإنها ترد إليه لأنه شيءٌ لا يعلم إلا من جهته فقبل فيه قوله.

 

قوله : [ وإن قال : وإن كان هذا الطائر غراباً ففلانة طالق ، وإن كان حماماً ففلانة طالق وجُهل لم تطلقا ]

لاحتمال أن يكون هذا الطائر ليس بغراب ولا حمام والطلاق لا يقع بالشك.

 

قوله : [ وإن قال لزوجته وأجنبية اسمها هندٌ إحداكما أو هندٌ طالقٌ طلقت امرأته ]

إذا قال لزوجته وامرأة أجنبية عنه اسمها هند إحداكما طالق طلقت امرأته وذلك لأنه لا يملك طلاق الأخرى.

وقوله: " أو هند طالق طلقت امرأته " ؛ فإذا قال لامرأته واسمها هند ، وامرأة أجنبية عنه اسمها هند فقال: " هندٌ طالق " فيقع الطلاق على امرأته وذلك لأن الأخرى ليست بزوجةٍ له ، والطلاق لا يقع عليها فهو لايملك طلاقها.

 

قوله : [ وإن قال : أردت الأجنبية لم يقبل حكماً إلا بقرينة ]

إذا قال: " أردت الأجنبية " لم يقبل حكماً لأنه يخالف الظاهر ، ولكنه يدين بنيته فيما بينه و بين ربه ، ولا يقبل في الحكم إلا بقرينة ، كأن يقول ذلك رفعاً للظلم كأن تكون له زوجة اسمها هند ، وأخت اسمها هند فقيل له طلق زوجتك فقال: " هند طالق " وهو لا يقصد طلاق زوجته بل يقصد بذلك أخته ، فلما كانت هذه القرينة موجودة فلا يقع الطلاق حكماً.

 

قوله : [ وإن قال لمن ظنها زوجته : أنت طالق طلقت الزوجة وكذا عكسها ]

إذا قال لامرأة يظنها زوجته وهي ليست بزوجةٍ له قال: " أنت طالق " فإنها تطلق الزوجة ، اعتباراً بالقصد ، فقصده زوجته وهو كما لو قال: " امرأتي طالق " ففي المذهب قوة.

والقول الثاني في المذهب وهو مذهب الشافعية:  أن الطلاق لا يقع اعتباراً بالخطاب لأن الطلاق إنما يقع حيث خوطبت به المرأة أو كان بلفظ ظاهر في إرادتها، فالاعتبار هنا بالخطاب لا بالقصد ، والنية المجردة عن اللفظ لا يقع معها الطلاق، والأول أظهر.

 

 

 

 

قوله : [ وكذا عكسها ]

فعكس هذه المسألة يقع الطلاق فيها على امرأته، فإذا قال لمن ظنها أجنبية وهي زوجته قال لها: " أنت طالق " يظنها أجنبية عنه فكانت امرأته ، فكذلك يقع عليها الطلاق وذلك لأنه واجه امرأته بصريح الطلاق.

والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه لا يقع ، وهذا القول الأرجح ، وذلك لأن الأعمال بالنيات ، فاللفظ قطعاً لا يريد به طلاق امرأته ، بل يريد به ومخاطبة الأجنبية ، وعليه فلا يقع الطلاق ، لكننا نحكم بالظاهر إلا مع قرينة، ويدين بنيته فيما بينه وبين ربه.

 

 

باب الرجعة

 

الرجعة : هي إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد.

وقد أجمع أهل العلم على أن الرجل الحر إذا طلق امرأته دون الثلاث ، والعبد دون اثنتين فلهما الرجعة في العدة ، ولا يشترط إجماعاً في الرجعة قبول المرأة ولا الولي ولا صداق في ذلك فهو استدامة للنكاح.

 

قوله : [ من طلق بلا عوضٍ زوجةً مدخولاً بها دون ماله من العدد فله رجعتها في عدتها ]

من طلق بلا عوض - تقدم حكم الطلاق بعوض وهو الخلع - ، فمن طلق امرأة مدخولاً بها أو في حكم المدخول بها وهي المخلو بها دون ماله من العدد فله رجعتها ما دامت في العدة أما غير المدخول بها فإنها تبين فيه بطلقة ولا عدة لها كما تقدم تقريره.

