![]() |
![]() ![]() |
|
المكتبة المقروءة
:
الفقه
:
زاد المستقنع - العدد
|
|
المكتبة المقروءة
:
الفقه
:
زاد المستقنع - العدد
العِدد |
|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و به نستعين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتاب العِددالعِدد : جمـع عِـدَّة وهي مـا تتربصه المرأة عند النكـاح بسبب طـلاق أو فسخ أو وفاة.وسمي عِدة لأنه مقدر ، بالأقراء أو بالأشهر أو بوضع الحمل.
قوله : [ تلزم العدة كل امرأة فارقت زوجاً ] فالعدة تلزم كل امرأة ’ سواء كانت المرأة مسلمة أو ذمية ، حرة أو أمة ، صغيرة يوطأُ مثلها أو كبيرة.
قوله : [ خلا لها مطاوعة ] فالعدة تثبت بالخلوة ، وهو قضاء الخلفاء الراشدين ، وتقدم أن في سنده عن الخلفاء انقطاعاً ، لكنه ثابت عن عمر وعلي بن أبي طالب ، تقدم تقريره في كتاب الصداق ، فإذا خلا بها فإن العدة تثبت وإن لم يطأ ، فالخلوة مظنة الوطء والمظنات تعتبر في الشرع وإن لم تثبت الحقائق ، فالعدة تثبت بالخلوة وإن لم يحصل وطء خلافاً للشافعي وقد تقدم البحث في هذه المسألة في درس سابق. قوله : " مطاوعة " ؛ فيشترط ألا تكون مكرهةً على هذه الخلوة فإن كانت مكرهةً على هذه الخلوة فلا عدة. واختار الشيخ ابن سعدي أن العدة تثبت وإن كانت مكرهةً وذلك لثبوت الخلوة ، وهو ظاهر قضاء الخلفاء ، ولأن اشتمال الخلوة للوطء مع الإكراه احتمال قوي ، قد يكون أقوى إذا كانت مطاوعةً ، ولأن الفقهاء قد قرروا ثبوت الخلوة ولو كان تمت مانع حسي كأن يكون الرجل مجبوباً أو تكون المرأة رتقاء ، فإذا ثبت هذا فأولى من ذلك إذا كانت المرأة مكرهةً. فالراجح أن المرأة إذا كانت مكرهةً على الخلوة فإن العدة تثبت.
قوله : [ مع علمه بها ] أما لو لم يعلم بها كأن تكون في زاوية من الدار لم يطلع عليها ، أو أن يكون غير بصير فلم يرها ، فلا خلوة وذلك لعدم تحقق المظنة وهي الخلوة.
قوله : [ وقدرته على وطئها ولو مع ما يمنعه منهما أو من أحدهما حساً ] فلو كان معه ما يمنعه منها كأن يكون مجبوباً أو تكون المرأة رتقاء ، أو أن يكون فيهما جميعاً ما يمنع من الوطء ، فإن الخلوة تثبت ، وعلى ذلك فتثبت العدة ، وعليه فقوله : " وقدرته على وطئها " ؛ فيه إشكال ، ولم أره في غيره من كتب الحنابلة كالإقناع و المنتهى.
قوله : [ أو شرعاً ] كأن تكون المرأة صائمة فرض أو محرمةً أو حائضاً فإن هذا المانع الشرعي لا يمنع من ثبوت العدة ، وذلك لثبوت الخلوة ، فقد خلا بها وإن كان لا يمكنه الوطء أو فيها ما يمنعه من الوطء سواء كان ذلك حسياً أو شرعياً فالخلوة ثابتة ، و قد استحل منها ما يستحله الزوج.
قوله : [ أو وطئها ] فـإذا خـلا بها ولـم يطأها فـإن العدة تثبت ، وإذا وطئها فـإن العـدة تثبت من باب أولى.
قوله : [ أو مات عنها ] فإذا مات عنها ولم يدخل بها فإنها تعتد ، وقد تقدم ذكر دليل هذا وهو ما ثبت عن ابن مسعود في قضائه في امرأة مات عنها زوجها ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقاً فقضى أن عليها العدة ولها الميراث ولها صداق نساءها لا وكس ولا شطط ، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : " قضى رسول الله r في بروع بنت واشق – امرأةٍ منا – بمثل ما قضيت " وإسناده صحيح ، فالمتوفى عنها لها حكم آخر فلا يشترط الدخول فإذا عقد على امرأة ولم يدخل بها فمات فإنها تعتد.
قوله : [ حتى في نكاحٍ فاسدٍ فيه خلاف ] فلو أن رجلاً نكح امرأة بلا ولي وهو يعتقد صحته ، كالحنفي ؛ فإن هذا النكاح الفاسد المختلف فيه تترتب عليه العدة وذلك لأن فاعله يعتقد حله ، فهو باعتقاده نكاح صحيح فيلحق بالصحيح في أحكامه.
قوله : [ وإن كان باطلاً وفاقاً لم تعتد للوفاة ] فإذا كان النكاح باطلاً اتفاقاً كنكاح الخامسة مثلاً أو نكاح المرأة في عدتها فهذا نكاح باطل باتفاق أهل العلم فهذا النكاح وجوده كعدمه لأنه باطل ولا يمكن مع بطلانه أن تترتب عليه الأحكام الشرعية ، وعليه فإن العدة لا تثبت معه ، فإذا نكح امرأة ، خامسة فإنه يؤمر بطلاقها ولا تعتد منه لكن لابد وأن تُستبرأ بحيضة ليُعلم برأة رحمها و المذهب أنها تعتد بثلاثة قروء كمزني بها و سيأتي.
قوله : [ ومن فارقها حياً قبل وطء وخلوة أو بعدهما أو بعد أحدهما وهو ممن لا يولد لمثله ، …….. فلا عدة ] إذا فارقها في حال الحياة قبل الوطء والخلوة ، أو بعدها أو بعد أحدهما أي بعد الخلوة وقبل الوطء ، أو بعد الوطء قبل الخلوة وهو ممن لا يولد لمثله أو كانت المرأة لا يوطأ مثلها فلا عدة ، والذي لا يولد لمثله هو الصغير وهو في المذهب من كان دون عشر سنين ، والمرأة التي لا يوطأ مثلها وهي في المذهب من كانت دون تسع سنين ، إذن : إذا كان لا يولد لمثله أو كانت المرأة لا يوطأ مثلها فلا عدة ، قالوا : للعلم ببرأة الرحم ، هذا إذا كان الزوج حياً ، أما إذا توفى الرجل عن امرأته التي لا يوطأ مثلها ، وهو لا يولد لمثله فإنها تعتد عدة الوفاة ، قالوا : لعموم الآية : ] والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربص بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً [ ، أما إذا فارقها في الحياة فلا عدة ، هذا هو المشهور في المذهب ، وعندي في هذا القول نظر. و يتوجه أن يقال بثبوت العدة وذلك لأن الحكمة من العدة ليس العلم ببراءة الرحم فحسب ، بل لها حكم آخرى ، فمن ذلك حق الزوج الأول ، ومن ذلك حق الله تعالى في العدة ، فليس الحكمة من العدة هو العلم ببراءة الرحم فحسب ، بدليل أنهم يقولون – وهو مذهب جماهير العلماء – أن المرأة إذا طلقها زوجها ثلاثاً فإنها تعتد بثلاث حيض مع أنها بحيضة واحدة يعلم براءة رحمها ، ومن ذلك أيضاً ؛ تشريف هذا العقد وهو عقد النكاح ، فإن من تشريفه – إلا ما ورد استثناءه – أن تبقى المرأة إذا طلقها الرجل بعد ثبوت العقد وتقويته بالخلوة أن تبقى متربصة معتدة ، ومن حكمه ؛ تطويل المدة لعل الزوج يرجع إلى امرأته وهذا في الرجعية ، ولا شك أن أكثر هذه العلل ثابتة في المرأة التي لا يوطأ مثلها أو في طلاق الذي لا يولد لمثله لصغره أي لا يلحق بمثله الولد و اختاره الشوكاني و مذهب المالكية شرط خلوة بالغ و إن كانت المرأة ممن لا يوطأ مثلها و المذهب ما تقدم.
قوله : [ أو تحملت بماء الزوج ] إذا عقد على امرأة ، فأخذت من مائه في خرقة و استدخلته في فرجها قد تحملت بماء الزوج وهو لم يدخل بها فقال : فلا عدة ، لقوله تعالى : ] يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها [ ، وهنا لم يمسها ولم يخلو بها ، فهذا الإستدخال ليس بوطء وليس بخلوة. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية : أن العده تثبت هنا وذلك لانشغال رحمها بمائه. والذي يترجح أن العدة لا تثبت وذلك لظاهر الآية المتقدمة لكن لابد أن تستبرئ بحيضة وذلك لانشغال رحمها بماء زوجها.
قوله : [ أو قبلها أو لمسها بلا خلوة فلا عدة ] فإذا قبلها أو لمسها فلا خلوة فلا عدة ، وذلك لظاهر الآية المتقدمة : ] إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن قبل أن تمسوهن فمالكم من عدة تعتدونها [.
فصل
قوله : [ والمعتدات ست : الحامل ] هذا الفصل في بيان أنواع المعتدات ، وقد بدأ بالحامل.
