المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الطهارة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الطهارة
باب نواقض الوضوء
 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

باب : نواقض الوضوء

نواقض : جمع ناقض وهو فاعل النقض .

والنقض : هو النكث و إفساد الشيء بعد أحكامه .

يقال :  " نقض الشيء " أي أفسده بعد إحكامه

فيكون المعني : مفسدات الوضوء أو مبطلاته .

والوضوء : تقدم تعريفه لغة واصطلاحاً ، وهو هنا بالضم ( الوضوء ) لأن المراد فعل الوضوء لا ماؤه .

قال المؤلف رحمه الله : ( ينقض ما خرج من سبيل )

السبيل في اللغة : الطريق ، وهو هنا : مخرج البول والغائط .

( ما خرج من السبيل ) : من بول أو غائط أو مذي أو ودي فكله يخرج من السبيل .

المذي : هو سائل لزج يخرج بسبب تحرك الشهوة – وسيأتي الكلام عليه من حيث النجاسة وغيرها - .

أما الودي : فهو سائل أبيض ثخين يخرج بعد البول .

والبول والغائط والمذي والودي والريح كلها مما يخرج من السبيل – وقد أجمع العلماء على نقضها للوضوء -.

أما الودي فدليله الإجماع .

وأما المذي فيدل أيضاً على أنه ناقض : ما ثبت في الصحيحين من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يغسل ذكره ويتوضأ ) .

وأما الريح فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) متفق عليه .

وأما البول أو الغائط فدليله ما تقدم من حديث صفوان ابن عسّال وفيه : ( ولكن من غائط وبول )

فهذه أشياء معتادة يثبت النقض بها إجماعاً فإن خرج منه شيء غير معتاد كالدم والدود والحصى والشعر ونحو ذلك مما قد يخرج من السبيلين مما ليس بمعتاد فكذلك ينقض الوضوء عند جمهور العلماء وذلك لما روى ابو داود في سننه من حديث فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها – وكانت مستحاضة - فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها : ( إذا كان دم الحيض وهو دم أسود يعرف ، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة ، وإذا كان الآخر فتوضئ فإنما هو عرق ) أي دم عِرق قد خرج من السبيلين فوجب فيه الوضوء ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – من حديثها – كما في البخاري : ( توضئ لكل صلاة )

قالوا : والدم هنا ليس بمعتاد وقد أوجب الشارع فيه الوضوء .

ثم أيضاً : الإجماع على الودي ، والودي ليس بمعتاد فعلى ذلك يجب الوضوء عند خروجه – وهما غير معتادين – فغيرهما – مما قد يخرج وليس بمعتاد – مثل ذلك .

ثم إنه لا يخلو من شيءٍ من البلل في العادة .

ولو أدخلت المرأة خرقة في فرجها ثم أخرجته انتقض وضوءها لأنه خارج من سبيل ولا يخلو كما تقدم من بلل , وكذا لو قطر الرجل في ذكره دهناً ثم عاد فخرج , وهكذا لو وطئ امرأته دون الفرج فدب ماءه فدخل الفرج ثم خرج منه نقض الوضوء ولم يجب عليها الغسل .

وأطلق الحنابلة والشافعية ذلك في كل خارج سواء كان فيه بلة أو لم يكن فيه بلة كالريح تخرج من قبل المرأة , وذهب بعض فقهاء الحنابلة إلى أنه إن لم يكن الخارج فيه بلة فلا ينتقض به الوضوء , والأول أظهر لأنه مظنة البلل فعلق الحكم بهذا الظن .

 

قوله : ( وخارج من بقية البدن إن كان بولاً أو غائطاً )

إذا خرج من بقية البدن ، كأن يكون في معدته خرق أو فتحةٌ فيخرج منه البول أو الغائط لحديث : ( ولكن من غائط وبول ) وهذا بول أو غائط ينقض الوضوء , وظاهره سواء كان الخرق فوق المعدة أو تحتها .

وذهب بعض فقهاء الحنابلة والشافعية إلى أن ذلك إذا كان تحت المعدة , أما إذا كان من المعدة فأعلى فلا ينقض الوضوء قالوا : قياساً على القيء فإنه لا ينقض الوضوء فإذا ثبت أنه لا ينقض الوضوء فمثله غيره ، فالحكم عندهم منوط بما تحت المعدة .

لكن القول الأول أقوى لأن هذا بول وغائط وقد خرج ولو كان من غير السبيلين للحديث .

وهنا لم يذكروا الريح ، فلو خرجت الريح من موضع غير السبيلين فظاهره أن الوضوء لا ينتقض وهو المذهب .

وذهب بعض الحنابلة إلى أنها تنقض إذا خرجت من غير السبيلين وهو قول المجد .

ولا يثبت لهذا المنفتح أحكام المعتاد على الصحيح من المذهب كالمس وغيره لأنه ليس بفرج .

فإذن : إذا خرجت الريح من موضع غير السبيلين فهل تنقض أم لا ؟

قالوا : لا تنتقض الوضوء ، وهناك – أي عند خروجها من الدبر أو القبل – تنتقض فما الفارق ؟

الفارق : أنها عند خروجها من السبيلين فهي رائحة خرجت من المخرج الطبيعي لها ، وأما إذا خرجت من قريب من المعدة فهي أشبه بالجشاء وهو متفق أو مجمع على أنه ليس بناقض للوضوء , و يتوجه أن الريح لها حكم الغئط والبول إن خرجت من فتحة تحت المعدة وإلا فهي كالجشاء .

قوله : ( أو كثيراً نجساً غيرهما )

إذن : لا ينقض إلا البول أو الغائط أو الكثير النجس كالدم , فالدم نجس ، وكالقيء , فإن القيء عندهم نجس ، أو الصديد , أو القيح ونحو ذلك , كل هذا ينقض الوضوء .

إذن : إذا خرج النجس من شيء من البدن سواء كان من الفم أو الأنف وهو الرعاف أو أي موضع فإنه ناقض للوضوء من دم أو قيء وهو ما يخرج من المعدة ثم يخرج من الفم ، ومثله القلس وهو أقل منه ، ومقداره ملء الفم فما دون مما يخرج من المعدة , وأما القيء فهو ما زاد على ذلك فهذه كلها أشياء نجسه إذا خرجت من شيء من البدن , فإن الوضوء ينتقض بها .

وهنا قيدان ذكرهما المؤلف :

الأول قوله : ( كثيراً ) فعلى ذلك إذا كان يسيراً من دم أو قيء فإنه لا ينقض الوضوء، فالكثير هو الناقض .

والمشهور في المذهب : أن الكثير لكل أحد بحسبه فكل مكلف ينظر في الدم الذي خرج منه أهو قليل أم كثير ولكن هذا القول لا ينضبط لأن الناس يختلفون في ذلك .

وذهب ابن عقيل من الحنابلة إلى أن الكثير إنما ينظر فيه إلى أوساط الناس أي غير المتساهلين ولا الموسوسين .

فالموسوسون قد يرون القليل كثيراً ، والمتساهلون قد يرون الكثير قليلاً ، فيكون النظر إلى أوساط الناس ، فما كان كثيراً بالنظر إلى أوساط الناس فهو كثير وما كان قليلاً فهو قليل .

فعلى ذلك القطرات التي تخرج هذه لا تنقض الوضوء .

مثلاً : رجل أدخل منديلاً في أنفه فخرج فيه شيء من الدم فإنه لا ينتقض وضوءه في المذهب .

أما إذا خرج الكثير منه فإن الوضوء ينتقض.

ومثلاً : خرج شيء يسير من معدته فلا ينتقض الوضوء ، أما إذا كان يملأ الفم أو نحو ذلك فإنه ينتقض .

وهذا القول أصح لأن الضابط الأول الناس يتفاوتون فيه .

الثاني : قوله : ( نجساً ) فلو كان هذا الخارج من البدن ليس نجساً بل هو طاهر فلا ينقض الوضوء فلو خرج منه البصاق أو الدمع أو نحو ذلك – هذه أشياء تخرج من البدن طاهرة وليست بنجسة فلا تنتقض الوضوء .

إذن : الناقض للوضوء هو النجس الكثير الخارج من البدن سواء من السبيلين أو غيرهما .