 

قوله : [ ولو كرهت ]

فله رجعتها ولو كرهت لقوله تعالى : ] وبعولتهن أحق بردهن في ذلك [ ، وقد سماه الله تعالى بعلاً أي زوجاً وهو زوج لها وهو أحق برجعتها وظاهر الآية أن ذلك ليس إلى الوالي ولا إلى المرأة وتقدم الإجماع عليه.

وظاهر كلام المؤلف الإطلاق فيمن يريد الإصلاح و فيمن لا يريده ، فكل من أراد الرجعة فله المراجعة كما هو إطلاق المؤلف وهو إطلاق غيره من الفقهاء ، واختار شيخ الإسلام أنه لا يمكن من ذلك إلا أن يريد بذلك الإصلاح والإمساك بالمعروف ، وقوله هو الذي يدل عليه ظاهر القرآن ، قال تعالى : ] و بعولتهن أحـق بردهـن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً [ ، فشرط الله تعالى إرادة الإصلاح ورتب عليه شيخ الإسلام أنه لو كلف بعدُ لم لأن الطلاق لا يقع إلا بعد رجعة صحيحة و تقدم ترجيح خلافه.

 

قوله : [ بلفظ راجعت امرأتي ونحوه ]

فألفاظ المراجعة ؛ راجعت امرأتي ونحوه من الألفاظ كأن يقول: " رددتها " أو "أمسكتها " وغير ذلك من الألفاظ التي هي صريحة في الرجعة.

 

 

 

 

قوله : [ لا نكحتها ونحوه ]

فإذا قال في الرجعة: " نكحتها أو تزوجتها ونحوه " فلا يحصل به الرجعة ، وذلك لأن هذا اللفظ يكون كناية ، قالوا : والرجعة استباحة بضع مقصود ، فلم تصح فيه الكناية كالنكاح.

والقول الثاني في المسألة ؛ وهو وجه عند الحنابلة وممن قال به ابن حامد ؛" أن الرجعة تحصل به مع النية " وهذا أظهر وذلك لأنه يدل عليها ، فهذا اللفظ يدل على الرجعة وقد نوى قائله الرجعة ، والعبرة بالمعاني لا بالمباني و بالقصود لا بالألفاظ.

 

قوله : [ ويسن الإشهاد ]

ويسن له أن يشهد على الرجعة.

قالوا : لأن الرجعة لا تفتقر إلى قبول من المرأة ولا من الولي وما كان كذلك لم تفتقر إلى الإشهاد ، وهو قول جمهور العلماء.

والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد ؛ أن الإشهاد شرط في صحة الرجعة فلا تصح الرجعة إلا بالإشهاد ، وهو القول القديم للشافعي.

والذي يترجح أن الإشـهاد واجب وليـس بشرط ويدل على هذا قـوله تعالى: ] وأشهدوا ذوي عدل منكم [ ، وظاهر الأمر الوجوب ، ويدل على وجوبها وأنها تصح مع عدم الإشهاد ، ماثبت في سنن أبي داود بإسنادٍ صحيح أن عمران بن الحصين سئل عن الرجل يطلق ولا يشهد ويراجع ولا يشهد فقال: " طلقت بغير سنة وأرجعت بغير سنة ، أشهد على طلاقها وأشهد على رجعتها ولا تعد " ، فالذي يترجح هو وجوب الإشهاد لكن ليس بشرط في صحتها بل تصح الرجعة ولو لم يشهد ، وإنما قلنا بوجوبه لقوله تعالى: ] وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم [ ، ولقول عمران بن الحصين: " وأرجعت بغير سنة " ، ولأن عدم الإشهاد ذريعة إلى كتمان الطلاق فقد يطلق الرجل امرأته المرة الأولى ثم يطلقها المرة الثانية فيكتم التطليقتين الأوليتين فيسول له الشيطان إبقاءها عنده بخلاف ما إذا أشهد على الطلقة الأولى والطلقة الثانية فإن الأمر يكون بيناً.

 

قوله : [ وهي زوجة لها وعليها حكم الزوجات ولكن لا قسم لها ]

هذا هو حكم الزوجة المطلقة الطلاق غير البائن في عدتها، فحكمها حكم الزوجات فلها ما لهن من النفقة والسكن وعليها ما على الزوجات بالمعروف ومن ذلك أنها لا تخرج من بيتها ولكن لا قسم لها قال تعالى : ] واتقوا الله لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة [ .

والمشهور في المذهب أنه يحل له أن يطأها وأنها تتزين له وتتشرف له وله ويخلو بها وغير ذلك.

وقال الشافعية ؛ بل هي محرمة عليه وذلك لأن هذه الطلقة ثبت معها التحريم فهي طلقة وقعت فثبت معها التحريم ، و الرجح المذهب لأن الله تعالى نهاهن من الخروج من بيوتهن ومعلوم أن بقاءها في بيتها يكون فيه خلوة، وغير الخلوة مما تقدم ذكره في السفر بها ونحوه له حكم الخلوة.

 

 

 

 

قوله : [ وتحصل الرجعة أيضاً بوطئها ]

وتقدم أن الحنابلة يجيزون الوطء فإذا وطئها فإن الرجعة تحصل بها سواء نوى به الرجعة أم لم ينوِ به الرجعة ، إذن : بالوطء المجرد تثبت الرجعة.

وعن الإمام أحمد وهو مذهب المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ أن الرجعة لا تحل بالوطء إلا بالنية وذلك لأن الوطء ليس صريحاً في إرادة إرجاعها فاشترط فيه النية ، وعليه فإذا وطء الرجل امرأته ولم ينو بذلك الرجعة فلا يكون هذا الوطء رجعة بل لا يكون رجعة حتى ينويه و المذهب أصح لأن الوطء ظاهر في الرجعة لأنه إنما تحل له بالرجعة.

وأما ما دون الوطء فظاهر كلام المؤلف وهو المذهب أن الرجعة لا تحصل به فإذا استمتع بها في ما دون الوطء كأن يقبلها أو يباشرها فإن الرجعة لا تحصل به في المذهب.

وقال الأحناف بل تحصل به وذلك لأن الاستمتاع بالمرأة لا يحل إلا بالزوجية ، و المذهب أظهر كالنظر و الخلوة بها.

 

قوله: [ ولا تصح معلقةً بشرط ]

اتفاقاً ، فلا يصح أن يراجع امرأته ويعلق هذا بشرط كالنكاح فليس له أن يقول راجعتك إن كان كذا بل لابد وأن يكون منجزاً كالنكاح بخلاف الطلاق الذي هو فراق للمرأة ، وأما الرجعة ففيها استدامة لنكاحها فأشبه ابتداء النكاح في هذا الحكم.

 

قوله : [ فإذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل فله رجعتها ]

عدة المطلقة ثلاثة قروء أي حيضات، فإذا حاضت الحيضة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم انقطع عنها الدم فبانقطاع الدم يتم لها ثلاثة قروء ، فله أم يراجعها قبل أن تغتسل ، فإذا انقطع الدم فجلست ساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين أو شهراً أو سنة ولم تغتسل فله أن يراجعها وهو ظاهر المذهب وأن له أن يراجعها وإن فرطت في الاغتسال مدة طويلة ، قالوا : لأنه قول عمر وعلي وابن مسعود كما في مصنف عبدالرزاق ، قالوا : ولا يعلم لهم مخالف.

ورجح الموفق أن ذلك حتى يلزمها الغسل ، فلوا طهرت بعد طلوع الشمس فإنها لا تلزم بالغسل حينئذٍ وإنما تلزم به إذا خشي فوات وقت الظهر ، فإذا راجعها في هذه الساعات فالرجعة صحيحة ، لكن لو أخرت الغسل إلى حين خروج الوقت فإن الرجعة لا تصح وتكون قـد خرجت من عـدتها ، و هو الراجح.

والقول الثاني في المسألة وهو قول الجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره الشيخ عبدالرحمن السعدي؛ أنها بانقطاع الدم في القرء الثالث تكون قد خرجت من عدتها ، قالوا : وهذا ظاهر قوله تعالى : ] وبعولتهن أحق بردهن قي ذلك [ فإن قوله  ( في ذلك ) الإشارة هنا تعود إلى العدة المذكورة ، وهي ثلاثة قروء ، فجعل العدة ظرفاً لأحقية الزوج بالرجعة ، ومفهوم هذه الآية أن هذه القروء إذا مضت ولم يراجعها فإنه ليس له أن يراجعها.