قوله : [ وعدتها من موت وغيره إلى وضع كل الحمل بما تصير به أمةٌ أم ولدٍ ] فذات الحمل عدتها من موت وغيره أن تضع حملها ، قال تعالى ] و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن[ ، قوله ؛ " قوله وضع كل الحمل " فلو كانت حاملاً بولدين ، فوضعت الأول ثم وضعت الثاني بعد أسبوع ، فإن الحمل كله قد وضع بوضع الثـاني ، وعلـيه فإنهـا تبقى معتدة حتى تضع الثـاني وهذا هو ظاهر قوله تعالى : ] و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [، قوله ؛ " بما يصير به أمةٌ أم ولدٍ " إن قيل : ما هو الولد الذي إن وضعته تنتهي بذلك عدتها ، لو وضعت نطفة لم يمض لها إلا ثلاثون يوماً أو وضعت علقة لم يمض لها إلا ستون يوماً ، أو وضعت مضغة ليس فيها شيء من صورة الآدمي ، أو وضعت مضغة على صورة الآدمي أو حتى ينفخ فيه من الروح ، قال ؛ " بما تصير به أم ولدٍ " يعني الذي تصير به الأمة أم ولد لسيدها فتعتق عليه بعد وفاته هو نفسه الذي تنتهي به المرأة من عدتها و هو وضع ما يتبين فيه شيء من خلق الآدمي كرأسه أو رجله أو غير ذلك من صورة الآدمي و لو خفيه ، وهذا إنما يكون في المرحلة الثالثة والطور الثالث ، وهو حالة كونه مضغة ، فإذا كان مضغة ، وهي المرحلة الأولى أو كان علقة وهي المرحلة الثانية ، فإنه لا يمكن أن يتبين فيه خلق الإنسان ، فإذا دخل في الطور الثالث وهو المضغة ، وذلك يكون بعد ثمانين يوماً ، فإنه يمكن أن يتبين خلق الإنسان في أوله أو في وسطه أو في آخره ، فإذن ؛ إذا وضعت ما يتبين به شيء من صورة الإنسان فإن هذا الساقط منها ينتهي به عدتها ، وهذا بإجماع العلماء ، أما إن كان نطفة أو علقة ، فجماهير العلماء على أنه لا تنتهي به العدة. وقال الحسن البصري : " بل تنتهي به العدة " ، فإذا وضعت ما يسمى حملاً فإن العدة تنتهي به ، لقوله تعالى ] و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ ، فإذا وضعت ما يسمى حملاً سواء تبين به خلق الآدمي أم لم يتبين ، فإنه حمل ، تترتب عليه الأحكام الشرعية ، وإن كان بعد أربعين يوماً و الراجح ما ذهب إليه الجمهور لأنه إنما يحكم عليه بأنه حمل بتبين خلق الإنسان فيه، وهي مسألة تترتب عليها حل البضع ، فلاشك أن الاحتياط للأبضاع هو الأولى.
قوله : [ فإن لم يلحقه لصغره أو لكونه ممسوحاً أو ولدت لدون ستة أشهر منذ نكاحها ونحوه ، وعاش لم تنقض به ] إذا مات عنها وهي حامل لكن هذا الحمل لا يلحقه ولا ينسب إليه ، ولم يلحقه الحمل لصغره ، أي لكونه لا يولد لمثله ، أو لكونه ممسوحاً أي مجبوب الذكر و الأنثيين، أو ولدت لدون ستة أشهر منذ نكاحها ، وعاش أو لأكثر من أربع سنين منذ أبانها ، إذاً هذا الحمل تبين أنه ليس منه ، فهل تنتهي عدتها بوضعه أم لا ؟ 1. قال جمهور العلماء : لا تنتهي به العدة ، وذلك لأنه حمل منفي عنه بيقين ، فأشبه ما لو حملت بعد وفاته ، فإذا حملت بعد وفاته فلا شك أن هذا الحمل غير معتبر في العدة ، فكذلك هنا. 2. وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد : بل عدتها حين تضع هذا الحمل، وذلك لعموم الآية ] وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [. والراجح ما ذهب إليه الجمهور في هذه المسألة ، وذلك لأن هذا الحمل منفي عنه بيقين ، ثم أن الآية إنما تحمل على الأصل والغالب ، فإن الأصل أن يكون الحمل منه هو ، فالذي يترجح ما ذهب إليه الجمهور وعليه فلو أن امرأة مات عنها زوجها وقد نكحها قبل شهرين فوضعت حملاً بعد ثلاثة أشهر وقد عاش ، فثبت لنا أنه ليس منه ، فحينئذٍ لا تنتهي بذلك عدتها لأن هذا الحمل ليس منه. والمذهب أنها تستأنف عدة جديدة بعد وضع الحمل ، فإذا وضعت الحمل نقول لها الآن إبدائي فاحسبي أربعة أشهر وعشراً ، قالوا : لأنهما عدتان ، عدة من الزوج وعدة من صاحب هذا الحمل غير الشرعي فهما عدتان. والراجح ؛ أنها تحسب من موت زوجها أربعة أشهر وعشراً ، ويعلم براءة رحمها منه بوضع الحمل ، فالمقصود من عدة الثاني العلم ببراءة الرحم وبوضع الحمل يتبين لنا براءة رحمها ، إذاً الصحيح أنها تحسب من وفاة زوجها فإذا تم لها أربعة أشهر وعشراً فقد انتهت عدتها من زوجها ، فإذا كان منها حمل فلا يحل لها أن تنكح حتى تضع هذا الحمل ، وذلك لأنها بوضع الحمل تستبرئ رحمها من هذا الواطئُ الوطءَ غيرَ الشرعي.
قوله : [ وأكثر مدة الحمل أربع سنين وأقلها ستة أشهر وغالبها تسعة أشهر ] تقدم الكلام على هذا و أن غالب الحمل تسعة أشهر وهذا معلوم من الواقع و تقدم أن الراجح أنه لا حد لأكثره و هو قول أبي عبيد.
قوله : [ ويباح إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً بدواء مباح ] هذا في حكم إلقاء النطفة وهو ما يسمى بالإجهاض ، فيباح إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً بدواء مباح ، هذا المشهور في المذهب ، و الشرط إذن الزوج لما له من الحق في ذلك ، وله ثلاثة أحوال في المذهب : 1. الحالة الأولى : حالة النطفة فيباح إلقاء هذه النطفة بدواءٍ مباح. 2. الحالة الثانية : ما بعد النطفة وقبل نفخ الروح ، أي في حال العلقة والمضغة، فيحرم على المذهب الإجهاض. 3. الحالة الثالثة : إذا نفخ فيها الروح وذلك يكون بعد أربعة أشهر فيحرم الإجهاض ، وهذا بإجماع أهل العلم. أما الحالتان الأوليتان ففيهما خلاف. والقول الثاني في المسألة أي الحالة الأولى والثانية ؛ أن إلقاء النطفة والعلقة والمضغة ؛ كل ذلك جائز ، فإلقاء الجنين قبل قذف الروح فيه جائز ، وهذا هو مذهب الأحناف و ابن عقيل من الحنابلة. والقول الثالث في المسألة وهو قول الظاهرية ، وأكثر المالكية وهو قول بعض الحنابلة وبعض الشافعية وبعض الأحناف : أنه يحرم مطلقاً وإن كان نطفة ؛ وهذا القول هو أرجح هذه الأقوال وذلك لقول النبي r في الحديث المتفق عليه : ( يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ….) ، والذي يتبين أنه في حال النطفة ، أي في حال جمع الخلق ، أنه في حال تهئ للخلق الجديد ، وعليه فهو محرم فإلقاءه محرم والتعدي عليه جناية. واستدل الحنابلة على جواز إلقاء النطفة بما روى أحمد في مسنده أن النبي r قال في حديث ابن مسعود : ( أن النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً لا تتغير ) ، قالوا : فإذا كانت لا تتغير فإنها ليست بعد في طور التخلق وعليه فلا حرمة لها ، فيجوز إلقاءها ، لكن الحديث إسناده ضعيف وهو يعارض حديث ابن مسعود المتفق عليه المتقدم وفيه أنها تتخلق. فالصحيح أنه يحرم الإجهاض مطلقاً ، هذا حيث كان الإجهاض اختيارياً ، وأما إذا كان اضطرارياً: فإن كان قبل نفخ الروح فاضطرت إلى إسقاطه لأنه يلحقها الضرر بإبقائه فإنه يجوز الإسقاط حينئذٍ ، وذلك من باب تقديم الوقوع في المفسدة الصغرى درءاً للمفسدة الكبرى ، فلا شك أن رفع الضرر عن هذه المرأة أولى من تخلق هذا الجنين الذي بعدُ لم ينفخ فيه الروح. وأما إذا كان بعد نفخ الروح فإن الأمر يكون أعظم والتشدد فيه أكثر ، وعليه فإذا كان في إبقائه إتلاف للأم وتعريض لحياتها للخطر فيجوز الإسقاط في الأظهر وذلك لوجهين : 1. أن الأم هي الأصل والأبن فرع عنها ، ولا شك أن إبقاء الأصل أولى من إبقاء الفرع. 2. أن الأم حياتها حياة متحققة وأما هذا الجنين فحياته حياة مظنونة غير متحققة ، ومن ثمَّ فرق الشارع بين دية الجنين ودية المولود ، فالجنين ديته غرة ، وأما المولود فديته دية غيره كما سيأتي. وهنا إيراد على المسألة التي تقدم ترجيحها وهي أنه لا يجوز الإسقاط قبل نفخ الروح مطلقاً. إن قيل لما أجزنا العزل ؟ فالجواب : أن بين العزل والإسقاط فرقاً ، فإن الإسقاط يكون فيه إزالة ما هو موجود حاصل ، فإن هذه النطفة قد حصلت في الرحم ، واجتمع ماء الرجل بماء المرأة في رحمها ، بخلاف العزل فإنه ليس بموجود ولا حاصل ، وفرق ظاهر بين ما هو موجود وحاصل وما ليس كذلك. فصل
قوله رحمه الله : [ الثانية : المتوفي عنها زوجها بلا حملٍ قبل الدخول وبعده ] هذا هو القسم الثاني من المعتدات ، المتوفي عنها زوجها قبل الدخول أو بعده لحديث معقل بن سنان الأشجعي الذي تقدم ذكره في الدرس السابق ودرسٍ قبله. قوله : " بلا حمل منه " ؛ فإن الحامل إذا وضعت حملها وقد توفى عنها زوجها ، فإنها تنقضي عدتها بوضعها للحمل ، ولو كان ذلك بعد ليالٍ يسيرة ، ففي البخاري عن المِسْور بن مخرمة : " أن سُبيعة الأسلمية نُفست بعد وفاة زوجها بليالٍ ، فأتت النبي r ؛ فاستأذنته أن تنكح فأذن لها " رواه البخاري ، وأصله في الصحيحين. أما إذا كانت حائلاً غير حاملٍ وتوفى عنها زوجها فإن عدتها ، أن تتربص أربعة أشهرٍ وعشراً ، لقوله تعالى : ] والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشراً [. ولا فرق كما تقدم أن تكون مدخولاً بها أو غير مدخول بها ، بخلاف المطلقة فإن المطلقة غيرالمدخول بها لا عدة لها.