أما ما يخرج من السبيلين فلا يشترط أن يكون كثيراً ، بل القليل ينقض الوضوء لإطلاقات الأحاديث , هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة واستدلوا بأدلة منها : ما روى ابن ماجة من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبني على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم )

وبما رواه الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( قاء فتوضأ ) .

وذهب الشافعية والمالكية : إلى أن ما ذكرلا ينقض الوضوء ، فلا ينتقض الوضوء بالدم والقيء قليلاً كان أو كثيراً واستدلوا :

بما رواه أحمد وابو داود وذكره البخاري معلقاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( كان في غزوة ذات الرقاع فأصيب رجل من أصحابه ( وهو من حراسه ) فنزفه الدم فمضى في صلاته )

فهنا هذا الصحابي مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع وهو من حراسه – وهو كما في البيهقي عباد بن بشر وهو من عباد الصحابة وعلمائهم . ومثل هذا يبعد أن يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم – وهذا الأثر إسناده صحيح – فهو متضمن لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم , إذ يبعد أن يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وهو من حراسه في غزوة قد خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم .

وبما رواه مالك في موطأه أن عمر رضي الله عنه : ( صلى وجرحه يثغب دماً ) , وقال الحسن كما في البخاري – معلقاً- ووصله سعيد بن منصور : ( ما زال المسلمون يصلون في جرحاتهم )

قالوا : ولأن هذه مسألة تعم بها البلوى ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها حديث .

أما الحديث الأول الذي استدل به أهل القول الأول : ( من أصابه قيء ……..) إلى آخره .

قالوا : فهذا الحديث من حديث إسماعيل بن عياش عن أبن جريج وإسماعيل روايته عن الحجازيين ضعيفة ، وابن جريج حجازي .

ورواه الحفاظ عن ابن جريج مرسلاً ، فعلى ذلك الحديث ضعيف .

أما حديث الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( قاء فتوضأ ) فالحديث صحيح لكنه فعل مجرد لا يدل على الوجوب ، ونحن نقول بمشروعية الوضوء من القيء – ولكنا لا نقول بوجوب ذلك – وأن الحديث ليس فيه ما يدل على الوجوب فهو فعل ، والفعل لا يدل على الوجوب .

قالوا : ومعنا الأصل ، فإن الأصل أن الوضوء ثابت فلا نقول ببطلانه إلا بدليل ، وليس ثمت دليل صحيح صريح يدل على ذلك , واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الراجح .

فالراجح : أن الدم والقيء والصديد ونحوها كل ذلك لا ينتقض الوضوء بخروجه خلافاً للمشهور في مذهب الحنابلة.

إذن : الخارج من بقية البدن غير السبيلين : إن كان بولاً أو غائطاً فإنه ينقض الوضوء - أما غير ذلك فالراجح أنه لا ينتقض الوضوء به - وتقدم الدليل الدال على ذلك .

قال المصنف رحمه الله تعالى : [ وزوال العقل إلا يسير نوم من قاعد أو قائم ]

" وزوال العقل " أي أنه ناقض للوضوء .

فزوال العقل بالجنزن أو السكر أو الإغماء ناقض للوضوء بإجماع العلماء يسيراً كان أو كثيراً .

وقياساً على نقض الوضوء بالنوم بل هو أولى منه .

 

قال المصنف رحمه الله تعالى : [  إلا يسير نوم من قاعد أو قائم ]

استثنى المؤلف رحمه الله يسير النوم من قاعد وقائم .

إذن : نوم المضطجع والساجد والراكع نوم ناقض للوضوء مطلقاً لا فرق بين يسيره وكثيره .

وأما نوم القاعد المتمكن – بخلاف المستند أو المتكئ – فنوم القاعد إن كان يسيراً فلا ينقض به الوضوء ومثله القائم.

إذن : هناك من النوم ما ينقض الوضوء ، ومنه ما لا ينقض ، أما نوم المضطجع وما شابهه فإنه ينقض به الوضوء مطلقاً لا فرق بين يسيره وكثيره .

وأما نوم القاعد أو القائم فإنه لا ينقض به الوضوء إلا إن كان كثيراً أما أما إن كان يسيراً فلا ينقض به الوضوء .

واستدلوا : على ثبوت النقض بالنوم بحديث صفوان بن عسال وفيه : ( وكان من غائط وبول ونوم ) فدل على أن النوم ناقض للوضوء .

واستدلوا على أن يسير نوم القاعد والقائم ليس بناقض : بما روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال : ( كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون  ولا يتوضئون ) وفي رواية لأبي داود : ( حتى تخفق رؤوسهم ) أي حتى تضرب أذقانهم على صدورهم ، قالوا : هذا نوم يسير من قاعد .

وأما القائم فبما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس قال : ( فجعلت كلما أغفيت يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بشحمة أذني يفتلها ) وهنا قد وقع منه الإغفاء ولم ينتقض وضوؤه لأنه نوم يسير من قائم ، ويقاس أيضاً على نوم القاعد .

وقد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما الوضوء على من نام مضطجعاً ) لكن الحديث إسناده ضعيف .

إذن : هذا هو تقرير مذهب الحنابلة وهو مذهب أكثر الفقهاء ، وأن النوم ينقض مطلقاً يسيره وكثيره إلا نوم القاعد والقائم فلا ينقض يسيره .

فإن قيل : فما هو ضابط اليسير ؟

قالوا : ضابطه : العرف ، فما كان يسيراً عرفاً فإنه لا ينقض الوضوء .

فعندما ينام الرجل قاعداً أو قائماً ويسمع كلام الناس حوله وإن لم يفهمه فهذا في العرف يسير ، وإذا سقط من قيامه ، أو قعوده فهو في عرف الناس قد نام نوماً كثيراً فينتقض وضوؤه بذلك ، ولا اعتبار بالرؤيا كما في المنتهى واستظهره في الفروع والإنصاف خلافاً لما في الإقناع .

ولا شك إن هذا الضابط حسن ، لأن مرجعه إلى العرف ، وبعبارة أخرى لك أن تقول : النوم المستغرق وغير المستغرق ، فالنوم المستغرق : هو الكثير الناقض للوضوء .

وأما غير المستغرق : فهو الذي يحس الإنسان به في نفسه فلا ينتقض به الوضوء .

فإن قيل : فإن شك لا يدري أهو نوم يسير أم نوم كثير ؟

فإنه يبني على اليقين واليقين هو بقاء وضوئه فلا يزول هذا اليقين بشك .

وفي قوله : " إلا نوم " يخرج النعاس والسِنَة .

والنعاس : يكون في الرأس من غير أن يكون في القلب والعقل فهذا لا ينقض به الوضوء ، وقد قال تعالى : ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ففرق بينهما ، فالناقض للوضوء هو النوم ، وأما النعاس وهو ما يكون في الرأس فهذا لا ينقض الوضوء . هذا هو تقرير مذهب الحنابلة .

أما ما ذهبوا إليه من أن نوم القاعد والقائم اليسير لا ينقض الوضوء فهو قول قوي .

وأما قولهم إن نوم المضجع ونحوه ينقض يسيره ، فذا قول ضعيف ، لأنه إذا كان مناط الأمر ومتعلَّقه هو النوم الكثير أو اليسير ، أو النوم المستغرق أو غير المستغرق فإنه لا فرق بين مضطجع وغيره .

وفي رواية للبزار – من حديث أنس المتقدم – بإسناد صحيح : ( يضعون جنوبهم ) أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعلى ذلك منهم من يخفق رأسه ، ومنهم من وضع جنبه على الأرض .

وهذا القول رواية عن الإمام أحمد واختارها القاضي وأكثر الأصحاب ، وهو مذهب الأوزاعي وربيعة ، واختيار شيخ الإسلام – وهذا القول هو الراجح لما تقدم - .

فعلى ذلك : النوم المستغرق وهو النوم الكثير هو الناقض للوضوء ، أما غير المستغرق فإنه لا ينقض به الوضوء .

ومما يدل على أن النوم مظنة الحدث ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( نام حتى نفخ ثم صلى ولم يتوضأ ) فقيل له في ذلك فقال : ( إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي ) .

وقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجه واللفظ له – والحديث حسن – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( العين وكاء " أي رباط " السة " أي الدبر " فمن نام فليتوضأ ) .

فهو مظنة للحدث ، فإذا كان النوم يسيراً فإن هذه المظنة تكون ضعيفة لأنه يشعر بنفسه ويحس بها ، بخلاف ما إذا تمكن منه النوم فإن المظنة تكون قوية فيتعلق الحكم بها ، وينتقض الوضوء .

إذن : الراجح التفريق بين النوم المستغرق وغيره ، وهو ما اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله .

 

قال المصنف رحمه الله تعالى : [ ومس ذكرٍ متصل أو قبل بظهر كفه أو بطنه ، ولمسهما من خنثى مشكل ولمس ذكرٍ ذكره أو أنثى قبلها لشهوة فيهما ]

قوله : " ذكره " المراد به عضو الرجل ، والقبل : المراد به عضو المرأة .

" متصل " قالوا : يخرج المقطوع لأنه ليس بمعنى الذكر المتصل .

قوله : ( ومس ذكر ) لم يقل :" ذكره " وهذا يعم ذكره وذكر غيره ، وكذا القبل ، فإذا لمست المرأة ذكر زوجها ، أو لمس الرجل قبل امرأته فإنه ينتقض الوضوء بذلك .

ودليل ذلك : ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح من حديث بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من مس ذكره فليتوضأ ) .

وثبت في مسند أحمد – والحديث حسن – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس دونها ستر فقد وجب عليه الوضوء ) .

وفي صحيح ابن حبان وصححه أحمد وأبو زرعة – وإسناده صحيح – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من مس فرجه فليتوضأ ) .

وفي مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ ) .

بل قد ثبت ذلك عن بضعة عشر صحابياً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أي في أن مس الذكر ناقض للوضوء وهو مذهب جمهور الفقهاء أن من مس ذكره فيجب عليه الوضوء .

وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء واستدلوا : بما روى طلق بن علي من حديث قيس بن طلق عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء قال : ( لا ، إنما هو بضعة منك ) وقد صححه ابن حبان وابن حزم .

قالوا : فهذا يدل على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء . ومن أجوبة الجمهور على هذا الحديث ما يلي :

أن الحديث ضعيف ، فقد ضعفه الشافعي والدار قطني والبيهقي وغيرهم ، بل قال النووي : " ضعيف باتفاق الحفاظ" .

وقيس بن طلق قال فيه ابن معين وأبو حاتم وهما إمامان في الجرح والتعديل : ( لا يحتج بحديثه ) .

وقال البخاري : ( سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه ) أي هو مجهول .

وقد وثقه ابن حبان والعجلي ، وكذلك ينبغي أن يكون موثقاً عند كل من صحح هذا الحديث ، لكن تقدم أن الحديث ضعيف كما قال ذلك النووي .

قالوا : وإنما يحسن مثله إن لم يكن مخالفاً ، كيف وقد خالف هذه الأحاديث الكثيرة ، لذا قال الإمام أحمد في حديثه : ( غيره أثبت منه ) هذا الوجه الأول .

والوجه الثاني : قالوا يبعد أن يكون المس في الصلاة بلا حائل ، فعلى ذلك المس هنا يخالف الظاهر .

وقالوا : أيضاً حديث طلق بن علي مبقٍ على الأصل بينما حديث بسرة وغيرها ناقل عن الأصل ، والأحاديث الناقلة عن الأصل مقدمة على المبقية عليه .

قالوا : والحديث من حديث طلق بن علي ، وكان ممن أسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يؤسس مسجده ، بينما بسرة قد آمنت في عام الفتح ، وكذلك أبو هريرة قبل أن يتوفى النبي صلى الله عليه وسلم بأربع سنين قالوا : فهذه قرينة قوية تقوي القول بالنسخ وإن كانت ليست نصاً في النسخ ، كما أن كون حديثها ناقل عن الأصل كذلك يقوي القول بالنسخ بخلاف حديث طلق بن علي وفي الطبراني وصححه – لكن الحيث إسناده ضعيف – عن طلق بن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من مس ذكره فليتوضأ ) .

والراجح في هذه المسألة أن مس الذكر ناقضا للوضوء .

واختار شيخ الإسلام الجمع بين الحديثين ، أي بين حديث بسرة وغيرها وبين حديث طلق فحمل حديث بسرة وبقية الأحاديث على الاستحباب وحمل حديث طلق على نفي الوجوب .

فعلى ذلك يكون المعنى في حديث طلق : الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء " أي يجب عليه الوضوء " ، ولم ينف الاستحباب ، بخلاف حديث بسرة فلفظه : ( من مس ذكره فليتوضأ ) فهذا يمكن أن يحمل على الاستحباب لكن هذا القول فيه ضعف ، لما تقدم من صحة الأحاديث الواردة في مسألة نقض الوضوء بمس الذكر وكثرتها ، بخلاف حديث طلق وما تقدم من كلام أهل العلم فيه ، فلا تترك ظواهر الأحاديث الكثيرة لهذا الحديث الذي تقدم ذكر الأوجه في تضعيفه .

إذن : الراجح : أن مس الذكر ينتقض به الوضوء .

فهنا قوله : " مس " لفظة مس أي بلا حائل ، فإن كان بحائل فإنه لا يثبت به هذا الحكم ، وهذا هو الذي تقيده لفظة ( مس ) وقد ورد مصرحاً في حديث الإمام أحمد الذي تقدم ذكره : ( إذا أفضى أحدكم إلى ذكره ليس دونها حجاب فقد وجب الوضوء ) فعلى ذلك إذا كان دونها حجاب فى وضوء ، وهذا باتفاق العلماء .

قال : ( ومس ذكر ) : هنا أطلق سواء كان ذكر نفسه أو غيره قالوا : إذا ثبت هذا في ذكر نفسه مع الحاجة إلى مسه فأولى منه غيره وهذا هو مذهب الجمهور .

فإذا مست المرأة ذكر زوجها انتقض وضوؤها .

وفي قوله : " مس ذكرٍ " يشمل كذلك الصغير والكبير ، فالمرأة تغسل طفلها ، فمست ذكره فينتقض الوضوء بذلك لأنه ذكر متصل – وهذا هو مذهب الجمهور - .

وذهب الأوزاعي وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن مس ذكر الصغير لا ينقض الوضوء – وهذا هو الراجح – لأن ذكر الصبي ليس بمعنى ذكر الكبير المنصوص عليه ، فإنه ليس محلاً للشهوة بمسه ، فبينهما فارق ، ففرق بين مس ذكر البالغ ومس ذكر الطفل الصغير .

وقيد المالكية مس فرج الصبية بألا تشتهي فالتي لا تشتهي – لا ينقض الوضوء .

فكذلك ينبغي أن يقيد به الصبي ، فإذا مست المرأة أو الرجل فرج صبي أو صبية مما لا يشتهون أو مما لا يكونون محلاً للشهوة كالأم تمس فرج طفلها فإن ذلك لا ينقض الوضوء هذا مذهب الأوزعي ورواية عن الإمام أحمد وهو القول الراجح .

وقوله : " ومس ذكر " أي أدمي لأنهم اتفقوا على أن مس ذكر الحيوان لا ينقض الوضوء .

وفي قوله : " متصل " يخرج من ذلك المنقطع وهذا لا شك فيه ، فلا ينقض الوضوء بمسه .

قالوا : لأن المنقطع ليس في حكم المتصل ، ومس الذكر ناقض للوضوء إلى أصول الأنثيين لأنها من الذكر وفي قوله : " ذكر متصل " ظاهره ولو كان من ميت ، وهذا هو مذهبهم .

فلو أن امرأة مست ذكر زوجها الميت لتغسيله فإنه ينتقض بذلك وضوؤها – وهذا غريب – فإن ذكر الميت ليس بمعنى ذكر الحي بل هو شبيه بالمنقطع فكيف ينقض الوضوء بمسه .

إذن : الراجح وهو قول في المذهب أن الميت لا ينتقض الوضوء بمس ذكره وهو مذهب إسحاق .

قال : " أو قبل " أي قبل امرأة ، للحديث المتقدم : ( وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ ) .