وقالوا : ولأن سائر الأحكام كذلك ، فما هو الدليل على استثناء هذه المسألة ، ولذا فالحنابلة يقولون بالتوارث فيما إذا  طلق امرأته فاستمرت في عدتها ثلاثة قروء فانقطع الدم في القرء الثالث ومات بعد انقطاعه وهي لم تغتسل ، فإنه لا يورث بينهما في المذهب ، ولا شك أن إلحاق النظير بنظيره أولى ، وكذلك اللعان إذا انقطع الدم عنها في القرء الثالث فقذفها بعد انقطاعه وقبل غسلها ، فلا نقول بإيقاعه بل يكون قذفاً لأنها تكون أجنبية عنه حينئذٍ.

قوله : [ وإن فرغت عدتها قبل رجعتها بانت وحرمت قبل عقد جديد ]

فإذا فرغت العدة قبل رجعتها فإنها تبين منه وتحرم عليه إلا بعقد جديد يشترط فيه الولي والصداق وغير ذلك ، وهذا هو مفهوم قوله تعالى : ] وبعولتهن أحق بردهن في ذلك [ ، فظـاهره أنهم ليسـوا بأحـق بردهن بعد ذلك أي بعد العـدة وهـذا باتفاق العلماء.

 

قوله : [ ومن طلق دون ما يملك ثم راجع أو تزوج لم يملك أكثر مما بقي وطئها زوجٌ غيره أو لا ]

فإذا طلق رجل امرأته دون ما يملك من عدد الطلاق كأن يطلقها الحر طلقة أو طلقتين فمضت العدة ولم يراجعها ثم تزوجت بزوج آخر أو لم تتزوج ثم عقد عليها زوجها الأول عقداً جديداً فلا يبطل الطلاق السابق بل يبقى عليه طلقة إن كان طلقها طلقتين وتبقى طلقتان إن كان طلقها طلقة.

أما إن لم تتزوج زوجاً آخر فهذا باتفاق أهل العلم لا نزاع بينهم في ذلك ، فإذا طلق الرجل امرأته فانتهت عدتها ثم عقد عليها عقداً جديداً فتحسب عليه تلك الطلقة بلا نزاعٍ بين العلماء ، والطلاق ثابت وواقع ولا دليل على رفعه.

وأما إذا عقبه عليها زوجٌ آخر فهل يحسب عليه طلاقه الأول أم لا ؟

قولان لأهل العلم :

         القول الأول : وهو مذهب جمهور العلماء ؛ أنه يحسب عليه الطلاق الأول ، وهو قول أكابر الصحابة كما قال ذلك الإمام أحمد ، وممن قال به ؛ عمر بن الخطاب كما في مصنف عبدالرزاق بإسنادٍ صحيح ، قالوا : والزوج الآخر ليس شرطاُ في إحلالها للزوج الأول فلم يكن مؤثراً في إذهاب الطلاق السابق ، فكان هذا النكاح الثاني وجوده كعدمه لا يغير من حكم الطلاق شيئاً.

         القول الثاني : وهو مذهب الأحناف ؛ أنه لا يحسب عليه الطلاق السابق وهو قول طائفةٍ من الصحابة وممن روي عنه هذا القول ؛ ابن مسعود و ابن عمر وابن عباس كما في مصنف عبدالرزاق ، قالوا : لان هذا الحكم أولى من البينونة الكبرى ، فإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً ثم نكحها زوجٌ آخر فإنه ينكحها بعده الأول بلا طلاق سابق إجماعاً ، أي لا يحسب عليه الطلاق السابق ، فإذا ثبت هذا بالبينونة الكبرى فالبينونة الصغرى أولى – والبينونة الصغرى لا يشترط فيها نكاح زوجٍ آخر –.

