المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الصلاة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الصلاة
باب صفة الصلاة
 

 

صفة الصلاة

 

أي كيفيتها الواردة عن النبي e ويدخل في هذا الصفة المجزئة والصفة المستحبة .

والأصل في هذا الباب ما ثبت في البخاري من حديث مالك ابن الحويرث وفيه – أن النبي e قال : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) .

ويستحب أن يمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار. لما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينةُ والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) .

والسكينة  : هي التأني بالحركات واجتناب العبث .

والوقار : هو السمت الحسن من غض الطرف وخفض الصوت ، وعدم الالتفات ، وأكد ذلك بقوله : ( ولا تُسرعوا ) فيكره الإسراع إلى الصلاة ، وإن كان ذلك ليدرك تكبيرة الإحرام أو الركعة أو الجماعة .

فهذا الحديث عام .

قال الإمام أحمد إن طمع بإدراك تكبيرة أولى فلا بأس بإسراعه ما لم تكن عجلة تقبح .

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا بأس بالإسراع إذا كان لإدراك الركعة .

وذهب بعضهم إلى أنه لا بأس بالإسراع لخوف فوت جماعة .

والصحيح أنه يُكره مطلقاً وحكاه ابن عبدالبر عن الجمهور ، لعموم الحديث وفي رواية مسلم أن النبي e  قال : ( فإن أحدكم إذا كان يعمِد إلى الصلاة فهو في صلاة ) فدل ذلك على أن المشي إلى المساجد صلاة .

 

قال : [ يسن القيام عند " قد " من إقامتها ]

أي عند قوله : ( قد قامت الصلاة ) كما صرح بذلك صاحب المغني وغيره – وهذا إذا كان الإمام في المسجد يراه المأمومون .

هذا هو المشهور في المذهب – قالوا : لأن قوله : ( قد قامت الصلاة ) خبر بمعنى الأمر ، أي قوموا إليها ، وهو مروي عن ابن عمر كما في مصنف عبدالرزاق ، وعن أنس كما عند ابن المنذر .

والقول الثاني : أنه يُشرع القيام إذا فرغ المقيم من الإقامة وهو مذهب الشافعية .

والقول الثالث : وهو مروي عن طائفة من التابعين كعمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله بن عمر والزهري أنه يُشرع القيام عند أول شروع المقيم بالإقامة .

والباب فيها واسع ، والأولى أن يقوم عن أول الشروع بالإقامة وذلك .

لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: ( كانت الصلاة تقام لرسول الله e فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي e مقامه ) والنبي e كان يأمرهم بعد الإقامة أن يستووا ويعتدلوا ، كما وردت الأحاديث في هذا ومعلوم أنهم لو قاموا عند قوله : ( قد قامت الصلاة ) أو بعد انتهاء الإقامة لما كان ذلك كافياً لأن يسووا صفوفهم قبل أن يقوم النبي e

وفي صحيح البخاري عن أنس قال : أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله e بوجهه فقال : ( أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري ) فكان النبي e يأمرهم بتسوية الصفوف بعد الإقامة ، وفي الحديث السابق كانوا يقومون ويسوون الصفوف قبل أن يقوم النبي e مقامه فيبعد أن يكون قيامهم عند الفراغ أو عند قوله ( قد قامت الصلاة ) .

ويقوي هذا : ما رواه عبدالرزاق في في مصنفه إلى الزهري بسند صحيح قال : ( كان الناس ساعة يقول المؤذن ( الله أكبر ، الله أكبر ) يقيم الصلاة يقومون فيأتي النبي e ثم تعدل الصفوف ) .

ويقويه : أن المعنى الذي ذكره الحنابلة في لفظة ( قد قامت الصلاة ) ثابت في الإقامة كلها ، نعم لفظة ( قد قامت الصلاة ) صريحة في الإقامة لكن ألفاظها كلها إنما شرعت ليقوم الناس إلى الصلاة ولذا تسمى إقامة .

فإن لم يكن الإمام في المسجد فلا يستحب القيام حتى يروه لما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني ) .

 

قال : [ وتسوية الصفوف ]

أي تُسن تسوية الصفوف وتسوية الصف بمحاذاة المناكب والأكعب لا بالأطراف والأصابع .

لحديث أنس المتقدم :أن النبي e أقبل عليهم بوجهه فقال:( أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري ) قال أنس : فكان الرجل أي من أصحاب النبي e : ( يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه) فهذا الفعل من أصحاب النبي e والنبي يراهم : ( فإني أراكم من وراء ظهري ) .

وفي مسند أحمد وسنن أبي داود – وأصله في الصحيحين – من حديث النعمان بن بشير : أن النبي e أقبل على الناس بوجهه فقال : ( أقيموا صفوفكم ثلاثاً والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم ) قال : فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه ، وكعبه بكعبه ) وقول أنس : ( وقدمه بقدمه ) أي كعبه بكعبه كما في حديث النعمان .

وهذا ظاهر في أول الصلاة وأن المشروع للمصلين أن يتراصوا في الصف بأن يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبته وكعبه بكعبه – لتحقيق تسوية الصفوف ويدل على ذلك أن الذي أمروا به إنما هو التسوية فكانوا يفعلون ذلك لتحقيقها ، والنبي صلى الله عليه سلم لم يأمرهم بهذا وإنما كانوا يفعلون ذلك لتحقيق التسوية وكان يراهم عليه الصلاة والسلام ويقرهم ، لذا الظاهر أن هذا الفعل يكون عند التسوية فإن حصلت عادت الرجل إلى موضعها المعتاد .

ومعلوم أن فعل ذلك في كل ركعة من ركعات الصلاة فيه مشقة وثقل .

وظاهر قوله ( وتسوية الصفوف ) أن ذلك مسنون وهذا مذهب جمهور العلماء وحكى إجماعاً ، ويحمل الإجماع على مشروعية لا نفي وجوبه .

وذهب شيخ الإسلام ووجَّه ذلك صاحب الفروع وهو مذهب الظاهرية ومذهب الإمام البخاري أن ذلك واجب والأدلة دالة على ذلك .

فقد ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) أي ليلقين الله في قلوبكم العداوة والبغضاء ومثل هذا لا يقال إلا فيما كان محرماً ، وكما في الرواية المتقدمة في أبي داود : ( أو ليخالفن الله بين قلوبكم ) فهذا يدل على أن تسوية الصفوف واجبة إذا لا ترتب هذه العقوبة إلا على ترك واجب .

وقد ذهب الظاهرية إلى وجوب : أن ترصَّ الصفوف بعضها إلى بعض ولا يكون بين الصفوف مسافة تزيد على ما يحتاج إليه المصلي لإقامة ركوعه وسجوده .

يدل على ذلك : ما ثبت في أبي داود أن النبي e قال : ( رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحَذف ) وهي صغار المعز .

ففيه الأمر بأن تقارب الصفوف بعضها إلى بعض لقوله : ( وقاربوا ) وذلك – وما يكفي المصلي لركوعه وسجوده بنحو ثلاثة أذرع .

والأشبه الأخذ بمذهب الجمهور ، إلا أن تكون من المساجد التي يزدحم فيها المصلون بحيث تضيق على الناس أسواقهم وطرقهم فتجب مقاربة الصفوف

وقد وردت أحاديث تدل على وجوب تسوية الصفوف .

فمن ذلك : ما ثبت في أبي داود أن النبي e قال :   ( أقيموا صفوفكم وحاذوا بين الأعناق وسددوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم " أي لتسوية الصفوف " ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله )

وقوله ( قطعه الله ) وهذه عقوبة ولا تكون إلا على ترك واجب .

وقد كان النبي e يبالغ في تسوية الصفوف حتى كان يقومها كالقِدْح . كما ثبت هذا في أبي داود عن النعمان بن بشير قال : ( كان النبي e يسوينا في الصفوف كما يُقَوَّم القِدْح ) وهو خشبة الرمح أي كما تنحت خشبة الرمح وتُسوى وتُقَوَّم بحيث تكون في غاية الاعتدال لا اعوجاج فيها ولا ميل .

وثبت في سنن أبي داود البراء بن عازب رضي الله عنه بإسناد صحيح قال : ( كان النبي e يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورَنا ومناكبنا ويقول لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وكان يقول " إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول ) ورواه النسائي بلفظ ( الصفوف المتقدمة ) .

مسائل في تسوية الصفوف :

منها : أن أفضل الصفوف الصفوف المتقدمة ، وخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ، وشر صفوف النساء أولها وأفضلها آخرها ثبت في مسلم أن النبي e قال : ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربهم فقال : يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف ) .

ولما ثبت في صحيح مسلم عن النبي e قال : ( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ) وذلك للقرب من الرجال . فالأفضل الصفوف المقدمة للرجال والمتأخرة للنساء .

والأفضل الصفوف التي تقع في ميمنة المسجد لما ثبت في مسلم وسنن أبي داود والنسائي وغيرهما عن البراء قال : ( كنا إذا صلينا خلف رسول الله e أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه فسمعته يقول:( ربِّ قني عذابك يوم تبعث عبادك ) ) .

وأما ما رواه أبو داود وابن ماجه أن النبي e قال : ( إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف ) فالحديث وإن كان إسناده حسن لكنه شاذ ، وقد رواه الثقات كما في المسند وسنن ابن ماجه عن النبي e أنه قال : ( إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف ) هذا هو اللفظ المحفوظ كما قرر هذا البيهقي وغيره : وأما لفظة ( على ميامن الصفوف) فهي خطأ من بعض الرواة ، فعلى ذلك الحديث ضعيف .

وأما ما ورد في ابن ماجه أن النبي e قال : ( من عَمَّر ميسرة المسجد كان له كفلان من الأجر ) فالحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف فلا يثبت . فميمنة المسجد أفضل من ميسرته .

ولكن هل من بَعُدَ وهو عن يمين الصف أفضل ممن قَرُب وهو عن يساره ؟

قال صاحب الفروع : " ويتوجه احتمال أن بُعْدَ يمينه ليس بأفضل من قُرْب يساره قال : ولعله مرادهم " أي مراد الحنابلة أي : لقرب من الإمام . ولكن من كان وراء الإمام وإن كان في ميسرة المسجد فهو أفضل ممن كان بعيداً في الميمنة لقوله e : ( ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ) رواه مسلم .

وأما إن لم يكن ممن يلي الإمام فالأظهر التساوي ، فهذا قد فَضُل بالقرب وهذا قد فَضُل بالميمنة ، فلكل منهما فضيلته فحينئذ : لا يُجْزَم بتفضيل أحدهما على الآخر .

والمسألة الثانية : صفة إقبال الإمام على المأمومين لتسوية الصفوف ؟

ظاهر الأحاديث الصحيحة أنه يقبل عليهم بوجهه فمن ذلك ما تقدم من حديث أنس قال : ( أقيمت الصلاة فأقبل علينا e بوجهه ) رواه البخاري وما تقدم من حديث النعمان بن بشير في أبي داود وفيه : ( أقبل علينا النبي e بوجهه ) .

وأما ما رواه أبو داود : أن النبي e : ( أخذ عن يمينه فقال : ( سووا صفوفكم واعتدلوا ثم أخذ عن يساره فقال : سووا صفوفكم واعتدلوا ) فهو حديث ضعيف فيه مصعب بن ثابت الزبيري وهو ضعيف ، فعلى ذلك الأظهر أنه يقبل على الناس بوجهه .

مسألة :

هل يشرع أن يكون الإمام وسط المأمومين ؟

الحديث الوارد في هذا : ( وسطوا الإمام وسدوا الخلل ) رواه أبو داود حديث ضعيف فيه مجهولان .

فعلى ذلك لا يقال بمشروعية هذا ، ولم يثبت عن النبي e ولا عن أحد من أصحابه .

وينبغي أن يكون الإمام متوسطاً في المسجد كما هي محاريب المسلمين ، وقد تناقله المسلمون خلفاً عن سلف

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

( باب )

صفة الصلاة

 

 

قال : [ ويقول : الله أكبر ]

أي الله أكبر من كل شيء في ذاته من الأسماء والصفات . وهي تحريمة الصلاة كما ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح أن النبي e قال : ( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ) ويُسمى التكبير تحريماً لأنه يمنع المصلي من الكلام والأكل وغيرهما ، ولا تصح الصلاة إلا بنطق بها باتفاق العلماء . ولا يشترط على الصحيح أن يسمع نفسه فيكفي الإتيان بالحروف واختاره شيخ الإسلام وهو وجه في المذهب

والمشهور في المذهب : أنه يشترط أن يسمع نفسه .

فإن تركها ناسياً أو ساهياً لم تصح صلاته

ولا تصح التحريمة إلابقول " الله أكبر " فإن قال : " الله الأكبر " أو " الله أجل " أو " أعظم " أو غير ذلك من الألفاظ لم تصح ، فلم يثبت عن النبي e أنه افتتح صلاته بغير هذه الجملة " الله أكبر " وقد قال e : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) رواه البخاري

وفي الصحيحين في حديث المسيء صلاته أن النبي e قال له : ( إذا قمت إلى الصلاة فستقبل القبلة وكبر )

وفي أبي داود والنسائي من حديث المسيء صلاته : ( إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الضوء كما أمر الله ) الحديث وفيه : ( ثم يكبر الله عز وجل )

ولا تصح في الفريضة إلا مع القيام باتفاق العلماء فإن قالها قاعداً أو راكعاً وهو غير عاجز عن القيام لم تجزئه .

قال : [ رافعاً يديه حذو منكبيه ]

السنة أن يرفع يديه مع تكبيرة الإحرام حذو منكبيه أو حذو فروع أذنيه .

الصفة الأولى : أن يرفع يديه حذو منكبيه أي حتى يحاذي بكفيه منكبيه .

وما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال : ( كان النبي e يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع ولا يفعل ذلك في السجود ) .

والصفة الثانية : أن يرفع يديه إلى حذو الأذنين أو فروع الأذنين .

ودليله ما ثبت في مسلم عن مالك بن الحويرث قال : ( كان النبي e يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه ) وفي رواية : ( حذو أذنيه ) وفي رواية ( حذو فروع أذنيه ) أي شحمتي أذنيه فيرفع يديه حذو أذنيه أو فروعهما ، والأمر واسع .

وجمع بعض العلماء من المالكية بين هاتين الصفتين ، فقالوا : يجعل بطن كفيه حذو المنكبين وأطراف الأصابع حذو فروع الأذنين .

ويدل عليه ما رواه أبو داود من حديث عبد الجبار بن وائل عن وائل بن حجر : ( أنه أبصر النبي e حين قام إلى الصلاة رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه وحاذى بإبهاميه أذنيه ثم كبر ) لكن الحديث منقطع لأن عبد الجبار بن وائل لم يدرك أباه .

والأظهر أنهما صفتان . فيستحب أن يفعل هذه تارة وهذه تارة أخرى .

والمشهور في المذهب : أن ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاءه مع انتهائه .

ودليل ذلك : ما ثبت في أبي داود من حديث وائل بن حجر أنه : (رأى النبي e يرفع يديه مع التكبيرة ) وقد وجاء في السنة صفتان أيضاً .

الأولى : أن يرفع يديه ثم يكبر ، ثم يحطهما بعد انتهائه من التكبير .

لما ثبت في مسلم من حديث ابن عمر قال: ( كان رسول الله e إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم كبر ) ونحوه من حديث أبي حميد الساعدي في أبي داود والترمذي وغيرهما .

وفي سنن أبي داود من حديث ابن عمر : ( ثم كبر وهما كذلك ) أي وهما مرفوعتان .

لحديث مالك بن الحويرث – في مسلم – :  ( أنه رأى النبي e صلى فرفع يديه ثم كبر ) .

والصفة الثانية : أن يكبر قبل رفع اليدين ، فإذا كبر رفع يديه .

وهي في مسلم من حديث مالك بن الحويرث أن النبي e : ( كبر ثم رفع يديه )

قال الحافظ لم أر أحداً من أهل العلم قال بها .

والمشهور في المذهب – أنه إذا كبر وانتهى من التكبير ولم يرفع يديه فإن السنة قد فات محلها .

والصحيح العمل بهذه الصفة لورودها عن النبي صلى الله عليه وسلم .

فإن لم يستطع أن يرفعهما حذو منكبيه رفعهما بقدر استطاعته ، وإن لم يستطع أن يرفع يديه كلتيهما رفع يده الصحيحة منهما قال e : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) .

وإذا كان ساتراً يديه بثوب ونحوه من برد وغيره مما يحتاج فيه إلى تغطية اليدين فإنه يرفعهما بثوبه بقدر استطاعته .

لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث وائل بن حجر أنه قال : (أتيت النبي e في الشتاء فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة )  وهذا هو المشهور في المذهب .

ومن لم يقدر على رفع يديه إلا بزيادة على أذنيه رفعهما لأنه يأتي بالسنة وزيادة لا يمكنه تركها وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

 

قال : [ مضمومتي الأصابع ممدودة ]

المد : ضد القبض ، والقبض : ضم الأصابع إلى الراحة ، والمد : فتحهما .

فقد ثبت عند الخمسة إلا ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي e : ( كان إذا قام في الصلاة رفع يديه مداً ) .

ورواه الترمذي – من حديث يحيى ابن اليمان وهو ضعيف وتفرد به عن الثقات بلفظ : ( أن النبي e كان إذا كبر للصلاة نشر أصابعه ) أي فرقها .

لكن الحديث ضعيف لضعف يحيى ولكونه خالف الثقات .

وهنا قال : ( مضمومة الأصابع )

أي يضم بعضها إلى بعض .

والمشهور عند الشافعية : أنه يفرقها وهو رواية عن الإمام أحمد ، واستدلوا بحديث أبي هريرة الذي تقدم تضعيفه .

وذهب الأحناف إلى أنه لا يتكلف ذلك – وهذا هو الراجح وأنه لا يتكلف ضماً ولا تفريقاً بل يدعها على طبيعتها من غير ضم ولا تفريق .

وأما المد وهو ألا يضم أصابعه إلى الراحة فهو مستحب لما تقدم .

قال : ( كالسجود )

فالسجود يستحب فيه أن يضم أصابعه ويجعلهما ممدودة  وأن تكونا حذو منكبيه وسيأتي الكلام على هذا في مسائل السجود إن شاء الله تعالى .

 

قال : [ ويسمع الإمام من خلفه ]

استحباباً ليتمكن المأموم من متابعته ، فيسمع الإمام من خلفه فيرفع صوته بالتكبير .

لما ثبت في مسند أحمد أن النبي e : ( كان  يرفع صوته بالتكبير حتى يسمع من خلفه ) والحديث صحيح، وقد قال e : ( صلوا كما رأيتموني أصلي )

واختار شيخنا الشيخ محمد أنه يجب على الإمام أن يكبر تكبيراً مسموعاً يسمعه من خلفه ، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، ولأنه لا يتم غقتداء المأمومين بالإمام إلا بسماع التكبير .

فإن كان الإمام لا يسمع من خلفه فيبلغ عنه كما في مسلم قال جابر رضي الله عنه : ( صلى بنا النبي e وأبو بكر خلفه فإذا كبر النبي e كبر أبو بكر ليسمعنا ) فهذا يدل على مشروعية التبليغ عند الحاجة إليه

أما إن لم تكن هناك حاجة فإنه ليس بمستحب باتفاق المسلمين كما قال شيخ الإسلام .

بل قد نص الحنابلة على أنه مكروه .

 

قال : [ كقراءته في أولتى غير الظهرين ]

أي كما يرفع صوته في الركعتين الأولين من غير الظهرين أي الظهر والعصر فهذا من باب التغليب كما يقال ( الفجران والقمران ) ويسمع الإمام من خلفه التكبير كما يسمعهم القراءة في الركعتين الأولين من صلاة المغرب والعشاء ومن صلاة الفجر ،

 ورفع الصوت بالقراءة مشروع للإمام بالإجماع في الركعتين الأوليين من غير الظهر والعصر .

قال : [ وغيره نفسه ]

أي غير الإمام ـ وهو المأموم والمنفرد ـ يسمع نفسه فيجب على من كان مأموماً أو منفرداً أن يسمع نفسه .

والمراد هنا : ما لم يكن هناك عارض يمنع من السماع فإن كان هناك عارض كأن تكون هناك أصوات مزعجة أو يكون سمعه ضعيفاً فإنه يتلفظ بالقراءة والتكبير بحيث يسمع نفسه لو لم يكن عارض يمنع السماع .

واختار شيخ الإسلام وهو مذهب المالكية ومذهب بعض الأحناف وهو وجه عند الحنابلة ـ كما قال شيخ الإسلام  أنه يكفي النطق بالحروف .

فالقول يثبت بنطق الحروف ، وليس من شرط ذلك أن يسمع نفسه فإسماع النفس أمر زائد عن النطق .

فإن كان أخرس : فإنه ينوي بقلبه التكبير ولا يحرك لسانه وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد ، واختاره الموفق .

والقول الثاني : أنه يحرك لسانه .

