المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الصلاة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الصلاة
صلاة العيدين
 

صلاة العيدين

 

العيدان : مثنى عيد ، من العَوْد وهو التكرر ، لأنه يعود ويتكرر لأوقاته السنوية المعلومة .

وعيدا المسلمين : عيد الفطر وعيد الأضحى .

قال المؤلف رحمه الله : [ وهي فرض كفاية ]

وهي : أي صلاة العيدين عيد الأضحى وعيد الفطر فرض كفاية ، فإذا قام بها بعض المسلمين سقط الإثم عن الباقين , ويباح للنساء حضورها .

-  هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة .

قالوا : لأنها شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة والقاعدة في الشعيرة الظاهر كالأذان أنها فرض كفاية .

-       وذهب الشافعية والمالكية : إلى أنها سنة مؤكدة .

ودليلهم على سنيتها مواظبة النبي e عليها ، ومواظبة الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم عليها .

-  وذهب الأحناف : إلى أنها واجبة على كل مكلف من الذكور البالغين دون الإناث وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، والشيخ عبدالرحمن بن سعدي والشيخ محمد بن عثيمين رحمهم الله .

واستدلوا على فرضيتها بما ثبت في الصحيحين : أن أم عطية رضي الله عنها حدثت عن النبي e فقالت :
( أُمرنا أن نخرج العواتق والحيض وذوات الخدور في العيدين ليشهدن الخير ودعوة المسلمين . قالت : قلت : يا رسول الله : إن إحدانا لا يكون لها جلباب ؟ فقال : لتلبسها أختُها من جلبابها ) .

وبقوله تعالى : ) فصل لربك وانحر ( فإن هذه الآية قد فسرت عند طائفة من المفسرين بأن المراد بها صلاة العيد , قال في المغني : وهو المشهور في التفسير .

ولكن هذا الاستدلال محل نظر ؛ لأن الأمر أمر بعموم الصلاة وعموم النحر ، وأن ذلك كله يكون لله ، كما أن هذه الآية نزلت قبل أن تفرض صلاة العيدين لأنها مكية وصلاة العيدين فرضت في المدينة .

وما ذهب إليه الأحناف هو الراجح .

وقال بعض العلماء بوجوب حضور النساء لها لما ثبت في مسند أحمد بإسناد لا بأس به من حديث أخت عبدالله بن رواحة الأنصاري رضي الله عنهما أن النبي e قال : ( وجب الخروج على كل ذات نطاق ) يعني للعيدين .

ويشهد لهذا الحديث أثر موقوف ثابت عن أبي بكر الصديق t ، فقد ثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال : ( حق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين ) .

وإلى ذلك ذهب طائفة من العلماء ، وهو مذهب ابن حزم والصنعاني والشوكاني ، واحتمل هذا القول شيخ الإسلام فقال : " وقد يقال بوجوبها على النساء وغيرهم " وفيه قوة .

وعن الإمام أحمد : يستحب ذلك ، واختارته اللجنة الدائمة وهو مذهب الشافعية ، وهو أظهر ويحمل الأمر على الاستحباب والوجوب على التأكيد كما تقدم وهو الموافق لقواعد الشرع .

قال : [ إذا تركها أهل بلدٍ قاتلهم الإمام ]

لأنها من أعلام الدين الظاهرة كالأذان , والجهاد قد أقيم لإقامة الدين أو بعضه ، فكما يقاتل من ترك الدين فكذلك يقاتل من أصر على ترك شيء من شعائره الظاهرة .

ولا يقاتلون ابتداءً بل يؤمرون فإن امتثلوا وإلا قوتلوا .

 

قال : [ ووقتها كصلاة الضحى وآخره الزوال ]

باتفاق أهل العلم ، وهو من ارتفاع الشمس قِيدَ رُمْح إلى زوالها .

ودليل هذا : ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن عبد الله بن بُسْر t – صاحب النبي e – خرج مع الناس في يوم فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام فقال : ( إنََّّا كنا-  يعني مع النبي e – قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين التسبيح ) ، وعند الطبراني وصححه ابن حجر : ( وذلك حين تسبيح الضحى ) أي حين صلاة الضحى .

ومما يدل على أنها ينتهي وقتها بزوال الشمس ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي عمير بن أنس بن مالك t عن عُمومة له من أصحاب رسول الله e : ( أن ركباً جاؤا إلى النبي e فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس – أي هلال شوال – فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم ) وعند الطحاوي : ( وذلك بعد زوال الشمس ) أي كان إتيانهم بعد زوال الشمس ، فلم يصل النبي e صلاة العيد بل أخرها إلى الغد .

 

قال : [ فإن لم يُعلَم بالعيد إلا بعده صلوا من الغد ]

إذا لم يعلموا بالعيد إلا بعد الزوال صلوا من الغد للحديث المتقدم وفيه : ( وإذا أصبحوا أن يغدو إلى مصلاهم ).