 وفي القولين قوة لكن القول الأول فيما يظهر لي أرجح ، لأنه قول أكابر الصحابة ، ولأن ثمت فرقاً بين الطلاق الثلاث الذي تحصل به البينونة الكبرى وبين الطلاق الذي دونه الذي تحصل به البينونة الصغرى حيث نكحت زوجاً آخر ؛ وذلك أنها إذا نكحت زوجاً آخر فلا يمكن أن نمكنها من نكاح هذا الزوج ونحسب عليها طلاقاً لأنا إذا حسبنا الطلاق فالطلاق ثلاث وعليه فلا يمكن نكاحها ، فأبطلنا الطلاق السابق كله واستأنفوا نكاحاً جديداً ، وأما في المسألة الأخرى فإن النكاح إنما تحسب فيه طلقة، وعليه فإنه يمكن إكمال الزواج وإتمامه بينهما لأنا لا نحسب عليهما إلا طلقة أو طلقتين، والمسألة فيها تجاذب كما ذكر ابن القيم ، إلا أن الأولى فيما يظهر لي ما ذهب إليه الجمهور والله أعلم.

 

 

 

 

فصل

 

قوله : [ وإن ادعت انقضاء عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه أو بوضع الحمل الممكن وأنكره فقولها ]

فإذا ادعت المطلقة طلاقاً غير بائن ؛ أن عدتها قد انقضت في زمن يمكن انقضاء العدة فيه ، أو ادعت أنها وضعت حملاً ممكناً وأنكر ذلك الزوج – فالقول قولها؛ لأن هذا الأمر لا يعلم إلا من جهتها فكان القول قولها ولذا قال تعالى : ] ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن [ ، وذلك لأنهن مؤتمنات على ذلك.

 

قوله : [ وإن ادعته الحرة بالحيض في أقل من تسعة وعشرين يوماً ولحظة لم تسمع دعواها ]

اللحظة هنا لتحقيق انقضاء الدم ، فالحرة عدتها ثلاث حيض وأما الأمة فعدتها حيضتان ، فإذا ادعت انقضاء العدة في تسعة وعشرين يوماً فهذا ممكن ، وأما أقل من تسعة وعشرين يوماً فهذا لا يقبل ، وذلك لما تقدم من أن أقل الطهر ثلاثة عشر يوماً وأن أقل الحيض يومٌ ، فإذا حاضت يوماً ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً - فهذه أربعة عشر يوماً – ثم حاضت يوماً – فهذه خمسة عشر يوماً – ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً – فهذه ثمانية وعشرون يوماً – ثم حاضت يوماً – فهذه تسعة وعشرون يوماً – ثم في لحظه تحقق انقطاع الدم فحينئذٍ تكون بذلك قد انقضت عدتها و مع اشتراط الغسل يكون له لحظة أخرى ، فإن ادعته في أقل من تسعة وعشرين يوماً فإن هذا غير ممكن ، وهذا ينبني على ما تقدم من أقل الحيض وأقل الطهر وتقدم ترجيح شيخ الإسلام ؛ وأنه ليس لأقل الحيض شيءٌ محدد ، خلافاً لما ذهب إليه الحنابلة.

فإن ادعته في هذه المدة فهل يقبل قولها بلا بينة أم لا ؟

         القول الأول وهو المشهور في المذهب أنه: لا يقبل قولها إلا ببينة وذلك لإنه يندر أن تحيض امرأة في تسعة وعشرين يوماً ثلاث حيض وعليه فلا بد أن تشهد لها نساؤها العدول.

         والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد:  أنه يقبل قولها لأنه ممكن وهي مؤتمنة على نفسها ، و الأول أظهر لإمكان العلم من غير جهتها و أما إذا كان يمكن غالباً لا نادراً فيقبل قولها بيمينها.

وهذا فيما يظهر لي أظهر ؛ فهي مؤتمنة على نفسها فالقول قولها لا فرق بين أن يكون هذا الشيء نادراً أو غير نادر.

 

قوله : [ وإن بدأته فقالت : انقضت عدتي فقال : كنتُ راجعتك ]

فإذا قالت المرأة لزوجها: " انقضت عدتي " فقال: " كنت راجعتك " فالقول قولها إلا أن يكون له بينة ، فإن أتى ببينةٍ تشهد على أنه راجعها قبل انقضاء عدتها فلا شك أن البينة يحكم بها لكن إن لم يكن له بينة ، فالقول قولها وذلك لأن الظاهر حصول البينونة ، والأصل عدم الرجعة ، فالأصل عدم ما يدعيه هو ، أي الأصل هو البينونة ، فهو يدعي خلاف الأصل فيطالب بالبينة ، فإن أتى بها وإلا فالقول قولها.