فالمرأة كذلك إذا مست فرجها أو مس أحد فرجها فإنه ينتقض الوضوء ، وعلى الماس الوضوء .

واعلم أن الوضوء إنما يجب على الماس دون الممسوس لظواهر الأدلة المتقدمة وهذا باتفاقهم .

قال : ( بظهر كفه أو بطنه ) الكف : من أطراف الأصابع إلى الرسغ .

قالوا : لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أفضى أحدكم بيده ) .

قالوا : واليد إذا اطلقها الشارع فهي إلى الرسغ ، كما قال تعالى : ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾ وإنما تقطع أيديهم من الرسغ لا من المرفق ولا من المنكب .

وقال الجمهور : بل إذا مس الذكر بظاهر الكف فإنه لا ينتقض بذلك الوضوء .

قالوا : لأن اليد إنما خصصت لأنها آلة اللمس ، وموضع اللمس فيها باطنها بخلاف ظاهرها فإنه ليس آلة للمس ، قال صاحب اللسان : ( الإفضاء الوصول إلى الشيء بباطن اليد ) وهذا هو القول الراجح لأنه فرق بين الذراع وبين ظاهر الكف ، والشارع لا يفرق بين المتماثلات ، وقد اتفقوا على أن من مس ذكره بذراعه أو بعضده أو بفخذه أو نحو ذلك فإنه لا ينتقض بذلك الوضوء ، ولا فارق بين هذه المواضع وظاهر الكف ، أما باطن الكف فنعم لأنها آلة اللمس .

وهل يدخل في ذلك الظفر ؟ هذا مبني على القول بأن المس بظاهر الكف ينقض الوضوء :

قولان في المذهب :

والمشهور أن الظفر لا يدخل قالوا : بل هو في حكم المنفصل .

وظواهر الأدلة المتقدمة أنه لا فرق بين عامد وغيره ، فسواء مس ذكره عامداً أو ساهياً – وهذا هو مذهب الجمهور – وظواهر الأدلة تدل على ذلك .

وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو مذهب طائفة من التابعين : إلى أنه إن مسه غير عامد فإن الوضوء لا ينتقض بذلك .

والراجح : العموم لأن ظواهر الأدلة تدل على أنه لا فرق بين عامد وغيره .

قال : ( ولمسها من خنثى مشكل ) .

الخنثى المشكل : هو من له آلة ذكر وآلة أنثى ولم يتميز أهو ذكر أم أنثى لوجود آلتي التناسل فيه فلا يدري أذكر هو أم أنثى ولم يتبين بعد .

أما إذا تبين فإنه يزول الأشكال .

" ولمسها من خنثى مشكل " : إذا مس من الخنثى المشكل أحد العضوين فلا ينتقض الوضوء بذلك لأنه لا يدري هل هذا الممسوس أصلي أم زائد ومع الشك نبقي على اليقين المتقدم وهو ثبوت الوضوء .

فإذا لمسهما جميعاً فحينئذ يزول الشك ويتيقن إنه مس فرجاً أصلياً .

إذن : إذا لمسهما من خنثى مشكل فإنه ينتقض وضوؤه أما إذا مس أحدهما فلا ينتقض بذلك الوضوء .

 

قال المصنف رحمه الله تعالى : [ ولمس ذكر ذكره أو أنثى قبلها لشهوة فيهما ]

إذا مس الرجل الآلة المذكرة للخنثى المشكل فحينئذ يثبت النقض ، لأنه إذا كان ذكراً فقد مس عضوه الأصلي ، وإذا كان أنثى فقد مس أنثى لكن لشهوة ، لأن الأنثى – عندهم – لا ينقض الوضوء بمسها إلا إذا كان بشهوة .

فإذن : هذا مفرع على القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء .

قال : ( أو أنثى قبله بشهوة ) إذا مست الأنثى قبل الخنثى المشكل لشهوة قالوا : ينقض الوضوء لأنها إن كانت أنثى حقيقة فقد مست قبلها وهو قبل أنثى أصلي فينتقض به الوضوء .

وإن كان ذكراً فقد مست رجلاً بشهوة ، ومس الرجل ينقض الوضوء إن كان بشهوة .

وهل يقاس على مس الذكر مس الدبر أي حلقة الدبر ؟

قال الحنابلة : نعم – وسيأتي ذكرها – والدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( من مس فرجه ) والفرج يدخل فيه القبل والدبر خلافاً لمذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد لعموم الحديث المتقدم .

قوله : [ ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها ]

هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وأن من مس امرأة بشهوة فإن وضوءه ينتقض بذلك ، واستدلوا : بقوله تعالى :﴿  أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً ﴾ الآية.

قالوا : والملامسة هنا هي حقيقة المس ، فإذا مس المرأة بشهوة فإنه ينتقض وضوءه .

وقد دلت السنة على أن مطلق المس غير المصحوب بشهوة  لا ينقض الوضوء ، كما في الصحيحين عن عائشة قالت : ( كنت أنام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وكانت رجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضتها ) وفي رواية للنسائي :( مسني برجله ) ، وقالت كما في مسلم ( فوقعت يداي على بطن قدميه وهو في المسجد   وهما منصوبتان).

قالوا : فهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مس عائشة برجله فلم ينتقض وضوؤه بل مضى في صلاته فدل أن المس غير المصحوب بالشهوة أنه لا ينقض الوضوء فعلى ذلك نقيد الآية بمس الشهوة للحديث المتفق عليه ، هذا هو مذهب الحنابلة.

وذهب الشافعية - استدلالاً بالآية الكريمة –إلى أن مس المرأة ناقض للوضوء مطلقاً بشهوة أو بغير شهوة , وأجابوا عن الحديث المتفق عليه بأن هذا المس بحائل ، لكن هذا الاحتمال ضعيف ، لأن حقيقة المس أن يكون من غير حجاب ، ففي رواية النسائي : ( مسني برجله ) .

قال شيخ الإسلام – في هذا القول - : " وهذا أضعف الأقوال وليس له أصل في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم " وهذا مما تعم به البلوى – أي مجرد مس المرأة – ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في وجوب الوضوء عند مس المرأة مطلقاً منه و ليس موافقاً لأصل الشريعة فإن اللمس العاري من الشهوة لا يؤثر لا في الإحرام و لا في الاعتكاف.

ولكن القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء مع ما سيأتي من تضعيفه فإنه أقوى من القول بأنه ناقض مطلقاً .

وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه كالآجرى وهو اختيار شيخ الإسلام   و الشيخ محمد بن عثيمين رحم الله الجميع إلى أن مس المرأة لا ينقض مطلقاً لا بشهوة ولا بغيرها ، وأجابوا عن استدلالهم بالآية : بأن المس في الآية إنما هو الجماع ، فقوله تعالى : ﴿ أو لامستم النساء  أي واقعتموهن وليس المراد مطلق المس ، وهذا هو قول ابن عباس وعلي بن أبي طالب في تفسير هذه الآية وهو اختيار ابن جرير .

بينما تفسيرها على القول المتقدم هو قول ابن مسعود .

قالوا : وسياق الآية يقرر هذا – أي أنه الجماع – فإن الله عز وجل ذكر الوضوء في قوله : ﴿  يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ إلى أن قال :﴿  وإن كنتم جنباً فاطهروا فذكر الطهارتين طهارة الوضوء وطهارة الغسل ، ثم قال – سبحانه – :﴿  وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً ﴾ وهذا التيمم بدل عن الطهارتين ، عن طهارة الغسل وطهارة الوضوء وذكر الله السبب الأول ، في قوله : ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ فهذا الحدث أصغر ، فإذا فسرنا قوله تعالى : ﴿  أو لامستم النساء ﴾ بالمس الموجب للوضوء فإنه يتعدد السبب لطهارة واحدة أما الطهارة الأخرى فلا يذكر لها سبب ، والأليق ببلاغة القرآن أن يذكر لكل طهارة سبباً لبيان أن التيمم بدل عن طهارة الوضوء وطهارة الغسل كما دلت على ذلك السنة .