والراجح ، القول الأول : وأنه لا يشرع أن يحرك لسانه بل ينوي بقلبه ، لأن تحريك اللسان هنا عبث لا فائدة منه .

وظاهر قوله : ( وغيره نفسه ) فالمنفرد والمأموم يسمع نفسه ويُسر بالتكبير ويغير من التسمع والتحميد والسلام لأن المنفرد لا يحتاج إلى إسماع غيره وفي القراءة تفصيل يأتي ذكره .

مسألة :

والمذهب أن رفع اليدين مشروع للإمام والمأموم والمنفرد لعمومات الأحاديث لكن اختلفوا في المرأة : هل يشرع    لها ذلك أم لا ؟

قولان في المذهب :

القول الأول : أنها ترفع يديها وهو المذهب ، وقد رواه الخلال عن أم الدرداء وحفصة بنت سيرين وكانتا فقيهتين وهو قول طاووس .

ودليله : أن النساء شقائق الرجال ، وأنهن مأمورات بالاقتداء بالنبي e كما أن الرجال مأمورون بذلك : في قوله صلى الله عليه وسلم ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ولا دليل يخصص الرجال بهذا الحكم ، واختاره الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله

القول الثاني : أنه لا يشرع لهن ذلك كالتجافي الذي تنهى عنه المرأة وذلك لكونه ينافي الستر

والراجح القول الأول لأن هذا لا ينافيه مطلقاً إلا إذا كان هناك أجنبي فإن كان هناك أجنبي فلا يشرع لها ذلك لأنه قد يظهر شيء منها .

قال : [ ثم يقبض على كوع يسراه تحت السرة ]

الكوع : هو العظم الناتئ الذي يقابل الإبهام ، والكرسوع وهو العظم الذي يقابله ، وبينهما الرُسغ .

وهذه الجملة فيها ثلاثة مسائل :

المسألة الأولى : أن المستحب للمصلي أن يضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة.

 فقد ثبت في البخاري عن سهل بن سعد قال : ( كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليـد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة ) .

 وفي مسلم من حديث وائل بن حجر : أن النبي e : ( وضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة ) فالمستحب أن يضع يده اليمنى على اليسرى فلا يرسل يديه خلافاً للمالكية والسنة حجة عليهم واستدلوا بحديث المسيء صلاته وأن القبض لم يذكر فيه والجواب أنه إنما ذكر فيه ما يجب وهذه الهيئة أعظم في التواضع والتذلل وأبعد عن العبث .

المسألة الثانية : في صفة الوضع :

جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب صفتان ثابتتان .

الصفة الأولى  : أن يقبض بيمينه على شماله .

ودليلها : ما ثبت في سنن النسائي من حديث وائل بن حجر قال : ( رأيت النبي e إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله ) فيقبض بباطن كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى .

الصفة الثانية : أن يضع يده اليمنى من غير قبض على كفه اليسرى والرُسغ والساعد

ودليلها: ما ثبت في سنن النسائي : من حديث وائل بن حجر ، وهو حديث طويل وفيه : ( ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرُسغِ والساعِد ) .

المسألة الثالثة :

هل المستحب أن يضع يديه على الصدر أو تحت السرة أو فوقها تحت الصدر ؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم :

المشهور عند الحنابلة أن المستحب أن يضع يديه تحت السرة .

واستدلوا : بما روى أحمد وأبو داود عن علي قال : ( من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة ) وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو متروك الحديث ، فعلى ذلك إسناده ضعيف جداً .

القول الثاني : وهو رواية عن الإمام أحمد وهو المشهور عند الشافعية : أنه يضعهما فوق سرته وتحت صدره .

واستدلوا : بما رواه ابن خزيمة عن وائل بن حجر قال : ( صليت مع النبي e فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره ) ، والحديث فيه مُؤَمل بن إسماعيل وهو ضعيف لكن له شاهدان :

الشاهد الأول : عند أحمد مرفوعاً وموصولاً من حديث هُلْب الطائي لكن الحديث ضعيف .

والشاهد الثاني:عند أبي داود من حديث طاووس مرسلاً وسنده صحيح إلى طاووس، فالحديث حسن بشواهده.

لكن الاستدلال به على هذا القول فيه نظر ؛ لأن أهل هذا القول لا يقولون بأنه يضع يديه على الصدر بل تحت الصدر وفوق السرة . وإنما يصلح دليلاً لأهل القول الثالث .

القول الثالث : وهو أحد قولي الشافعي وقول إسحاق بن راهوية وبعض المالكية ؛ أن السنة أن يضع اليدين على الصدر .

وهذا أقربها ، فالأمر واسع وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه يُخير .

فالراجح : أن السنة أن يضع يديه على صدره وأما وضع اليدين على النحر فهو غلط لا دليل عليه .

 

قال : [ وينظر مسجده ]

هذه سنة من سنن الصلاة وهي أن ينظر إلى مسجده أي إلى موضع سجوده .

قالوا : لأن ذلك أخشع له، وهو كذلك أبعد عن النظر إلى السماء المنهي عنه .

فقد روى البيهقي عن سليمان الخولاني قال : سمعت أبا قلابة يقول : حدثني عشرة من أصحاب رسول الله e عن صلاة النبي e في قيامه وركوعه وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين - يعني عمر بن عبد العزيز – قال سليمان : ( فرمقت عمر في صلاته فكان بصره إلى موضع سجوده ) والحديث فيه صدقة بن عبدالله وهو ضعيف .

لكن له شاهد مرسل عند الحاكم ، ورواه الحاكم موصولاً من حديث أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وقد أخطأ بعض الرواة فوصله ، وعامة الرواة أنه مرسل ، قال الذهبي :  " والصحيح مرسل " .

ولفظه : ( أن النبي e كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت :(  الذين هم في صلاتهم خاشعون ) فطأطأ رأسه ) والمعنى يدل على ذلك .

وعلى ذلك ـ  فالمستحب للمصلي أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده – سوى التشهد فيستحب له أن يرمي ببصره إلى السبابة كما ثبت هذا في صحيح ابن خزيمة وذكره في المبدع .

وتستثنى من ذلك صلاة الخوف فيستحب أن ينظر فيها تجاه العدو وهو المذهب .

واستحب بعض العلماء أن ينظر إلى الكعبة إن كان في المسجد الحرام ، وهذا القول ضعيف كما قال الشيخ محمد رحمه الله ، لأنه إن نظر إلى الكعبة نظر إلى الناس الذين يطوفون حولها فأشغلوه عن الصلاة .

 

قال : [ ثم يقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ]

" سبحانك اللهم " : أي تنزيهاً لك اللهم .

" وبحمدك " : أي تسبيح مقرون بالحمد .

" وتبارك اسمك " : أي كثر خير أسمائك وثبت .

" وتعالى جدك " : أي تعالت عظمتك وشرف قدرك .

" لا إله غيرك " : أي لا إله حق غيرك .

يستحب للمصلي أن يستفتح بشيء مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم  من أنواع الاستفتاح .

وهذا النوع رود في سنن أبو داود والترمذي من حديث عائشة : أن النبي e : كان يستفتح صلاته فيقول : ( سبحانك اللهم وبحمدك ) الحديث .

وهو  ثابت عند الخمسة من حديث أبي سعيد الخدري  من قول عمر في مسلم منقطعاً ووصله الدارقطني بإسناد صحيح ولفظه : ( أن عمر كان يستفتح بسبحانك اللهم يجهر بذلك يُسمعنا ويُعلمنا ) .

وقد اختاره الإمام أحمد لأن عمر كان يعلمه الصحابة ولاشتماله على أفضل الكلام بعد القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أي مع تكبيرة الإحرام ولأنه ثناء وغيره دعاء ، وإلا فسائر الاستفتاحات الواردة عن النبي e حسنة، بل السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة .

ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال : كان النبي e : إذا كبر للصلاة سكت هنيهة فسألته فقال : أقول : ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ) .

والسنة فيه الإسرار كما تقدم من حديث أبي هريرة فإنه قال : ( سكت هنيهة ) .

وإنما كان عمر يجهر به للتعليم ، وإلا فالسنة الإسرار .

ومن سني الاستفتاح أو تركه عمداً حتى يشرع في الاستعاذة فلا يشرع له بعد ، لأنه سنه قد فات محلها ـ كما قرر هذا الحنابلة وغيرهم .

والمذهب أنه يستفتح في أول ركعتين من التراويح ولا يستفتح في الكل طلباً لليسر والسهولة وعدم السآمة وهو متوجه .ومثله صلاة الضحى إن صلاها أربعاً أو ستاً أو كثر من ذلك

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

قوله : [ ثم يستعيذ ]

يستعيذ بالله من الشيطان الرحيم للقراءة في الصلاة ، قال تعالى : ) فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (

وثبت عند الخمسة حمن حديث أبي سعيد الخدري :أن النبي e كان يقول في استعاذته في الصلاة :( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه )

" هَمزِه " : مس الجن " ونَفخِه " : الكبر ، " ونفثه ": الشعر القبيح .

والحديث حسن .

فإن استعاذ بقول : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) فهو حسن أيضاً لقوله تعالى : ﴿ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴾ .

وإن قال : ( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ) فهو حسن أيضاً لوروده في القرآن .

وما حكم الاستعاذة ؟

جمهور أهل العلم : أنها سنة قبل القراءة في الصلاة وغيرها .

وعن الإمام أحمد واختاره طائفة من كبار أصحابه وهو مذهب الظاهرية ومذهب عطاء : أنها واجبة لقوله تعالى : ﴿ فاستعذ بالله ﴾ وظاهر الأمر الوجوب وهو قول قوي .

واختلف أهل العلم هل يُستحب التعوذ في الركعة الأولى فقط أم في كل ركعة ؟

المشهور عند الحنابلة : أنها تُستحب في الركعة الأولى ولا يستعيذ في الأخرى إن كان قد استعاذ في الأولى .

واستدلوا : بما رواه مسلم عن أبي هريرة : قال : ( كان رسول الله e إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت )

قالوا : هذا الحديث فيه أن النبي e كان يستفتح بالحمد لله رب العالمين ولا يسكت ولأن الصلاة جملة واحدة فاكتُفي بالاستعاذة في أولها وهو اختيار ابن القيم .

والقول الثاني : وهو رواية عن الإمام أحمد و مذهب الشافعية : أنه يشرع له أن يستعيذ في كل ركعة .

لقوله تعالى :﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ﴾ وظاهر الآية : أنه يشرع له كلما قرأ أن يستعيذ .

وأجابوا عن الحديث المتقدم : بأن قول أبي هريرة : ( لم يسكت ) أي لم يسكت مثل سكوته في الركعة الأولى وهو السكوت الذي نقله لنا ، فإنه سأل النبي e عن سكوته في الصلاة فأخبره النبي e أنه يقول : ( اللهم باعد بيني …) الحديث فقد سأله عن تلك السكتة لكونها سكتة خارجة عن طبيعة السكوت الذي يكون قبيل القراءة للاستعاذة والبسملة ، فقوله : ( ولم يسكت ) أي لم يسكت كسكوته للاستفتاح .

وهذا القول هو الأرجح ، أنه يستعيذ في كل ركعة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن إبراهيم .

 

قال : [ ثم يبسمل سراً وليست من الفاتحة ]

أي يقول : " بسم الله الرحمن الرحيم " يقولها سراً .

لما ثبت في النسائي عن نُعَيم المُجْمِِِِر قال : ( صليت وراء أبي هريرة فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قرأ بأم القرآن ) وقال : " والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله e "

ولأن البسملة يشرع أن يفتتح بها السور كما ثبت في مسلم وغيره من قراءة النبي e : ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ لما نزلت عليه فقرأ : ( " بسم الله الرحمن الرحيم " ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ …)

وثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس قال : ( كان النبي e لا يعرف الفصل بين السور إلا إذا نزلت بسم الله الرحمن الرحيم )

" سراً " لا جهراً ، فلا يشرع الجهر بها .

وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم :

فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وفيهم الحنابلة إلى القول باستحباب الإسرار بالبسملة وعدم مشروعية الجهر بها .

واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك : ( أن النبي e وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين ) .

 زاد مسلم : ( لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا آخرها ) وفي أحمد والنسائي : ( لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ) وعند ابن خزيمة : ( يسرون ) .

وثبت في الترمذي من حديث ابن عبدالله بن المُغَّفل قال : سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول : بسم الله الرحمن الرحيم فقال لي أي بني محدث إياك والحدث قال : ولم أرَ أحداً من أصحاب النبي e كان أبغض إليه الحدث في الإسلام يعني منه ، قال : صليت مع النبي e ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها " أي جهراً " فلا تقلها ، إذا صليت فقل : " الحمد لله رب العالمين " والحديث حسنه الترمذي وهو كما قال ،

وأما ما ذكره ابن عبدالبر والبيهقي وغيرهما : أن الحديث فيه جهالة ابن عبدالله بن المغفل فإن هذا محل نظر ، فقد ذكر الزيلعي أنه قد روى عنه ثلاثة فزالت عنه بذلك جهالة العين ، ولم يأت بحديث منكر بل أحاديثه كلها مستقيمة فليس من أحاديثه ما ينكر عليه، وقد حسن حديثه الترمذي وهذا حديث يوافق ما ثبت عن أنس ؛ فالحديث حسن لا بأس به .

والقول الثاني : وهو مذهب الشافعية مشروعية الجهر بالبسملة .

وعامة أدلتهم لا تصح ولا تثبت عن النبي e فكلها موضوعة أو ضعيفة كما قرر هذا شيخ الإسلام وغيره . إلا ما رواه النسائي وغيره بسنده الصحيح إلى نعيم المجمر : قال صليت وراء أبي هريرة فقرأ : " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قرأ بأم القرآن وفيه أنه قال : ( إني أشبهكم صلاة برسول الله e ) .

قالوا : وظاهره أن أبا هريرة قد جهر بالبسملة وقد رفع ذلك إلى النبي eبقوله : ( إني لأشبهكم ) لكن الحديث ليس بصريح في الدلالة :

فيحتمل أن يكون نعيم قد سمعه وهو يسر بها لقربه منه ، فإنه كان من الصالحين وكان هو الذي يجمر مسجد المدينة ، كما سمع رجل أبا بكر في الركعة الثالثة من صلاة المغرب وهو يقرأ ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ﴾ رواه مالك في موطئه .

ثم إن نعيماً قد تفرد برواية هذه اللفظة عن سائر الرواة عن أبي هريرة كما قرر ذلك ابن القيم وابن كثير، فكل الرواة لم يذكروا هذه اللفظة وتفرد بها نعيم فكانت شاذة ، وقد خالفها ما تقدم من الأحاديث الصحيحة .

وهناك احتمال آخر وهو أن أبا هريرة إنما جهر بها للتعليم ، وللإخبار بأن النبي e كان يقولها كما كان عمر يجهر بالاستفتاح للتعليم . وقد قال : " إني لأشبهكم صلاة برسول الله e " والمشابهة لا تقتضي المماثلة .

قال : " وليست من الفاتحة " : فهي ليست من الفاتحة وهو مذهب الإمام أحمد وقول الجمهور واختاره شيخ الإسلام .

لما ثبت في مسلم أن النبي e قال : قال الله تعالى : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد :الحمد لله رب العالمين قال الله : حمدني عبدي وإذا قال : الرحمن الرحيم قال الله : " أثنى عليَّ عبدي " ) الحديث ، ولم يذكر البسملة .

 وقد تقدم أنها إنما نزلت للفصل بين السور كما قاله ابن عباس رضي الله عنه. ولو قلنا إنها من الفاتحة لوجبت قراءتها وكانت فريضة سواء قلنا بالإسرار بها أو بالجهر .

وأما ما رواه الدارقطني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وفيه أن البسملة إحدى آياتها ، فإن الحديث معلول ، والصواب وقفه على أبي هريرة رضي الله عنه ، فلا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما قرره هذا غير واحد من الحفاظ . وبه استدل الشافعية على أنها آية من الفاتحة .

والصواب ما ذهب إليه الجمهور وأنها ليست من الفاتحة للحديث المتقدم .

 

قال : [ ثم يقرأ الفاتحة ]

وهي ركن لا تصح الصلاة إلا بها لقوله e : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ) متفق عليه .

وقد اتفق أهل العلم على وجوب قراءتها على الإمام والمنفرد ، واختلفوا في حكم قراءتها على المأموم . فالمشهور في المذهب عدم الوجوب وسيأتي البحث في هذه المسألة إن شاء الله عند قول المؤلف في باب صلاة الجماعة " ولا قراءة على مأموم " .

 

قال : [ فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال …]

" يذكر " : كأن يسبح بعد قوله الحمد لله رب العالمين .

" أو سكوت غير مشروعين " : أو سكت سكوتاً ليس في مصلحة الصلاة .

وكان طويلاً عرفاً فإن الفاتحة تبطل به ويجب عليه أن يعيدها فإن سكت سكوتاً طويلاً مشروعاً كأن يسكت لسماع قراءة الإمام لم تبطل .

وعليه فلو سبح لأجل التنبيه أو فتح على الإمام فيبني على ما قرأه ولا يستأنف .

ولا تبطل بنية قطعها لأن القراءة باللسان بخلاف نية الصلاة .

 

قال : [ أو ترك منها تشديدة ، وحرفاً أو ترتيباً لزم غير مأموم إعادتها ]

ويقرؤها مشددة وفيها إحدى عشرة تشديدة ، وإن ترك تشديدة منها لم يعتد بها لأن التشديدة بمنزلة الحرف .

ويقرأها قراءة عربية ، لقوله تعالى: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ وقال تعالى: ﴿ بلسان عربي مبين ﴾ ولا يكون قرآناً إذا قُرئ بغير العربية أي تُرجم للآية المتقدمة .

وإذا قرأ بالعربية ولحن فإن كان يحيل المعنى فإنها لا تصح كما لو ضم تاء : ﴿ أنَعمت ﴾ أو كسر كاف ( إياك ) أو فتح ألف الوصل ( اهدنا ) .

أما إذا كان لا يحيل المعنى فإن القراءة تصح ويكره.

ويجب أن يقرأها مرتبة متوالية فقد كان النبي e يقرؤها كذلك وقال : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) .

وإن أبدل حرفاً مكان حرف بطلت لأنه ترك حرفاً يجب عليه أن ينطق به .

وإذا قرأ ( ولا الضالين ) بالظاء ففيها وجهان : أصحهما وهو المذهب أنها تصح لتقارب المخرجين ولمشقة التفريق عند العامة .

ويلزم الجاهل تعلمها لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

فإن ضاق الوقت عنه فإنه يصلي على حسب حاله .

منها وإذا كان يحسن من الفاتحة آية فأكثر فإنه يقرؤها لقوله تعالى : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ وقوله :   ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) .

وهل يجب عليه أن يكررها بقدر الفاتحة ؟

المذهب : يجب أن يكررها بقدر الفاتحة وإن كان يحسن سورة غيرها .

والقول الثاني : أنه يتم قدر الفاتحة مما يحفظه من القرآن ، وهذا أظهر ، لأن الآية إذا قرأها مرةً سقط فرضها .

وللإطلاق في قوله e : ( إن كان معك قرآن فاقرأ به وإلا فاحمد الله ) الحديث رواه أبو داود وهو حديث صحيح وظاهر ذلك أنه يقرأ ما يقدر عليه منها ويتم قدرها بآيات أخر لأن البدل له حكم المبدل منه .

أما إذا كان لا يحسن منها إلا بعض آية ، فإنه لا يكرره ، لأن النبي e لما علم من لا يحسن شيئاً من القرآن قول، لفظة " الحمد لله " وهي بعض من آية من الفاتحة ولم يأمره بتكرارها .

فإن كان لا يحفظ من الفاتحة شيئاً قرأ من غيرها عدد آياتها أي لا يجزئه إلا أن يقرأ سبع آيات لأن البدله له حكم المبدل منه .

وهل يجزئه أن تكون هذه الآيات أنقص حروفاً من الفاتحة أم لا ؟

قولان في المذهب :

القول الأول : أن ذلك لا يجزئ وهو المذهب .

القول الثاني : أنه يجزئ .

والقول الأول هو الأظهر وهو أن يختار آيات بعدد حروفها فأكثر لأن البدل له حكم المبدل منه .

وإن لم يحسن شيئاً من القرآن فإنه يجزئه الذكر الوارد ، وهو ما ثبت في سنن أبي داود وهو حديث حسن ، من حديث عبد الله بن أبي أوفى : أن رجلاً قال للنبي e : يا رسول الله إني لا أحسن شيئاً من القرآن فعلمني ما يجزئني عنه فقال : ( قل سبحان الله والحمد لله ولا إله الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) ولم يشترط أن يكون بقدر الفاتحة لأن البدل هنا من غير جنس المبدل منه فلا تشترط فيه المساواة كالصيام في كفارة اليمين .

والحوقلة لم تجيء في حديث رفاعة الذي رواه أبو داود والترمذي فدل على أنها للاستحباب أي زيادة الحوقلة.