وكذا لو علموا قبيل الزوال بحيث لا يمكنهم الاجتماع ، وعلموا أنهم لو اجتمعوا فإن الصلاة لا يمكن أداؤها إلا بعد الزوال فإنهم يؤمرون بالخروج من الغد .

 

قال : [ وتسن في صحراء ]

أي يستحب أن تصلى صلاة العيد في الصحراء ، وتكره في المساجد .

والمقصود أن يكون ذلك : خارج العمران ، وليس المقصود أن يصلوا في مساحةٍ بين عمران يمكن أن يُصلى فيها بل يكون ذلك في مكان بارز عن البلد .

لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري t قال : ( كان النبي e يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى ) .

واستثنى الحنابلة مكة ، فقالوا : تسن صلاة العيد في المسجد الحرام لمعاينة الكعبة ولعظمة المكان .

قال الشافعي : بلغنا أن النبي e كان يخرج يوم العيد إلى المصلى بالمدينة وكذلك من بعده وهكذا في سائر البلدان إلا مكة فلم يبلغنا أن أحداً من السلف ممن صلى بهم خرج بهم إلى المصلى .

ويستحب للإمام أن يستخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد لما روى الشافعي بإسناد صحيح كما قال النووي : أن علياً t استخلف أبا مسعود البدري t فصلى بهم في المسجد ، ومثله الأيام دات البرد الشديد أو المطر .

 

 

قال : [ وتقديم صلاة الأضحى وعكسه الفطر ]

المستحب تقديم صلاة الأضحى لاستحباب الصلاة في أول وقتها وليبادر الناس للأضاحي , وعكس ذلك الفطر مستحب تأخير صلاة الفطر ليتسع الوقت للناس لأداء صدقة الفطر باتفاق العلماء , وقال الموفق : " لا أعلم فيها خلافاً " .

لما روى الشافعي ورواه عنه البيهقي - وفيه إبراهيم بن يحيى وهو متروك - أن النبي e : ( كتب إلى عمرو بن حزم أن عَجِّل الأضحى وأَخِّر الفطر ) لكن الحديث ضعيف جداً ، والمعنى يدل على ذلك .

وتقدم حكاية اتفاق العلماء على هذه المسألة .

قال : [ وأكله قبلها ]

يستحب له أن يأكل قبلها أي قبل صلاة عيد الفطر ، وقد ثبت ذلك في البخاري عن أنس بن مالك t أن النبي e : ( كان لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ) , وفي رواية معلقة في البخاري : ( يأكلهن وتراً ) ووصلها الإمام أحمد بإسناد صحيح .

فإن أكل طعاماً آخر فإن ذلك يجزئ عنه وتدرك به السنة ، لكن المستحب له أن يأكل تمراً .

وقد ثبت في سنن الترمذي والحديث حسن وصححه ابن حبان عن بريدة بن الحصيب t قال : ( كان النبي e لا يخرج يوم الفطر حتى يَطْعَم ولا يَطْعَمُ يوم الأضحى حتى يصلي ) .

فيستحب للمسلم قبل أن يغدو إلى صلاة عيد الفطر أن يأكل شيئاً والمستحب أن يكون تمراً ، والمستحب أن يكون وتراً .

وأما في يوم الأضحى فيستحب له أن يطعم بعد الصلاة ؛ ليكون ذلك من أضحيته لذا قال :

 

قال : [ وعكسه في الأضحى إن ضحى ]

وهذا قيد معتبر ، فإن لم يضحِّ فسواء أكل قبل الصلاة أو بعدها ، فإنما استحب له ذلك ليكون طعامه من أضحيته .

 

قال : [ وتكره في الجامع بلا عذر ]

لمخالفة فعل النبيe كما تقدم إلا بعذر من مطر ونحوه لقوله تعالى : ) وما جعل عليكم في الدين من حرج ( .

وروى أبو داود بإسناد ضعيف عن أبي هريرة t : ( أنه أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي e صلاة العيد في المسجد ) والحديث وإن كان ضعيفاً فإن الآية دالة على هذا كما تقدم .

وصلاة العيد لا تشرع إلا في مصلى واحد إلا عند الحاجة كما تقدم في الجمعة .

 

فقال : [ ويسن تبكير مأموم إليها ماشياً ]

أي يسن أن يبكر المأموم لصلاة العيد وذلك لفضيلة الدنو من الإمام .

" ماشياً " : لما روى الترمذي وابن ماجه بإسناد ضعيف لكن له شواهد يرتقى بها إلى درجة الحسن ، ولذا حسنه الترمذي عن علي t قال : ( من السنة أن تخرج إلى العيدين ماشياً ) فالمستحب أن يغدو إليها ماشياً سواء كان إماماً أو مأموماً .