وابن مسعود رضي الله عنه قد فسر الآية بالحدث الأصغر وهو مس المرأة الموجب للوضوء ، لأنه لم يكن يرى أن التيمم بدل عن الغسل ، وإنما كان يرى أنه بدل عن الوضوء فقط كما ذكر ذلك شيخ الإسلام.

إذن : الراجح في تفسير هذه الآية وهو أصح قولي العلماء كما قال شيخ الإسلام وهو اختيار ابن جرير وقول ابن عباس أن قوله تعالى : ﴿  أو لامستم النساء ﴾ المراد به الجماع .

والقرآن يكني عن الجماع بالمس ، كما في قوله تعالى: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾.

وكنى عنه بالمباشرة مع أن حقيقة المباشرة ما دون الجماع كما قال تعالى في سورة البقرة : ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ أي لا تجامعوهن.

وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ) قال الراوي :ما أظنها إلا أنت فضحكت. هذا الحديث قد استدل به من يرى أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً ، لأن القبلة لا تكون في الغالب إلا بشهوة من الزوج ، والحديث صححه ابن عبد البر وابن جرير ، لكن أكثر الحفاظ قد ضعفوه ، وقد ضعفوه بعلتين : العلة الأولى : أنه من حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة قالوا : ولم يسمع من عروة كما قال البخاري .

وأجيب عن ذلك : بأن حبيباً قد روى عن طبقة الصحابة كأنس بن مالك وغيره ممن هو أكبر من عروة وأقدم منه موتاً ، وقد قال ابن عبد البر : " لا شك أنه لقي عروة ".

العلة الثانية : قالوا : ليس هو عروة بن الزبير وإنما هو عروة المزني وهو مجهول لكن الجواب واضح ، فيقال : كيف يتجرأ عروة المزني وهو مجهول ليس من الثقات لذا ضعف به هذا الحديث ، كيف يتجرأ على أم المؤمنين عائشة بخلاف عروة بن الزبير فإنه ابن أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة فعائشة خالته .

فعلى ذلك الحديث إسناده صحيح ، و قد ورد من عدة طرق عن عائشة وله شواهد .

فعلى ذلك : لو سلم بتضعيف هذا السند فإن له عشرة أوجه عن عائشة ، وله شواهد ، فالحديث صحيح ، فالراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء .

ولكن : إذا كان إذا كان بشهوة فيستحب له أن يتوضأ كما قرر هذا شيخ الإسلام قياساً على الوضوء عند الغضب والشهوة من الشيطان ، فيستحب له أن يتوضأ من الشهوة كما يستحب له أن يتوضأ من الغضب .

وعلى القول بأن مس المرأة ناقض للوضوء إن كان بشهوة يتفرع منها هذه المسائل منها:

 

قوله : [ أو تمسه بها ]

إذا مست المرأة الرجل بشهوة فإن الوضوء ينتقض لأن النساء شقائق الرجال فهو ثابت للنساء فما ثبت للرجال فهو ثابت للنساء إلا أن يدل دليل على تخصيص الرجال به .

فعلى ذلك : المرأة إذا مست الرجل وقلنا : بأن مس المرأة ناقض للوضوء - كما هو مذهب الحنابلة - فإنه ينتقض وضوءها . أما إذا قلنا : بأن مس المرأة غير ناقض فكذلك إذا مست المرأة رجلاً .

 

قوله : [ ومس حلقة دبر ]

تقدم الكلام على هذا في الدرس السابق .

 

قوله : [ لا مس شعر وظفر ]

الشعر والظفر في حكم المنفصل فإذا مس من المرأة شعرها أو ظفرها بشهوة فإن الوضوء لا ينتقض بذلك.

 

قوله : [ وأمرد ]

الأمرد : هو من طَرَّ أي اخضر شاربه ولم تنبت لحيته ، فإذا مس الأمرد فإنه لا ينتقض وضوءه قالوا : لأنه ليس محلاً للشهوة .

وهذا التعليل ضعيف ، فإن الله سبحانه قد ذكر أنه من أعظم المعاصي وأن طائفة من الناس قد ابتلوا به قال تعالى : ﴿ أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم  فعلى ذلك متى أورث عنده شهوة – وقلنا: إن مس المرأة بشهوة ناقض للوضوء – فمثله كذلك مس الأمرد ، والقول بأن مس الأمرد بشهوة ناقض للوضوء هو رواية عن أحمد ورجحه الشيخ محمد بن إبراهيم ، ولكن الصحيح أن مس المرأة لا ينقض مطلقاً فكذلك مس الأمرد .

ولا شك أن مسه محرم إذا كان بشهوة وهذا بإجماع العلماء . كما أن النظر إليه بشهوة محرم أيضاً ، أما النظر بغير شهوة فإنه مباح ، و إن خشي أن يورث النظر شهوة ففيه قولان في مذهب الحنابلة :

القول الأول : إنه ليس بمحرم .

القول الثاني : إنه محرم وهو أصح واختاره شيخ الإسلام لأنه ذريعة إلى محرم ، والشريعة قد أتت بسد الذرائع .

 

قوله : [ ولا مع حائل ]

إذا كان هناك حجاب أو حائل بينه وبين المرأة لم ينتقض الوضوء بذلك.

 

قوله : [ ولا ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة ]

الملموس بدنه قالوا : لا ينتقض وضوءه بذلك ، لأن اللامس الشهوة فيه أشد ، فعلى ذلك لا يقاس الملموس بدنه باللامس أشد .

وهذا فيه نظر ، فإنها وإن سلم أنها أشد لكن الشهوة قد ثبتت ووقعت باللمس ، فالقياس الصحيح أن يقال : بأن الملموس كذلك إذا لمس وثارت شهوته باللمس فإنه بذلك ينتقض وضوءه و هو رواية عن الإمام أحمد اختارها الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب وهو أحد قولي الشافعي.

ولكن -كما تقدم -الراجح خلاف هذا كله , ولكن هذا الترجيح لبيان ضعف هذه العلة المذكورة وأنا متى قلنا بأن مس المرأة ناقض للوضوء فإن علينا ألا نفرق بين لامس وملموس .

 

قوله : [ ولو وجد منه شهوة ]

هنا ( لو ) إشارة إلى وجود خلاف و تقدم ذكره.

وينقض في المذهب مس المرأة ولو ميته لا طفلة وهي التي لها دون سبع سنين.

ولا يختص اللمس الناقض للوضوء باليد بل أي شيء منه لاقى شيئاً من بشرتها إنتقض الوضوء.

 

قوله : [ وينقض غسل ميت ]

هذا من مفردات المذهب وقال به إسحاق بن راهويه وأن من غسل ميتاً أو بعضه أي باشر غسله سواء كان بحائل أو لم يكن بحائل وهو الذي يقلبه ويباشره بالتغسيل ولو مرة فإنه ينتقض وضوءه ، بخلاف من يصب الماء فإنه لا ينتقض وضوءه .

إذن : المراد من باشر الغسل ولو كان ذلك في قميص فإن الوضوء ينتقض بذلك .

واستدلوا : بما روى البيهقي عن ابن عباس أنه سُئل: هل على من غسل ميتاً غسل :فقال : ( أنجستم ميتكم يكفي فيه الوضوء ) ، ونحوه عن ابن عمر في البيهقي .

قالوا : ولا يعلم لهما مخالف فيكون قولهم حجة.

وذهب الجمهور إلى أن غسل الميت ليس بناقض للوضوء واختاره الموفق وشيخ الإسلام .

واستدلوا : بما روى الحاكم في مستدركه بإسناد حسن وقد حسنه الحافظ ابن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس عليكم في غَسْل ميتكم غُسْل ، فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم ) .

قالوا : والأصل ثبوت الطهارة وبقاؤها ، وما ورد عن ابن عباس وابن عمر لا يتعين أن يكون للوجوب , وهذا القول هو الراجح .

و لكن يستحب أن يتوضأ لما تقدم من الآثار , قال شيخ الإسلام : " وأما الاستحباب فمتوجه ظاهر ".

ومثل ذلك الغسل من غسل الميت ، لا يجب وإنما يستحب ، وقد روى الخمسة من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من غَسْل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ ) والحديث صحيح ، وقد أعله بعض الحفاظ بالوقف لكن الحديث له طرق كثيرة حتى ذكر ابن القيم أن له أحد عشر طريقاً عن النبي صلى الله عليه وسلم , ثم قال : " وهذه الطرق تدل على أنه محفوظ " .