قال : [ للحرة أربعة أشهرٍ وعشر ] فالحرة تتربص أربعة أشهر وعشراً ، أي وعشرة أيام ، فهنا أنث العدد لبيان أن العدة لا تنتهي بعد مضي أربعة أشهرٍ إلا مع مضي عشرة أيام بلياليهن ، فإذا غابت الشمس من اليوم العاشر فإن العدة تنقضي عند جمهور العلماء. وقال الأوزاعي : " بل تنقضي بمضي أربعة أشهرٍ وعشر ليالٍ " ، وهذا متضمن لمرور تسعة أيام ، وعليه ؛ فإذا كان الفجر الصادق من اليوم العاشر ، فإن العدة تنقضي. واستدل الأوزاعي : بتذكير العدد في قوله تعالى ] والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشراً [ ، فهنا ذكّر العدد ، وتذكير العدد يدل على أن المعدود مؤنث ، وعليه فإذا مضت أربعة أشهرٍ وعشر ليالٍ فإن العدة تنقضي. وأجاب الجمهور : بأن مثل هذا ورد في لغة العرب ، فيؤنثون العدد ويريدون بذلك دخول أيامها معها ومن ذلك قوله تعالى عن نبيه زكريا عليه السلام ] ثلاث ليالٍ سويا [ ، وقد قال في آية أخرى ] ثلاثة أيام إلا رمزاً [ ، فذكره لليالٍ في الآية الأولى ، دخلت فيها الأيام بدليل الآية الأخرى. فإن كانت الوفاة في أول الهلال اعتبرت الأشهر بالأهلة لقوله تعالى ] يسألونك عن الأهلة [ و إن كان في أثناء الشهر و لو في أول يوم أو ليلة منه اعتبرت باقي الشهور بالأهلة ، و أُكمل المنكسر ثلاثين يوماً من الشهر الرابع و لو كان المنكسر ناقصاً ، و كذا ممن عدتها ثلاثة أشهر و هو مذهب جمهور العلماء. ويبدأ الحساب من الساعة التي فارقها فيها زوجها لأنه ممكن و لا وجه للزيادة على ما أوجبه الله.
قال : [ وللأمة نصفها ] فالأمة عدتها نصف عدة الحرة ، أي شهران وخمس ليالٍ بأيامهن قياساً على عدة الأمة المطلقة ، فقد اتفق الصحابة ؛ على أن عدة الأمة المطلقة حيضتان ، على نصف عدة الحرة ، وإنما لم تكن عدة الأمة حيضة ونصف ، لأن الحيض لا يتبعض ، قالوا : فكذلك في عدة الوفاة ، تكون على نصف عدة الحرة ، وهذا باتفاق أهل العلم.
قـال : [ فإن مات زوج رجعية في عدة طلاقٍ سقطت وابتدأت عدة وفاة منذ مات ] رجلٌ طلق امرأته طلاقاً رجعياً - والمطلقة الرجعية زوجه – فحاضت حيضتين، ثم مات زوجها ، فهل يبقى لها شهران وعشرة أيامٍ ، أم أنها تستأنف عدة الوفاة من جديد ؟ قال المؤلف هنا : " ابتدأت عدة وفاة " ؛ فتستأنف عدة الوفاة من جديد ، منذ مات ولا تحسب الشهرين و ذلك لأنها زوجه ، وقد قال تعالى : ] و الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشراً [ . وقوله " سقطت " أي سقطت الأيام التي مضت من عدة طلاقها.
قال : [ وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل ] فلوا أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً ، فهي بائنٌ منه ، ثم مات وقد مضى من العدة شهران ، فإنها لا تستأنف من جديد ، بل تكمل عدة الطلاق ، ولا تعتد عدة الوفاة ، لذا قال المؤلف : " لم تنتقل " ؛ أي لم تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة بل تبقى على عدة الطلاق ، ذلك لأنها ليست زوجة ، والآية المتقدمة في الزوجة ، وفي قوله : " في الصحة " ؛ إحتراز من هذه المسألة التي ذكرها بعد ذلك ، وهي قوله :
[ وتعتد من أبانها في مرض موته الأطول من عدة وفاة وطلاقٍ ] إذا طلق امرأته طلاقاً بائناً في مرضه المخوف فإنها ، ترث منه فإذا مضى على عدتها شهران ثم مات الزوج فإنها تعتد الأطول من عدة وفاة وطلاق، فتنظر أطول الأجلين فتعتد به ، أما ثبوت عدة الطلاق لها فلأنها بائنٌ فهي ليست بزوجة ، وأما ثبوت عدة الوفاة فلأنها وارثة ، وعلى ذلك فنوجب عليها الأطول من العدتين ، وذلك لأن الأقل يندرج في الأكثر هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد. وذهب المالكية والشافعية إلى أنها تعتد بعدة الطلاق فحسب ، لأنها ليست بزوجة فهي بائن منه فلا تدخل في قوله تعالى ] والذين يتوفون ويذرون أزواجاً [ ، وعليه فلا تعتد عدة الوفاة ، وإنما ورثناها لأنه أراد حرمانها ومنعها حقها ، فأعطيناها حقها الثابت لها، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة و هو رواية عن الإمام أحمد. إذن إذا أبان امرأته في مرضه المخوف و حكمنا لها بالإرث ، فالمذهب أنها تعتد بأطول الأجلين من عدة الطلاق وعدة الوفاة. والقول الثاني في المسألة : أنها تعتد عدة الطلاق ، وذلك لأنها ليست بزوجة فلا تدخل في الآية المتقدمة.
قال : [ ما لم تكن أمة ] هذا استثناء على المذهب ، فإذا كانت الزوجة أمة وأبانها في مرضه المخوف ، فإنها تعتد عدة الطلاق فحسب ، لأن الأمة لا ترث.
قال : [ أو ذمية ] لأن الذمية لا ترث منه لاختلاف الدين.
قال : [ أو جاءت البينونة منها ] كأن تسأله الطلاق ، فإذا سألته الطلاق فطلقها طلاقاً بائناً ، فإنه لا إرث لها لأن منعها من الإرث جاء من جهتها.
قال : [ فطلاق لا غير ] أي فعدة طلاق لا غير ، فإذا كانت لا ترث فإنهم لا يقولون بأنها تعتد أطول الأجلين ، لأنهم إنما أمروها ؛ أن تعتد عدة الوفاة لأنها ورثت ، وأما في هذه المسائل فإنها لا ترث وعليه فإنها لا تعتد عدة الوفاة.
قال : [ وإن طلق بعض نسائه مبهمةً أو معينةً ثم أنسيها ثم مات قبل قرعة ، أعتد كل منهن سوى الحامل الأطول منهما ] إذا طلق بعض نسائه مبهمةً ، أو عين لكنه نسي المعينة ، ثم مات قبل أن يقرع بين النساء لإخراج المطلقة ، فكل واحدة من نسائه تعتد الأطول من الأجلين ، فتعتد عدة المطلقة لأنها قد تكون هي المخرجة بالقرعة ، فتكون هي المطلقة ، وتعتد عدة الوفاة لأنها ربما لا تكون هي المخرجة بالقرعة ، وعليه فيكون نكاحها نافد ، وعليه فيكون قد توفى عنها وهي زوجٌ فيجب عليها أن تعتد عدة الوفاة. قال " سوى حامل " ؛ فالحامل واضح استثنائها ، لأن الحامل عدتها واحدة ، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها ، فإن عدتها أن تضع حملها فلا فرق بين أن تخرج القرعة عليها أو لا تخرج.