 

قال : [ بعد الصبح ]

أي بعد صلاة الصبح .

وقد ثبت في الدارقطني بإسناد جيد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : ( أنه كان يخرج للعيدين من المسجد - أي إذا صلى الصبح - فيكبر حتى يأتي المصلى ويكبر حتى يأتي الإمام ) , وسيأتي الكلام على التكبير إن شاء الله تعالى .

وظاهر قول المؤلف أن المستحب له أن يغدو قبل طلوع الشمس ، ولم أر دليلاً يدل على ذلك ، وروى البيهقي والشافعي في الأم : أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يخرج إليها إذا طلعت الشمس ، قال ابن القيم : وكان ابن عمر  رضي الله عنهما مع شدة اتباعه للسنة لا يخرج حتى تطلع الشمس .

وأثر الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما فيه أنه كان يخرج إليها بعد الصلاة وليس فيه أن خروجه قبل طلوع الشمس ، فيحتمل أنه كان يخرج بعد طلوع الشمس .

 

قال : [ وتأخر إمام إلى وقت الصلاة ]

فالإمام لا يستحب له أن يبكر كما يبكر المأمومون ، بل المستحب له أن يكون خروجه عند الصلاة .

لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري t قال : ( كان النبي e يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة ) .

 

قال : [ على أحسن هيئة ]

 فيسن أن يكون الخروج على أحسن هيئة ، وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم في رواية عنه : أن عمر t قال للنبي e : ( ابتع هذه فالبسها للعيد والوفد ) ؛ وكذلك الجمعة لأن الجمعة عيد وهذا عيد فكان المستحب لهما جميعاً التزين باللباس والطيب .

وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما من فعله بإسناد جيد عند البيهقي : ( أنه كان يلبس في العيدين أحسن
ثيابه ) .

قال الإمام مالك رحمه الله : " سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والطيب في كل عيد " أي : في عيد الفطر وعيد الأضحى وفي الجمعة ، فيستحب له أن يتزين ويتطيب .

 

قال : [ إلا المعتكف ففي ثياب اعتكافه ]

لأن هذه الثياب فيها أثر العبادة والنسك فاستحب بقاؤه كالخُلوف الذي قال فيه e  ( لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ) .  

ولو كان إمام الصلاة .

واستثنى بعض الحنابلة : الإمام الأعظم .

- وقال بعض الحنابلة : بل المعتكف كغيره في اللباس فيلبس أحسن ثيابه ، وهو قول القاضي من الحنابلة وهو الراجح ؛ فإنه لا دليل يدل على استحباب خروجه بثياب اعتكافه ، وحديث : " لخلوف فم الصائم " ليس فيه استحباب إبقاء هذه الرائحة التي هي أثر عن العبادة .

ويستحب أن يتطهر بالغسل , وصح ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما كما في موطأ مالك بإسناد صحيح .

 

قال : [ ومن شرطها : استيطان وعدد الجمعة لا إذن إمام ]

أي شرط صحة العيد , الاستيطان وكذلك عدد الجمعة ، وتقدم شرحه في صلاة الجمعة .

لأن النبي e لم يصح عنه أنه كان يقيم العيد في السفر وكذلك خلفاؤه من بعده ، فدل ذلك على أن العيد يشترط فيها الاستيطان ، ولأن الجمعة عيد فاشترط في العيد ما اشترط في الجمعة من العدد ونحوه ، ولأن صلاة العيد تجزئ عن الجمعة ، فدل على أنها يشترط لها ما يشترط للجمعة .

 " لا إذن إمام " : فلا يشترط أن يأذن الإمام ، قياساً على الجمعة فهي فريضة على العباد – وقد تقدم أنها عند الحنابلة فرض كفاية وأن الراجح أنها فرض عين .

 

قال : [ ويسن أن يرجع من طريق آخر ]

يستحب له أن يكون ذهابه من طريق وإيابه من طريق آخر ، وذلك لما ثبت في البخاري عن جابر t قال :
( كان النبي
e إذا كان يوم عيد خالف الطريق ) .

وقد ذكر أهل العلم لذلك عللاً كثيرة منها :

إظهار هذه الشعيرة ، ومنها إغاظة المنافقين ، ومنها السلام على أهل الطريقين ، وغير ذلك .

ولا مانع أن تكون هناك علل أخرى ، ولا مانع أيضاً أن تكون هذه العلل بمجموعها علة لهذه السنة ، فإن السنة النبوية مشتملة على الحكم الكثيرة .