فإن لم يحسن شيئاً من ذلك كحديث عهد بإسلام لا يحسن العربية فإنه يقف بقدر فاتحة الكتاب لأن الواجب القيام والقراءة وحيث سقطت عنه القراءة فيجب عليه القيام بقدرها لقوله تعالى:﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ ولحديث : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) .

ومن صلى وتلقف القراءة من غيره فلا بأس ، وهو المشهور في المذهب .

 وقوله ( لزم غير مأموم إعادتها ) هذا على المشهور في المذهب ، وإن قلنا بأن المأموم يجب عليه أن يقرأ بفاتحة الكتاب فكذلك يلزمه إعادتها إن حصل منه ترك تشديدة أو حرف أو ترتيب .

قال : [ ويجهر الكل بآمين ]

 يجهر الكل : أي الإمام والمأموم والمنفرد بآمين في الجهرية .

" آمين " بمعنى اللهم استجب وليست من الفاتحة بالإجماع .

وفيها لغتان وكلاهما بتخفيف الميم .

الأول : القصر : وهو بهمزة القطع " أمين "

الثاني : المد " آمين " وهو الأفصح والأشهر

ولا تصح إذا شدَّد الميم منها ، فإن فعل بطلت صلاته لأنها تكون بمعنى " قاصدين" قال تعالى : ﴿ ولا آمَّين البيت ﴾.

ودليل مشروعية التأمين : ما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ).

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة : أن النبي e قال : ( إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا : آمين ، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) وهي سنة بالاتفاق .

وقد ثبت التأمين من فعل النبي e : فروى أبو داود والترمذي من حديث وائل بن حجر : أن النبي e : كان إذا قال : " ولا الضالين " قال : " آمين " ، في رواية أي داود : " ورفع بها صوته " ، وفي الترمذي : " يمد بها صوته " ، وفي ابن ماجه والحديث حسن : ( أن المسجد – أي مسجد النبي e – كان يرتج بها ) أي من رفع النبي e وأصحابه بالتأمين .

وأما ما جاء في الدارقطني : ( وخفض بها صوته ) فهو خطأ من شعبة كما قال البخاري وأبو زرعة .

فعلى ذلك : يشرع للإمام والمنفرد والمأموم الجهر بالتأمين .

ويستحب كذلك : أن يمد بها صوته كما تقدم في حديث وائل بن حجر في رواية الترمذي وورد أيضاً من حديث وائل بن حجر في أبي داود إلا أن فيه انقطاعاً بين عبد الجبار بن وائل وبين أبيه وهو انقطاع يسير يعضده ما تقدم.

وثبت هذا من فعل أبي هريرة : أنه إذا كان وراء الإمام قال : " آمين " يمد بها صوته ويقـول : ( إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم ) رواه البيهقي بإسناد صحيح .

 

والسنة أن يكون ذلك بعد قول الإمام "غير المغضوب عليهم ولا الضالين "  لقول النبي e : ( إذا قال الإمام " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " قُولوا : آمين ) أما قوله  e : ( إذا أمَّن الإمام فأمنوا ) فإن معناه إذا شرع بالتأمين ، فإذا شرع الإمام بالتأمين ووافق ذلك عقيب قوله " غير المغضوب عليهم ولا الضالين : فقولوا : آمين .

وإذا تركها الإمام فإنها تشرع للمأمومين للحديث المتقدم : ( إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا : آمين ) .

فتشرع للمأمومين أمَّن الإمام أو لم يؤمِّن كسائر السنن .

والمذهب وهو ظاهر الأدلة يقولها الإمام والمأموم معاً .

فإن فات محلها وشرع بالقراءة بعدها ولم يؤمن فهي سنة فات محلها ، فلا يشرع فعلها .

 

قال : [ ثم يقرأ بعدها سورة ]

أي بعد الفاتحة ، فيُشرع أن يقرأ بعد الفاتحة سورة من القرآن ، وهو على الاستحباب عند عامة العلماء ، وفي الصحيحين : من حديث أبي قتادة : ( أن النبي e كان يقرأ في الأُوليين من الظهر والعصر بأم الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأُخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية أحياناً ) .

وذهب طائفة من الصحابة وهو مذهب بعض المالكية وبعض الأحناف وحُكي رواية عن الإمام أحمد : الوجوب أي يجب على الإمام والمنفرد أن يقرأ مع فاتحة الكتاب ما تيسر .

واستدلوا بما روى مسلم أن النبي e قال :(لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً) قالو : فقوله صلى الله عليه وسلم  " فصاعداً " يدل على أنه يجب عليه أن يقرأ مع فاتحة الكتاب سورة.

ولما ثبت في أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري : قال : ( أمر النبي e أن نقرأ أم الكتاب وما تيسر ).

قالوا : فهذا أمر وظاهر الأمر وجوب ذلك .

وأما الجمهور فاستدلوا : بما ثبت في أبي داود في قصة صلاة معاذ بأصحابه : أن النبي e قال للفتى : ما تصنع يا ابن أخي إذا أنت صليت ؟ فقال : " أقرأ بفاتحة الكتاب وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ فقال النبي e : ( إني ومعاذاً حول هاتين ندندن ) وفي رواية " حولها ندندن " والدندنة هو الصوت الذي يسمع ولا يفقه ، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يكن يقرأ إلا الفاتحة .

قالوا : وأما حديث : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً ) فقد أعله البخاري بتفرد معمر فعامة الرواة يروونه بلفظ : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ) وتفرد معمر فرواه بهذا اللفظ عن سائر الرواة فيكون شاذاً .

ووردت متابعة له في سنن أبي داود من حديث سفيان بن عيينة لكن هذه المتابعة لا تزيل الحكم عليه بالشذوذ لأن سائر الرواة وهم جماعة رووه باللفظ المتقدم ، فتكون المخالفة منهما .

قالوا : ولو صح فهو نظير قول النبي e : ( لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً ) ومعلوم من الأدلة الشرعية والذي عليه أهل العلم أنها تقطع في ربع دينار فالحديث معناه : تقطع اليد في ربع دينار فأكثر .

 وكذلك هذا الحديث يحمل على هذا المعنى : لا صلاة مجزئة إلا بالفاتحة فأكثر .

وأما الجواب عن حديث أبي سعيد : فإن الأمر فيه يحمل على الإرشاد والاستحباب .

 والواو تفيد الإقتران ، ودلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين ويدل على ذلك حديث أبي داود فإن فيه الإجزاء بفاتحة الكتاب .

 

قال : [ تكون في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه ]

المفصل اتفق العلماء على أن آخره سورة الناس واختلفوا في أوله :

فذهب الجمهور : إلى أن أوله سورة الحجرات .

وذهب الحنابلة : إلى أن أوله سورة " ق " .

وما ذهب إليه الحنابلة هو الراجح واختاره الحافظ في الفتح .

ويدل عليه : ما ثبت في أبي داود وابن ماجه ومسند أحمد والحديث إسناده حسن كما قال ذلك ابن كثير في فضائل القرآن وهو كما قال وهو من حديث أوس بن حذافة الثقفي قال : سألت أصحاب النبي e : كيف تُحَزِّبون القرآن ؟ فقالوا : ( ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشر وثلاث عشرة وحزب المفصل وحده ) وبالحساب سورة ( ق ) هي أول المفصل فهي السورة التاسعة والأربعون .

وسمي بالمفصل لكثرة الفواصل بين آياته لقصرها ، ولكثرة الفصل بـ" بسم الله الرحمن الرحيم " بين سوره .

والمشهور في المذهب أن أول المفصل سورة " ق " ، وطواله : إلى النبأ .

وأوساطه : منها إلى الضحى .

وقصاره : منها إلى الناس .

 

قال : [ تكون في الصبح بطواله وفي المغرب بقصاره ]

كما ثبت في النسائي بإسناد صحيح عن سليمان بن يسار قال : كان فلان يطيل الظهر ويخفف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بوسطه وفي الفجر بطواله " فقال أبو هريرة : ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بصلاة النبي e من هذا ) .

هذا هو الغالب من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذا جاء في البخاري عن مروان بن الحكم قال : قال لي زيد بن ثابت : " مالك تقرأ في المغرب بقصار " أي بقصار المفصل " وقد سمعت النبي e e يقرأ بطولى الطُولَيَينِ " وهي سورة الأعراف  لأنها أطول السورتين الطويلتين الأنعام والأعراف وطولى تأنيث أطول .

وقد ثبت التصريح بها في سنن أبي داود وأن النبي e كان يقرأ بالأعراف ، في المغرب . وفي سنن النسائي : أنه فرقها في ركعتين .

وثبت في الصحيحين أن النبي e : ( قرأ في المغرب بالطور ) ، وفي الصحيحين أيضاً : ( أنه قرأ بالمرسلات ) ، وفي الطبراني في الكبير بإسناد صحيح : ( أنه قرأ بالأنفال ) وفيه أيضاً بإسناد صحيح :   ( أنه قرأ بسورة محمد ) .

وصلاة الفجر كان الغالب أن يقرأ فيها النبي صلى الله عليه وسلم بطوال المفصل ، لكنه ربما قرأ فيها بقصار المفصل .

فقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح : أن النبي e قرأ في الفجر في سفر : بـ : ( ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ ) .

وفي سنن أبي داود أيضاً بإسناد صحيح : أنه قرأ بـ : ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ في الركعتين كلتيهما )  أي في كل ركعة قرأها تامةً ، وفي مسلم : أنه قرأ بـ ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ .

وقد يقرأ عليه الصلاة والسلام بسورة ليست من المفصل كما صح عنه  " أنه قرأ بالروم " كما في سنن النسائي .

 

قال : [ وفي الباقي من أوساطه ]

في الباقي : في صلاة العشاء وصلاة الظهر والعصر يقرأ بأوساط المفصل .

أما صلاة العشاء فلحديث أبي هريرة المتقدم أنه " كان يقرأ بأوساط المفصل في صلاة العشاء "

وأما الظهر والعصر فثبت في سنن أبي داود والترمذي والنسائي أن النبي e : ( كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر بـ ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ و ﴿ والسماء والطارق ﴾ ونحوهما من السور ) وهما من أوساط المفصل .

والظاهر أن الغالب في صلاة النبي e للظهر الإطالة ، فقد ثبت في مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي e : ( كان يقرأ في الظهر بقدر " ألم تنزيل السجدة " وفي رواية " بقدر ثلاثين آية في كل ركعة " وفي الأوليين من العصر على النصف من ذلك ) وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها الخرقي وطائفة من أصحابه ، أنه يستحب ذلك وأن تكون العصر نصف الظهر .

وفي صحيح مسلم : ( كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يأتي النبي e في الركعة الأولى مما يطولها ) فهذا يدل على أن السنة في الظهر الإطالة .

وفي سنن النسائي : أن النبي e : ( قرأ في الظهر بالذاريات ولقمان وكانوا يسمعون منه الآية بعد الآيات ) .

وقد تقدم حديث سليمان بن يسار : ( كان فلان يطيل الظهر ويخفف العصر ) ، " قال أبو هريرة ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بالنبي e من هذا " .

 

قال : [ ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان ]

كقراءة ابن مسعود ، ( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) وتصح بما وافق رسم المصحف العثماني وإن لم يكن من العشرة مادام أن الرسم العثماني للمصحف يشملها .

هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور قالوا : لعدم تواترها .

والقول الثاني : وهو رواية عن الإمام أحمد وهي أنص الروايتين عنه واختاره ابن تيمية وابن القيم وصوبه في الإنصاف واختاره شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين أنه يُجزئه القراءة بما صح سنده وإن لم يوافق رسم المصحف ، لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقرؤن بها في عهد النبي e وبعده .

بل كان النبي e يحث على أخذ القرآن عن ابن مسعود قال e : ( من سره أن يقرأ القرآن غضاً كما أُنزل فليقرأه بقراءة ابن أم عَبْد ) رواه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه وهو صحيح ، وكان يقرأ ( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) كما تقدم  .

وقد جمع مصحف عثمان رضي الله عنه دراءً الفتنة ، وإلا فإنه أحد الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن .

وهنا مسائل في القراءة بعد الفاتحة :

اعلم أن المشروع له أن يرتب السور كما وردت في المصحف فيقرأ في الركعة الأولى سورة متقدمة في المصحف على السورة التي يقرؤها في الركعة الثانية –هذا هو المستحب جرياً على ترتيب المصحف– الذي جرى عليه الخلفاء الراشدون .

والمشهور في المذهب كراهية ترك ذلك .

وعن الإمام أحمد : أنه لا يُكره ، لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي e : ( قرأ في قيام الليل بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران ) فهنا النبي e لم يرتب بين السور فدل على جواز تركه .

وثبت في البخاري معلقاً : ( أن عمر قرأ في الصبح في الركعة الأولى بالكهف وفي الركعة الثانية بسورة يوسف أو يونس ) والشك في الرواية ، ولا يؤثر لأن السورتين جميعاً سابقتان للكهف في ترتيب المصحف .

والأظهر أن يقال بكراهية المداومة على ذلك ، ويُحمل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل عمر رضي الله عنه  على ترك الترتيب أحياناً من غير مداومة .

أما ترك الترتيب بين الآيات ، وذلك بأن يقرأ في الركعة الأولى بآيات من آخر السورة وفي الثانية آيات من وسطها أو أولها فالمذهب وهو قول جمهور العلماء : أن ذلك مكروه ، وكراهيته أشد من كراهية ما قبله ، لأن ترتيب الآيات ترتيب وارد عن النبي e بالنص ؛ وأما ترتيب السور فإن المشهور عند جمهور العلماء أنه بالاجتهاد أي اجتهاد الصحابة . ثم إن ترك ترتيب الآيات مظنة تغيير المعاني ، فكان ذلك مكروهاً .

واختار شيخنا التحريم ، وهذا ظاهر إن كان تنكيس الآيات في الركعة الواحدة لأن ترتيب الآيات توقيفي ، وأما في الركعتين فلا يظهر التحريم كأن يقرأ من آخر السورة في أول الصلاة ، ويقرأ من أولها في آخر الصلاة فالظاهر جوازه لقوله صلى الله عليه وسلم ( ثم قرأ ما تيسر معك من القرآن )

أما تنكيس الكلمات في الآية نفسها فهو محرم إجماعاً ومبطل للصلاة لأنه يكون كلاماً أجنبياً .

مسألة :

لا تكره قراءة أواخر السور وأوساطها في المشهور في المذهب لقوله e لما في حديث أبي سعيد رضي الله عنه : ( وما تيسر ) .

لكن المداومة على ذلك كما قال شيخ الإسلام مكروهة ، لأنها تتضمن ترك السنة الواردة عن النبي e وهو رواية عن أحمد .

مسألة :

لا يكره للمصلي أن يقرأ بعد الفاتحة بسورتين فأكثر .

ويدل على ذلك ما ثبت في البخاري : ( أن إمام مسجد قباء كان يقرأ قل هو الله أحد " يفتتح بها السورة التي بعد الفاتحة فذكر ذلك للنبي e فقال : " إني أحبها فقال : حبك إياها أدخلك الجنة )

وفيه أيضاً : أنه لا يكره للمصلي ملازمة قراءة سورة بعد الفاتحة في كل صلاة مع اعتقاد جواز قراءة غيرها  .

وثبت من فعل النبي e قراءة السورتين في الركعة من حديث ابن مسعود في البخاري ،

ويجزئه أن يقرأ آية واحدة من القرآن بعد الفاتحة لعموم الحديث ( ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن ).

وإن قرأ سورة قبل الفاتحة لم يجزئه لأنها سنة فُعلت قبل محلها وأجزأته الفاتحة .

        

مسألة :

اتفق العلماء على أنه إن جهر في موضع الإسرارأو أسر في موضع الجهر فقد ترك السنة وتصح صلاته .

ويجهر الإمام في القراءة استحباباً في الصبح وأولتي المغرب وأولتي العشاء إجماعاً .

ولا يُستحب ذلك للمأموم بل يُكره .

ولا يُكره جهر المأموم قدر يسير كما أنه لا يُكره من الإمام في الصلاة السرية لما تقدم أنه e كان يُسمع أصحابه الآية أحياناً فكذلك المأموم .

قال الإمام أحمد : إذا قرأ آية فيها لا إله إلا الله فلا بأس أن يقولها قال القاضي لأن هذا قدر يسير لا يمنع الإنصات.

والمذهب أن المنفرد والقائم لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه يُخير بين الجهر بالقراءة وبأن الإخفات بها .

وعن أحمد وهو قول الجمهور أنه يُسن الجهر واختارته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء . وهو الراجح لحديث صلوا كما رأيتموني أصلي .

والمذهب أنه لا بأس بجهر المرأة في الجهرية إذا لم يسمعها أجنبي ، واختار شيخ الإسلام أنها تجهر إن صلت بالنساء ولا تجهر إن صلت وحدها وهو أظهر .

ويُسرُّ في قضاء صلاة جهر نهاراً ولو جماعة في المذهب اعتباراً بزمن القضاء ، والراجح وهو مذهب أبي حنيفة أنه يجهر لأن القضاء يحكي الأداء .

ويُكره جهر المصلي في نفلٍ نهاراً لأنه لم يصح عن النبي e الجهر بها .

وأما المتنفل في الليل فيراعي المصلحة فإن كان بحضرته من يتأذى بجهره أسر وإلا جهر هذا المذهب والراجح أنه يُسر لأنه لم يصح عن النبي e الجهر في نافلة الليل سوى قيام الليل .

وأما قيام الليل فالمستحب التوسط بين الجهر والإسرار قال تعالى : ) ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً ( .

قال : [ ثم يركع مكبراً رافعاً يديه ويضعهما على ركبتيه مفرجي الأصابع مستوياً ظهره ]

قوله : " ثم يركع " لقوله تعالى : ﴿ اركعوا واسجدوا ﴾ وقوله : ﴿ واركعوا مع الراكعين ﴾ ولقوله e: ( ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ) في حديث المسيء صلاته في الصحيحين وهو ركن من أركان الصلاة .

" مكبراً " أي قائلاً : " الله أكبر " وهي تكبيرة الانتقال من ركن القيام إلى ركن الركوع . وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة : ( كان النبي e إذا قام إلى الصلاة يُكبِّر حين يقوم ثم يُكبِّر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم : ربنا ولك الحمد ثم يُكبِّر حين يسجد ثم يُكبِّر حين يرفع رأسه ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ، ويُكبِّر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس ) أي بعد الركعتين الأوليين في الصلاة الرباعية أو الثلاثية . فهذا الحديث فيه تكبيرات الانتقال .

" رافعاً يديه " حذو منكبيه أو فروع أذنيه .

يرفع يديه حذو منكبيه لحديث ابن عمر المتقدم ، وفيه : ( أن النبي e كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا أفتتح الصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع ) .

أو حذو فروع أذنيه لما روى النسائي بإسناد صحيح إلى مالك بن الحويرث : ( أن النبي e : كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه ) .

والمشهور في المذهب أنه يستحب أن يكون رفعه ليديه مع تكبيرة الانتقال فيكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه كما تقدم في تكبيرة الإحرام  .

والأظهر : أنه يرفع يديه مكبر ثم يركع لحديث أبي حميد الساعدى في سنن أبي داود بإسناد صحيح قال : ( ثم يُكبِّر فيرفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه ثم يركع ) وظاهر أن التكبير والرفع قبل الركوع وهو رواية عن أحمد  .

( ويضعهما على ركبتيه ) لما ثبت في الصحيحين من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال : ( صليت إلى جنب أبي فطبقت بين كفي ثم وضعتهما بين فخذي فنهاني أبي وقال : كنا نفعله فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب ) .

ويمكنهما من ركبتيه كما في البخاري من حديث أبي حميد الساعدى وفيه : ( وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره ) أي ثناه .

ويكون كالقابض لهما ، لما ثبت في سنن أبي داود عن أبي حميد الساعدى قال : ( ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ) .

( مفرجتي الأصابع ) قال أبو حميد – في حديثه المتقدم في أبي داود - : ( ثم أمكن يديه من ركبتيه وفرَّج بين أصابعه ) .

كما أنه يستحب له أن يجافي يديه عن جنبه ، كما في حديثه في أبي داود أيضاً وقال :( ووتَّر يديه فنحاهما عن جنبيه )

قال : ( مسوياً ظهره ) فيكون الظهر مستوياً ، وقد تقدم : ( ثم هصر ظهره ) أي سواه .

وفي أبي داود من حديث المسيء صلاته : ( وامدد ظهرك ) وفي ابن ماجه بإسناد صحيح عن وابصة بن معبد قال رأيت رسول الله e يُصلي فكان إذا ركع سوَّى ظهره حتى لو صب عليه الماء لاستقر ) .

ويجعل رأسه بإزاء ظهره لا يشخص رأسه ولا يصوبه ، ثبت هذا في حديث عائشة في صحيح مسلم قالت :     ( فإذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ) .