قال : [ الثالثة : الحائل ذات الأقراء ] الحائل هي ضد الحامل.
قال : [ وهي الحيض ] فالأقراء هي الحيض في أصح قولي العلماء ، فقد اختلف أهل العلم في المراد بالقرء في قوله تعالى ] والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [ ، والقروء جمع قرء. هل القرء هو الحيض أم أنه هو الطهر؟ اختلف أهل العلم على قولين ، ولفظة القرء من الألفاظ المشتركة ، فتطلق في اللغة ويراد بها الطهر ، وتطلق في اللغة ويراد بها الحيض ، ومن ثم اختلف أهل العلم في المراد بالقرء في هذه الآية: 1. القول الأول : وهو مذهب الأحناف والحنابلة ؛ أن القرء هو الحيض. 2. القول الثاني : وهو مذهب المالكية والشافعية ؛ أن القرء هو الطهر. فإذا قلنا هو الحيض فطلقها في طهرٍ فإنها تنتظر حتى تحيض ثلاثة حيض ، فإذا حاضت الحيضة الأولى ثم طهرت ثم حاضت الحيضة الثانية ثم طهرت ثم حاضت الحيضة الثالثة ثم طهرت ، ثم يأتي الخلاف المتقدم في قضية خروجها من العدة ، هل ينتظر حتى تغتسل من الحيض أم بمجرد انقطاع الدم. وإن قلنا هو الطهر ؛ فإذا طلقها وهي طاهر فحينئذٍ يحسب طهراً ، فحاضت ثم طهرت ، هذا هو الطهر الثاني ، فحاضت ثم طهرت فهذا هو الطهر الثالث ، فإذا دخلت الحيضة الثالثة بعد طلاقها فإنها تنقضي لذلك عدتها. أستدل أهل القول الثاني : 1. بقوله تعالى ] فطلقوهن لعدتهن [ ، قالوا : ومعنى هذه الآية فطلقوهن وقت عدتهن ، ووقت الطلاق هو الطهر ، وعليه ؛ فالعدة هي في الطهر. 2. واستدلوا بقوله تعالى ] والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [ ، قالوا: قال ثلاثة ، فالعدد هنا مؤنث ، والعدد إذا أنث فهذا يدل على أن العدد مذكر، والمذكر من المعنيين هو الطهر ، فالحيض مؤنثة والطهر مذكر. أما أدلة أهل القول الأول فهي : 1. ما روى ابن ماجة بإسناد صحيح أن بريرة أمرها النبي r أن تعتد ثلاثة حيض ، وهو من حديث عائشة وإسناده صحيح لكنه معلول. 2. واستدلوا : بقول النبي r الثابت في سنن أبي داود وغيره : ( اترك الصلاة أيام أقرائك ) ، قالوا: فالشارع قد أطلق الإقراء على الحيض ، فإذاً المعروف عن الشارع أن القرء هو الحيض. قالوا : ولأن من حكم العدة الإستبراء ، والإستبراء إنما يحصل بالحيض. 3. واستدلوا أيضاً بقوله تعالى : ] والآئي يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهرٍ والآئي لم يحضن [ ، فهنا قد جعل الأشهر مقابل المحيض ، فالحيض ثلاثة والأشهر ثلاثة. وأجابوا عن أدلة أهل القول الثاني : أن استدلالهم بقوله تعالى ] فطلقوهن لعدتهن [ ، وان المعنى ؛ طلقوهن وقت عدتهن " وهو الطهر ". وأجابوا عن هذا الإستدلال : أن الطلاق هو سبب العدة فإذا كان ذلك كذلك ، فإنه لا يمكن أن يكون الطلاق في أثناء العدة ، بل لا بد أن يكون سابقاً لها فاللام للاستقبال أي لاستقبال عدتهن و قال ابن عمر كما عند ابن المنذر قبل عدتهن. و لما في الصحيحين فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء. وعليه ؛ فالمراد " اجعلوا الطلاق سابقاً للعدة " ، فتستقبل المرأة العدة وهي مطلقة ، وحينئذٍ يكون الطلاق في الطهر ، فتستقبل الحيض بعد ذلك. وأما استدلالهم بقوله تعالى : ] ثلاثة قروء [ ؛ وأنه لما أنث دل على أن المعدود مذكر. أجابوا عن هذا الإستدلال : بأنه أنت باعتبار اللفظ المذكور وهو قوله " قروء " ، والقرء لفظ مذكر ، فأنث الله عز وجل باعتبار اللفظ لا باعتبار المعنى ، وهو ظاهر معروف في لغة العرب. قالوا : ويستدل بهذه الآية عليكم فإن الله قال : ] ثلاثة قروء [ ، وقد فسرتموه أنتم بالأطهار ، وأنتم إذا طلقها في طهرٍ فإنكم تحسبون هذا الطهر الذي طلقها في أثنائه ثم تضيفون إليه طهرين بعده – وهو أي الطهر الأول – ، إنما هو بعض طهرٍ وليس طهراً كاملاً ، فلو طلقها قبل حيضها بيومٍ واحد ، وبعد مضي أيامٍ كثُّر من طهرها ، فإنكم تحسبونه طهراً ، وهو بعض طهر والله قال ] ثلاثة قروء [ وهذا نص في أن القروء ثلاثة ، والنص لا يقبل المجاز ، وعليه فلا بد أن تكون القروء ثلاثة فإذا كانت قرآن و بعض قرء فلا يدخل هذا في الآية ، وأما قوله تعالى ] الحج أشهر معلومات [ فلفظة أشهر أسم جمع فيه المجاز ، قلنا أن تقول شهران وعشرة أيام ، وهو مذهب الجمهور مع أن الراجح ما ذهب إليه المالكية ، وأن الأشهر لابد وأن تكون ثلاثة. وما ذهب إليه الحنابلة والأحناف ، وهو قول أكثر الصحابة ، بل هو قول أكابر الصحابة ، كما قال ذلك الإمام أحمد وهو قول أكثر أئمة الحديث وهو الراجح. وأما القول الثاني ؛ فهو قول عائشة وزيد بن ثابت.
قال : [ المفارقة في الحياة ] بطلاقٌ أوفسخ أو خلع ، فالمختلعة تعتد ثلاث حيض والمطلقة تعتد ثلاث حيض ، وهكذا من فسخت ، واختار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام احمد ، وهو قول اسحاق واختاره تلميذه ابن القيم : أن المختلعة تعتد بحيضة ، وهو القول الراجح في هذه المسألة ، ويدل عليه ما ثبت في سنن النسائي بإسنادٍ صحيح أن النبي r جعل عدة المختلعة حيضة. و كذا المزني بها و هي رواية عن الامام أحمد ، و كذا اختار شيخ الاسلام و ابن القيم أيضاً أن المفسوخ نكاحها كذلك. و قال شيخ الاسلام في المطلقة ثلاثاً أن عدتها حيضة إن لم يكن فيه إجماع و ذكر ابن القيم أنه قول أبن اللبان.
قال : [ فعدتها إن كانت حرة أو مبعضة ثلاثة قروء كاملة ] فعدتها إذا كانت حرة أو مبعضة ثلاثة قروء لقوله تعالى : ] والمطلقات يتربصن بأنفسن ثلاثة قروء [ ، والمبعضة ؛ هي التي بعضها حرٌ وبعضها رقٌ ، وإنما تعتد ثلاثة حيض لأن الحيضة الثالثة لا تتبعض عليها ، فاعتدت حيضة كاملة فكانت كالحرة.
قال : [ وإلا قرآن ] فإذا كانت أمة فإنها تعتد قرئين وبذلك أفتى الصحابة كعمر وابن مسعود كما في مصنف عبد الرزاق وكابن عمر كما في سنن الدار قطني ،والأسانيد إليهم صحيحة ولا يعلم لهم مخالف وقد اتفق أهل العلم على القول بهذا .