 

قال : [ ويصليها ركعتين قبل الخطبة ]

فصلاة العيد قبل الخطبة ، فيبدأ بالصلاة ثم يخطب الناس ، باتفاق العلماء .فلو قدم الخطبة قبل الصلاة لم يعتد بها وإن كانت الصلاة صحيحة بالاتفاق ؛ لأن الخطبة سنة كما سيأتي تقريره فليست شرطاً في صلاة العيد بخلاف الخطبة يوم الجمعة فهي شرط فيها .

فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( شهدت العيد مع رسول الله e وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة ) .

وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( كان رسول الله e وأبو بكر وعمر يصلون العيد قبل الخطبة ) .

 

قال : [ يكبر في الأولى بعد الإحرام والاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة ستاً وفي الثانية قبل القراءة خمساً ]

يستحب له أن يكبر سبعاً في الركعة الأولى ، وخمساً في الركعة الثانية .

والسبع الأولى مع تكبيرة الإحرام، والخمس الأخرى سوى تكبيرة الانتقال .

ودليل ذلك : ما ثبت في سنن أبي داود وصححه أحمد والبخاري وابن المديني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي e قال : ( التكبير في الفطر سبع في الأولى ، وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما ) .

 وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه : ( كان يكبر في العيدين سبعاً في الأولى فيهن تكبيرة الافتتاح ويكبر في الآخرة ستاً مع تكبيرة الانتقال ) وفيه بيان للحديث المتقدم .

ويكبر التكبيرات في الأولى بعد الاستفتاح فإذا كبر للإحرام واستفتح كبّر ستاً ثم تعوذ وبسمل وقرأ ، لأن البسملة والاستعاذة شرعت للقراءة فهي تابعة لها .


قال : [ يرفع يديه مع كل تكبيرة ]

واستدلوا : بعمومات الأدلة ، فقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي e  الحديث وفيه : ( وكان يرفعهما عند كل ركعة وتكبيرة قبل الركوع حتى تنقضي صلاته ) ، فهذا الحديث عام في كل تكبيرة قبل الركوع وأنه يستحب له أن يرفع يديه فيها .

وثبت نحوه في سنن أبي داود من حديث وائل بن حجر t بإسناد حسن أن النبي e : ( كان يرفع يديه مع التكبير ) وهذا عام ، لذا قال الإمام أحمد – عند هذا الأثر – قال : " أرى أنه يدخل فيه هذا كله " أي يدخل فيه تكبيرات العيد وتكبيرات صلاة الجنازة لعموم هذا الأثر .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما : " أنه كان يرفع يديه في تكبيرات العيد والجنائز " ، رواه الأثرم كما في كتاب المغنى وغيره ولم أقف على سنده .

وقال الموفق : " ولا يعلم له - أي لابن عمر رضي الله عنهما - مخالف من الصحابة y " ، وهو مذهب الجمهور .

وخالف في ذلك بعض أهل العلم وهو رواية عن الإمام مالك : فرأوا أن ذلك لا يشرع لعدم ثبوته نصاً عن النبي e . والراجح ما تقدم ؛ لعمومات الأدلة .

 

قال : [ ويقول : الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً  وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً كثيراً ]

أي يقول ذلك بين التكبيرات في الصلاة ، فإذا كبر تكبيرة الإحرام واستفتح قال : " الله أكبر " ثم قال هذا الذكر ثم كبر وهكذا ومثله في الركعة الثانية .

قال : [ وإن أحب قال غير ذلك ]

لأن الغرض الذكر بعد التكبير لا ذكر مخصوص لعدم وروده عن النبي e .

وروى والبيهقي وغيره بإسناد جيد : " أن عبد الله بن مسعود t كان يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي e بين كل تكبيرتين " ، واحتج به الإمام أحمد .

 

قال : [ ثم يقرأ جهراً في الأولى بعد الفاتحة بسبح وبالغاشية في الثانية ]

لما تقدم من حديث النعمان بن بشير t الثابت في مسلم .

ويستحب له أن يقرأ أحياناً ما ثبت في مسلم من حديث أبي واقد الليثي t أن النبي e : ( كان يقرأ في الفطر والأضحى بـ " ) ق ( و ) اقتربت (  " .

 

 

قال : [ فإذا سلم خطب خطبتين كخطبتي الجمعة ]

باتفاق أهل العلم لما تقدم من أن صلاة العيد تقاس على الجمعة , ولم أر خلافاً بين أهل العلم في هذه المسألة .

ووردت أحاديث تدل على ذلك ، منها أحاديث ضعيفة لا تثبت عن النبي e ، فمن ذلك :

ما رواه ابن ماجه في سننه عن جابر t قال : ( خرج النبي e يوم فطر أو أضحى فخطب قائماً ثم قعد قعدة ثم قام ) والحديث فيه أبو بحر وإسماعيل بن مسلم وهما ضعيفان فالحديث إسناده ضعيف جداً .