( لم يشخص رأسه ) أي لم يرفعه ، ( لم يصوبه ) أي لم يخفضه كما أن رأسه يكون معتدلاً لا يحرفه عن اليمين ولا عن الشمال ، ففي أبي داود – من حديث أبي حميد المتقدم - : ( ولا صافح بخده ) أي يحرف رأسه إلى أحد الجانبين بحيث تظهر صفحة فلا يميل إحدى صفحتي رأسه حتى تظهر من أحد الجانبين .

 

قال  : [ ويقول سبحان ربي العظيم ]

لما ثبت في مسلم من حديث حذيفة قال : ( كان النبي e يقول في ركوعه " سبحان ربي العظيم " وفي سجوده " سبحان ربي الأعلى " ) .

والمستحب ثلاثاً وهو أدنى الكمال ، لما روى أبو داود والترمذي عن ابن مسعود بإسناد منقطع وله شواهد يرتقى بها إلى درجة الحسن : أن النبي e قال : ( إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات سبحان ربي العظيم وذلك أدناه ، وإذا سجد فليقل سبحان ربي الأعلى ثلاثاً وذلك أدناه ) .

قال الترمذي : وعليه العمل عند أهل العلم .

والأفضل الاقتصار عليها من غير زيادة وبحمده على الصحيح من المذهب لأن الزيادة لم تثبت عن النبي e بسند مقبول ، وإنما رواها أبو داود في سننه من حديث عقبة بن عامر ، ثم قال أبو داود : ( نخاف ألا تكون محفوظة ) وفيها رجل لم يسم ، ولم يأتي شاهد لها يعتمد عليه .

وعن الإمام أحمد : وهو المذهب أن الأفضل عدم زيادة وبحمده وان زادها فلا بأس قالوا أنها تُستحب واختاره المجد ابن تيمية ويشهد لذلك ما ثبت في الصحيحين : أن النبي e : ( كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ) . والراجح القول الأول لأنها إنما ثبت مع هذا اللفظ لا مع سبحان ربي العظيم . ومما ورد عنه e في ركوعه وسجوده صلى الله عليه وسلم : ما ثبت في صحيح مسلم : أنه كان يقول في ركوعه وسجوده :   ( سبوح قدوس رب الملائكة والروح ) .

وتقدم الحديث المتفق عليه : ( وأنه يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ) .

وفي مسلم أن النبي e كان يقول إذا ركع : ( اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي ) .

تقدم أن : أدنى الكمال أن يقول : سبحان ربي العظيم ، وسبحان ربي الأعلى ثلاثاً .

واختُلِف في أعلى الكمال ، فالمذهب أن علاه لإمام أنه عشر تسبيحات لما روى أبو داود في سننه عن أنس قال : ( ما صليت وراء أحد بعد رسول الله e أشبه صلاة رسول الله e من هذا الفتى – يعني عمر بن عبد العزيز – قال الراوي فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات ) لكن الحديث في إسناده جهالة .

كما أن هذا الركوع الطويل الذي حزر بعشر تسبيحات ليس فيه أنه كان يقول " سبحان ربي العظيم : عشراً فيحتمل أنه كان يقول غير ذلك مما ورد عن النبي e لكن هذا الحديث لو صح يدل على مقدار الركوع أنه يكون يقدم بعشر تسبيحات وأعلاه للمفرد على المذهب العرف .

وقال القاضي من الحنابلة : إن كان منفرداً فلاحد   مالم يخف سهوه لا يسهو ، وإن كان إماماً    مالم يشق على المأمومين وهذا ضابط حسن تدل عليه الأحاديث وكان النبي e يطيل في ركوعه .

وفي الصحيحين من حديث البراء : أن النبي e : ( كان قيامه فركوعه فسجوده فجلسته بين السجدتين فجلسته للتشهد قريباً من السواء ) أي معتدلة متقاربة وليس المراد أنها بدرجة واحدة في الطول ، وإنما المراد أنها متناسبة في الطول ، فإذا أطال القيام أطال الركوع والسجود ، وإذا خففه خففهما فتكون الصلاة معتدلة .

 

قال : [ ثم يرفع رأسه ويديه ]

إلى حذو منكبيه أو فروع أذنيه كما تقدم .

ويرفع الإمام والمنفرد يديه بعد الاعتدال من الركوع .

لحديث ابن عمر المتقدم وفيه : ( وبعد ما يرفع رأسه من الركوع ) الحديث متفق عليه .

 

 

قال : [ ثم يخر مكبراً ساجداً على سبعة أعضاء ]

" يَخِر " خر : أي سقط .

" مكبراً " أي قائلاً الله أكبر ، لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وفيه : ( ثم يكبر حين يهوي ساجداً )  ويكون ابتداء تكبيره مع ابتداء خروره وانتهاؤه مع انتهائه .

ولم يذكر المؤلف هنا : رفع اليدين لأن المشهور في المذهب أنه لا يُشرع الرفع إذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود .

ودليله : ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وفيه : ( ولا يفعل ذلك في السجود ) وفي رواية مسلم : ( ولا يرفع يديه إذا سجد ولا إذا رفع رأسه من السجود )

وعن الإمام أحمد وهو مذهب طائفة من الصحابة والتابعين أنه يشرع له الرفع ، في كل خفض ورفع .

وهذا القول هو الراجح ويدل عليه حديث مالك بن الحويرث في النسائي بإسناد صحيح وفيه : ( أنه رى النبي e رفع يديه في صلاته إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذى بهما فروع أذنيه ) والمثبت مقدم على النافي علمه.

إلا أن عدم ذكر ابن عمر لذلك يدل على أن النبي e لم يكن يداوم عليه .

فالراجح : أنه يستحب له أحياناً أن يرفع يديه إذا سجد ورفع رأسه من السجودً .

 

قال : [ ساجداً على سبعة أعضاء رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته مع أنفه ]

في هذه الجملة مسألتان :

المسألة الأولى : فرضية السجود على سبعة أعظم وهي : الجبهة والأنف وهما عظم واحد ، واليدان وهما عظمان ، والركبتان وهما عظمان وأطراف القدمين وهما عظمان .

لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي e قال : ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه ) وفي رواية النسائي : " الجبهة والأنف " (واليدين ) وفي رواية مسلم : " والكفين " (والركبتين وأطراف القدمين ) .

المسألة الثانية : المستحب كما ذكر المؤلف .

وهو مذهب عامة الفقهاء من الحنابلة وغيرهم : أن يقدم الركبتين على اليدين .

واستدلوا :

بما رواه الأربعة عن وائل بن حجر وقال : ( رأيت النبي e إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه ) والحديث تفرد به شريك موصولاً ورواه همام عن عاصم بن كُليب عن أبيه مرسلاً ، فالصواب أنه مرسل ويُعضده حديث عبدالجبار بن وائل عن أبيه رواه أبو داود وفيه انقطاع لكنه يُعضد ما قبله فالحديث حسن بطريقيه وله شاهد من حديث أنس رواه البيهقي بسند فيه جهالة والحديث صححه ابن خزيمة وغيره .

وذهب المالكية وهو ورواية عن الإمام أحمد إلى استحباب تقديم اليدين على الركبتين واستدلوا بدليلين :

1- الأول : ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة أن النبي e قال : ( إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه ) قالوا : ركبة البعير وركبة كل ذي أربع في يديها ، والبعير إذا برك ، برك في مقدمه والركبتان في مقدمة كما نص على ذلك صاحب لسان العرب وغيره .

وقد روى البخاري في صحيحه في قصة سراقة بن مالك وفيه قال : ( فساخت يدا الفرس في الأرض حتى بلغتا الركبتين ) فهذا يدل على أن ركبة الفرس وهكذا ذوات الأربع في اليدين  فالبعير ركبتاه في يديه .

والثاني : ما رواه ابن خزيمة عن ابن عمر :  ( أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه ويقول : كان النبي e يفعل ذلك ) وروى البخاري في صحيحه الجزء الموقوف منه معلقاً : ( أن ابن عمر كان يضع يديه قبل ركبتيه ) وهو من معلقات البخاري التي لم يغلقها الحافظ ابن حجر في كتابه تغليق التعليق .

والراجح القول الأول والجواب عما استدل به أهل القول الثاني .

أما حديث أبي هريرة فهو من حديث عبدالعزيز بن الدراوردي عن محمد بن الحسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة .

والحديث فيه علتان :

الأولى : تفرد عبدالعزيز الدراوردي عن محمد بن الحسن ، ورواه عبدالله بن نافع عن محمد بن الحسن بلفظ  يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل .

الثانية : تفرد محمد بن الحسن عن أبي الزناد .

قال البخاري لا يتابع عليه وقال الترمذي غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه .

وقال البخاري: لا أدري سمع من أبي الزناد أم لا .

فالحديث معلول أعله البخاري والترمذي والدارقطني وحمزة الكناني وغيرهم .

وأما حديث ابن عمر : فقال البيهقي لا أراه إلا وهماً وذكر المحفوظ منه وهو ما رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر قال : ( إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه وإذا رفع وجهه فليرفعهما ) والحديث رواه أحمد وابو داود والنسائي وهو حديث صحيح .

وأعله الدارقطني بتفرد عبدالعزيز الدراوردي أي في حديث ابن عمر ، والدراوردي صدوق يهم قال أبو زرعة : سيء الحفظ ، وقال أبو حاتم : لا يُحتج به ، وقال النسائي : ليس بالقوي ، وقال ابن معين : ثقة .

وصح عن عمر رضي الله عنه أنه كان يضع ركبتيه قبل يديه إذا سجد رواه ابن أبي شيبة .

والبعير إذا برك فإنه يضع يديه أولاً وتبقى رجلاه قائمتين وإن قلنا إن ركبتيه في يديه فعلى ذلك فهو يبرك بمقدمته فنهينا عن التشبه به  فالراجح ما ذهب إليه الجمهور ، قال ابن القيم رحمه الله : في قول أبي بكر بن أبي داود أن تقديم اليدين هو قول أهل الحديث إنما أراد بعضهم وإلا فأحمد والشافعي وإسحاق على خلافه .

 

قال : [ ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده ]

فلو سجد وبينه وبين الأرض حائل سواء كان متصلاً بالمصلي كأن يضع طرف ثوبه فيسجد عليه ، أو منفصلاً كسجادة ونحوها فيصح السجود فلا يشترط أن يباشر المصلَى بشيء من أعضاء السجود   .

ودليل ذلك : ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال : ( كنا نصلي وراء النبي e فيضع أحدنا طرف ثوبه من شدة الحر في مكان السجود ) وهذا يدل على أنه يُكره أن يسجد على المتصل إن لم تكن حاجة كطرف شماغه وأما المنفصل فلا يُكره وفي الصحيحين أن النبي e صلى على الخُمره وهي تُصنع من سعف النخل قدر ما يسجد عليه المصلي .

وروى البخاري معلقاً ووصله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما بإسناد صحيح عن الحسن البصري قال :   ( كان أصحاب النبي e يسجدون وأيديهم في ثيابهم ، ويسجد الرجل منهم على قلنسوته وعمامته )

قال : ( ليس من أعضاء سجوده ) فإذا وضع يده ثم سجد عليها لم يصح سجوده .

قالوا : لأن الشارع قد أمره بأن يسجد على هذه الأعظم السبعة وإذا فعل ذلك فكأنما سجد على عضو واحدٍ فهو يفضي إلى تداخل الأعضاء .

 اعلم أن المشهور في المذهب أنه يجزيء السجود على بعض العضو ، كما لو سجد على أطراف أصابع يديه.

وهو ظاهر الحديث وإن سجد على ظهر كفيه أو أطراف أصابع يديه أو ظهور قدميه فيجزئه كذلك وهو ظاهر الحديث لأنه قد سجد على يديه وقدميه .

 

قال : [ ويجافي عضديه ]

أي يجافي عضديه عن جنبيه . لما روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح : ( أن النبي e كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى نأوي له ) وثبت في الصحيحين من حديث ابن بحينة قال : ( كان النبي e إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه ) حتى قالت ميمونة – كما في مسلم - : ( كان النبي e إذا سجد لو شاءت بَهمة أن تمر بين يديه لمرت  ) البهمة : صغار المعز . فهذا يدل على أن النبي e كان يجافي عضديه عن جنبيه .

ويستحب له أن يرفع مرفقيه ففي مسلم أن النبي e قال: ( إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك ) .

 

قال : [ وبطنه عن فخذيه ]

يستحب أن يجافي بطنه عن فخذيه ، وفخذيه عن ساقيه فقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث أبي حميد الساعدي وفيه:( وإذا سجد فرَّج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه )

وفي سنن النسائي بإسناد صحيح عن البراء قال : ( كان النبي e إذا صلى جخَّ ) أي نحى البطن عن الفخذين والفخذين عن الساقين .

 

قال : [ ويفرق ركبته ]

للحديث المتقدم حديث أبي حميد الساعدى وفيه أن النبي e : ( كان إذا سجد فرَّج بين فخذيه ) ولازمه التفريج بين الركبتين أيضاً .

ويستحب في قدميه أن ينصبهما وأن يتوجه بأطراف أصابعه إلى القبلة وأن يرص القدمين بعضهما إلى بعض ، ويدل على استحباب نصب القدمين ما ثبت في الترمذي : ( أن النبي e أمر بوضع اليدين ونصب القدمين ) فتكون العقبان إلى أعلى وأطراف القدمين إلى أسفل .

وأما استقبال القبلة بأطراف الأصابع فلما ثبت في البخاري من حديث أبي حميد الساعدي وفيه: ( واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة )

ويستحب أن يفرج بين أصابع رجليه ، لما ثبت في المسند وسنن أبي داود والترمذي وفيه : ( وفتح أصابع رجليه ) .

وأما رص القدمين بعضهما ببعض فثبت عند ابن خزيمة  بإسناد صحيح : ( أن النبي e رص عقبيه في سجوده ) وأما الكفإن فيستحب أن يكونا حيال المنكبين أو حيال فروع الأذنين فعندنا صفتان :

لما ثبت في سنن أبي داود والترمذي بإسناد صحيح : ( أن النبي e كان إذا سجد وضع كفيه حذو منكبيه ) .

وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح : ( أن النبي e كان إذا سجد وضع كفيه حذو أذنيه ) وفي مسلم أن النبي e : ( كان إذا سجد سجد بين كفيه ) أي جعل وجهه بين كفيه .

ويستحب أن يضم أصابع يديه ويستقبل بهما القبلة لما ثبت ذلك في البيهقي بإسناد صحيح أن النبي e : ( ضم أصابعه واستقبل بأطرافهما القبلة ) .

 

قال : [ ويقول : سبحان ربي الأعلى ]

تقدم الكلام على هذا في أذكار الركوع .

 

قال : [ ثم يرفع رأسه مكبراً ]

أي يرفع رأسه من السجود إلى الجلسة بين السجدتين .

" مكبراً " أي قائلاً : " الله أكبر " لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة المتقدم وفيه : ( ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود ) وهي– أي الجلسة بين السجدتين – ركن من أركان الصلاة ، وفي حديث المسيء صلاته المتفق عليه : ( ثم اجلس حتى تطمئن جالساً ) .

وقد تقدم مشروعية رفع اليدين إلى المنكبين أو فروع الأذنين إذا رفع رأسه من السجود أحياناً .

 

قال : [ ويجلس مفترشاً يسراه ناصباً يمناه ]

أي يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب قدمه اليمنى وهذه هيئة الجلوس بين السجدتين .

لما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة وفيه : ( وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى )

وثبت في أبي داود والترمذي من حديث أبي حميد الساعدي e وفيه : ( ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها ثم اعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلاً ثم أهوى ساجداً ) .

ويستحب أن يستقبل بأطراف أصابع رجله اليمنى القبلة كما صح ذلك في النسائي : أن النبي e : ( استقبل بأطراف أصابعه القبلة ) يعني في الجلسة بين السجدتين .

ويضع يديه على فخذيه كجلوسه في التشهد وهو مما توارثه الخلف عن السلف .

ولا يستحب أن يشير بأصبعه – في الجلسة بين السجدتين – خلافاً لابن القيم ، فقد ساق في صفة صلاة النبي e الإشارة في الجلسة بين السجدتين ، ولا دليل على ذلك .

وأما ما رواه عبد الرزاق في مصنفه في ذلك فهي رواية شاذة عند أهل العلم ، ولم أر أحداً من أهل العلم قال بهذه المسألة سوى ابن القيم .

 

قال : [ ويقول : رب اغفر لي ]

لما ثبت في سنن النسائي : بإسناد صحيح : أن النبي e كان يقول بين السجدتين : ( رب اغفر لي ، رب اغفر لي ) أي يكررها .

والكمال في المشهور في المذهب ثلاث مرات .

وقد كان النبي e يطيل الجَِلسة بين السجدتين حتى يقال: قد نسي  يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال : ( لا آلو أصلي بكم كما رأيت النبي e يُصلي فكان – أي أنس – إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل قد أوهم ويقعد بين السجدتين حتى يقول القائل : قد أوهم ) وفي رواية " نسي " .

ومما ورد عنه e – في هذا الموضع ما رواه الأربعة إلا النسائي – وهذا لفظ أبي داود عن ابن عباس – أن النبي e : ( كان يقول بين السجدتين " اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني " ) وفي رواية الترمذي : ( واجبرني ) مكان : ( عافني ) وزاد ابن ماجه ( وارفعني ) – والحديث إسناده حسن – .

ويُستفاد مما تقدم أن هذا الموضع موضع دعاء ، وكان النبي e يطيل الجلوس حتى يقال قد نسي فلا بأس أن يزيد من الأدعية ما شاء .

 

قال : [ ويسجد الثانية كالأولى ]

في الهيئة والتكبير والتسبيح لفعله صلى الله عليه وسلم.

 

[ثم يرفع مكبراً ]

أي قائلاً : " الله أكبر " وتقدم هذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

 

قال : [ ناهضاً على صدور قدميه معتمداً على ركبتيه إن سهل ]

ولم يذكر المؤلف رحمه الله جلسة الاستراحة .

ومذهب أكثر الفقهاء من الحنابلة وغيرهم : أنها لا تُستحب .

واستدلوا :

 

بأن أكثر الأحاديث الواردة عن النبي e في صفة الصلاة لم تذكر هذه الجلسة قال ابن القيم : وسائر من وصف صلاته e لم يذكر هذه الجلسة وإنما ذُكرت في حديث أبي حميد ومالك ولو كان هديه فعلها دائماً لذكرها كل من وصف صلاته e .

والقول الثاني : وهو مذهب الشافعية ورواية عن الإمام أحمد اختارها الخلال من أصحابه وذكر أن الإمام أحمد قد رجع إلى القول بها ، أنه تستحب هذه الجلسة وهو قول طائفة من أهل الحديث .

واستدلوا بحديثين صحيحين :

الحديث الأول : حديث مالك بن الحويرث في البخاري : ( أنه رأى النبي e يُصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً ) .

الحديث الثاني : ما ثبت في سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي حميد الساعدي ، و قد قاله بمحضر عشرة من أصحاب النبي e منهم أبو قتاده وقالوا له – لما ذكر صفة الصلاة – ومن جملتها جلسة الاستراحة قالوا له : ( صدقت هكذا كان النبي e يصلي ) وفيه ( ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه ثم نهض ) .

قالوا : فهذان الحديثان فيهما إثبات جلسة الاستراحة أما حديث أبي حميد : فإنه قد أقره على ذلك عشرة من الصحابة منهم أبو قتادة .

وأما حديث مالك بن الحويرث : فإن راويه – وهو مالك ابن الحويرث – هو راوي حديث : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) وقد ذكر فيه جلسة الاستراحة .

والراجح أنها لا تُستحب وحكى الإمام أحمد ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وذكره ابن المنذر عن ابن عباس .

قال الإمام أحمد رحمه الله : في حديث مالك بن الحويرث : ليس لهذا الحديث ثانٍ وهذا يدل على أن حديث أبي حميد عنده غير محفوظ .

قال ابن رجب رحمه الله : والظاهر والله أعلم أنها وهم أي هذه اللفظة التي فيها ذكر جلسة الاستراحة من بعض الرواة كرر ذكر الجلوس بين السجدتين غلطاً .

والجواب عن حديث مالك بن الحويرث بأنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وقد كبر وثقل ، والمعنى  يدل على ذلك فإنها للحاجة ودفع التعب كما تفيده اسمها.

وقال بعض العلماء كالموفق : هي مستحبة لمن كبر وثقل بدنه .

والراجح أنها لا تُستحب بالكلية وإنما هي من الأفعال المباحة التي تُفعل في الصلاة للحاجة .

وهي جلسة لطيفة لم يرد فيها ذكر وصفتها كالجلوس بين السجدتين وتفعل بعد السجدة الثانية من كل ركعة وتر قبل القيام للتي بعدها ، والاستراحة : طلب الراحة فكأنه حصل له إعياء فجلس ليزول عنه .

مسألة : على القول باستحباب هذه الجلسة متى يكون التكبير ؟

ثلاثة أقوال لأهل العلم هي ثلاثة أوجه في مذهب الشافعية .