 

 

 

 

 

 

قوله : [ أو بدأها به ، فأنكرته فقولها ]

إذا بدأها هو بذلك فقال: " كنت راجعتك " فقالت: " قد انقضت عدتي قبل أن تراجعني " فالقول قولها لأن الأصل هنا حصول البينونة ، وما يذكره من الرجعة خلاف الأصل ولا فرق بين أن يكون قد ابتدأها هو أو ابتدأته هي وما ذكره المؤلف هو قول في المذهب.

وأما المشهور في المذهب فهو خلاف ما ذكره المؤلف فقد فرقوا بين ما إذا بدأها ، وبين ما إذا بدأته ، فقالوا : إذا ابتدأته فالقول قولها ، وأما إذا بدأها هو فالقول قوله ، وسر الفرق عندهم ؛ أنه إذا بدأها هو فإن ذلك يكون قبل الحكم بانقضاء عدتها ، لأننا حكمنا بانقضاء عدتها بقولها انقضت عدتي ، وأما إن ابتدأته هي فبقولها هذا يكون الحكم بانقضاء العدة ، فيكون قوله وهو ادعاء الرجعة بعد الحكم بانقضاء العدة.

لكن الراجح ما تقدم ، وهذا التفريق ليس بمؤثر لأن الأصل معها ، فالأصل هو حصول البينونة وعدم الرجعة في المسألتين كلتيهما.

 

مسـألة :

         المشهور في المذهب وهو ظاهر إطلاق المؤلف هنا ؛ أن المرأة إذا ادعت ما ادعته من انقضاء العدة فإنها لا تطالب باليمين ، فالقول قولها بلا يمين ، وذلك لأن الرجعة لا يصح بذلها ، فالمال يصح بذله فلو أن رجلاً قيل له : "احلف " فقال " لا أحلف " يترتب على ذلك أن هذا المال المدعى عليه يُبذل ، فيكون قد بذل هذا المال ، والبذل للمال يصح لكن البذل للفرج لا يصح ، فإن  امتناعها من الحلف يترتب عليه بذل لفرجها وهذا ممنوع كالحدود ، فكما أن الحدود لا يستحلف فيها فكذلك في مثل هذه المسائل ، وذلك لأن الرجعة لا يصح بذلها ، وذلك لأنه بذل لفرج فلابد وأن يكون بحق.

         والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية وهو قول في المذهب ؛ أنها تطالب باليمين ، فلا يقبل قولها إلا باليمين ، وذلك لعموم قوله r : ( البينة على لمدعي واليمين على من أنكر ) ، وهذا القول أرجح لعموم الحديث.

وأما كونها يترتب على تركها للحلف بذلها لفرجها وهذا لا يصح.

فالجواب : أنه لا يحل لها أن تمتنع من الحلف فإن في امتناعها من الحلف بذلاً لفرجها منها ، وبذلها للفرج محرم ، والحلف وسيلة إليه فيكون ترك الحلف محرماً عليها ، بخلاف ترك الحلف في الأموال فقد يترك الرجل اليمين ويفدي نفسه بماله منها.

وهل يثبت حق الزوج بالنكول أم لا ؟

إذا ادعت انقضاء عدتها فقيل لها:  احلفي فامتنعت ، هذا هو النكول ، فهل يقضى للزوج بالرجعة إذا نكلت أم لا ؟

قولان لأهل العلم :

            القول الأول : أنه لا يحكم بالنكول هنا ، وذلك للعلة المتقدمة وهي أن الرجعة فيها بذل للفرج ولا يصح بذله فلم يبذل بالنكول وهو المشهور في المذهب.

            القول الثاني : وهو مذهب الشافعية وذكره الموفق احتمالاً وهو الراجح أنه يقضى بالنكول لكن يستحلف الزوج ، فإذا نكلت عن الحلف فحينئذٍ يظهر صدق الزوج ويكون جانبه أقوى من جانبها وعليه فيستحلف لأن من قوي جانبه فالقول قوله بيمينه ، فهي في الأصل صاحبة الجنب القوي لما نكلت ضعف جانبها وقوى جانب الزوج وحينئذٍ يستحلف فإن حلف قضي له بالرجعة.