وروى سعيد بن منصور في سننه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : ( من السنة أن يكبر الإمام إذا صعد المنبر يوم العيد قبل الخطبة الأولى تسع تكبيرات وقبل الثانية سبع تكبيرات ) لكن الحديث مرسل ، ومع ذلك فإن عمل أهل العلم على ذلك ، ولم أر خلافاً بين أهل العلم في هذه المسألة .

ويمكن أن يستدل على هذه المسألة : بما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( شهدت صلاة الفطر مع نبي الله وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب قال : فنزل نبي الله e كأني أنظر إليه حين يجلِّس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء ومعه بلال فقال : ) يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات … ( الآية فتلا هذه الآية حتى فرغ منها ثم قال حين فرغ : أنتن على ذلك ؟ فقالت امرأة : نعم ، فقال النبي e : فتصدقن ) .

والشاهد فيه قوله : ( كأني أنظر إليه يجلس الرجال ) لما انتهى من الخطبة الأولى وذهب إلى النساء  يخطبهن ، فدل على أنها خطبة أخرى .

وثبت في الصحيحين عن جابر t قال : ( شهدت مع النبي e الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن قال : تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم ) .

والأظهر أنها تكون للنساء .

وهل يستحب له إذا قام على المنبر أن يجلس أم يشرع في خطبته من غير جلوس ؟

قولان لأهل العلم من الحنابلة وغيرهم :

القول الأول : أنه يستحب له الجلوس كجلوسه يوم الجمعة ؛ وذلك ليتراد إليه نفسه ويستريح , وهو المذهب .

القول الثاني : أنه لا يستحب له ذلك ، لأن هذا الجلوس الذي شرع يوم الجمعة إنما هو للأذان بين يديه .

وهذا أولى والأحاديث الواردة في خطبة العيد ليس فيها ذكر الجلوس قبل الخطبة , لكن إن جلس محتاجاً إلى ذلك ليستريح ويتراد إليه نفسه فلا بأس بذلك للحاجة .

 

قال : [ يستفتح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع ]

هذا هو المستحب عند جمهور العلماء من الحنابلة وغيرهم .

فيستحب أن يفتتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات متواليات لا يفصل بينها بفاصل من ذكر ولا غيره ويفتتح الثانية بسبع تكبيرات .

واستدلوا بالأثر المتقدم الذي رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأخرجه سعيد بن منصور وغيره .

واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم : أنه يفتتحها بالحمد ؛ لأنه الوارد عن النبي e في خطبه كلها ، وأما الافتتاح بالتكبير فلم يثبت عنه واختاره أيضاً الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبدالرحمن السعدي ،  وهو أصح فيحمد الله ثم يكبر تسعاً ، ويحمد الله في الثانية ثم يكبر سبعاً .

ويستحب أن يكثر من التكبير في أضعاف الخطبة على المذهب لما روى ابن ماجه في سننه من حديث سعد المؤذن t : ( كان النبي e يكبر بين أضعاف الخطبة يكثر التكبير في خطبة العيدين ) وإسناده ضعيف .

قال شيخ الإسلام : وكان التكبير أيضاً مشروعاً في خطبة العيد زيادةً على الخطب الجمعية .

 

قال : [ يحثهم في الفطر على الصدقة ويبين لهم ما يُخرجون ، ويرغبهم في الأضحى في الأضحية ويبين لهم حكمها ]

الوارد عنه e في خطبة العيد في الفطر والأضحى هو التذكير والوعظ والأمر بالتقوى والحث على طاعة الله عز وجل

لما ثبت في الصحيحين عن جابر t قال : ( شهدت مع النبي e الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن قال : تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم ) .

وأما ما ذكره المؤلف من كون الخطيب يستحب له أن يذكرهم بمسائل الفطر في عيد الفطر ، فإن فيه نظراً ؛ لعدم ثبوته أولاً عن النبي e .

وثانياً : لفوات محله ، فإن صدقة الفطر لا تشرع بل لا تجزئ إلا أن تكون قبل صلاة العيد ، فإذا صلى الناس العيد فقد فات وقتها فلم يكن للتنبيه على مسائلها فائدة ، بل كان الاشتغال بوعظ الناس وتذكيرهم وأمرهم بالتقوى وحثهم على الطاعة ونهيهم عن المعصية ونحو ذلك أولى من بيان ذلك واختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله .

أما الأضحى فإنه قد صح ذلك عن النبي e ، فإنه قد قال في خطبته كما في الصحيحين من حديث جندب بن عبدالله أنه شهد النبي e يوم النحر صلى ثم خطب قال e : ( من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله ) وفي المسند وسنن ابن ماجه : ( فيستقبلهم وهم جلوس فيقول : تصدقوا ) فقد أمر الرجال بالصدقة .