قال الخطابي : " ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بوجوب الغُسل من غَسل الميت , ولا بالوضوء من حمله , ويشبه أن يكون ذلك للاستحباب " وما قاله هو الذي تدل عليه آثار الصحابة ، فقد روى الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عمر قال : ( كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل) .

وروى مالك في موطإه بإسناد صحيح : أن أسماء بنت عميس لما غسلت أبا بكر سألت الصحابة وفيهم المهاجرون والأنصار هل عليَّ من غسل ؟ قالوا : لا .

وقد تقدم حديث و فيه : ( ليس عليكم في غسل ميتكم غسل , فإن ميتكم ليس بنجس ، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم ) .

إذن : لا يجب بغسل الميت الغسل ولا الوضوء ، وإنما يستحب ، فيستحب لمن غسل الميت أو أعان في غسله بالمباشرة أو التقليب أن يغتسل أو يتوضأ , ولا يجب عليه ذلك ، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم .

 

قوله : [ وأكل اللحم خاصة من الجزور ]

الجَزور بفتح الجيم : هو الذكر أو الأنثى من الإبل جمعه جُزُر ، وهذا القول هو المشهور في المذهب وأن أكل لحم الجزورينقض الوضوء ، وهو مذهب أهل الحديث وعامة الصحابة , كما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر بن سمرة قال : ( كنا نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم ) ولا يصح نسبة خلاف ذلك إلى الخلفاء الراشدين خلافاً لما ذكره النووي وغيره ، وإنما روى عنهم عدم الوضوء مما مست النار ، وذهب إلى هذا القول بعض الشافعية كالنووي والبيهقي والإمام ابن خزيمة ، ومن المالكية ابن العربي ويحيى بن يحيى ، بل قال الشافعي : ( إن صح الحديث قلت به ) .

واستدلوا : بحديثين صحيحين – صححهما أحمد وإسحاق وغيرهما - :

الحديث الأول : ما رواه مسلم في صحيحه: ( أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أأتوضأ من لحوم الغنم . قال : إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ . قال : أتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال : نعم فتوضأ من لحوم الإبل ، قال : أصلي في مرابض الغنم ؟ قال : نعم . قال : أصلي في مبارك الإبل ؟ قال : لا ) .

الحديث الثاني : ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي – والحديث تقدم تصحيح أحمد وإسحاق له قال ابن خزيمه " لم نرى خلافاً بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح" له –عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( سُئل عن الوضوء من لحوم الإبل فقال : نعم توضأوا منها ، وسُئل عن الوضوء من لحوم الغنم فقال لا تتوضأوا منها ) فهذان الحديثان يدلان على وجوب الوضوء من لحوم الإبل .

فإن قيل : أولا يحمل الأمر على الاستحباب لأنه أتى جواباً لسؤال ؟

فالجواب : أن الأصل في الأمر الوجوب ، أما كونه أتى جواباً لسؤالٍ ، فنقول  هناك قرينة في الحديث تدل على أن الأمر للوجوب ، وهي : أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( سئل عن الوضوء من لحوم الغنم فقال : ( إن شئت فتوضأ , وأن شئت فلا توضأ ) والوضوء من لحوم الغنم مستحب .

فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( توضأوا مما مست النار ) وهذا الحديث ظاهره وجوب الوضوء من لحوم الغنم ونحوه مما مست النار .

لكن ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أكل من كتف شاة ولم يتوضأ ) وهذا يدل على أن الوضوء مما مست النار من لحوم الغنم ونحوها ليس بواجب ، لذا قال جابر كما في سنن أبي داود والنسائي : ( كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ) أي عدم الإلزام به والإيجاب ، بحيث أنه كان يتوضأ ويأمر أصحابه بذلك , ثم لما لم يتوضأ- أي بالفعل - بقي استحباب ذلك كما هو اختيار شيخ الإسلام ، و المشهور في المذهب أنه لا يستحب.

و لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ ) أي هذا ليس بواجب عليك ، وأما لحوم الإبل فقال : ( نعم فتوضأ من لحوم الإبل ) ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( نعم ) كما قال ذلك في قوله : ( أصلي في مرابض الغنم ) وإنما قال : ( نعم فتوضأ من لحوم الإبل ) فأجابه , ثم أنشأ أمراً بالوضوء من لحوم الإبل .

وقد تقدم قول الشافعي : إن صح الحديث قلت به , و لم يتوقف في دلالته ، وكذلك غيره من الأئمة , و من قال بخلافه من الأئمة فإنما قال بالنسخ.

وذهب الجمهور : إلى أنه لا يجب الوضوء من لحوم الإبل .

واستدلوا : بحديث جابر قال : ( كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ) رواه أبو داود و الترمذي النسائي قالوا : ولحوم الإبل مما مست النار ، فآخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار وهي منها .

ولكن هذا ضعيف ، لأن هذا عام في لحوم الغنم والبقر وغيرها , و أما حديثنا فهو حديث خاص فيخصص به هذا العموم.

ثم إن جابراً قد حكى فعل النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم من أكله من اللحم ولم يتوضأ ، وهو لحم شاة كما تقدم , فالراجح : القول الأول و أن لحم الجزور ناقض للوضوء.

 

قوله : [ وأكل اللحم خاصة ]

قوله خاصة يعود إلى اللحم لا إلى الجزور هذا هو المشهور في المذهب وأن اللحم خاصه و هو الأحمر هو الناقض للوضوء , أما لحم الرأس والطحال والكبد وغيرها فلا ينقض الوضوء .

فاللحم وهو الأحمر من الإبل والبقر والغنم ونحوها ، والأبيض من الطير ونحوه ، وهو ما يسمى بالهبر ، فدخول اللحم في النقض لا شك فيه ، أما غير اللحم كالكبد والطحال والكرش والمصران والمرق ونحوه ففيه قولان في المذهب:

القول الأول: أنه ليس بناقض،لأن النص ورد في اللحم خاصة وأما غيره فلا يدخل فيه كما هو مقرر في اللغة وهو المذهب.

القول الثاني : ناقض للوضوء.

واستدلوا : بأن الشارع لما حرم لحم الخنزير دخل في ذلك كل أجزائه من شحم ونحوه ، كما دل على ذلك الإجماع , وإنما نص النبي صلى الله عليه وسلم على اللحم لأنه أكثره , فعلى ذلك : يكون كله ناقض ثم إنه يسقى بدم واحد ، وهذا هو القول الراجح وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي و تلميذه الشيخ محمد بن عثيمين رحمهما الله.

أما ألبان الإبل : ففيها قولان في المذهب :

القول الأول : وهو المشهور في المذهب أنها لا تنقض الوضوء واختاره الشيخ محمد بن ابراهيم وغيره.

القول الثاني : أنها تنقض ، واستدلوا بما روى ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا توضأوا من ألبان الغنم , وتوضأوا من ألبان الإبل ) لكن الحديث إسناده ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وأما أهل القول الأول : فقالوا : إنما نص النبي صلى الله عليه وسلم على اللحم وأما اللبن فليس في معناه ، ونحن نقول في معناه الكبد ونحوه , أما اللبن فليس في معناه .

و لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر العرنيين أن يشربوا من ألبان الإبل لم يأمرهم أن يتوضأوا منها ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة .

وهذا القول هو الراجح.

وهل يقاس على الإبل غيرها أم لا ؟

هذا ينبني على العلة ، فما هي العلة من نقض الوضوء بأكل لحم الإبل؟

المشهور في المذهب أنها تعبديه بمعنى : لا يدرى ما هي.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن العلة :هي  أن أكل لحم الإبل يورث قوة شيطانية غضبية ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – كما في مسند أحمد وسنن أبي داود – والحديث لا بأس به : ( إن الغضب من الشيطان ، وإن الشيطان خلق من نار , وإنما تطفأ النار بالماء , فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ) فقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء من الغضب ، و لحم الإبل يورث قوة شيطانية , لأنها خلقت من شياطين ، فقد ثبت في المسند وأبي داود والترمذي والحديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين ) أي خلقت من الجنس الذي خلقت منه الشياطين وهو النار كما قرر هذا ابن قتيبة رحمه الله.