الأول : أنه يكبر إذا رفع رأسه ثم يجلس ثم ينهض بلا تكبير وهو المذهب إذا جلس للاستراحة .

 الثاني : أنه لا يكبر إذا رفع رأسه ويجلس ثم يكبر وينهض .

الثالث : أنه يكبر إذا رفع رأسه ويمد تكبيره حتى يستوي قائماً .

وهذا أصحها عند الشافعية والراجح المذهب لأن مد التكبير لو كان ثابتاً لنُقل لمغايرته المعهود في تكبيرات الصلاة ولأنها إنما شُرعت على القول بها للراحة ومع مد التكبير يكون فيها إعياء .

ويدل على ذلك حديث أبي هريرة في الصحيحين ثم يُكبر حين يرفع رأسه .

فإن كان المأموم يرى استحبابها دون الإمام فلا بأس أن يجلسها لأنها جلوس يسير لكن الأقوى أن يُتابع إمامه فهو أولى من التخلف لفعل مستحب كما قرر هذا شيخ الإسلام .

والمستحب : أنه يقوم على صدور قدميه معتمداً على ركبتيه لحديث وائل بن حجر المتقدم وفيه : ( وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه ) وفي رواية : ( واعتمد على فخذيه ) .

وفي ابن أبي شيبة عن جماعة من السلف بأسانيد صحيحة : ( أنهم كانوا ينهضون على صدور أقدامهم كعلي وابن مسعود وابن عمر ) .

قال الترمذي : والعمل على هذا عند أهل العلم .

وذهب المالكية والشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن المستحب له أن ينهض معتمداً على يديه .

واستدلوا : بما ثبت في البخاري من حديث مالك بن الحويرث وفيه : أن النبي e : ( كان إذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام )

 والجواب عنه بما تقدم في جلسة الاستراحة ، وأن النبي e فعل ذلك لمشقة لما كبر وثقل.

قال : ( إن سهل ) : فإن كان فيه مشقة فإنه يعتمد على يديه دفعاً للمشقة .

وأما حديث العجن الذي رواه أبو إسحاق الحربي الحنبلي في غريب الحديث عن ابن عمر أنه كان يعجن في الصلاة يعتمد على يديه إذا قام وقال : رأيت النبي e يفعله .

فلا يصح كما قال ابن الصلاح وقال النووي : ضعيف باطل لا أصل له ونقله ابن حجر ولم يتعقبه وهو من حديث الهيثم بن عمران ولم يوثقه سوى ابن حبان وفيه يونس بن بكير وهو صدوق له غرائب .

 

قال : [ ويصلي الثانية كذلك ]

كالأولى .

 

قال : [ ما عدا التحريمة ]

فإنها تُشرع في أول الصلاة .

 

قال : [ والاستفتاح ]

لحديث أبي هريرة : (  أن النبي e كان إذا نهض من الركعة الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت ) أي لم يسكت للاستفتاح .

 

قال : [ والتعوذ ]

فإنه يسقط على المشهور في المذهب .

 

قال : [ وتجديد النية ]

فإن النية تشمل الصلاة كلها .

 

قال : [ ثم يجلس مفترشاً ( يسراه ) ويداه على فخذيه …. إلى آخره ]

هذه صفة جلوس التشهد أن يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى – كما تقدم – في حديث عائشة ونحوه من حديث ابن عمر في البخاري فالسنة في التشهد أن يجلس مفترشاً يسراه ناصباً يمناه .

قوله : " ويداه على فخذيه " .

لحديث وائل بن حجر عند الخمسة بإسناد صحيح وفيه : ( ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وحد مرفقه الأيمن على فخذه الأيمن وقبض ثنتين وحلَّق حلقة ، ورأيته يقول : هكذا، وحلَّق بشر – وهو الراوي – الإبهام والوسطى وأشار بالسبابة ) .

يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام والوسطى ويشير بأصبعه السبابة .

وثبت عنه – e– أنه كان يضع يديه على ركبتيه ويقبض أصابعه كلها ويشير بالسبابة ، كما في مسلم من حديث ابن عمر : ( أن النبي e : كان إذا قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى " وعقد ثلاثاً وخمسين ( وهي طريقة في الحساب عند العرب ) وأشار بالسبابة )  .

 فيضم أصابعه الأربع ويشير بالسبابة وفي رواية : ( قبض أصابعه كلها وأشار بالتي تلي الإبهام ) فهاتان صفتان ثابتتان عن النبي e .

المسألة الثالثة : ( ويشير بسبابتها في تشهدها )

هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب جمهور أهل العلم وأنه يشير بها بلا تحريك أي لا يحرك إصبعه السبابة .

واستدلوا : بأن الأحاديث الثابتة عن النبي e ليس فيها إلا ذكر الإشارة كما تقدم في غير ما حديث عن النبي e وقد ورد ذلك صريحاً – كما في سنن أبي داود عن ابن الزبير بإسناد جيد وفيه : أن النبي e : ( كان يشير بأصبعـه إذا دعا ولا يحركها ) .

وذهب المالكية إلى استحباب تحريك الأصبع  يميناً وشمالاً في جميع التشهد ،

واستدلوا : بما رواه النسائي من حديث وائل بن حجر بإسناد جيد وفيه ثم رفع النبي e إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها

والصحيح المذهب الأول ، لأن هذه الرواية من حديث وائل ابن حجر شاذة فعامة الأحاديث عن النبي e ليس فيها التحريك وإنما فيها الإشارة فحسب ، وعامة الرواة عن وائل لم يذكروا هذه اللفظة وإنما تفرد بها بعضهم .

وقد ثبت في سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح من حديث سعد بن أبي وقاص قال : مرَّ عليَّ النبي e وأنا أدعو بأصبعي فقال : ( أحِّد أحِّد وأشار بالسبابة ) .

فإن هذا نظير يرفع اليدين للدعاء ، فيشير بإصبعه إشارة إلى توحيد الله وأنه هو المدعو وحده ، وأن الدعاء يوجه إليه دون غيره ، ولهذا فإن الإشارة بالأصبع تُشرع في الدعاء ولو في غير صلاة وهو المشهور في المذهب .

 

قوله : [ في تشهدها ]

المستحب عند الحنابلة : أنه يشير بها عند ذكر لفظ الله تعالى ثم يعيدها .

وعن الإمام أحمد : أنه يشير بها في تشهده كله ، فيرفع أصبعه السبابة مشيراً بها في تشهده كله .

وهو ظاهر الحديث المتقدم .

والتشهد دعاء كله ، فآخره دعاء وأوله ثناء على الله وصلاة على النبي e وهما من وسائل الدعاء فتستحب الإشارة في التشهد كله .

وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر : ( ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها ) فإذن التشهد كله دعاء ، ومعلوم أن الداعي لله عز وجل إذا دعاه فإنه يرفع يديه ويتضمن ذلك ثناء على الله وصلاة على النبي e وهما داخلان في الدعاء لأنهما من مقدماته .

فالراجح : أنه يشير بها في تشهده كله .

ويستحب له أن يديم النظر إليها لما ثبت في المسند وسنن أبي داود والنسائي بإسناد جيد من حديث عبد الله بن الزبير وفيه : أن النبي e : ( وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره إشارته) .

فإن عُدمت السبابة لم يُشر بغيرها في المشهور في المذهب والذي يظهر أنه يُشير بغيرها إن عُدمت لحصول المقصود بذلك من التنبيه على التوحيد وهو احتمال كما في الفروع .

المسألة الرابعة : ( ويبسط اليسرى )

أي يبسطها على فخذه أو يلقمها ركبته لما ثبت في مسلم من حديث ابن عمرو وفيه : ( ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها ) ، وصح في مسلم من حديث ابن الزبير وفيه : ( ويلقم كفه اليسرى ركبته ) فيستحب أن يبسطها على فخذه أو يلقمها ركبته .

 

قال : [ ويقول : التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا]

( التحيات لله ) بمعنى : البقاء والعظمة والملك لله تعالى .

( والصلوات ) كلها فرضها ونفلها ، والدعاء كل ذلك لله تعالى مستحق له لا يُصرف إلى غيره ( والطيبات ) كلها فكل عمل صالح و قول طيب من أعمال العباد فهو له ، وله أيضاً جلا وعلا من الأوصاف والأقوال والأفعال أطيبها .

( السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ) هكذا في الرواية وهو ما كان يعلمه عمر بن الخطاب الناس على المنبر – كما في الموطأ بإسناد صحيح .

وذهب كثير من أصحاب النبي e إلى القول بعد وفاته ( السلام على النبي ) كما روى البخاري عن ابن مسعود قال : ( لما كان بين ظهرانينا فلما قبض قلنا : السلام ) قال البخاري : ( يعني على النبي ) وقد ورد تصريحاً في مصنف ابن أبي شيبة ومستخرج الإسماعيلي : ( السلام على النبي ) وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء بن أبي رباح قال : ( كان أصحاب النبي e وهو حي يقولون : السلام عليك أيها النبي ، فلما مات قالوا : السلام على النبي )

والأولى الوقوف على ما ورد عن النبي e ؛ لأنه كان يعلمه الصحابة فيقولونه في حضرته وفي غيبته ، في بيوتهم أو بواديهم وهو في حكم الغائب عنهم وهذا يدل على أنه لا فرق في ذلك بين الحي والميت  .

وفي الحديث الصحيح : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من أحد يسلم على إلا رد الله على روحي حتى أرد عليه السلام ) رواه أبو داود  وقد قال e : ( فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم ) رواه أبو داود أيضاً .

فالراجح أنه يقول : ( السلام عليك أيها النبي ) .

قول : ( السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا أله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ) هكذا في الرواية المتفق عليها ، وفي مصنف ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف مرفوعاً : ( وحده لا شريك له ) وهي ثابتة في سنن أبي داود عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه قال ( وزدت وحده لا شريك له ) .

والمستحب وهو المشهور في المذهب أنه لا يزيد عليها شيئا فإن زاد " وحده لاشريك " له فلا بأس .

ولا تُستحب التسمية قبل التشهد وقد جاء ذكر التسمية في حديث جابر في النسائي وابن ماجه وهو ضعيف عند أهل الحديث ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما .

وهذا النوع من التشهد هو أشهرها ، وهو تشهد ابن مسعود الثابت في الصحيحين .

فقد صح عنه أنه قال : التفت إلينا رسول الله e فقال : ( إذا صلى أحدكم فليقل : التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا أله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله )  

وإن تشهد بغيره فحسن كحديث ابن عباس في مسلم ( التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد وألا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله ) .

 – قال الإمام أحمد : ( وتشهد عبد الله أعجب إلى وإن كان غيره جائزاً ) ، وذلك لأن الحديث في الصحيحين ولأن العمل عليه كما قال الترمذي وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه أصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن.

وقال الأسود : ( كنا نتحفظه من عبد الله كما نتحفظ السورة من القرآن ) .

وهل يجوز أن ينقص منه ؟

المشهور في المذهب : أن له أن ينقص منه من الألفاظ ما سقط في بعض أحاديث التشهد .

وعلى ذلك فالواجب خمس كلمات وهي : ( التحيات لله ، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله سلام على عباد الله الصالحين أشهد أن لا أله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ) هذا يأتي بمعنى الجميع .

ويُستحب له أن يُخفف الجلوس في التشهد الأول لما روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من طريق أبي عبيدة عن أبيه عبد الله ابن مسعود ولم يسمع من أبيه ففيه انقطاع ، وله شواهد يرتقى بها إلى درجة الحسن أن النبي e : ( كان إذا جلس في الركعتين الأوليين كأنه على الرَّضْف ) وهي الحجارة المحماة .

وله شاهد من السنة المرفوعة وهو ما رواه أحمد بإسناد جيد من حديث محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث وفيه : ( وإذا كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده ) .

وله شاهد موقوف على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فقد ثبت في مصنف ابن أبي شيبة : ( أنه كان إذا جلس في الركعتين كأنه على الرَضْف ) ورواه ابن أبي شيبة أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنهما .

ويستحب له إذا نهض من التشهد الأول أن يرفع يديه خلافاً للمشهور في المذهب – وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره المجد ابن تيميه وحفيده شيخ الإسلام ابن تيميه  .

لما روى البخاري من حديث ابن عمر : أن النبي e : ( كان إذا قام من الركعتين رفع يديه )

ثم يصلي الركعة الثالثة من المغرب والركعتين الأخريين من صلاة الظهر والعصر والعشاء ، ويقرأ فيها بفاتحة الكتاب فحسب لحديث أبي قتادة المتقدم : ( أنه كان يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب ) .

ويستحب له تارة – كما هو رواية عن الإمام أحمد : أن يقرأ بسورة بعد الفاتحة – كما ثبت في مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال : ( أن النبيe كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية ، أو قال : نصف ذلك ، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشر آية ، وفي الأخريين قدر نصف ذلك ) .

فهذا الحديث فيه أن النبي e كان ربما قرأ مع فاتحة الكتاب سورة وفي الركعتين الأخريين من الظهر .

قال : [ ثم يقول : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ]

هذا أحد الألفاظ الواردة عن النبي e في الصلاة عليه في الصلاة ، وهو في الصحيحين ولذا اختاره الإمام أحمد .

وهو من حديث كعب بن عجرة قال : ( قلنا يا رسول الله : قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك – في رواية مسلم " إذا نحن صلينا " فقال : قولوا : اللهم صل على محمد …… ) الحديث .

وقد جاء الجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم في رواية البخاري من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه  وفي حديث أبي سعيد الخدري: ( كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ) .

وفي حديث أبي مسعود الأنصاري في مسلم : ( كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ) .

ويجزئه أن يكتفي بقول : " اللهم صل على محمد "

وهو المشهور عند الحنابلة واختاره الموفق وهو الراجح كما تقدم في ألفاظ التشهد .

ولأن الصلاة الواردة كانت عن سؤال، وما كان طريقه السؤال فليس بواجب ، إذ لو كان واجباً لابتدئ به .

فسكوته e عن تعليمهم ذلك حتى يسألوه يدل على أن ذلك إنما هو على وجه الإرشاد والتعليم وليس على وجه الوجوب .

ولكن هل يجب أن يصلي على النبي e في تشهده أم لا ؟

ذهب الشافعية والحنابلة إلى فرضية ذلك ، أما الحنابلة فيوجبونها في التشهد الثاني فقط ، وأما الشافعية ففي كل تشهد  ، واستدلوا : بقوله : " قولوا " قالوا : وهذا أمر والأمر للوجوب.

وذهب المالكية والأحناف وأكثر العلماء : إلى الاستحباب ، وهو رواية عن أحمد واختاره ابن المنذر .

وهذا القول أظهر ، لما تقدم من أن النبي e لم يعلمهم الصلاة عليه في الصلاة حتى سألوه عنها ، ولأنه لم يذكر في حديث المسيء صلاته وقد قال فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك .

 

قال : [ ويستعيذ من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ]

لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي e قال : ( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول : " اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال " )

وهذه الاستعاذة سنة في الصلاة باتفاق المذاهب الأربعة .

وعند الإمام أحمد وهو مذهب طائفة من أهل العلم أن الاستعاذة على هذه الصفة فرض في الصلاة ويعيد صلاته إن تركها وهو قول طاووس بن كيسان من كبار التابعين .

واستدلوا : بالأمر الوارد : " فليستعذ "

واستدل جماهير العلماء بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود وفيه – بعد أن ذكر التشهد – قال :   ( ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو ) .

فهذا يدل على أنه لا يجب عليه نوع من أنواع الأدعية أو الاستعاذات وإنما يدعو بما شاء ويتخير من الدعاء أعجبه إليه ، فيكون هذا الأمر للاستحباب، وهذا هو الراجح .

 

قال : [ ويدعو بما ورد ]

كما في الصحيحين من حديث أبي بكر قال : ( قلت يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي فقال : قل " اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم " ) وضُبطت كبيراً .

وفي الصحيحين أيضاً الاستعاذة من المأثم والمغرم .

وظاهر قوله : " بما ورد " أي بما ورد عن النبي e في هذا الموضع لكن هذا غير مراد هنا ، بل المراد ما ورد في الكتاب والسنة أو عن السلف أو في أمر الآخرة ، كأن يقول : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، ويدعو برزق حلال أو عصمة من الفواحش ونحو ذلك فلا بأس .

وينهي وهو المذهب عن الدعاء بأمر الدنيا وملاذها ونعيمها لا يشرع له ذلك بل تبطل به الصلاة كما لو قال : ارزقني سيارة فارهه .

ومنصوص الإمام أحمد : أنه لا بأس بذلك واختاره الموفق ، وهذا القول هو الراجح وظواهر الأدلة تدل عليه كقوله e : ( ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو ) وعند البيهقي بإسناد صحيح : ( ثم ليدعُ بما بداله ) . واختاره الشيخ عبدالرحمن بن سعدي والشيخ محمد بن عثيمين رحمهما الله تعالى .

  

قال : [ ثم يسلم عن يمينه : السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره كذلك ]

المسألة الأولى :

أن المستحب أن يسلم عن يمينه وعن شماله فيقول عن يمينه : " السلام عليكم ورحمة الله " وعن يساره " السلام عليكم ورحمة الله .

ويُسلم حتى يرى بياضُ خده لما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح : أن النبي e :   ( كان يسلم عن يمينه حتى يبدو بياض خده السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره حتى يبدو بياض خده ، السلام عليكم ورحمة الله )

فإن قال عن يمينه : السلام عليكم وحمة الله وبركاته ، وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله فحسن .

لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح : أن النبي e : ( كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعن شماله : السلام عليكم ورحمة الله )

 وإن قال عن يمينه " السلام عليكم ورحمة الله " ، وعن شماله " السلام عليكم " فحسن أيضاً .

لما ثبت في مسند الإمام أحمد والنسائي بإسناد صحيح : أن النبي e : ( كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره السلام عليكم ) .

وفي سنن سعيد بن منصور كما في المغني من حديث علي وفيه أن النبي e  : ( كان يسلم عن يمينه السلام عليكم وعن يساره السلام عليكم ) وهذا الجزء مفقود فلا يتيسر النظر في سنده .

والمشهور في المذهب أن المصلي إن ترك ( ورحمة الله ) لم يجزئه لأن سلام الصلاة ورد مقروناً بالرحمة فلا يجزئه دونها إلا في صلاة الجنازة .

 وعن أحمد أنه يجزئه والأول أظهر .

وأما ما رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم أن النبي e : ( كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه يميل إلى الشق الأيمن شيئاً )

فقد أعله أبو حاتم الدارقطني وابن عبد البر وغيرهم من الأئمة المتقدمين ، وهو من حديث زهير بن محمد ويرويه عنه شامي ورواية الشاميين عنه ضعيفة منكرة فلا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في الاكتفاء بتسليمه واحدة .

والمذهب أنه لا يجزئه أن يُنَكِّر السلام فيقول : " سلام عليكم " لأنه لم ينقل عن النبي e وقد قال : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) .

 وقيل : يجزئه ، لوروده في القرآن قال تعالى : ( سلام عليكم بما صبرتم ) واختاره الشيخ محمد بن عثيمين وهو أظهر .

المسألة الثانية :

ظاهر كلام المؤلف وهو المذهب أن ابتداء السلام يكون حال التفاته عن اليمين وعن الشمال ، فيلتفت إلى يمينه قائلاً :" السلام عليكم ورحمة الله " ثم يلتفت إلى يساره قائلاً : " السلام عليكم ورحمة الله " هذا هو ظاهر قول المؤلف ، وظاهر الأدلة .

وقال ابن عقيل : يستقبل القبلة بـ " السلام عليكم " ويلتفت بالرحمة .

وظاهر الأحاديث خلاف ذلك .

المسألة الثالثة : أن المستحب أن يسلم تسليمتين عن يمينه وشماله .

وجمهور العلماء : على أن التسليمة الثانية مستحبة وحكاه ابن المنذر والنووي إجماعاً .

والقول الثاني : وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره القاضي من الحنابلة : أن التسليمتين فرض لفعل النبي e .

والراجح القول الأول لأن التسليم يحصل بواحدة وفعل النبي e لا يدل على الوجوب وقد قال e : ( وتحليلها التسليم ) وهذا يحصل بتسليمة واحدة .

ويستحب حذف السلام باتفاق العلماء بأن لا يطوله ولا يمده .

لما روى الترمذي في سننه وصححه أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : ( حذف السلام سنة ) والصواب وقفه كما قال الدارقطني ، قال الترمذي : وهو الذي يستحبه العلماء . 

ويستحب الجزم أي التسكين ، وحكى الترمذي عن إبراهيم النخعي أنه قال : ( التكبير جزم والسلام جزم ) وذلك بأن يقف عند آخر كل تسليمة وهو المشهور في المذهب .

والمذهب أن الإمام يجهر بالتسليمة الأولى فقط لحصول المقصود بذلك .

والراجح أنه يجهر بهما وهو ظاهر السنة قال في الفروع : وهو ظاهر كلام جماعة .