قال : [ الرابعة : من فارقها حياً ولم تحض لصغرٍ أو إياس فتعتد حرة ثلاثة أشهرٍ وأمة شهرين ] فالرابعة هي من فارقها حياً ولم تحض ، لأنه إذا فارقها ميتاً فإنها تعتد عدة المتوفى عنها زوجها، لكن هنا قد فارقها وهو حي ولم تحض لصغر وإياس لقوله تعالى ] والآئى يئسن من المحيض من نسائكم إن إرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر والآئى لم يحضن[ ، فاليائسة من المحيض ، والتي لم تحض لصغرها تعتد ثلاثة أشهر للآية المتقدمة وهذا بإجماع أهل العلم. فإن حاضت الصغيرة قبل إنقضاء عدتها بالاشهر أستأنفت بالأقراء. واختلف أهل العلم في سن اليأس : 1. فالمشهور في المذهب ؛ أن سن اليأس خمسون سنة فإذا بلغت المرأة خمسين سنة فإنها تعتد بالأشهر. 2. وعن الإمام أحمد ؛ أن سن اليأس ستون. 3. وقال بعض أهل العلم ؛ أنه اثنان وستون ، وقيل غير ذلك. 4. واختار شيخ الإسلام أنه لا حد لأكثر سن الحيض ، وقد ينقطع عنها الدم وهي بنت أربعين. وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة إذ لا دليل يصار إليه في أكثر سن الحيض ، وعليه فمرجع ذلك إلى حيضها ، فإذا انقطع عنها الحيض وانقطع رجاؤها فيه فإنها حينئذٍ تكون آيسة منه وعليه فتعتد بثلاثة أشهر. فالحرة تعتد ثلاثة أشهر ، وتعتد الأمة شهران، لأن عدتها حيضتان ، والحيضة تقابل الشهر ، وعليه فتعتد شهرين ، وهو رواية عن الإمام وقول في مذهب الشافعي. والمسألة فيها ثلاثة أقوال هي روايات عن الإمام أحمد وأقوال في مذهب الإمام الشافعي : القول الأول : هو ما ذكره المؤلف. القول الثاني : أنها تعتد شهراً ونصف ، وذلك لأن الأصل أن الأمة عدتها حيضة ونصف ، لكن لم تُنَصِّف الحيضة لأن الحيضة لا تتبعض ، أما الشهر فإنه يتبعض. القول الثالث : وهو مذهب مالك وهو - كما تقدم – رواية عن الإمام أحمد وهو قول في مذهب الشافعي ؛ أن الأمة تعتد ثلاثة أشهر كالحرة. وذلك لأن هذه المدة تتربصها المرأة ليعلم براءة رحمها ، وهو في الغالب لا يعلم إلا بعد مرور ثلاثة أشهر ولا فرق في هذا بين الأمة والحرة. فالأمة التي تحيض بمجرد ما تحيض حيضة فإنه يعلم براءة رحمها وإنما زدنا عليها حيضة نظراً لحيض الحرة ، وأما هنا فإن براءة الرحم لا تعلم بشهر ونصف فاحتجنا إلى ثلاثة أشهر ، وهذا هو أقوى المذاهب وأحوطها والله أعلم.
قال : [ ومبعضة بالحساب ويجبر الكسر ] فالمبعضة إذا كان بعضها حر وثلاثة أرباعها رق ، فإنها تعتد شهرين وثمانية أيام ، ويجبر الكسر ، فربع الشهر سبعة أيام وكسر ، فيجبر الكسر فتكون ثمانية أيام ، وإن لم يكن هناك كسر كأن يكون نصفها حر ، فإنها تتربص شهرين ونصف. وأما على القول الراجح الذي تقدم فلا تحتاج إلى ذلك.
قوله : [ الخامسة ( من ارتفع حيضها ولم تدر سببه ) ] الخامسة – أي من المعتدات – من ارتفع حيضها ولم تدر سببه ، فهي غير آيسة لكن قد ارتفع الحيض وهي لا تدري ما السبب وهذا قد يقع لبنت عشرين سنة مثلاً.
قوله : [ فعدتها سنة ، تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة ] فعدتها تسعة أشهر للحمل - لأن غالب مدة الحمل تسعة أشهر - وثلاثة أشهر للعدة وهذا هو قضاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t كما روى ذلك البيهقي وغيره ، قال ابن المنذر : " وهو قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار ولم ينكره منكر " ، وهو مذهب المالكية ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. وقال الأحناف والشافعية : بل تتربص حتى يرجع إليها الحيض ، أو تيئس منه على الخلاف المتقدم في سن اليأس ، وهذا القول هو قول ابن مسعود – وإن كان ليس على هذا الإطلاق – ، ولا شك أن هذا القول لا يوافق يسر الشريعة ، ولا يشبه أصولها وذلك لأن فيه ضرراً عظيماً بالمرأة فقد تكون بنت خمس عشر سنة ويقال لها انتظري حتى تبلغي سن اليأس أو حتى يأتيك الحيض.
قوله : [ وتنقص الأمة شهراً ] وهذا بناءً على القول بأن عدة من لم تحض لصغر أو يأس من الإماء بأن عدتها شهران فحينئذ ينقص من السنة شهر ، وعلى القول الراجح الذي تقدم وأن عدة الأمة ثلاثة أشهر فحينئذ تكون عدتها هنا سنة إذ لا فرق بين الأمة والحرة في الاعتداد بالأشهر ، وإنما الفرق بالاعتداد بالحيض .
قوله :[ وعدة من بلغت ولم تحض ……………… ثلاثة أشهر ] لقوله تعالى : ] و الائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر والائي لم يحضن [ ، أي فكذلك .
قوله : [ والمستحاضة الناسية ، والمستحاضة المبتدأة ثلاثة أشهر ] إذا كانت مستحاضة ناسية أي قد نسيت هل تحيض في كل شهر أو في كل شهرين ، فعدتها ثلاثة أشهر أو كانت مستحاضة مبتدأة – أي لم يسبق لها حيض – فأول ما نزل معها الحيض تتابع عليها فكانت مستحاضة فعدتها ثلاثة أشهر وذلك لأن غالب النساء يحضن في كل شهر فتلحق بغالب النساء ،أما إذا كانت المسحاضة لها عادة سابقة أولها تمييز فإنها تعمل بعادتها السابقة أو بتمييزها.
قوله : [ والأمة شهران ] تقدم النظر في هذا، وأن الراجح أن الأمة عدتها ثلاثة أشهر .
قوله : [ وإن علمت ما رفعه من مرض أو رضاع أو غيرهما فلا تزال في عدةٍ حتى يعود الحيض فتعتد به أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدته ] إذا ارتفع عنها الحيض وهي تعلم سبب ارتفاعه عنها كأن يكون بها مرض أو ترضع ولدها فإنها لا تزال في عدة حتى تحيض أو تبلغ سن الإياس . والقول الثاني في المسألة و هو رواية عن الإمام أحمد وممن إختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن السعدي أنها إذا كان يغلب على ظنها أن العادة ترجع إليها كأن يكون سبب ارتفاع العادة هو الرضاع وتعلم أنها إذا توقفت عن الرضاع العادة ترجع إليها فإنها حينئذٍ تنتظر حتى تحيض ثلاث حيض ، وأما إن غلب على ظنها أن العادة لا ترجع إليها كأن تصاب بمرض لا يرجى برؤه ويغلب على ظنها أن العادة لا ترجع إليها فإنها تعتد سنة تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدة وهذا القول هو الراجح وهو الموافق لأصول الشرع .
قوله : [ السادسة : ( امرأة المفقود ) تتربص ما تقدم في ميراثه ثم تعتد للوفاة ] إن كان الغالب على سفره السلامة فإنها تتربص تسعين سنة من ولادته ثم تعتد للوفاة ، وإن كان الغالب على سفره الهلاك فإنها تتربص أربع سنين منذ فقد ثم تعتد عدة الوفاة وهو قضاء عمر كما في البيهقي وتقدم النظر في هذا وأن المدة ترجع إلى الحاكم وأنها تختلف باختلاف الأزمان ، فإذا قرر القاضي أنها تتربص مثلاً سنة ، فإنها بعد انقضاء السنة تعتد للوفاة .
قوله : [ وأمة كحرة في التربص ] فلا فرق بين الأمة والحرة في التربص وهذا ظاهر إذ ليس هناك ما يقتضي التفريق بين الأمة وبين الحرة في مسألة التربص لأنها متعلقة بالزوج ونوع غيبته .
قوله : [ وفي العدة نصف عدة الحرة ] كما تقدم في الدرس السابق ، فعدة الأمة شهران وخمسة أيام .
قوله : [ ولا تفتقر إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة ] فإذا مضى أربع سنين فيما ظاهره عدم السلامة ثم مضى أربعة أشهر وعشر فلها أن تتزوج بعد ذلك ولا تحتاج إلى حكم حاكم.
قوله : [ وإن تزوجت فقدم قبل وطءِ الثاني فهي للأول ] إذا تزوجت هذه المرأة ثم قدم الأول قبل أن يطأها الثاني فإنها تكون للأول لأن نكاحه على ما هو عليه وبقدومه يبطل نكاح الثاني ، ولا مانع من الرد ، وعليه فإذا قدم وقد عقد عليها ولم توطأ فإنها حينئذٍ تكون للأول . و لا صداق على الثاني لأننا تبينا بطلان نكاحه.
قوله : [ وبعده له أخذها زوجةً بالعقد الأول ولو لم يطلق الثاني ، ولا يطأ قبل فراغ عدة الثاني] أما إذا أتى زوجها الأول ، وقد عقد عليها ودخل بها فللزوج الأول خياران : 1. الخيار الأول : أن يأخذها زوجة له بالعقد الأول فلا يحتاج إلى عقد جديد لأن نكاحه على ما هو عليه ولولم يطلق الثاني ، لأن نكاحه على ما هو عليه و نكاح الآخر باطل في الباطن ، لكنه لا يطأ حتى تفرغ من عدتها من الثاني لأن نكاح الثاني نكاح صحيح ، فليس له أن يطأها حتى تفرغ من عدة الثاني .
قوله : [ وله تركها معه من غير تجديد عقد ] 2. هذا هو الخيار الثاني : وهو أن يتركها مع الثاني من غير تجديد عقد وذلك لأن نكاحه صحيح لكنا رجحنا الأول لأن نكاحه هو الأسبق .