فهنا النبي e تكلم عن شيء من أحكام الأضاحي في خطبة الأضحى , ولا شك أن الفائدة واضحة في هذا ، فإن الأضاحي إنما تشرع بعد الصلاة فيكون في بيان أحكامها فائدة للمصلين وتعليم لهم .

 

قال : [ والتكبيرات الزوائد والذكر بينها ]

التكبيرات الزوائد سنة بالاتفاق .

 

قال : [ والخطبتان سنة ]

باتفاق العلماء أيضاً .

ويدل على ذلك ما ثبت في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن السائب t قال : ( شهدت مع النبي e العيد فلما قضى الصلاة قال : إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب ) والحديث إسناده صحيح .

 

 

 

قال : [ ويكره التنفل قبل الصلاة وبعدها في موضعها ]

أي يكره لمن أتى للعيد أن يتنفل قبل الصلاة وبعدها ، لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : ( صلى النبي e يوم العيد ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها ) .

وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة .

قال الإمام أحمد : " الكوفيون يصلون بعدها لا قبلها،  والبصريون يصلون قبلها لا بعدها ، والمدنيون لا يصلون قبلها ولا بعدها ) " .

وروى أبو يعلى الموصلي عن أنس بن مالك والحسن البصري : (  أنهما كانا يصليان قبل خروج الإمام ) .

وروى الطبراني في الكبير عن كعب بن عجرة t أنه قال في الصلاة قبل العيد : ( بدعة وترك سنة ) .

فالصحابة ومن بعدهم قد اختلفوا في هذه المسألة .

-   والمشهور في المذهب – خلافاً للشافعية – : أنه لا يصلي قبلها ولا بعدها .

-  والصحيح في هذه المسألة : أنه إن صلى بعدها فحسن ، فقد صح عن النبي e من حديث أبي سعيد الخدري t  كما ثبت ذلك في سنن ابن ماجه بإسناد حسن كما قال الحافظ وهو كما قال : ( كان النبي e لا يصلي قبل العيد شيئاً فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين ) .

فإن قيل : قد نفى ذلك ابن عباس في حديثه المتقدم ؟

فالجواب : أن المثبت مقدم على النافي ، فالمثبت معه علم زائد موجب للإثبات ، وأما النافي فليس معه إلا عدم العلم .

وأما قبل صلاة العيد فإن صلى فلا بأس - أي بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح ؛ لأنه لا دليل يمنع من ذلك فيكون ذلك من التطوع المطلق .

وأما كون النبي e لم يكن يصل – كما في حديث ابن عباس – ، فإنه كذلك لم يكن يصلي قبل صلاة الجمعة .

وقال بعض الحنابلة : يصلي تحية المسجد .

وهذا ظاهر فيما إذا أقيمت صلاة العيد في المساجد, والأظهر أن المصلى له حكم المسجد حيئذ .

لقول النبي e : ( ويعتزل الحيض المصلى ) ، فأعطى النبي e المصلى حكم المسجد من وجوب اعتزال الحيض له .

قال صاحب المنتهى : " ومصلى العيد مسجد , لا مصلى الجنائز " ا. هـ .

 

قال : [ ويسن لمن فاتته أو بعضها قضاؤها على صفتها ]

لأن القضاء يحكي الأداء فيصليها ركعتين مع تكبيراتها , وعلى القول بأنها تجب على الأعيان فيجب القضاء لعموم قوله e : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ) .

-   وقال ابن مسعود t : يقضيها أربعاً ، وهو قول لبعض الحنابلة .

-   وقال بعضهم : إن شاء صلى أربعاً وإن شاء صلى ركعتين .

وأثر ابن مسعود t ثابت عنه في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال : ( من فاتته صلاة العيد فليصل أربعاً ) .

وأثره مخالف بأثر رواه البخاري معلقاً ووصله ابن أبي شيبة والبيهقي عن أنس t : ( أنه قضاها على هيئتها وصفتها ) , والقياس مع قول أنس t .

وأما أثر ابن مسعود t فإن هذا - فيما يظهر - من باب إلحاق العيد بالجمعة فإن الجمعة عيد ، وإذا تركت صليت أربعاً فكذلك العيد .

 لكن القياس هنا ضعيف ؛ للفارق فإن لصلاة الجمعة بدلاً وهو الظهر وهي أربع ركعات بخلاف صلاة العيد ، فلا بدل لها فيقضيها على صفتها وهيئتها .

 

قال : [ ويسن التكبير المطلق في ليلتي العيد ]

أي التكبير في غير أدبار الصلوات المكتوبة في الأسواق والمجالس وغيرها .

وأما التكبير المقيد فهو التكبير في دبر الصلاة المكتوبة .

فيسن التكبير المطلق في ليلتي العيدين ، ليلة عيد الفطر وليلة عيد الأضحى .