 

قال: [ وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مكبراً بعد التشهد الأول وصلى ما بقي كالثانية بالحمد فقط ]

تقدم شرح هذا في درس سابق .

 

قال : [ ثم يجلس في تشهده الأخير متوركاً ]

هذا هو المستحب في جلوس للتشهد الأخير : أن يجلس متوركاً إن كانت الصلاة ذات تشهدين .

وصفة التورك : أن يقدم رجله اليسرى وينصب اليمنى ويقعد على مقعدته .

لما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي e وفيه : ( وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته ) .

وفي حديث عبدالله بن الزبير في مسلم : ( أنه جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى ).

وأما إن كانت الصلاة ذات تشهد واحد ، كصلاة الفجر أو السنن التي تُصلى مثنى مثنى ، فإنه يجلس مفترشاً.

وهو المشهور في المذهب .

وذهب الشافعية إلى استحباب التورك في هذا التشهد أيضاً .

واستدلوا : بعموم الحديث المتقدم : ( وإذا جلس في الركعة الأخيرة ) الحديث .

والراجح ما ذهب إليه الحنابلة لما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح : أن النبي e : ( كان إذا صلى الصبح جلس مفترشاً ) .

أنه يستحب إخفاء التشهد أي أن يكون سراً ، لما ثبت في أبي داود والترمذي – والحديث صحيح – من حديث ابن مسعود قال : ( من السنة أن يُخفي التشهد ) وهو مستحب اتفاقاً .

 

قال : [ والمرأة مثله ]

أي مثل الرجل لعدم الدليل على التفريق ، والنساء شقائق الرجال .

 

ثم استدرك فقال : [ لكن تضم نفسها وتستدل رجليها في جانب يمينها ]

فلا تتورك وإنما تستدل رجليها في جانب يمينها ، هذا هو المشهور في المذهب ، وكذلك لا تتجافى في ركوعها وسجودها وجميع أحوال الصلاة لأنها عورة فكان الأليق بها الانضمام أيضاً .

والأظهر وهو اختيار الشيخ محمد بن عثيمين أن المرأة كالرجل في جلوسها وسجودها وركوعها فتتورك وتتجافي وفي البخاري : ( كانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل وكانت فقيهة ) .

 لكن إن كانت في حضور أجانب فتضم نفسها وتستدل رجليها ولا تبالغ في رفع يديها .

ومنها أنه يستحب للإمام أن ينفتل إلى المصلين مقبلاً بوجهه لا يخص ناحية دون ناحية ، لما ثبت في البخاري من حديث سمرة قال : ( كان النبي e : إذا صلى صلاةً أقبل علينا بوجهه) .

 وينفتل عن يمينه تارة وعن يساره تارة أخرى ، ففي مسند أحمد بإسناد جيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : ( رأيت النبي e يًصلي فكان ينفتل عن يمينه وعن شماله ) أي في إقباله على المأمومين ينصرف تارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار حتى قال ابن مسعود – كما في الصحيحين - : ( لا يجعل أحدكم للشيطان حظاً من صلاته يرى أنّ حقاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه لقد رأيت النبي e كثيراً ينصرف عن يساره ) وفي مسلم : ( أكثر ما ينصرف عن شماله ) .

لكن في مسلم عن أنس بن مالك قال : ( أما أنا فأكثر ما رأيت النبي e e ينصرف عن يمينه ) .

وكل صحابي منهما قد حدث بما رأى ، فعلى ذلك كلاهما سنة ويستحب له أن يفعل هذا تارة وهذا تارة ، ويكره أن يرى حقاً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه ، فإنه حينئذ : يكون قد جعل للشيطان نصيباً من صلاته باعتقاد ما ليس بواجب .

فإذا أقبل على المأمومين : استغفر ثلاثاً وقال : " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" .

فقد ثبت في مسلم عن ثوبان قال : ( كان النبي e إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال : اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام ) .

وفي مسلم عن عائشة قالت : ( كان النبي e إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقـول : اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام ) وفي رواية : ( يا ذا الجلال والإكرام ) .

ولا يُستحب للإمام أن يُطيل الجلوس مستقبل القبلة إلا بقدر ما يقول ذلك لحديث عائشة .

وعن أبي بكر : ( أنه إذا سلم انفتل ساعتئذٍ كأنه على الرضْف ) رواه عبدالرزاق في مصنفه بإسناد صحيح .

ويُستحب للمأموم أن لا ينصرف قبل الإمام إلا أن يُطيل الإمام الجلوس إلى القبلة فينصرف المأموم لإعراض الإمام عن السنة ، هذا هو المذهب .

لما روى مسلم في صحيحه أن النبي e قال : ( إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف )  والصحيح أن الانصراف هنا هو السلام كما قال النووي .

وأما النساء فيُستحب لهن الانصراف عقيب سلامه لئلا يختلطن بالرجال ويُستحب للرجال أن يثبتوا قليلاً .

لما ثبت في البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : (كنَّ إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال ) . وذكرت أن ذلك لتنصرف النساء قبل أن يُدركهن الرجال .

ويدعو الإمام بعد الفجر والعصر ويؤمن الناس على الدعاء عند المتأخرين من الحنابلة والشافعية.

وهذا لا أصل له بل هو من البدع قال ابن رجب : وفي ذلك نظر .

ويستحب له أن يذكر الله تعالى بما ورد عن النبي e .

فمن ذلك ما ثبت في مسلم من حديث ابن الزبير : أن النبي e كان إذا سلم يقول : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ) وفيه يهل بهن دبر كل صلاة أي يرفع صوته .

وثبت في مسلم من حديث المغيرة بن شعبة : أن النبي e كان يقول إذا انصرف من صلاته : (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) .

وفي النسائي وابن خزيمة بإسناد صحيح : (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) ثلاث مرات .

وفي الطبراني بإسناد صحيح : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير )

ويستحب له أن يسبح الله ويحمده ويكبره ويهلله وقد ورد عن النبي e أنواع من الذكر بعد صلاته المكتوبة ومنها :

1- أن يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ويكبره ثلاثاً وثلاثين ويحمده ثلاثاً وثلاثين . لما في المتفق عليه من حديث أبي هريرة من حديث : ( ذهب أهل الدثور بالأجور … ) وفيه أن النبي e قال : ( تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ) وفي رواية قال بعض الـرواة : ( حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون ) .

2- أن يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويكبره ثلاثاً وثلاثين ، ويقول : تمام المائة: ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) لما ثبت في مسلم من حديث أبي هريرة : أن النبي e قال : ( من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين ، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين فتلك تسع وتسعون وقال : تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر )

3- أن يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ، ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويكبره أربعاً وثلاثين . لما ثبت في مسلم من حديث كعب ابن عجرة أن النبي e قال : ( معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحة ، وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع وثلاثون تكبيرة )

4- أن يسبح الله عشراً ويحمده عشراً ويكبره عشراً ، وهو ثابت في مسند أحمد وسنن الأربعة بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي e قال : ( خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليها عبد مسلم إلا دخل الجنة هما يسير ومن يعمل بهما قليل يسبح الله في دبر كل صلاة مكتوبة عشراً ويحمده عشراً ويكبره عشراً ، فذلك مائة وخمسون باللسان وألف وخمسمائة في الميزان ، ويكبر الله أربعاً وثلاثين إذا أخذ مضجعه ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويسبحه ثلاثاً وثلاثين فذلك مائة باللسان وألف في الميزان فلقد رأيت رسول الله r يعقدها بيده )

5- أن يسبح الله خمساً وعشرين ويحمده خمساً وعشرين ويكبره خمساً وعشرين ويهلله خمساً وعشرين .

لما ثبت في الترمذي والنسائي بإسناد صحيح ، أن النبي e علم أصحابه أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ، ويحمدوه ثلاثاً وثلاثين ، ويكبروه أربعاً وثلاثين فأتي رجل من الأنصار في منامه فقيل له  : ( إن رسول الله e أمركم أن تسبحوا دبر كل صلاة  ثلاثاً وثلاثين وتحمدوا ثلاثاً وثلاثين وتكبروا أربعاً وثلاثين قال : نعم ، قال : فاجعلوها خمساً وعشرين واجعلوا فيها التهليل ) فلما أصبح أتى النبي e فذكر ذلك له فقال : ( اجعلوها كذلك ) وفي رواية :( فافعلوا ) .

ويستحب له أن يقرأ آية الكرسي لما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح أن النبي e قال : ( من قرأ آية الكرسي بعد كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ) وعند الطبراني : استحباب قراءة " قل هو الله أحد " بعد كل صلاة وإسناده  صحيح .

وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي من حديث عقبة بن عامر قال : ( أمرني النبي e أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة )

ويستحب له أن يعقد التسبيح والتحميد والتكبير بأصابعه .

لما ثبت في أبي داود ومسند أحمد والحديث حسن أن النبي e قال : للنساء : ( واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤلات مستنطقات ) .

والأنامل : جمع أنملة وهي أعلى الإصبع .

وفي أبو داود والترمذي والنسائي : ( أن النبي e كان يعقد التسبيح ) وفي رواية للترمذي : ( بيمينه ) والأظهر أنها شاذة .

وهل يستحب له أن يرفع صوته بالذكر بعد الصلاة المكتوبة أم لا ؟

قولان لأهل العلم :

فمذهب جمهور أهل العلم إلى أن المستحب له أن يسر به ، للحديث المتفق عليه وأن النبي e سمع أصحابه في سفر وقد رفعوا أصواتهم بالذكر فقال : ( اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً … ) .

قالوا : فهذا يدل على أن المستحب هو خفض الصوت بالذكر وعدم الرفع فيه .

وذهب طائفة من السلف والخلف وهو اختيار شيخ الإسلام إلى استحباب رفع الصوت بالذكر .

واستدلوا : بالحديث المتفق عليه من حديث ابن عباس قال : ( كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي e ) وفي رواية : ( كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته ) واختاره الشيخ حمد ابن معمر والشيخ سلمان بن سحمان وهو الراجح لكن في التهليل وأما التسبيح والتحميد والتكبير فالأظهر الإسرار ولذا جاء في حديث الزبير في التهليل قال : ( يهل بهن ) أما التسبيح والتكبير والتهليل فعلمه الصحابة من تعليمه أي بقوله ولم ينقلوه من عمله عليه الصلاة والسلام .

الأدعية الواردة عن النبي e كما في سنن النسائي وأبي داود بإسناد صحيح من حديث معاذ بن جبل أن النبي e قال له : ( يا معاذ إني أحبك فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) .

متى يقال هذا الدعاء ونحوه قبل السلام أم بعده ؟

في ذلك قولان :

الأول : أنه يقوله بعد سلامه لظاهر قوله : ( دبر كل صلاة )

والثاني : أنه يقوله بعد تشهده قبل السلام ، وهذا القول هو الراجح ، وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وإنما رجح ذلك : لأن دبر الصلاة يطلق ويراد به آخرها مما هو منها ، ويطلق ويراد به ما بعدها ، كما أن دبر كل شيء كذلك ، فدبر كل شيء هو آخره أو هو ما بعده .

وإنما رجحنا هنا : أن يكون بمعنى آخرها قبل سلامها : لأن الدعاء الأولى فيه أن يكون حال الإقبال على الله ومناجاته اللائق أن يكون هذا قبل سلامه ، وفي الحديث : ( ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو )  .

فصل

هذا فصل في مكروهات الصلاة وشيء من مستحباتها ، وكذلك في مبطلاتها

 

المكروه : هو ما يثاب على تركه امتثالاً ولا يأثم فاعله .

 

قال : [ ويكره في الصلاة التفاته ]

لما ثبت في البخاري عن عائشة قالت : سألت النبي e عن الالتفات في الصلاة فقال : ( هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ) والاختلاس هو الاختطاف بسرعة .

وفي المسند وسنن النسائي وأبي داود واللفظ له – والحديث حسن – أن النبي e قال : ( لا يزال الله عز وجل مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت ، فإذا التفت انصرف عنه ) .

فإن كان لحاجة لم يكره كخوف على ماله أو نفسه أو أهله كما لو التفتت الأم إلى صبيها الذي تخشى عليه .

لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث سهل ابن الحنظلية قال : ( ثُوِّب بالصلاة يعني صلاة الصبح – فجعل النبي e يصلي وهو يلتفت إلى الشِّعب ) قال أبو داود : وكان أرسل فارساً من الليل إلى الشعب يحرس .

والالتفات لغير حاجة لا تبطل به الصلاة عند عامة العلماء ولو استدار بصدره ووجهه ، فإن استدار بجملته عن القبلة بطلت الصلاة لتركه ما يجب من استقبال القبلة .

 

قال : [ ورفع بصره إلى السماء ]

يكره أن يرفع بصره إلى السماء وهو يصلي ، لما ثبت في البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي e قال له : ( ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ) فاشتد قوله في ذلك حتى قال :   ( لينتهُنَّ عن ذلك أو لتخطفنَّ أبصارهم ) .

ورواه مسلم من حديث أبي هريرة نحوه وفيه : (عند الدعاء في الصلاة ) ، ورواه أيضاً من حديث جابر بن سمرة ولفظه : ( لينتهينَّ أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم ) .

وهذا الحديث ظاهره التحريم وهو قول في مذهب أحمد ، ومذهب الظاهرية أن الصلاة تبطل به .

والراجح أنه محرم لا تبطل الصلاة به واختاره شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله .

أما كونه محرماً فلظاهر الحديث المتقدم ، فإن فيه وعيداً ولا يكون الوعيد إلا على فعل محرم .

لكنه لا تبطل به الصلاة خلافاً للظاهرية ، لأن النهي لا يعود إلى ذات الصلاة ولا إلى شرطها المختص بها والأصل الصحة .

ولا يُكره رفع بصره إلى السماء حال الجشاء لئلا يؤذي من حوله بالرائحة ولو في جماعه وهو المذهب .

 

قال : [ وتغميض عينيه ]

فيكره في الصلاة تغميض عينيه .

واستدلوا : بعدة أحاديث واردة عن النبي e فيها أنه كان يفتح عينيه في الصلاة ، منها : أنه كان يرمي ببصره إلى موضع سجوده ، ومنها أنه كان يرمي ببصره إلى إشارته ، ومنها ما ثبت في الصحيحين في قصة أنبجانية أبي جهم وفيه : ( فنظر إلى أعلامها نظرة ) وكذلك حديث سهل بن الحنظلية المتقدم ، فهذه الأحاديث وغيرها تفيد أنه – e – كان يفتح عينيه في الصلاة ، ولأن تغميض العينين في الصلاة من فعل اليهود كما قال الإمام أحمد وسفيان بن عيينة .

 وذهب طائفة من أهل العلم – كما قال ذلك ابن القيم في زاد المعاد – إلى أنه لا يُكره .

واختار ابن القيم التفصيل في هذه المسألة :

فقال : إن كان الخشوع يثبت مع فتح عينيه فهو المستحب له ، ولا يغمض عينيه .

وإن كان أمامه شيء يحول بينه وبين الخشوع كزخرفة وبريق ونحوه مما يشوش عليه صلاته وكان في تغميض عينيه خشوع فهو المستحب له قطعاً ، واستحبابه أقرب إلى مقاصد الشرع من القول بكراهيته .

 

قال : [ وإقعاؤه ]

أي يكره إقعاؤه في جلوسه .

وصفته : أن يفرش قدميه بأن يجعل ظهورها نحو الأرض ويجلس على عقبيه أو أن يجلس على مقعدته ناصباً فخذيه وهو مكروه اتفاقاً لحديث عائشة في صحيح مسلم وفيه : ( وكان ينهى عن عُقْبة الشيطان ) وهو إقعاء الكلب فسره بهذا أبو عبيد وغيره .

وأما نصب القدمين والجلوس على العقبين بين السجدتين فهو مستحب أحياناً لما ثبت في مسلم من حديث طاووس : قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال : ( هي السنة ، فقلنا : إنا لنراه جفاءً بالرجل فقال ابن عباس : بل هي سنة نبيك e ) .

وفي البيهقي عن ابن عمر : ( أنه كان حين يرفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول : إنه من السنة )  فيستحب أحياناً وهو رواية عن الإمام أحمد ، والمذهب : لا يستحب .

ويكره له أن يعتمد على يديه في الصلاة ، لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد صحيح : أن النبي e : ( نهى أن يجلس الرجل في الصلاة وهو يعتمد على يديه ) .

وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن ابن عمر : ( رأى رجلاً يتكئ على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة ، ساقطاً على شقه الأيسر فقال له : ( لا تجلس هكذا فإن هكذا يجلس الذين يعذبون ) فهذه الجلسة في الصلاة منهي عنها وهي أن يجلس معتمداً على يديه أو أحدهما .

 

قال : [ وافتراش ذراعيه ساجداً ]

تقدم أن الصفة المستحبة في السجود أن يضع كفيه ويرفع مرفقيه .

فإذا افترش ذراعيه فوضع مرفقيه على الأرض وبسط ذراعيه فيكره اتفاقاً لما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب ) .

 

قال : [ وعبثه ]

يكره في الصلاة أن يعبث بيديه أو ثوبه ونحو ذلك لأن في ذلك منافاة لكمال الخشوع ، وهذا باتفاق العلماء.

 

 

قال : [ وتخصُّره ]

أي يكره التخصر وهو : أن يضع يديه على خاصرته أي وسْط بدنه فوق وركه وهي الشاكلة وهو المذهب ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين أن النبي e : ( نهى أن يصلي الرجل مختصراً ) وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث زياد بن صُبيح قال : ( صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يدىَّ على خاصرتي فلما صلى – أي ابن عمر – قال : هذا الصَلْب في الصلاة وكان رسول الله e ينهى عنه ) .

وفي البخاري عن عائشة أنها كانت تقول : (إن  اليهود تفعله ) وزاد ابن أبي شيبة : ( في الصلاة ) .  

 

قال : [ وتروُّحه ]

أي بمروحة بلا حاجة لأنه عبث في الصلاة وينافي الخشوع ، وإن كان لحاجة كغم شديد أو حر شديد فلا يُكره ، ما لم يكن كثيراً متوالياً فتبطل به الصلاة .

وأما المراوحة بين القدمين فتستحب : وهي أن يتكئ على أحد رجليه بثقل بدنه ، فتكون القدم الأخرى في راحة من بدنه ، ثم يحمل بدنه على القدم الأخرى – هذه تسمى المراوحة فتارة يعتمد على هذه القدم وتارة يعتمد على الأخرى .

وقد ورد في النسائي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود : ( أنه رأى رجلاً يصلي صافاً بين قدميه فقال : (أخطأ السنة لو راوح بينهما كان ذلك أعجب إلى ) وقد استدل به الإمام أحمد على استحباب ذلك ، وفيه انقطاع بين أبي عبيدة وأبيه ، والمعنى يدل عليه وهو التقوِّي على العبادة مع طول القيام ، ولذا فالأظهر أنه إنما يُستحب مع طول القيام .

قال الأثرم : ( رأيت أبا عبد الله يفرَّق بين قدميه ورأيته يراوح بينهما )

وهذا هو ظاهر الأحاديث وأنه يفرق بين قدميه وأن يكونا حيال منكبيه على طبيعتهما .

 

قال : [ وفرقعة أصابعه ]

أي يكره أن يفرقع أصابعه في الصلاة ، لأنه عبث في الصلاة والعبث في الصلاة مكروه اتفاقاً .

وفي ابن أبي شيبة بإسناد صحيح : ( أن شعبة مولى ابن عباس قال صليت إلى جنب ابن عباس ففقعت أصابعي فلما قضيت الصلاة قال : لا أم لك تُفقِّع أصابعك وأنت في الصلاة ) .

 

قال : [ وتشبيكهما ]

فتشبيك الأصابع مكروه ، لما ثبت عند الدارمي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي e قال : ( من توضأ ثم خرج يريد الصلاة فهو في صلاة حتى يرجع إلى بيته فلا يفعل هكذا وشبك بين أصابعه )  .

 فإذا كان يكره له هذا وهو في طريقه إلى المسجد لكونه في حكم المصلين فأولى من ذلك المصلي .

وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن ابن عمر قال في الذي يصلي وهو مشبك يديه : ( تلك صلاة المغضوب عليهم ) .

 

قال : [ وأن يكون حاقناً ]

فيكره أن يصلي وهو حاقن ، والحاقن : هو من احتبس بوله ، ومثله : الحاقب وهو من احتبس غائطه ، وكذلك من احتبس ريحه ، لأن هذا ينافي كمال الخشوع فيها .

ويدل عليه : ما ثبت في مسلم أن النبي e قال : ( لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان ) أي الغائط والبول ومثل ذلك الريح وتصح الصلاة إجماعاً حكاه ابن عبد البر .

ولهذا الإجماع فالحديث معناه " لا صلاة كاملة " .