وهو ثابت مصرح به كما في سنن ابن ماجة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنها خلقت من شياطين ) فعلى ذلك أمر الشارع بالوضوء من لحمها لأنها تورث قوة شيطانية , فمن توضأ من لحومها أندفع عنه ما يصيب المدمن لأكلها من غير وضوء كالأعراب من الحقد وقسوة القلب ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال ( إن الغلظة وقسوة القلب في الفدَّادين أصحاب الإبل وإن السكينة في أهل الغنم ) .

وعلى ذلك يقاس عليها ما كان فيه هذا الوصف كالسباع ونحوها ، كما قال شيخ الإسلام ، فما كان فيه هذه القوة الشيطانية كما يكون في السباع ونحوها فإنه يقاس عليها في هذا الحكم ، فمن أكله مضطراً فإنه يجب عليه الوضوء قال شيخ الإسلام " والخبائث التي أبيحت للضرورة كلحوم السباع أبلغ في الشيطنة من لحوم الإبل فالوضوء منها أولى.

 

قوله : [ وكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت ]

هذه قاعدة ؛ فكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً كالحيض والنفاس وخروج المني لأنه لما أوجب الطهارة الكبرى فيلزم من ذلك أن يُوجب الطهارة  الصغرى فعلى ذلك : إذا أرادت المرأة أن تغتسل من الحيض مثلاً ، فلا يكفي للصلاة أن تنوي رفع الحدث الأكبر و هو الحيض ، بل يجب عليها أن تنوي رفع الحدث الأصغر.

ومثلاً : رجل دخل في الإسلام ، فاغتسل ولم ينو رفع الحدث الأصغر ، فلا تحل له الصلاة .

ولو أن جنباً اغتسل بنية رفع الحدث الأكبر ولم ينو رفع الحدث الأصغر فإنه لا يحل له أن يصلي بهذا الغسل والقاعدة عندهم : أن كل ما أوجب غسلاً فإنه يوجب وضوءاً ومن ذلك الردة , فهي عندهم من نواقض الوضوء , واستدلوا بقوله تعالى :﴿  لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾  

وجمهور أهل العلم على أن من ارتد عن الإسلام ثم عاد إليه فإنه لا ينتقض وضوءه بذلك ، لأن الوضوء عمل ، والعمل لا يحبط إلا بالموت على الكفر كما قال تعالى :﴿  ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم  فالأعمال الصالحة لا تحبط إلا بالموت على الكفر.

فإذا حج ثم ارتد ، ثم عاد فإن حجه يجزئ عنه وهذا القيد نقيد به الآية المتقدمة : ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  وهذا القول هو الراجح فالردة لا تبطل الوضوء فلو أن رجلاً تلفظ بلفظ يكفر به ثم استتيب فتاب وهو متوضئ قبل ذلك فوضوءه لا ينتقض بذلك .

فالقاعدة : عند الحنابلة أن كل ما يوجب غسلاً فإنه يوجب وضوءاً إلا الموت ، فإنه يوجب الغسل أما الوضوء فلا ، و ذلك لأن غسل الميت ليس عن رفع حدث ، فليس عليه حدث.

والراجح أن الوضوء لا يجب ، فإن من وجب عليه الغسل فلا يجب عليه الوضوء ، ذلك : لأن الله قال : ﴿  وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ أي الطهارة الكبرى ، ولم يأمرنا بالوضوء ولم يثبت دليل صحيح يوجب ذلك .

فعلى ذلك : الصحيح أن من اغتسل من الجنابة مثلاً فإن الحدث الأصغر يرتفع وإن لم ينوه لأن الحدث الأصغر داخل في الحدث الأكبر فإذا ارتفع الحدث الأكبر فقد ارتفع الحدث الأصغر – هذا من حيث المعنى – وأما من حيث الدليل : فإن الشارع لم يوجب الوضوء على من وجب عليه الغسل ، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل صحيح.

 

قوله : [ ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس بني على اليقين]

فإذا تيقن إنه على وضوء ثم شك هل انتقض وضوءه أم لا ؟ إذن الوضوء متيقن منه ، والحدث مشكوك فيه أو العكس بأن يتيقن الحدث ثم شك هل توضأ أم لم يتوضأ ؟ فهنا الحدث متيقن ، والوضوء مشكوك فيه ومثل ذلك في الغسل .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) وهذا دليل على القاعدة المشهورة عند أهل العلم وهي : " أن اليقين لا يزول بالشك ".

إذن : يبني على اليقين فإذا كان المتيقن أنه متوضئ ، والمشكوك فيه أنه محدث فهو متوضئ وإن كان العكس فهو محدث .

 

قوله : [ فإن تيقنهما وجهل السابق فهو بضد حاله قبلهما ]

        أي تيقن أنه توضأ وتيقن أنه أحدث ، ولكن جهل السابق منهما ، لأنه إذا علم السابق من المتأخر فلا إشكال ، فإذا علم أن الحدث هو المتأخر فهو محدث وإن علم أن الوضوء هو المتأخر فهو متوضئ ولكنه قد جهل السابق ، فلا يدري أيهما السابق وهنا قد علم حاله قبلهما .

مثال : رجل صلى الفجر ثم جلس يذكر الله وهو على طهارة ثم بعد طلوع الشمس تيقن حدثاً وتيقن وضوءاً فما الحكم ؟

قالوا : بضد حاله قبلهما بمعنى : فقد تعارضا فتساقطا ، فما هي حالك قبل ذلك ؟ فإن كان متوضئاً فهو بضد ذلك ، فيكون في حكم المحدث ، ويجب عليه الوضوء لأن هذه الحال قد تيقن زوالها لأنه قد طرأ عليها حدث أو العكس فإن كان قبلهما محدثاً فيكون متطهراً لأن هذه الحال السابقة قد تيقن زوالها .

إذن : المشهور في المذهب أنه إذا تيقن الطهارة وتيقن الحدث وجهل السابق وله حال سابقة من وضوء أو حدث فيكون حكمه بضد ذلك.

وذهب بعض الحنابلة إلى أنه يجب عليه الوضوء .

وهذا هو الراجح ، لأن الصلاة لابد لها من وضوء متيقن أو وضوء مستصحب بمعنى : طرأ عليه شك قد عارض الأصل فلم يؤثر فيه .

وهنا ليس عندنا لا تيقن ولا استصحاب حال– وهذا القول هو الراجح وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ) متفق عليه .

 

قوله : [ ويحرم على المحدث مس المصحف والصلاة والطواف ]

قوله : " على المحدث " أي حدثاً أصغر.

قوله : " مس المصحف " : المصحف يصح بفتح الميم وكسرها وضمها.

والمصحف يصدق على الورق التي كتبت عليها الآيات القرآنية ، ويصدق على الحواشي ، وهي ما يكون أعلى الصفحة وأسفلها ويمينها وشمالها ، ويصدق على الغلاف الذي يتصل به ، فكل ذلك مصحف يحرم على المحدث أن يمسه .

ودليل ذلك ما رواه النسائي والترمذي من حديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وأن لا يمس القرآن إلا طاهر ) .

قال الشافعي : " ثبت عندهم – أي أهل الحديث – أنه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم " وقال الإمام أحمد : " لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه " .

والحديث قد تلقته الأمة بالقبول مما يغني عن النظر في إسناده ومع ذلك فإن هذه القطعة ثبت لها شاهدان شاهد رواه الدارقطني من حديث ابن عمر وشاهد آخر عند الطبراني في الكبير من حديث عثمان بن أبي العاص .

فهذه القطعة صحيحة ثابتة.

وقوله : ( طاهر ) لفظ مشترك يحتمل عدة معانٍ فيحتمل أن يكون المعنى ( إلا طاهر ) أي : ( إلا مؤمن) لذا ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ) .