قوله : [ ويأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه ] فإذا اختار أن يتركها مع زوجها الثاني ، فله أن يأخذ الصداق الذي أصدقها قبل ذلك يأخذه من الثاني ويرجع الثاني على المرأة بما أخذه الأول منه ، ففي سنن البيهقي بإسناد صحيح أن عمر قال في امرأة المفقود ( إن جاء زوجها وقد تزوجت فإنه يخير بين إمرته وصداقها ، فإن اختار صداقها كان على زوجها الآخر ، وإن اختار امرأته اعتدت – أي من الثاني –حتى تحل ثم ترجع إلى زوجها الأول ولها مهرها من الزوج الآخر بما استحل من فرجها ) ، وفي البيهقي عن عمر وعلي : أنهما قد جعلا له صداقه الأول ، وما ذكره المؤلف ينبني على هذا الأثر ، لكن قول المؤلف :" ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه " فيه نظر وعلل الحنابلة في المشهور عندهم هذا القول بأن هذا الصداق قد لزمه بسبب وطئه إياها ، فكان كما لو حصل فيها تغرير له . والقول الثاني في المسألة وأستظهره صاحب المغني أنه لا يرجع إليها بما أخذه منه الأول ، وهو ظاهر أثر عمر بن الخطاب فإنه قال : "فإن اختار صداقها كان على زوجها الآخر " وليس فيه أنه يرجع إلى امرأته بالصداق ، والمرأة لم تغره ، وكونه بسبب وطئها فلاشك أن ذلك تعليل ضعيف جداً بل هو الذي قد وطئ وهو الذي قد أتلف المعوض على الناكح الأول ، فقد أتلف على الناكح الأول معوضه فكان عليه هو المعوض . إذن الصحيح القول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد وأنه لا يرجع إلى المرأة، وأيضاً أثر عمر المتقدم ليس فيه تجديد عقد وليس فيه اشتراط طلاق الأول وهذا هو الموافق لما ذكره المؤلف هنا . والقول الثاني في المسألة: اشتراط أن يطِّلق الأول وأن يجَّدد للثاني العقد ، وهذا ضعيف والأثر يدل على خلافه، ونكاحهما جميعاً صحيح لكن رجحنا الأول لأنه هو الأسبق. وهكذا كل فراق بين الزوجين لموجب تبين انتقاؤه، كأن يفرق بينه وبين امرأته لدعوى رضاع بينهما فتنكح زوجاً آخر، ثم يتبين ألا رضاع، فالمسألة كذلك.
فصل
قوله : [ ومن مات زوجها الغائب، أو طلقها اعتدت منذ الفرقة وإن لم تحد ] فمن مات زوجها وهو غائب، أو طلقها وهو غائب اعتدت منذ الفرقة، فلوا أن امرأة توفي زوجها ولم تعلم بذلك إلا بعد سنة أو طلقها زوجها ولم تخبر إلا بعد مضي ثلاث حيض فتكون قد خرجت من العدة وإن لم تخبر وهذا مذهب جمهور العلماء ، وذلك لأن النية غير مشترطة وغير معتبر في العدة بدليل ثبوت العدة على الصغيرة والمجنونة.
قوله : [ وعدة موطوءة بشبهة أو زنا أو بعقد فاسد كمطلقة ] فلو أن رجلاً وطئ امرأة بشبهة كأن تشتبه عليه امرأته بالأجنبية فوطئ الأجنبية يظنها امرأته، أو زنا بامرأة، أو وطئ امرأة بعقد فاسد كأن ينكح امرأة بلا ولي وهو يعتقد أنه لا يصح النكاح إلا بولي، فعدتهن كمطلقة فإنهن يتربصن ثلاث حيض وهذا هو مذهب جمهور العلماء. وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله: أنها حيضة، فالمرأة المزني بها والمرأة الموطوءة بشبهة والمرأة المنكوحة بعقد فاسد تعتد بحيضة، وهذا هو القول الراجح وذلك لأن المقصود من عدتها استبراء رحمها، فليس ثمة حكمة من عدتها إلا استبراء رحمها، واستبراء الرحم يحصل بحيضة بدليل استبراء الأمة بحيضة، وكذلك استبراء المختلعة بحيضة، وهن – أي المزني بها الموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد - لا يدخلن في عمومات النصوص، فإن عمومات النصوص إنما وردت في الزوجة وهي ليست بزوجة، فإن قوله تعالى: ] والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء[، فهو خاص بالزوجة، والمذكورات لسن بمطلقات لأن الطلاق فرع النكاح وهذه ليست بمنكوحة.
قوله: [ وإن وطئت معتدةٌ بشبهةٍ أو نكاحٍ فاسد فرق بينهما، وأتمت عدة الأول ] اذا وطئت معتدة بشبهة أو وطئت بنكاح فاسد كأن تنكح بعد انقطاع الدم من الحيضة الثالثة و قبل أن تغتسل فهذا نكاح فاسد – فالحكم انه يفرق بينهما لأنه عقد فاسد وجودة كعدمة، فوجب أن يفرق بينهما. قوله " و أتمت عدة الأول " فيجب عليها أن تتم عدة الأول.
قوله [ و لا يحتسب منها مقامها عند الثاني ] فلا يحتسب من العدة مقامها عند الثاني، فمثلاً : مضت حيضة من عدتها ثم تزوجت بشبهة نكاح ثم حاضت حيضة ثانية بعد أن و طئها هذا الناكح ثم فرقنا بينهما، فلا تحتسب لها هذه الحيضة التي حضتها عند هذا الناكح الثاني ، بل نقول حضت حيضة واحدة ، فوجب عليك أن تتربصي حتى تحيضي حيضتين فيتم لك ثلاث حيض وهو قول عمر رضي الله عنه كما في البيهقي. لأن الوطء يقطع العدة و هذا ظاهر لأن رحمها قد أنشغل بماء غير من هي معندة له. ومن حكم العدة استبراء الرحم.
قوله :[ ثم إعتدت للثاني ] فإذا انتهت من عدة الأول فإنها تعتد للثاني،و تقدم
قوله: [ و تحل له بعقد بعد انقضاء العدتين ] أي تحل للثاني بعقد جديد بعد انقضاء العدتين ، لأن العقد الأول عقد باطل. و ظاهر كلام المؤلف أنه ليس له أن ينكحها في عدتها منه أي الثاني ، فإذا اعتدت للثاني، فليس للثاني أن ينكحها في اثناء عدتها منه، فظاهر كلام المؤلف أن العقد لا يصح. و الراجح صحته وهو مذهب الشافعية وهو اختيار الموفق من الحنابلة، و ذلك لأن العدة له هو و لا يصان ماؤه الأول من مائه الثاني
قوله:[ و إن تزوجت في لم تنقطع حتى يدخل بها ] اذا عقد هذا الناكح الثاني على هذه المعتده و لم يطأها فإن عدتها لزوجها الأول لا تنقطع بذلك لعدم الوطء فإن العلة كما تقدم انشغال رحمها بماء جديد و هنا الأمر ليس كذلك لعدم الوطء.
قوله:[ فإذا فارقها بنت على عدتها من الأول ثم استأنفت العدة من الثاني ] فإذا فارقها الثاني فإنها تبني على عدتها من الأول ثم تستأنف العدة من الثاني – هذا حيث وطئها الثاني، أما إن لم يطأها الثاني فإنها لا تعتد إلا بعد المس. فهذه الجملة راجعة إلى المسألة السابقة.
قوله: [ و إن أتت بولد من أحدهما انقضت عدتها به ] إذا أتت بولد من أحد الناكحين فإن عدتها تنقضي به – أي انقضت عدتها من هذا الناكح الذي قد نشأ من مائه هذا الحمل.
قوله : [ ثم اعتدت للآخر ] فإذا وضعت الحمل، فإنها تكون قد انقضت عدتها من الناكح الذي نشأ هذا الحمل من مائه ثم تعتد للآخر و لا يقال إن العدتين تتداخلان لأنهما حقان لزوجين. لكن على القول الراجح الذي تقدم ذكره ، و أن المقصود هو الاستبراء من الثاني، فإنها إذا وضعت الحمل فإنه يعلم استبراء رحمها من الثاني، لكن تبقى عدة الأول. و عليه فإذا كان الحمل من الأول ، فبوضعه تنتهي من العدتين جميعاً، فلو أن امرأة و هي حامل وطئها آخر بنكاح باطل فإنها إذا وضعت حملها تنتهي من العدتين جميعاً، لأن عدة الأول تنتهي بوضع الحمل منه، و عدة الثاني تنتهي بوضع الحمل ، لأن الحمل إذا وضع يعلم براءة الرحم.
قوله: [ و من وطئ بعدته البائن بشبهه استأنفت العدة بوطئه، و دخلت فيها بقية الأول ] رجل طلق امرأته ثلاثاً فكانت بائناً منه، ثم وطئها – و هذا وطء محرم فهو وطء من أجنبي- فإنها تستأنف العدة من جديد بوطئه كأنه زوج آخر. قوله " و دخلت بقية الأول" فهنا العدتان تتداخلان لأنهما لرجل واحد. فمثلاً طلقها طلاقاً بائناً فحاضت حيضة واحدة ثم وطئها ، فنقول لها احسبي ثلاث حيض مرة أخرى و ما بقي من الحيض من العدة الأولى فإنها تدخل في العدة الثانية لأنهما من زوج واحد. و على القول الراجح وهو أن الوطء الذي يكون بشبهة أو بزنا أو بعقد فاسد يكفي الاستبراء، فإنها إذا أتت عليها حيضة فإن رحمها تعلم براءته. فلو أن رجلاً وطئ مطلقته البائن بعد انقطاع دمها من الحيضة الثالثة و قبل أن تغتسل، فإنها تعتد بحيضة على القول الراجح.