 

قال : [ أو بحضرة طعام يشتهيه ]

أي تتوق إليه نفسه ، فيكره الصلاة بحضرته للحديث المتقدم : ( لا صلاة بحضرة طعام ) ولما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( إذا قُدِّم العشاء فابدؤا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشاءكم ) وثبت في البخاري من حديث ابن عمر – نحوه – وفيه : ( وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه ليسمع قراءة الإمام ) وثبت في ابن أبي شيبة بإسناد صحيح : ( أن ابن عباس وأبا هريرة كانا يأكلان طعاماً وفي التنور شواء ، فأراد المؤذن أن يقيم فقال له ابن عباس : لا تقم لئلا نعجل وفي أنفسنا شيء ) وفي رواية : ( لئلا يعرض في الصلاة ) ويدل هذا الأثر على أن هذا الحكم خاص في الطعام الذي تتوق إليه النفس ويُشتهى وفي النفس حاجة إليه لأنه يخشى أن يعرض في الصلاة فيؤثر في خشوعها .

ويدل على ذلك ما ثبت في البخاري من حديث عمرو بن أمية قال : ( رأيت النبي e يأكل من كتف يحتز منها ثم دعي إلى الصلاة فطرح السكين فصلى ولم يتوضأ ) .

ومثل ذلك على المذهب الشراب والجماع قياساً على الطعام وقال صاحب الإنصاف "بل هما أولى بالكراهية".  

فعلى ذلك يكره له أن يصلي حاقناً أو بحضرة طعام أو شراب أو جماع يشتهيه ، وإن أدى ذلك إلى فوات الجماعة لكن إن أدى ذلك إلى خروج وقت الصلاة فلا ، لما تقدم من أن آكد شروط الصلاة الوقت .

واختار شيخنا الشيخ محمد أنه يقضي حاجته إذا دافعه الأخبثان ولو خرج الوقت قال : " وهو أقرب إلى قواعد الشريعة ولأنه يخشى على نفسه الضرر مع انشغاله عن الصلاة " وهو أظهر  .

 

قال : [ وتكرار الفاتحة ]

لأنه لم يُنقل عن النبي e ولا عن أصحابه ولا تبطل الصلاة به .

 

قال : [ لا جمع سور في فرض كنفل ]

لوروده عن النبي e كما تقدم ولقوله e : ( ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ) .

وقوله : " كنفل " لأن النفل لا يُكره فيه جمع سور إجماعاً ، فكذلك الفرض ، لأن ما ثبت نفلاً فهو ثابت فرضاً ما لم يثبت دليل على التخصيص .

وفي هذا الباب قصة الذي يفتتح قراءته بعد الفاتحة  بـ )  قل هو الله أحد (  وكانت في الفريضة وتقدم .

وتُكره تسوية التراب بلا حاجة .

لما ثبت في الصحيحين من حديث معيقيب رضي الله عنه أن النبي e : ( سئل عن الرجل يسوي التراب حيث يسجد فقال : ( إن كان لابد فاعلاً فواحدة ) ولأنه عبث في الصلاة .

ويكره مسح أثر سجوده ، لما روى البيهقي عن ابن مسعود أنه قال : (  أربع من الجفاء : أن يبول الرجل قائماً " والسنة وردت بخلاف ذلك والحجة في قول النبي e " وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه وليس بين يديه شيء يستره ومسح التراب عن وجهه وهو في صلاته ، وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه ) .

وإن تثاءب كظم ما استطاع ندباً ، فإن غلبه استحب وضع يده على فيه ففي الصحيحين أن النبي e قال : ( إذا تثاءب أحدكم "في الترمذي " "في الصلاة "  فليكظم ما استطاع ) وفي مسلم : ( إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه فإن الشيطان يدخل)

قالوا : ويكره أن يصلي إلى نار ولو سراجاً أو قنديلاً أو شمعة موقدة لأن فيه تشبهاً بعبدة النار المجوس .

وهو مذهب الشافعية .

وظاهر تبويب البخاري جواز ذلك حيث قال : ( باب : من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله ) وذكر الحديث في صلاة الكسوف وفيه : ( وعرضت علي النار وأنا أصلي ) فهذا يدل على أن النبي e قد عرضت له النار فكانت بين يديه وهو يصلي .

ويدل على ذلك ما ثبت في سنن النسائي وغيره : أن النبي e : ( استتر بشجرة وصلى إليها ) ومعلوم أن الشجرة تعبد من دون الله وهكذا من استتر بحجر ونحوه .

وأما ما ذكروه من أن ذلك فيه تشبهاً بالمجوس فيُقال : إنما يُنهى عن استقبال عين النار التي يعبدها المجوس .

وهكذا عين الشجرة التي تُعبد من دون الله .

 

قال : [ وله رد المار بين يديه ]

قال الشارح " يسن له " ، وظاهر قول المؤلف " وله " أنه يباح وليس هو المراد بل المراد أنه يستحب ، لما ثبت في الصحيحين : أن النبي e قال : ( إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان ) وفي مسلم من حديث ابن عمر: ( فإن معه القرين ) وبه يفسر قوله :  " فإنما هو شيطان " أي معه شيطان .

أو أنه فعل ما يفعله الشيطان من تنقيص صلاة العبد وصرف قلبه عنها بمروره بين يديه ، فيشرع له أن يدفع المار بين يديه ، فإن أبى فليقاتله أي يدفعه دفعاً شديداً ، كما فعل الراوي وهو أبو سعيد الخدري فقد ثبت  في الصحيحين : ( أن أبا سعيد الخدري صلى في يوم جمعة وبين يديه شيء يستره من الناس فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه فدفع في نحره فنظر الشاب فلم يجد مساغاً إلا بين يدي أبي سعيد فعاد فدفع في نحره أشد من الأولى )               وقوله " فليقاتله " مقاتلة كل شيء بحسبه .

وعلى ذلك : لو ترتب على دفعه أذى في بدنه فإنه لا يضمنه لأن ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون .

وعن الإمام أحمد : وجوب رد المار بين يدي المصلي وهو الراجح لقول النبي e " فليدفعه " وظاهر الأمر الوجوب .

وقد قال e : ( لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه ) متفق عليه فلا يجوز له أن يمر بين يدي المصلي سواء كان بين يديه سترة أم لا ، فإن لم يكن بين يديه سترة فلا يمر في موضع صلاته وهو نحو ثلاثة أذرع من قدميه .

وظاهر الحديث وهو المذهب أنه يرد المار ولو لم يكن بين يديه شيء .

وأما حديث ( إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره ) فهو من باب ذكر بعض أفراد العام ولا يقتضي التخصيص .

 

 

قال : [ وعد الآي ]

له أن يعد آيات القرآن التي يقرؤها أي بأصابعه ، وهو وارد عن طائفة من السلف .

 وهل له أن يعد التسبيح ؟

المذهب له أن يعد التسبيح أيضاً قياساً على الآي .

وتوقف أحمد في عد التسبيح لأنه لم يُنقل . قال : أما عد الآي فقد سمعنا وأما عد التسبيح فما سمعنا، ولأن التسبيح يتوالى لقصره فيكثر العمل والراجح أنه يُكره عد التسبيح وهو رواية عن أحمد.

وله عد التكبيرات في العيد والمراد في قلبه أو بأصابعه لا بنطقه فإنه مُبطل للصلاة .

 

قال : [ والفتح على إمامه ]

لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي e : ( صلى صلاة فقرأ فيها فلُبِّس عليه ، فلما انصرف قال لأُبيٍّ أصليت معنا ؟ قال نعم قال : فما منعك )  أي ما منعك أن تفتح عليَّ في الصلاة . لكن لا يستعجل على الإمام .

قال علي – في البيهقي بإسناد صحيح – " إذا استطعمك الإمام فأطعمه " .

والفتح على الإمام بالفاتحة واجب ، لأن الصلاة لا تصح إلا بها ، وحيث أخطأ الإمام في الفاتحة فإن الصلاة تبطل بذلك . وأما غير الفاتحة فيُستحب .

 

قال : [ ولبس الثوب ولف العمامة ]

لايكره أن يلبس ثوبه في الصلاة ، كأن يقع ردائه فيرفعه إلى عاتقه أو أن يلبس عمامته لأنه عمل يسير في الصلاة والعمل اليسير في الصلاة مباح لا يكره ويدل على الجواز حديث حمل النبي e أمامة بنت زينب في الصلاة .

وفي أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح أن النبي e : ( فتح لعائشة الباب وهو يصلي )

فالحركة اليسيرة إذا احتاج إليها المصلى لم يكره أما إذا كانت لغير حاجة فتكره.

 

قال  : [ وقتل حية وعقرب وقمل ]

لما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة : أن النبي e قال : ( اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب ) ويقاس عليهما القمل ونحوه مما فيه ضرر وأذى فيقتل .

وهذا حيث لم تختل الصلاة ، بعمل كثير ينافي الصلاة ، وهذا مذهب جماهير أهل العلم لقوله e : ( في الصلاة ) وظاهره أن ذلك مع عدم ما ينافي الصلاة ، وهذا كإنقاذ الغريق ، فإنه إن احتاج إلى إنقاذه وهو يصلي ولا يمكن أن ينقذه إلا بعمل كثير يبطل الصلاة فيبطلها وينقذه .

هذا تقرير مذهب جماهير أهل العلم .

وعليه فإذا قتلها بعمل يسير لم تبطل الصلاة وإن قتلها بعمل كثير عُرفاً متوالياً بطلت الصلاة وفي البخاري أن أبا برزة الأسلمي كان يُصلي ومعه فرسه ( كلما خطا يخطو معه خشية أن ينفلت ).

 

قال : [ فإن أطال الفعل عرفاً من غير ضرورة ولا تفريق بطلت ولو سهواً ]

اتفق أهل العلم على أن العمل الكثير مبطل للصلاة وأن العمل اليسير ليس بمبطل لها .

تقدمت أمثلة للعمل اليسير كأن يفتح باباً أو يلبس ثوباً أو نحو ذلك . والعمل الكثير يقطع الصلاة اتفاقاً لأنه ينافي الصلاة ويقطع موالاتها ، وكل عمل ليس على هديه – e – فهو مردود على صاحبه .

والمذهب ـ كما ذكره المؤلف ـ أن الفعل الذي يبطل الصلاة هو الطويل عرفاً ، والعرف بمعنى العادة ، أي طويل في عرف الناس وعادتهم .

وقال بعض الحنابلة : قدر الكثير ما خُيِّل للناظر أنه ليس في صلاة وهو أظهر واختاره شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله لأن العرف في هذا لا يكاد ينضبط .

 

قال : [ من غير ضرورة ]

أي بأن كان لا يقدر على الصلاة إلا على هذه الحالة كحالة خوف وهرب من عدوٍ وحِكَّةٍ لا يصبر عنها .

 

 

قال : [ ولا تفريف ]

بأن كان هذا الكثير متوالياً

أما إن كان بمجموعه كثيراً لكنه بآحاده يسير ، كأن يعمل عملاً يسيراً في الركعة الأولى ثم يعمل عملاً يسيراً في الركعة الثانية وهكذا – ويكون هذا اليسير بمجموعه كثيراً فلا تبطل الصلاة به لأنه حيث لم يبطلها وهو يسير بمفرده فلا يبطلها وهو كثير بمجموعه ،ولأن النبي r : ( حمل أمامة ووضعها في كل ركعة ) .

" بطلت ولو سهواً "  : فلو عمل عملاً كثيراً من غير جنس الصلاة في الصلاة ساهياً فإن الصلاة تبطل به هذا هو المشهور في المذهب قالوا : لانقطاع الموالاة .

وعن الإمام أحمد : أن العمل الكثير إن كان سهواً لا تبطل به الصلاة .

واستدلوا : بما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات ثم دخل منزله : وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم )  فقد قام أثناء الصلاة بعمل كثير عرفاً ليس من جنس الصلاة ولم تبطل به الصلاة وهذا هو الراجح وهو اختيار المجد ابن تيمية

وإشارة الأخرس المفهومة كفعله لا كقوله فلا تبطل بها الصلاة إلا إذا كثرت عُرفاً .

ولا تبطل الصلاة بعمل القلب ولو طال لعموم البلوى به ، وفي الحديث : ( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت بها أنفسها لم تعمل أو تتكلم ) متفق عليه .

ويُثاب بقدر حضور قلبه وإن كانت تجزئ صلاته ، وفي المسندِ وسنن أبي داود والنسائي بإسناد حسن أن النبي r قال : ( إن الرجل ليُصلي ولعله أن لا يكون له من صلاته إلا عشرها أو تسعها أو ثمنها أو سبعها حتى انتهى إلى آخر العدد )  .

ولا تبطل الصلاة بإطالة نظر إلى شيء من كتاب أو غيره لأنه فعل القلب .

ولا بأس بالسلام على المصلي إن كان يحسن الرد بالإشارة .

وفي أبي داود والترمذي والحديث حسن عن ابن عمر قال قلت لبلال : ( كيف كان النبي r يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة فقال : كان يُشير بيده ) ونحوه في الصحيحين من حديث جابر .

ولو صافح المصلي إنساناً يريد السلام عليه لم تبطل صلاته لأنه عمل يسير ولم يوجد منه كلام .

ويجب إنقاذ غريق ونحوه فيقطع له الصلاة ولو ضاق وقتها ، ولو كان هذا الغريق ذمياً لأنه معصوم الدم والمال .

 

قال : [ ويباح قراءة أواخر السور وأوساطها ]

أي يباح للمصلي أن يقرأ من أواخر السور وأوساطها سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً .

لما ثبت في مسلم أن النبي e قرأ في ركعتي الفجر في الأولى  )  قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا (  وفي الثانية : )  قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء …(  ولقوله e : ( ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ) وأوساط السور وأواخرها مما تيسر وقد تقدم أن هذا مباح ، لكن اتخاذه عادة خلاف الأولى ، لأن في ذلك تركاً للسنة .

 وتقدم حديث زيد بن ثابت وإنكاره على مروان لأنه يداوم على قصار السور في المغرب .

 

قال : [ وإذا نابه شيء سبح رجل وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى ]

إذا عرض له أمر في الصلاة كسهو إمام أو استئذن عليه أحد ونحو ذلك فيقول الرجل " سبحان الله " والمرأة تصفق ، وصفة التصفيق : تكون ببطن كفها على ظهر الأخرى أو أن  تضرب ببطن أصبعين من إحداهما على ظهر الأخرى ، أما ضرب بطن أحدهما ببطن بالأخرى فهو من اللهو واللعب ، وظاهر كلام الفقهاء أن الصلاة لا تبطل به . قال في الفروع : " ولعله غير مراد وتبطل به لمنافاته الصلاة " والأول أظهر لأنه يصدق عليه أنه تصفيق ولم تفعله على جهة اللهو واللعب لكن يكره  .

قال عيسى بن أيوب ـ كما في سنن أبي داود ـ وهو من رواة هذا الحديث قال : ( تضرب بأصبعين من يمينها على كفها اليسرى ) .

وفي الصحيحين أن النبي e قال : ( التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ) وفي رواية : ( في الصلاة ) وفي رواية : ( إذا نابكم في الصلاة شيئ فليسبح الرجال ولتصفق النساء ) ولا يستحب له أن يعدل إلى غير التسبيح كالنحنحة  وقد روى النسائي وابن ماجه عن علي رضي الله عنه قال : ( كان لي من رسول الله e مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لي ) لكن الحديث إسناده ضعيف فيه جهالة عين فلا يثبت عن النبي e .

 

قال : [ ويبصق في الصلاة عن يساره ، وفي المسجد في ثوبه ]

لما ثبت في الصحيحين عن أنس قال : قال رسول الله r : ( إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يُناجي ربه فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن شماله تحت قدمه ) .

وفي رواية للبخاري : ( ولكن عن يساره أو تحت قدمه ) .

" وفي المسجد في ثوبه " : لما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( البُصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها ) .

 

قال  : [ ويسن صلاته إلى سترة قائمة كمؤخرة الرحل ]

 اتفق العلماء على مشروعية السترة والسنة دالة على هذا ولم يكن النبي e يدعها حضراً ولا سفراً .

وإنما اختلف العلماء هل تجب السترة أم لا ؟

وذهب الجمهور إلى أن السترة في الصلاة سنة واستدلوا :

بما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : ( أقبلت راكباً على أتان وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام والنبي e يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار فمررت من بين يدي بعض الصف وأرسلت الأتان ترتع فلم ينكر ذلك علي أحد) .

وروى أحمد في مسنده عن ابن عباس : أن النبي e : ( صلى في فضاء وليس بين يديه شيء ) .

وروى أحمد والنسائي وأبو داود عن الفضل بن عباس قال : ( أتانا النبي e وعباس في بادية لنا ، فصلى في صحراء وليس بين يديه سترة وحمارة وكلبة كانتا تعبثان بين يديه ) .

وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه إلى وجوب السترة وإن كانت الصلاة لا تبطل بتركها وهو قول البخاري .

واستدلوا :

بما ثبت في أبي داود والنسائي ومسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي e قال :    ( إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته ) وظاهر الأمر الوجوب .

وروى أحمد والحاكم - والحديث حسن – من حديث سَبْرة بن معبد الجهني أن النبي e قال : ( ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم ) .

قالوا : فهذه أحاديث ظاهرها الوجوب ، ولم يثبت عن النبي e في حديث صحيح أنه تركها حضراً ولا سفراً.

قالوا : وأما ما ذكره أهل القول الأول :

فالحديث الأول حديث صحيح غير صريح ، والحديثان بعده ضعيفإن لا يثبتان عن النبي e والحديث الثاني فيه الحجاج بن أرطأه وهو ضعيف ، وأما الحديث الثالث ففيه انقطاع وجهالـة .

أما كون الحديث الأول غير صريح فلأنه إنما نفى أن يكون قد صلى إلى جدار ولم ينف أنه صلى إلى سترة وظاهر لفظة " غير " أنه قد صلى إلى شيء فإنه لفظة " غير" في الغالب تأتي صفةً وهي هنا صفة لمحذوف تقديره " شيء " أي إلى شيء غير جدار .

فالحديث ليس فيه نفي السترة مطلقاً وإنما فيه نفي أن يكون النبي e صلى إلى جدار يحجز بينه وبين الدواب أن تمر بين يديه .

ورُدَّ هذا بأن مراد ابن عباس رضي الله عنه الاستدلال بذلك على أن الحمار لا يقطع الصلاة فقال : إلى غير جدار أي إلى غير سترة ، والأمر في الحديث الذي استدلوا به على الوجوب يحمل على الاستحباب لحديث ابن عباس المتفق عليه .

وعلى ذلك فالراجح أن السترة سنة مؤكدة ولأن الأصل براءة الذمة واختاره شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين وبه أفتت اللجنة الدائمة .

قال ابن مسعود – في المرور بين يدي المصلي - : " يقطع نصف الصلاة " رواه ابن أبي شيبة أي مع تفريطه في ذلك .

وظاهر حديث ابن عباس أن المأموم لا يدفع من مر بين يديه وهو احتمال ذكره صاحب النظم واختاره شيخنا ، ومال صاحب الفروع إلى أن لهم رده والراجح خلاف ذلك لما تقدم ولو لم يكن بين يدي الإمام سترة لأن عليه ما حمل .

وفي حديث ابن عباس أن سترة الإمام سترة لمن خلفه فلا تُشرع للمأموم سترة .

 

قال : [ كمؤخرة الرحل ]

ظاهره أن هذا هو القدر المجزئ وأنه مثل مؤخرة الرحل وهي ما يتكئ عليه راكب الناقة ، فإنه يتكئ على خشبة نحو الذراع فقد ثبت في مسلم أن النبي e : (  سُئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي فقال : مثل مؤخرة الرحل ) .

وفي صحيح مسلم أن النبي e قال : ( إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليُصل ولا يبال من مر وراء ذلك )  .

وفي مسلم –أيضاً– أن النبي e قال : ( يقطع الصلاة المرأة والحمار – والكلب ويقي ذلك مثل مؤْخرة الرحل ) وظاهره هذه الأحاديث أن المجزئ – مع القدرة ذلك – أي طولاً وهو مذهب المالكية والأحناف . 

واختلف العلماء في قدر مُؤَخَرة الرحل .

فعن الإمام أحمد أنه ذراع وهو مذهب الأحناف وهو قول عطاء ، قال عطاء – في سنن أبي داود - : ( في مؤخرة الرحل قال : ( ذراع فما فوق ) وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية والمالكية : أنه قدر عظم الذراع أي بإخراج الكف من اليد .

والأظهر – كما قرر ذلك الموفق – أن هذا إنما هو على سبيل التقريب لا على سبيل التحديد .

بدليل الاختلاف في طول مؤخرة الرحل فإنها ليست بقدر واحد .

فعلى ذلك : القدر المجزئ في الطول أن تكون كمؤخرة الرحل ذراعاً فما فوق أو عظم الذراع فما فوق .

وأما قدرها في الغِلَظ ، فإن الحديث الذي في المستدرك ومسند أحمد – يدل على أنه لا يشترط قدراً محدداً فتجزئ ولو كانت كسهم : ( ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم ) ولأن النبي e – كما ثبت في الصحيحين - : ( كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه وكان يفعل ذلك في السفر ومن ثم أتخذها الأمراء ) والحربة أدق من مؤخرة الرحل . وثبت أنه كان يصلي إلى العنزة كما ثبت في البخاري وغيره وهي عصا على قدر نصف الرمح .