ويحتمل أن يكون المعنى : أن لا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأكبر لقوله تعالى : ﴿  وإن كنتم جنباً فاطهروا  ويحتمل أن يكون المعنى : لا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأصغر , ودليل تسمية المتطهر من الحدث الأصغر طاهراً قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإني أدخلتهما طاهرتين ) ، فمن تطهر من الحدث الأصغر فهو طاهر ، ومن تطهر من الحدث الأكبر فهو طاهر ، ومن تطهر من الشرك والكفر فهو طاهر .

و لما كان المصحف لا يقرأه غالباً إلا المؤمنون و كانت طهارة الإيمان معنوية و لم يكن من عادة النبي e أن يصف المؤمن بالطاهر لأن وصفه بالإيمان أبلغ كان ذلك قرينة في حمل المشترك على أحد معانيه و هو الطهارة من الحدث الأصغر.

وهذا المذهب هو مذهب جماهير الفقهاء ، وهو مذهب سعد بن أبي وقاص كما في الموطأ بإسناد صحيح وحكاه شيخ الإسلام عن سلمان الفارسي وعن ابن عمر , وقال الموفق : " ولا نعلم لهم مخالفاً ".

فإذن : هو مذهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  وقد حكاه ابن هبيرة في الإفصاح إجماعاً .

وخالفت الظاهرية : فقالوا يجوز أن يمس القرآن وإن كان محدثاً .

واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم :( كتب رسالته إلى هرقل وفيها : ( بسم الله من محمد عبد الله إلى هرقل عظيم الروم – الرسالة – وفيها آية ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء﴾).

قالوا : وقد وقعت في أيدي الكفار ووقوعها في أيديهم أعظم من وقوع المصاحف في أيدي المحدثين من المؤمنين ولكن هذا الاستدلال ضعيف ، ذلك لأن هذه الرسالة ليست بمصحف بل هي كتاب كتب فيه آيات من القرآن .

لذا قال الفقهاء إذا كانت الكتب كتب تفسير أو كتب فقه أو غيرها و فيها آيات قرآنية فإنه لا يجب على من أراد أن يمسها أن يتوضأ ، بل للمسلم أن يمس كتب التفسير وهو محدث حدثاً أصغر ، مع كونها متضمنة للقرآن كله لأنها ليست بمصحف ولا يطلق عليها قرآن .

لكن إذا كانت التفاسير كهيئة المصحف تماماً ، كما يوجد في مثل تفسير الجلالين بأن يكون كهيئة المصحف إلا أن الحواشي قد ذكر فيها بعض التفسير فهذا في حكم المصحف.

واعلم أن المس يصدق على أي موضع من مواضع البدن ، لأن المس يصدق على كل مباشرة من غير حائل فكل شيء لاقى شيئاً فقد مسه.

أما حمله في كيس ونحوه فلا بأس به لأنه غير ماس له.

وله تصفح المصحف بكمه أو بعود و نحوه.

قال الشيخ محمد بن إبراهيم : ترجمة المصحف لغير العربية لا يثبت لها أحكام المصحف من الحرمه وكذلك ما يكتب للمكفوفين أ.هـ.

وتجوز كتابة المحدث للقرآن من غير مس لأن النهي ورد عن مسه.

وهل يؤذن للصبيان أن يمسوا المصاحف بلا وضوء كما يكون هذا في الكتاتيب وغيرها ؟

قولان لأهل العلم:

فالمشهور في مذهب الحنابلة : أنه لا يجوز لهم مسه إلا بوضوء .

وذهب المالكية وهو وجه عند الحنابلة إلى أنه يجوز لهم ذلك .

والقول الثاني : هو الراجح لأنهم غير مكلفين ثم إن في تكليفهم بذلك مشقة وحرجاً ، فلما كان الأمر كذلك لم يشترط أن يتوضأوا , ولكن ينبغي على الولي أو المعلم أن يرشدهم إلى الوضوء لمس المصحف.

 

قوله : [ والصلاة ]

فالصلاة تحرم على المحدث وهذا بالإجماع ، قال e : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) متفق عليه ، وفي مسلم : ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور )

فإن فعل فإنه قد فعل معصية من المعاصي وارتكب خطيئة لا يكفر بها خلافاً لأبي حنيفة لعدم الدليل الدال على تكفيره لكن إن فعل ذلك مستهزئا بالصلاة أو مستحلاً لهذا الفعل المحرم ، فهو كافر لإجماع العلماء على شرطية ذلك .

 

قوله : [ والطواف ]

أي يشترط للطواف بالبيت أن يتوضأ ، وهذا مذهب جمهور الفقهاء .

واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لما قدم مكة كان أول ما بدأ به أن توضأ ثم طاف بالبيت ) و قد قال صلى الله عليه وسلم : ( لتأخذوا عني مناسككم )

قالوا : فقد فعله وقال : ( لتأخذوا عني مناسككم ) واستدلوا : بما رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الطواف في البيت صلاة إلا أن الله قد أحل به النطق فمن نطق فلينطق بخير ) وفي رواية : ( فأقلوا فيه الكلام ).

قالوا : وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الطواف بالبيت صلاة ) ومن شروط الصلاة الطهارة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( مفتاح الصلاة الطهور )

وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، وهو مذهب طائفة من السلف أن الوضوء ليس بشرط للطواف ، قالوا : لأن الله لم يوجب ذلك ولا رسوله ولا إجماع في هذه المسألة .

قال ابن القيم : " ولا نص ولا إجماع لاشتراط الطهارة فيه – أي في الطواف – بل قد وقع فيه النزاع قديماً وحديثاً " ، وذكر شيخ الإسلام أنه قد وقع النزاع فيه بين السلف .

قالوا : وهذا هو الأصل فإنه لا يوجب إلا ما أوجبه الله ورسوله أو ما أجمعت عليه الأمة .

قالوا : والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر الناس بالوضوء في حجته ولا في عمره وما ذكرتموه من الأدلة فإنها لا تدل على المطلوب وهو فرضية الوضوء ، وإنما تدل على مجرد استحبابه فإن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قبل طوافه فعل والفعل لا يدل على الوجوب ، وأما استدلاهم بقوله : ( لتأخذوا عني مناسككم ) فإنكم لم تستدلوا بهذا الدليل على مسائل هي أعظم من الوضوء ، فإن المسائل المتصلة بالطواف نفسه كالاضطباع والرمل ونحو ذلك من مسائل الطواف ، هذه مسائل متصلة بالطواف نفسه ومع ذلك لم توجبوها ، بل جعلتموها من السنن والمستحبات باتفاقكم فأولى منها ماهو خارج عنه وهو الوضوء وغاية الأمر أن يدل ذلك على استحباب الوضوء .

وأما الحديث : فإنه لا يصح الاستدلال به على هذا المطلوب بدليل : أن هذا الحديث قد ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد أحل فيه النطق وغالب مسائل الصلاة لا تثبت للطواف كالنهي عن الأكل والشرب والحركة الكثيرة والالتفات الكثير ونحو ذلك مما حرم في الصلاة بالإجماع وهو جائز في الطواف بالإجماع ولو كان صلاة لافتتح بالتكبير واختتم بالتسليم ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ) وليس في الطواف بالاتفاق تكبير مفترض ولا تسليم مطلقاً .

فإذن : قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الطواف بالبيت صلاة ) ليس مراده أنه صلاة له أحكام الصلاة ، وإنما المراد أنه عبادة يتقرب بها إلى الله ، وهي عبادة متصلة بالبيت كاتصال الصلاة وأنه يكره فيها العبث وينبغي أن يكون فيها على سكينة و وقار.

فيكون نظير قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه ) فإن الرجل الذي ينتظر الصلاة قد نص الشارع أنه في صلاة مع أنه ليس في الصلاة حقيقة لكنه في عبادة هي انتظار للصلاة ومع ذلك بالإجماع لا يجب عليه ما يجب على المصلي وكذلك إذا غدا إلى المسجد أو راح فإنه في صلاة كما ثبت في أبي داود.

ثم إن حديث : ( الطواف بالبيت صلاة ) الصواب وقفه على ابن عباس قال شيخ الإسلام " و أهل المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفاً ويجعلونه من كلام ابن عباس ,لا يثبتون رفعه " اهـ فالراجح أن الطواف بالبيت لا يشترط فيه الوضوء و إنما يستحب له وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.

 




حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net