قوله : [ و إن نكح من أبانها في عدتها ثم طلقها قبل الخول بنتْ] إذا نكح مطلقته البائن في عدتها ثم طلقها قبل الدخول بها فإنها تبني على العدة الأولى، لأن النكاح الثاني لم يحصل فيه مسيس. فهذا النكاح باطل و لكن لا عدة فيه، و ذلك لانه فراق قبل المسيس فنقول هو عقد فاسد فكان وجوده كعدمه. و المذهب أن الرجل إذا طلق امرأته الرجعية فإنها تبني على عدتها ، و أما إن راجعها فطلقها فإنها تستأنف العدة من جديد. مثاله رجل طلق امرأته طلقه واحدة فحاضت حيضتين ثم طلقها ثانية ، فهنا يقولون بنى على عدتها فيبقى لها حيضة، و لكن لو راجعها بعد هاتين الحيضتين ثم طلقها فإنها تستأنف عدة جديدة و هذا ظاهر و ذلك لأن الرجعة تذهب اثر الطلاق و تعود المرأة إلى نكاحها الأول.
فصل
قوله : [ يلزم الإحداء مدة العدة كل متوفى عنها زوجها في نكاح صحيح و لو ذمية أو أمة أو غير مكلفة ] فالإحداء يلزم مدة العدة كل متوفى عنها زوجها في نكاح صحيح و لو كانت الزوجة ذمية أو أمةً أو صغيرة و ذلك لعموم الأدلة – فالأدلة عامة في كل زوجة – و أنها يلزمها الإحداد سواء كانت مسلمة أو ذمية، صغيرة أو كبيرة حرةً كانت أو أمةً و الصغيرة يجنبها وليها ما تتجنبه المكلفة. ففي الصحيحين إن النبي صلى الله e قال : ( لا تُحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر و عشرا، و لا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصب، و لا تكتحل و لا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قُسط أو أظفار). و العَصْب: هو نوع من الأصباغ ليس مهيجاً للنظر إلى المرأة. و النبذة: هي القطعة من الشيء. و القُسط و الأظفار: نوعان من الطيب. و قد قال النبي e لفُريعه بنت مالك: (امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله) رواه الخمسة بإسناد صحيح فالإحداد على الزوج واجب مدة العدة. قوله: [ و يباح لبائن من حي ]و لا يجب و لا يسن، فيباح للبائن من حي أن تُحدًّ عليه لكن ذلك ليس بسنة إتفاقاً.
قوله: [ و لا يجب على رجعية و موطوءة بشبهة أو زنا أو نكاح فاسد أو باطل ]. فالنكاح الفاسد: كالنكاح بلاولي عند من يرى أن ذلك منهي عنه.
قوله: [ أو ملك يمين ] فالآمة المملوكة لا يجب عليها الاحداد. الرجعية و الموطوءة بشبهة أو نكاح فاسد أو باطل أو ملك يمين لا يجب عليها الاحداد ، لأن الله عز وجل إنما أوجب الاحداد على المرأة المتوفى عنها ، و الرجعية زوجة لم يتوفى عنها، و من ذكر سواها فإنهن لسن بزوجات له فلم يجب عليهن الاحداد و لم يشرع.
قوله: [ و الإحداد اجتناب ما يدعو إلى جماعها و يرغب في النظر إليها من الزينة ] أي من الزينة في البدن و الثياب ، الزينة في البدن كالكحل مثلاً أو الحمرة أو الخضاب في الشعر و نحو ذلك ، و أما الزينة في الثياب فكأن تلبس ثوباً مصبوغاً كأن يكون أحمرَ أو أصفر أو فيه ما يرغب النظر إليها.
قوله :[ و الطيب و التحسين ] فالتحسين : هو تجميل الوجه و نحوه. فالطيب و التحسين تمنع منهما المرأة المُحادة و قد تقدم قول النبي e ( و لا تمس طيباً ) ، و لكن يستثنى ما ورد في الحديث فإنها إذا طهرت تأخذ نبدة من قسط أو أظفار فتضعه في فرجها لتزيل الرائحة الكريهة الناتجة عن الحيض.
قوله :[ و ما صُبغ للزينة ] كأن يكون الثوب أحمر أو أصفر أو أخضر أو نحو ذلك. أما إذا كان مصبوغاً لغير الزينة وهو ما يصبغ ليتحمل الوسخ و الدنس فلا بأس أن تلبسه كالأسود و نحوه إن كان ليس للزينة بل هو من ثياب المهنه.
قوله : [ و حلي ] فليس لها أن تلبس الحلي، و في سنن ابي داود بإسناد صحيح عن أم سلمة قالت : قال رسول e ( المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب و لا المُمَشقه " هي الثياب التي قد صبغت بالطين الأحمر" و لا تلبس الحلي و لا تكتحل و لا تمتشط ) فليس لها أن تلبس من الحلي شيئاً، لا سواراً و لا خاتماً و لا غير ذلك.
قوله : [ و كحلٍ أسود ] فليس لها أن تكتحل لحديث أم سلمة المتقدم و فيه ( و لا تكتحل ) و لحديث أم عطية ان النبي r قال: (لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر و عشرا) الحديث و فيه ( و لا تكتحل ) و في ابي داود و النسائي ايضاً ( و لا تختضب ) و في النسائي ( و لا تمتشط) و في الصحيحين ( و لا تكتحل ). فالمحادة تنهى عن الكحل. فإن احتاجت إلى الكحل للتداوي فلها أن تضعه في الليل و تنزعه في النهار، ففي سنن أبي داود بإسناد لا بأس به أن أم سلمة قالت ( وضعت في عيني صَبِراً لما توفى أبو سلمة فقال النبي e إنه يَشبُّ الوجه " أي يزيد في لون الوجه " فلا تجعليه إلا بالليل و انزعيه في النهار و لا تمتشطي بالطيب و لا بالحناء فإنه خضاب قال : قلت بأي شئ أمتشط فقال بالسدر ) ، فلها أن تمتشط بالسدر ونحوه مما لا يكون له رائحة طيبة، وهذا باتفاق أهل العلم.
قوله: [ لا توتيا ونحوها ] ( لا توتيا ) لا مانع أن تكتحل به ً، وكذلك ذكروا في الشرح كحل العنزروت ، وهذه الأنواع ليست مما يكون فيه الجمال أي لا يعطي العين جمالاً ونضره وحسناً ، وهكذا إذا كان من الكحل شئ يتصف بهذا الوصف وهذا لا شك غير الأسود أي ليس فيه نضرة ولا جمال ولا حسن فلا بأس للمرأة أن تضعه، وأما الكحل الأسود فلا.
قوله: [ ولا نقاب ] أي لا تمنع من لبس النقاب وكذلك البُرقع، وهذا ينبني على أن النقاب والبرقع، وعندهم وليس من لباس الجمال والزينة، فإن كان من لباس الجمال والزينة أي أن المرأة تلبسه تجملاً وتزينا فلا يجوز. و قال الخرقي من الحنابلة لا تمنع المرأة في إحدادها أن تنتقب. فالمرأة - لاسيما النساء عندنا اللاتي تلبسه تجملاً وتزيناً وهو جمال في حقهن وزينة – فإنها تمنع منه، بخلاف المرأة التي هو من عادتها كنساء البادية ونحوهن فليس من لباس الجمال في حقهن فلا يمنعن منه.
قوله: [ وأبيض ولو كان حسناً ] فإذا لبست ثوباً أبيض ولو كان حسناً فلا يأس بذلك، قالوا: لأن طبيعته الحسن فليس الحسن طارئاً عليه وهذا فيه نظر ظاهر. والقول الثاني في المسألة وهو قول في المذهب وهو اختيار الشيخ عبدالرحمن بن سعدي أن المرأة تمنع منه ، وهو القول الصحيح في المسألة وذلك لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فلا فرق بين أن يكون مصبوغاً بالبياض الذي يعطي هذا الثوب حسناً ونضرة أو أن يكون البياض أصلياً فيه.
قوله: [ وتجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت ] فتجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت العدة، فإذا كانت في منزل من منازل زوجها وهي في ذلك المنزل فيجب عليها أن تعتد في ذلك المنزل، ففي السنن ومسند أحمد بإسنادٍ صحيح عن فريعة بنت مالك؛ (أن زوجها خرج في طلب أعبد له فقتلوه، قالت: قسألت النبي r أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يترك لي مسكناً يملكه ولا نفقة فقال لها r : نعم ، فلما كانت في الحجرة ناداها النبي r فقال لها: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت أربعة أشهر وعشراً، ثم قضى بذلك عثمان رضي الله عنه). وهذا الحديث فيه أنه يجب على المرأة أن تعتد في بيت زوجها الذي توفي وهي فيه سواء كان هذا البيت ملكاً له أو مستأجراً أو إعارة، فيجب عليها أن تمكث فيه.