 

فصل

 

قوله : [ إذا استوفى ما يملك من الطلاق حرمت عليه حتى يطأها زوجٌ ]

إذا استوفى الزوج ما يملك من عدد الطلاق وهو ثلاث تطليقات للحر ، وتطليقتان للعبد ، فإنها تحرم عليه زوجته حتى يطأها زوج آخر ، لقوله تعالى : ] فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره[.

 

قوله : [ في قبل ولو مراهقاً ]

أي أن يكون ذلك وطأً في قبل ولو كان الواطئ مراهقاً لحصول الوطء منه ، ودليل اشتراط الوطء ؛ ما ثبت في الصحيحين أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى النبي r فقالت: " كنت عند رفاعة فطلقني فبتَّ طلاقي فتزوجت بعده عبدالرحمن بن الزبير وإن ما معه مثل هُدبة الثوب "، فقال : ( تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ، لا حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عسيلتك ) ، أي حتى يذوق منك حلاوة الجماع وتذوقي منه حلاوته ، وذلك بالوطء.

 

قوله : [ ويكفي تغييبُ الحشفة ]

وذلك لأن إحكام الوطء يترتب على تغيب الحشفة ولذا قال النبي r : ( إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ).

 

قوله : [ أو قدرِها مع جبٍ ]

أي المجبوب يكون بقدرها لأنها بمنزلة الحشفة من غيره و هذا مع بقاء شيء من الذكر.

 

قوله : [ في فرجها مع انتشارٍ ]

أي في فرج المرأة مع انتشار للذكر لأنه مع عدم الانتشار لا يكون قد ذاق عسيلتها.

 

قوله : [ وإن لم ينزل ]

وذلك لأن ذوق العسيلة يحصل بدونه.

 

قوله : [ ولا تحل بوطء دبرٍ ]

وذلك لأن الدبر ليس محلاً للوطء الشرعي فلا تترتب عليه الأحكام الشرعية.

 

قوله : [ وشبهةٍ ]

رجل طلق امرأته ثلاثاً فوطئها رجل يظنها زوجته فلا تحل للأول وذلك لأن هذا ليس بنكاح.

 

قوله : [ وملك يمين ]

إذا طلق امرأته ثلاثاً وهي أمة فوطئها سيدها فلا تحل للأول وذلك لأن وطء السيد ليس بنكاح ، وقد قال تعالى : ] حتى تنكح زوجاً غيره [.

 

قوله : [ ونكاحٍ فاسد ]

كالنكاح بلا ولي – عند من لا يقول به – وذلك لأن اطلاق النكاح يقتضي النكاح الصحيح ( حتى تنكح ) ، أي حتى تنكح نكاحاً صحيحاً.

 

قوله : [ ولا في حيضٍ ونفاس وإحرام وصيام فرض ]

فإذا عقد عليها الزوج الثاني ووطئها وهي حائض أو نفساء أو في إحرامٍ منه أو منها أو صيام سواءً كان الصائم هو أو هي أو هما جميعاً ، فإن هذا الوطء لا تحل به للزوج الأول ، وذلك لأنه محرم لحق الله تعالى فلم يحصل به الوطء الذي يترتب عليه التحليل هذا هو المشهور في المذهب.

وذهب الأحناف والشافعية وهو اختيار الموفق إلى أن هذا الوطء يحصل به التحليل للزوج الأول ، وهذا هو الأرجح وذلك لأنه ظاهر القرآن وظاهر السنة فإنه إذا وطئها فقد نكحها ، فظاهر قوله تعالى : ] حتى تنكح زوجاً غيره [ حاصل بذلك ، وكذلك قوله r : ( لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ) حاصل بذلك.

 

قوله : [ ومن ادعت مطلقته المحرمة وقد غابت نكاح من أحلها وانقضاء عدتها منه فله نكاحها إن صدقها وأمكن ]

إذا طلق رجل امرأته طلاقاً بائناً ثم غابت عنه أو غاب عنها فادعت أنها قد تزوجت بعده زوجاً آخر وادعت أن عدتها قد انقضت فله نكاحها إن صدقها ، وأمكن ذلك بمعنى أن يكون الوقت متسعاً لأنها مؤتمنة على نفسها.

 

 

 

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 




حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net