أما ليلة عيد الأضحى فستأتي الآثار الدالة على ذلك ، وأما عيد الفطر فدليله قوله تعالى : ) ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ( أي لتكملوا عدة رمضان ، ولتكبروا الله على ما هداكم من صيام نهاره وقيام ليله ولعلكم تشكرون ، فهذه الآية فيها أن التكبير يكون عند تمام عدة الشهر ويكون ذلك برؤية الهلال ، أو إتمام الشهر .

ويكبر صبيحته حتى يأتي المصلى , وعن ابن عمر رضي الله عنهما : ( أنه كان إذا غدا يوم فطر أو أضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام ) وتقدم .

وروى نحوه ابن أبي شيبة عن الزهري عن النبي e مرسلاً إلا أن فيه : ( إلى أن يقضي الصلاة ) ، ومعلوم أن الإمام يكبر في صلاته .

وله شاهد عند البيهقي عن النبي e مرفوعاً , وهو قول الجمهور .

- وقال المالكية : يستحب التكبير يوم الفطر دون ليلته .

واستدلوا بأثر ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم .

والأظهر قول الجمهور ؛ لأن الآية تشتمل التكبير ليلة العيد والتكبير الوارد في الصلاة وفي أضعاف الخطبة ، فإن ذلك كله من التكبير الداخل في قوله تعالى : ) ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ( .

 

قال : [ وفي فطر آكد ]

للآية ، فإن الله أمر بالتكبير فيه فقال : ) ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم … ( حتى ذهب بعض الظاهرية إلى وجوبه ، وفيه قوة لظاهر الآية الكريمة .

ولا يشرع التكبير في الفطر في أدبار الصلاة المكتوبة , بخلاف الأضحى .

 

قال : [ وفي كل عشر ذي الحجة ]

لقوله تعالى : ) ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ( والأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة .

كما أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، وثبت في البخاري معلقاً : ( أن ابن عمر وأبا هريرة y كانا يخرجان إلى السوق في أيام عشر ذي الحجة يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما ) .

 

قال : [ والمقيد عقب كل فريضة في جماعة من صلاة الفجر يوم عرفة ، وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق ]

يسن التكبير المقيد أدبار الصلوات المكتوبة ، والأظهر أنه بعد الاستغفار وقول : اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام ؛ لأن ذلك ألصق بالصلاة من التكبير واختاره شيخنا ، الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله .

ويكون للمحرم من صلاة الظهر يوم النحر ، وغير المحرم من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر صلاة عصر من آخر أيام التشريق ، ويكبر بعد العصر ما لم تغب الشمس .

ودليل ذلك : الآثار عن أصحاب النبي e ، قال الإمام أحمد : " فيه الإجماع ( أي إجماع الصحابة ) عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود y " .

أما أثر عمر t فلم أقف عليه .

وأما أثر علي t فهو ثابت في ابن أبي شيبة بإسناد صحيح : ( أنه كان يكبر بعد صلاة الصبح من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق ويكبر بعد العصر ) .

ونحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما عند البيهقي , وعن ابن مسعود t عند الحاكم وهي أسانيد صحاح
إليهم .

وقال ابن تيمية : " هو إجماع من أكابر أصحاب النبي e " ا . هـ .

أما المحرم فإنه يكبر بعد صلاة الظهر من يوم النحر ؛ لاشتغاله قبل ذلك بالتلبية ، فإذا صلى الظهر كبر التكبير المقيد وقد رمى جمرة العقبة ضحى .

وظاهر كلام الفقهاء : أنه لا فرق بينه وبين من رمى جمرة العقبة بعد نصف الليل , ومقتضى التعليل خلاف هذا وأنه يكبر بعد الفجر إن رمى جمرة العقبة ليلاً وهو أظهر لعدم اشتغاله بالتلبية .

لكن إن كبر قبل ذلك لم ينكر عليه ؛ لما ثبت في البخاري وغيره عن أنس t قال في يوم عرفة : ( يلبي الملبي فلا ينكر عليه , ويكبر المكبر فلا ينكر عليه ) .

فإذن : إن كبر يوم عرفة فلا بأس .

وهنا قال : " في جماعة " : فإذا صلى الصلاة المكتوبة في جماعة كبر ، وإن صلاها منفرداً لم يكبر ، فالتكبير يشرع عقب الصلاة المكتوبة في جماعة ، ومثل ذلك لو كان مسبوقاً فإنه يكبر ، فإن صلى المكتوبة منفرداً فإنه لا يكبر .

واستدلوا : بأثر رواه ابن المنذر واحتج به أحمد ولم أقف على سنده : أن ابن مسعود t قال : ( إنما التكبير على من كان في جماعة ) ، قالوا : ولا يعلم له مخالف من الصحابة .