مسألة: إذا كان البيت مستأجراً أو كان مملوكاً فهل يخرج ذلك من تركة الرجل فإن كان مملوكاً فهل يُلزم الورثه بإبقاء المرأة فيه ولا يحل لهم أن يخرجوها منه، وإذا كان مستأجراً فيؤخذ من تركته ما يدفع لصاحب الدار لتبقى فيه، أم لايخرج من تركته ؟ قولان لأهل العلم : القول الأول: هو مذهب الجمهور، قالوا: لا يجب على الورثة أن يدعوها لتمكث فيه، وإن كان يشرع لهم ذلك من باب الإحسان. وإذا كان البيت مستأجراً فلا يخرج من تركته شيئاً لتسكن فيه. القول الثاني: وهو مذهب المالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد وقول في مذهب الشافعي: ان لها حقاً في ذلك، فإذا كان له مال فإنه يؤخذ من تركته ما يستأجر لها به هذا البيت الذي توفي زوجها وهي فيه، وإن كان له ورثة فإن الورثة يلزمون بترك زوجة أبيهم حتى تحد في البيت ، وهذا هو القول الراجح في المسألة ، و ذلك لقول الله تعالى: ] والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجاً وصيةً لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج [. فنهى الله الأولياء أن يخرجوهن، والآية إنما نسخت المدة فيها، وأما النهي عن الإخراج فلم ينسخ، وهذا دليل من الأثر. وأما من النظر، فلأن هذه المرأة معتدة لحق زوجها فوجب لها ذلك في تركته. وعلى القول الأول - وهو قول الجمهور – هل يلزمها أن تستأجر هي من مالها أم لا يلزمها ذلك؟ فلو توفي عنها زوجها وهي في دار فهل يلزمها أن تستأجر هذه الدار أربعة أشهر وعشراً سواء كان المستأجر منه الورثة أو غيرهم أم لا يلزمها ذلك. 1. المشهور في المذهب : أن ذلك لا يلزمها وأن الواجب عليها هو السكن لا تحصيل المسكن. 2. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب أبي حنيفة وهو قول في المذهب: أن ذلك يلزمها ، وذلك لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فالأرجح وهو المشهور في المذهب أن ذلك لا يلزمها، وذلك لأن الله إنما أوجب عليها السكن، وأمر الأولياء أن يحصلوا لها المسكن فقال سبحانه: ] غير إخراج [ ، هذا القول هو الأصح من هذين القولين، وإلا فالراجح ما تقدم وهو مذهب المالكية وأنه لا يجوز للأولياء أن يخرجوهن، وليس لهن أن يخرجن إذا كان البيت مستأجراً، بل يؤخذ من التركة ما يدفع به الإيجار ثم تسكن فيه هذه المرأة مدة العدة.
قوله: [ فإن تحولت خوفاً ] أي تحولت من هذا البيت خوفاً من هدم أو لص أو غير ذلك.
قوله: [ أو قهراً ] أي تخرج بظلم كأن يخرجها الأولياء حيث قلنا إنه ليس للأولياء أن يخرجوها.
قوله: [ أو بحق ] كأن تؤدي فتخرج بحق.
قوله: [ انتقلت حيث شاءت ] فمتى ما كان لها عذر في ترك هذا الدار فإنها تنتقل حيث شاءت قرب الموضع من الدار أم لم يقرب ، وذلك لأن الواجب عليها قد سقط بالعذر وليس هناك مكان معين آخر، فكان لها أن تعتد في أي موضع شاءت. قوله: [ ولها الخروج لحاجتها نهاراً لا ليلاً ] اتفق العلماء على أن المرأة المحادة ليس لها أن تخرج ليلاً إلا لضرورة ، وذلك لأن الخروج في الليل مظنة الفساد. وأما النهار فلها أن تخرج قال المؤلف هنا لحاجتها ، قالوا: كأن تشتري أو تبيع ولو كان هناك من يقوم بمصالحها لأن هذه حاجة وليس ضرورة لا لحوائج غيرها. ودليل ذلك ما روى ابن أبي شيبة في مصنفه: ( أن ابن عمر رخص للمتوفى عنها أن تخرج إلى أهلها في بياض النهار )، وفي مصنف ابن أبي شيبة أيضاً: أن النساء شكين إلى ابن مسعود الوحشة فأجاز لهن أن يجتمعن في بيت إحداهن إلى الليل، فإذا كان الليل ذهبت كل واحدة منهن إلى بيتها، وهذا باتفاق العلماء. لكن في ذكر الحاجة فيه نظر ظاهر، كما قرر هذا الزركشي من الحنابلة فإنه من المعلوم والمتقرر أن المرأة تنهى عن الخروج من بيتها إلا لحاجة لقوله تعالى: ] وقرن في بيوتكن [ ، أي يكره لها أن تخرج إلا لحاجة سواء كانت محادة أو لم تكن محاذة فلا حاجة إلى هذا الإشتراط، وليس هذا الإشتراط مذكوراً في كلام الإمام أحمد، بل أجاز ذلك في النهار مطلقاً. وهذا الذي يترجح لي، ولم أر دليلاً يدل على منع المرأة من أن تخرج من بيتها وهي محادة نهاراً. والحنابلة – كما تقدم – يجيزون خروجها للحاجة كأن تشتري أو تبيع أو أن تجد وحشة فتحتاج إلى الخروج. والذي يترجح أن لها الخروج مطلقاً لكن إن كان لغير حاجة فإنه يكره وهو قول في مذهب الإمام أحمد وهو رواية عن الإمام أحمد بل ذكر الزركشي أن هذا الشرط لا حاجة إليه لأن المرأة يكره لها أن تخرج بلاحاجة سواء كانت في إحداد أو غيره .
قوله: [ وإن تركت الإحداد أثمت وتمت عدتها بمضي زمانها ] إذا تركت المرأة الإحداد في عدتها فلم تحد فإنها تأثم لتركها الواجب ، لكن عدتها تتم بمضي زمانها إذ ليس من شروط العدة الإحداد ، فالعدة تصح بلا إحداد وذلك للآية كما تقدم لا تشترط للعدة النية فأولى من ذلك ألا يشترط فيها الإحداد . و حكم الرجعية في العدة حكم المتوفى عنها في لزوم البيت لقوله تعالى ] لا تخرجوهن من بيوتهن و لا يخرجن [ . أما البائن فتعتد حيث شاءت في مكان مأمون و لا تبيت إلا في منزلها هذا لقوله r لفاطمة بنت قيس ( اعتدي في بيت ابن أم مكتوم ) متفق عليه. و له أن يسكنها في داره تحصيناً لفراشه أي مع الأمن عليها منه و يلزمها ذلك و لو لم ينفق. واختار شيخ الاسلام أن له ذلك إن أنفق عليها لأنها محبوسة لحقه وهو الراجح.
باب الإستبراء
الإستبراء: مشتق من البراءة، وهو عند الحنابلة تربص يقصد منه العلم ببراءة رحم ملك اليمين، فخصوه بملك اليمين. والراجح ما تقدم ، وان الاستبراء يكون لنكاح الشبهة ويكون للزنا و للمختلعة وغير ذلك مما تقدم ذكره. أما الحنابلة فخصوه بملك اليمين فإذا اشترى أمةً وهي توطأ فلا يحل له أن يسقي ماءه زرع غيره، فلا بد وأن يستبرئ المرأة بحيضة أو أن تضع حملها.
قوله : [ من ملك أمةً يوطأ مثلها من صغيرٍ وذكرٍ وضدهما حرم عليه وطؤها ومقدماته قبل استبرائها ] من ملك أمةً لوطأ مثلها من صغير، ليس هنا المالك الجديد هو الصغير بل المالك القديم هو الصغير. فإذا اشترى رجل أمةً مملوكة لصغيرة أو ذكر بأن تكون لكبير أو امرأة، فإذا اشترى أمةً من امرأة عجوزٍ حرم عليه وطؤها حتى يستبرئها، وهذا القول ضعيف. و عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام: أنها إذا كانت مملوكة لمن لا يطأها كالطفل والمرأة فإنه لا يجب عليه الاستبراء وذلك للعلم ببراءة الرحم. وقوله: " ومقدماته " ؛ فليس له الوطء ولا مقدماته، كأن يباشرها أو يقبلها أو نحو ذلك، وهذا خلاف الراجح. فعن الإمام أحمد وهو اختيار ابن القيم أن له أن يباشرها وله أن يستمتع بها دون الوطء وذلك لأن النهي عن الوطء فقط، فلا دليل يدل على المنع من مباشرتها والاستمتاع بها دون وطئها. وكذلك العلة لا تثبت، فالعلة هي ألا يسقي ماءه زرع غيره وحيث استمتع بها دون الفرج فالعلة ليست ثابتة والحكم يدور مع علته وجوباً وعدماً.
قوله : [ واستبراء الحامل بوضعها ومن تحيض بحيضة ] لما ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود بإسنادٍ صحيح أن النبي r قال : (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة). فإذا كانت حامل فلا يحل وطئوها حتى تضع، سواء كانت عند من يطأ أو عند من لا يطأ كصغير وأنثى، لأن الحمل قد ثبت وقد يكون من زنا أو من شبهة أو غير ذلك ، وإذا كانت غير ذات حمل فحتى تحيض حيضة إن كانت عند من يطأ على الصحيح.
قوله: [ والآيسة والصغيرة بمضي شهر ] لأن الشهر يقابل الحيضة ، و عن الإمام أحمد و هو القول الثاني في المذهب أنها تستبرأ بثلاثة أشهر و هو الراجح لما تقدم من أن العلم ببراءة الرحم لا يحصل إلا بهذه المدة.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم |
|
|
|
حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved info@al-zad.net ![]() |