 

قال : [ فإن لم يجد شاخصاً فإلى خط ]

يصلي إلى شاخص بين يديه من خشب أو حجر أو شجر أو سارية أو آدمي أو حيوان ، فقد ثبت في ابن أبي شيبة بإسناد صحيح : أن ابن عمر كان يقول لنافع – إن لم يجد ستره : ( ولني ظهرك) وقد صلى النبي e : إلى عائشة – كما ثبت في الصحيحين – وكان الصحابة يتبادرون سواري المسجد فيصلون إليها كما في البخاري .

وثبت في النسائي : ( أنه صلى إلى شجرة ) وفي البخاري : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بعير ) .

فإن لم يجد : ( فإلى خط ) لما روى أحمد وأبو داود : أن النبي e قال : ( إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً فإن لم يجد فلينصِب عصا ، فإن لم يجد فليخط خطاً ثم لا يضره ما مَّر بين يديه ) لكن الحديث إسناده ضعيف فيه اضطراب وجهالة - . ولذا ضعفه أحمد وابن عيينه والبخاري وغيرهم.

والمشهور عن الإمام أحمد : أن الخط يُقوَََّس كالهلال وقال بعض الحنابلة بل طولاً كالعصا الممتد .

وقال الجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد : يكره الخط –  وهو الراجح لأن الحديث الوارد فيه ضعيف لا يثبت .

فعلى ذلك : لا يشرع له أن يخط خطاً فإن لم يجد شيئاً شاخصاً فإنه يصلي على حسب حاله .

وفي قوله : ( فليجعل تلقاء وجهه ) ظاهره أن السترة تكون بين يديه وهو ظاهر الأحاديث الأخرى .

لكن المشهور في المذهب أنه لا يستحب أن يصمد إليها صَمداً أي لا يتوجه إليها توجهاً تاماً بل يجعلها إلى حاجبه الأيمن أو الأيسر وهو مذهب الشافعية .

لما روى أحمد وابن ماجه من حديث المقداد بن الأسود : أن النبي e : ( ما صلى إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله تلقاء حاجبه الأيسر أو الأيمن ولا يَصْمد له صَمْداً ) .

لكن الحديث ضعيف فيه : الوليد بن كامل البجلي الشامي وهو ضعيف .

والمشهور في المذهب : أنه لا تُشرع السترة في المسجد الحرام وأنه ـ كذلك ـ لا يرد المار بين يديه في المسجد الحرام .

واستدلوا بأثرين عن ابن عمر وأنس ، أثر ابن عمر رواه أبو نُعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة ،  وأثر أنس رواه ابن أبي شيبة والأثران صحيحان .

ومذهب الشافعية والمالكية أن مكة كغيرها لعمومات الأدلة .

والراجح القول الأول لأن آثار الصحابة تُخصص العموم ، ولما في ذلك من المشقة لا سيما في المواسم .

 

قال : [ وتبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط ]

البهيم هو الذي لا يخالط سواده لونٌ آخر .

ومثله : ذو النقطتين على الصحيح وهو رواية عن أحمد واختاره المجد وهو ما كان بين عينيه بياض فهو شيطان كما ثبت في صحيح مسلم وأمر بقتله e ، فهذه كلها تقطع الصلاة . 

ودليل ذلك : ما ثبت في مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي e قال : ( يقطع الصلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل ) وفي مسلم من حديث أبي ذر الغفارى وفيه ( والكلب الأسود ) وفيه ( أنه شيطان ) .

وهذا الحديث المتقدم ظاهره أن هذه الثلاث تقطع الصلاة وهو رواية عن الإمام أحمد .

وهو اختيار المجد وشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وبه أفتت اللجنة الدائمة ، وقال ابن تيميه ( وهو مذهب أحمد ) أي هو المذهب الذي ينبغي أن يُنسب إليه .

وقد ورد في أبي داود والنسائي بإسناد صحيح : ( والمرأة الحائض ) ، ويُراد بالحائض البالغة فإن لم تكن بالغة فإنها تنهى عن المرور وتدفع لكنها لا تقطع الصلاة .

والمشهور في المذهب : أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم .

قالوا والحمار والمرأة لا يقطعان الصلاة ، وأما الحمار فقد تقدم في حديث ابن عباس أنه مر بين يدي بعض الصف فلم ينكر ذلك .

وأما المرأة فلما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت : أشبهتمونا بالحمُر والكلاب ثم ذكرت : ( أن النبي e كان يصلي من الليل وهي معترضة بين يديه اعتراض الجنازة ) .

والراجح القول الأول والجواب عن الحديثين :

أما حديث ابن عباس : فإنه قد مر بين يدي بعض المأمومين من الصف ولم يمر بين يدي الإمام ، وسترة الإمام سترة له وإن ترك الإمام السترة فتقدم أنه لا يُشرع له الرد أيضاً .

ومذهب عامة أهل العلم : وبوب له البخاري باباً فقال باب : ( سترة الإمام سترة لمن خلفه ) وفيه حديث عند الطبراني في الأوسط فيه سويد بن عبد العزيز وهو ضعيف ، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر بهذا اللفظ وإسناده ضعيف أيضاً وعامة أهل العلم عليه للحديث المتفق عليه .

وظاهر الحديث أن القطع حقيقي وهو الذي يفصل أول الصلاة عن آخرها .

وهذه الثلاث بالشيطان أخص ولذا يُستعاذ عند سماع صوت الحمار في الليل والمرأة يستشرفها الشيطان كما جاء في الحديث .

ولو قيل بأن البطلان يخص من صلى إلى غير سترة أو مر بين يديه وفرط في دفعه دون من لم يحصل منه تفريطٌ لكان قوياً إذ كيف نُبطل عبادته بفعل غيره .

وأما اعتراض عائشة بين يدي النبي e اعتراض الجنازة فإنها ماكثة والكلام في المار والفرق بينهما واضح .

فالماكث بين يديه كالشيء الذي يستتر به وقد تقدم قول ابن عمر ( ولني ظهرك ) والنبي e كان يرد المار بين يديه من بهيمة وغيرها .

والمشهور عند جمهور أهل العلم أن الصلاة لا تنقطع بشيء مما تقدم ذكره .

واستدلوا بما روى أبو داود أن النبي e قال : ( لا تقطع الصلاة شيء وادرؤا ما استطعتم ) لكن الحديث فيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف الحديث .

والمستحب في السترة : أن تكون عن المصلي ثلاثة أذرع فيما بين قدمه والسترة ، أو أن يكون بينها وبين موضع سجوده ممر شاة ، كل ذلك ثبت عن النبي e فقد ثبت في البخاري عن ابن عمر : ( أن بلالاً أخبره أن النبي e لما دخل البيت كان بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع ) وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد : ( كان بين مصلى النبي e والجدار ممر شاة) أي بين موضع سجوده وبين السترة .

 

قال : [ وله التعوذ عند آية وعند السؤال عن آية رحمه ولو في فرض ]

لما روى مسلم من حديث حذيفة – في قصة قيامه الليل : ( أن النبي e : كان إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ )

وقوله : ( ولو فرض ) قياساً على النفل ، فإن الحديث ثابت في النفل والأصل أن ما ثبت نفلاً فهو ثابت فرضاً إلا بدليل فيُباح في الفرض ولا يُكره ولكن إن كان يشق على المأمومين فيُكره ولذا إنما نقل عن النبي e في صلاة النفل وإن كان جائزاً في الفرض .

 

قال  : [ أركانها ]

وهي أربعة عشر ركناً بالاستقراء .

والأركان : جمع ركن وهو جانب الشيء الأقوى وتقدم الفارق بينه وبين الشرط .

وأن الشرط هو ما كان خارج الماهية .

والركن : جزء الماهية . أي ما يتركب منه الشيء .

والركن لا يسقط سهواً ولا عمداً ، بخلاف الواجب فإنه يسقط سهواً ويجبر بالسجود .

 

قال : [ القيام ]

أي مع القدرة قال تعالى : ) وقوموا لله قانتين ( وفي البخاري من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي e قال : ( صلِ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب ) وقد أمر النبي e به المسيء صلاته وكان النبي e يفعله وقال : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) وهو فرض بالإجماع مع القدرة لا مع العجز فإن العجز يسقط الواجبات .

وهو ركن في الفريضة دون النافلة ، فقد تقدم لكم جواز صلاة النافلة على الراحلة .

واختلف أهل العلم في حدِّ القيام :

فقال الحنابلة : حدُّه : ما لم يصر راكعاً ، ولا يضر خفض الرأس على هيئة الإطراق لأنه لا يخرج عن كونه قائماً .

ولو انحنى قليلاً بحيث لا تمس راحته ركبته أجزأه القيام .

وقال الشافعية : هو انتصاب فَقَار الظهر وإن كان هناك  انحناء يسير كما لو طأطأ رأسه .

وهذا هو القيام في العرف وهو قريب من مذهب الحنابلة .

والواجب عليه هو قيام مثله ، فإن كان في ظهره حدبة أو كان في سجن قصير سقفه ، فالواجب عليه أن يقوم بقدر استطاعته لقوله تعالى : ) فاتقوا الله ما استطعتم (  .

وإذا استند إلى جدار أو عصا أو نحوه ، بحيث إذا أزيل هذا الجدار أو العصا سقط ففيه ، قولان لأهل العلم :

القول الأول : وهو قول جمهور أهل العلم أنه لا يجزئه هذا القيام ولا تصح صلاته .

والقول الثاني : وهو وجه للشافعية اختاره النووي وغيره قالوا : يجزئه ذلك ، لأنه يصدق عليه أنه قيام وإن فالقيام حاصل سواء كان قائماً بنفسه أو قائماً بغيره .

وهذا القول هو الأرجح ، لعموم قوله تعالى : ) وقوموا لله قانتين ( .

وأما العاجز عن القيام فإن كان يمكنه أن يقوم معتمداً على عصا أو نحوه وجب عليه ذلك لعمومات الأدلة وهو المشهور في المذهب وأصح الوجهين في مذهب الشافعية .

ولو لم يفعل بطلت صلاته .

وإن كان متعلقاً ليقف لم يصح بلا خلاف لأنه لا يعد قائماً .

قال : [ والتحريمة ]

فهي ركن من أركان الصلاة وحديث المسيء صلاته ولحديث ( تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ) .

 

قال : [ والفاتحة ]

في كل ركعة .

لقوله e : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب ) متفق عليه ، ولحديث المسيئ صلاته كما في الصحيحين .

وصح عنه e أنه كان يقرأها في كل ركعة وقال : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) .

 

قال : [ والركوع ]

لقوله تعالى : ) ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا ( ولقوله e – في حديث المسيء صلاته : ( ثم اركع حتى  تطمئن راكعاً ) متفق عليه وقد تقدم ذكر صفته المستحبة .

وأما القدر المجزئ فهو –عند جمهور أهل العلم– : أن ينحني بحيث يمكن من كان وسطاً في الخِلقة مس ركبتيه بكفيه

ويكفي الانحناء بقدر ما ذكر وإن لم يمس ركبتيه .

والأحدب ينوي الركوع

قال : [ والاعتدال عنه ]

لقوله e : - في حديث المسيء صلاته -: ( ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ) وهو كالقيام قبل الركوع .

فيجب أن تنتصب فيه فَقَار ظهره .

 

قال : [ والسجود على الأعضاء السبعة ]

لحديث : ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ) متفق عليه .

 

قال : [ والاعتدال عنه ]

لقوله في حديث المسيء صلاته : ( ثم اجلس حتى تطمئن جالساً ) .

قال في الروض : " ويعني عنه قوله والجلوس له " .

ومال شيخنا إلى إبقاء كلام الماتن على ما هو عليه لأنه قد يقوم لسماع صوته مزعج لاينوي الاعتدال فهذا يلزمه أن يرجع للسجود ثم يقوم منه . 

 

قال : [ والجلسة بين السجدتين ]

لقوله e : ( ثم اجلس حتى تطمئن جالساً ) ولم أر عند فقهاء الحنابلة ذكراً للقدر المجزئ في الجلوس كما ذكروا القدر المجزئ في القيام .

وعند الشافعية : أن الواجب هو مطلق الجلوس . وهو ظاهر إطلاق الحنابلة .

فإذا تورك أو افترش أو تربع أو مدَّ أو نحو ذلك مما يُعد جلوساً في العرف أجزأه في كل جلوس في الصلاة .

 

قال : [ والطمأنينة في الكل ]

لحديث المسيء صلاته : ( ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً … ) الحديث . ولقول حذيفة – لما رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده قال له: ( ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر عليها محمد  e ) رواه البخاري .

وحد الطمأنينة في المذهب السكون وإن قل .

فإذا سكن واستقر راكعاً أو جالساً أو قائماً فإن هذه هي الطمأنينة الواجبة .

والقول الثاني في المذهب : أنها بقدر الذكر الواجب ، فتكون الطمأنينة في القيام بقدر تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة وفي الركوع بقدر قول : ( سبحان ربي العظيم ) وهكذا .

والراجح القول الأول وأن مجرد السكون وإن قل فيجزيء لأن الطمأنينة تحصل به وأما الذكر الواجب فهو من واجبات الصلاة ويجب أن يطال له الركن لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

وعلى ذلك فلو ركع فاستقر وسكن ثم رفع ساهياً ولم يقل سبحان ربي العظيم ولم يمكث في ركوعه بقدر ذلك صح ركوعه وجبر ترك الذكر الواجب بسجدتي سهو .

 

قال : [ والتشهد الأخير وجلسته ]

فهو ركن لحديث ابن مسعود : ( كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد ) .

وهذا يدل على أن التشهد فرض في الصلاة و النبي e قد فعله ولم يثبت عنه تركه وقد قال e : ( صلوا كما رأيتموني أصلى ) فيجب التشهد والجلوس له .

والتشهد لا يتم إلا بالجلوس وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض .

 

قال : [ والصلاة على النبي e فيه ]

وتقدم

قال : [ والترتيب ]

بالإجماع لأن النبي e كان يُصلي مرتباً وفعله بيان لمجمل القرآن قال تعالى : ) وأقيموا الصلاة ( ولأن النبي e علمه المسيء صلاته ، فإذا قدم الركوع على القيام مثلاًً لم تصح الصلاة .

قال : [ والتسليم ]

هو ركن لحديث : ( وتحليلها التسليم ) .

وتقدم الكلام على هذه المسألة في صفة الصلاة .

 

قال : [ وواجباتها ]

أي واجبات الصلاة وهي تجبر بسجدتي السهو ، وتركها عمداً مبطل للصلاة .

 

قال : [ التكبير غير التحريمة والتسميع ]

فمن واجباتها التكبيرات وهي تكبيرات الانتقال ، والتسميع .

لما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( إذا كبر الإمام فكبروا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد ) .

ولم يصح حديث عن النبي e في تركها وهي من شعائر الصلاة .

وذهب جمهور العلماء إلى الاستحباب .

وقالوا : إنها لم تُذكر في حديث المسيء صلاته والجواب أنها وإن لم تُذكر فيه لكن الأدلة تدل على وجوبها .

 

مسألة :

المذهب أن تكبير الانتقال والتسميع والتحميد للمأموم يشرع بين ابتداء الانتقال وانتهائه أنه لو بدأ به قبله أو أكمله بعده لم يجزئ .

ويكون قد ترك الواجب فيجب عليه سجود السهو وإن كان عمداً فإن صلاته تبطل .

قالوا : لأنه قد فعله قبل محله أو بعده كما أن القراءة لا تصح قبل القيام ولا بعده .

والقول الثاني في المذهب : أنه يجزئ إن بدأ به قبله أو أكمله بعده ، بشرط أن يكون لموضع الانتقال نصيب من التكبير ، واختاره المجد ابن تيمية وصوبه في الإنصاف واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي والشيخ محمد بن عثيمين .

وهو الراجح ، لما في القول الأول من المشقة قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في هذا القول : " وهو الذي لا يسع الناس غيره "

فالتحرز عنه فيه مشقة ، والمشقة تجلب التيسير ، ولأن المقصود من تكبيرات الانتقال إنما هو إظهار الانتقال ما بين ركن إلى آخر ، وهذا حاصل وإن بدأ به قبل أو أكمله بعد .

كما أن سكوت النبي e عن بيان ذلك يدل على الجواز لأن تأخير البيان مع الحاجة لا يجوز ، والناس يقع منهم هذا ولا شك ، فعدم البيان مع الحاجة إليه دال على التوسيع فيه .

 

قال : [ والتحميد ]

للإمام والمنفرد والمأموم لقول النبي e : ( إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا : " ربنا ولك الحمد " ) والأمر للوجوب .

 

قال : [ وتسبيحتا الركوع والسجود وسؤال المغفرة مرة مرة ويسن ثلاثاً ]

أي قوله : " سبحان ربي العظيم " في ركوعه ، و " سبحان ربي الأعلى " في سجوده .

لما ثبت في المسند وسنن أبي داود وابن ماجه بإسناد حسن من حديث عقبة بن عامر قال : ( لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم ) قال : النبي e : " اجعلوها في ركوعكم " فلما نزلت ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال النبي e : " اجعلوها في سجودكم " ) والأمر يقتضي الوجوب .

وسؤال المغفرة كذلك ، من باب القياس وإلحاق الشيء بنظيره .

فإن هذا الجلوس ركن من أركان الصلاة ، فله حكم سائر الأركان ، فكما أن الركوع فيه ذكر واجب ، والرفع منه فيه ذكر واجب والسجود والجلوس الأخير والجلوس وسط الصلاة كل ذلك فيه ذكر واجب ، فكذلك الجلسة بين السجدتين .

فعلى ذلك يجب عليه أن يقول : ( رب اغفر لي ) في جلوسه بين السجدتين ، وهو المشهور في المذهب .

وكل هذه المسائل عند جمهور العلماء ليست بواجبة والراجح ما تقدم .

 

قال : [ والتشهد الأول وجلسته ]

فالتشهد الأول من واجبات الصلاة ، لما ثبت في حديث ابن مسعود وفيه : ( كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد ) والجلوس له واجب أيضاً لأن التشهد لا يتم إلا بجلوس وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

ولقوله e: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) والنبي e لما نسي فقام عن التشهد الأول وانتصب قائماً لم يعد إليه وجبره بسجدتي السهو وهو يدل على أنه ليس بركن .

 

قال : [ وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة سنة ]

فكل ما لم يكن واجب ولا شرط ولا ركن فهو سنة – وهذا ضابط واضح .

 

قال : [ فمن ترك شرطاً لغير عذر غير النية فإنها لا تسقط بحال ... بطلت صلاته ]

فمن ترك شرطاً لغير عذر – كالوضوء مثلاً – فإن الصلاة تبطل ولو كان ساهياً ناسياً إلا أنه استثنى المعذور ، كالعاجز عن الطهارة أو غيرها من شروط الصلاة ، فإن صلاته تصح ، لأنه معذور في ترك الواجب لكونه عاجزاً عنه والواجبات تسقط بالعجز عنها وتقدم .

" غير النية " : فالنية لا تسقط بحال ، لأنه لا يتصور سقوطها فالنية محلها القلب ، ولا يتصور أبداً أن يعجز عنها المكلف فهو قادر عليها في كل حال .

 

قال : [ أو تعمد ترك ركن أو واجب بطلت صلاته ]

فمن ترك واجباً أو ركناً عمداً في الصلاة ، بطلت صلاته . وإن كان قد تركه سهواً فإن كان واجباً لم تبطل صلاته وجبره بسجود السهو ، وإن كان ركناً فلابد أن يأتي به ويسجد للسهو .

 

قال : [ بخلاف الباقي ]

أي بخلاف الباقي من السنن فإنه إذا تركها عمداً لم تبطل صلاته . كمن ترك رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام.

 

قال : [ وما عدا ذلك سنن أقوال وأفعال ]

سنن أقوال كقوله : ( سبحان ربي العظيم ) أكثر من مرة في الركوع .

وسنن الأفعال : كرفع اليدين عند تكبيرة الإحرام .

 

قال : [ ولا يشرع السجود لتركه ، وإن سجد فلا بأس ]

لا يشرع السجود لتركه أي لا يجب ولا يُستحب فإن سجد فلا بأس .

لحديث رواه أبو داود عن ثوبان أن النبي e قال : ( لكل سهو سجدتان ) وهذا عام في كل سهو ، فإذا سها في ترك سنة وله أن يسجد لها .

لكن الحديث ضعيف ، ضعفه البخاري وغيره لأنه من حديث زهير بن سالم وهو منكر الحديث .

وعن أحمد لا يُشرع السجود لأن السجود زيادة في الصلاة لا تشرع إلا في موضعها الذي شرعه النبي e ، ولم يصح عنه السجود عن ترك سنة واختاره طائفة من أصحاب الإمام أحمد وعليه فتبطل الصلاة  .




حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net