وروى ابن المنذر في الأوسط بإسنادٍ صحيح أن ابن عمر رضي الله عنهما : ( كان لا يكبر إذا صلى وحده ) .

وهذا قوي في النظر ، لأن التكبير إنما يشرع الجهر به وإظهاره وذلك إنما يكون بعد الصلوات التي يجتمع عليها الناس فيجتهدون في رفع أصواتهم بالتكبير وتظهر هذه الشعيرة من شعائر الله .

وأيام التشريق يستحب فيها التكبير المطلق ، فقد ثبت في البخاري معلقاً : " وكان عمر t يكبر في قبته بمنى ، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً " ، " وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكبر بمنى تلك الأيام ، وخلف الصلوات ، وعلى فراشه ، وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه ، تلك الأيام جميعاً . وكانت ميمونة رضي الله عنها تكبر يوم النحر ، وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ، ليالي التشريق ، مع الرجال في المسجد ) ، وهي الأيام المعدودات التي قال الله فيها : ) واذكروا الله في أيام معدودات ( .

والأنثى كالذكر فتكبر بعد الفرائض في جماعة لكن لا تجهر بالتكبير , ويتوجه أنها تكبر جهراً إن لم يسمعها الرجال .

 

قال : [ وإن نسيه قضاه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد ]

إن نسى التكبير المقيد وهو ما زال دبر الصلاة المكتوبة فإنه يقضيه ؛ لأنه لم يزل في دبر الصلاة المكتوبة .

" ما لم يحدث أو يخرج من المسجد " : أما الخروج من المسجد فنعم ، فإنه قاطع عرفاً ، فإذا خرج من المسجد فإنه يكبر من باب التكبير المطلق ، وأما التكبير المقيد فقد فاته لأنه سنة قد فات محلها .

وأما الحدث ، فاختار الموفق وهو قول بعض الحنابلة  : أنه لا يؤثر في ذلك ؛ لأن التكبير ليس من شرطه الطهارة .

وقال الحنابلة : الذكر تبع للصلاة فكان الحدث قاطعاً .

والصحيح خلاف ذلك واختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله .

 

قال : [ ولا يسن عقب صلاة عيد ]

أي لا يسن له أن يكبر التكبير المقيد بعد صلاة العيد .

أما عيد الفطر فهذا واضح ؛ لأن التكبير المقيد بعد الصلوات المكتوبة لا يشرع في يوم الفطر بل في يوم النحر وفي يوم عرفة وأيام التشريق .

وأما عيد النحر فكذلك على المذهب ، فإذا صلى صلاة عيد الأضحى فلا يكبر بعدها .

قالوا : لأن الوارد عن الصحابة y إنما هو التكبير دبر الصلوات الخمس المفروضة ، وصلاة العيد ليست من الصلوات المكتوبة فلا يكبر بعدها .

وقال بعض الحنابلة ، وهو اختيار الموفق : أنه يكبر بعد صلاة عيد الأضحى ؛ لأن صلاة العيد صلاة مفروضة على الكفاية – كما تقدم في مذهب الحنابلة – فسن لها التكبير كغيرها من الصلوات المفروضة .

قال : بل هي أولى ؛ لأن صلاة العيد مختصة بذلك اليوم ، والتكبير مختص بالعيد فكانت أحق من غيرها بالتكبير لاختصاصها بيوم العيد .

وما ذكره أظهر ، فالمستحب له أن يكبر بعد صلاة عيد الأضحى ؛ لأنها صلاة مفروضة كسائر الصلوات المفروضة .

 

قال : [ وصفته شَفْعاً : الله أكبر ، الله أكبر , لا إله إلا الله ، والله أكبر , الله أكبر , ولله الحمد ]

 " شفعاً " أي لا يثلث .

فقد ثبت عن ابن مسعود t كما في مصنف ابن أبي شيبة أنه كان يقول في تكبيره : ( الله أكبر ، الله أكبر , لا إله إلا الله ، والله أكبر , الله أكبر , ولله الحمد ) .

واختار الشافعية أنه يثلث ، فيقول : ( الله أكبر , الله أكبر ، الله أكبر , لا إله إلا الله ، الله أكبر , الله أكبر ، الله أكبر , ولله الحمد ) لثبوت ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح .

وعلى ذلك فإن شفع فحسن وإن ثلث فحسن .

مسألة :

 قالوا : تجوز التهنئة يوم العيد ، وقد ثبت ذلك عن أصحاب النبي e فيما ذكره الإمام أحمد وذكره ابن التركماني في تعليقه على سنن البيهقي عن أبي أمامة t وغيره من الصحابة y أنهم كانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض : (  تقبل الله منا ومنك ) ، قال الإمام أحمد : وإسناده جيد .

وإن هنأه بما تعارف عليه الناس من الألفاظ فلا بأس ، فإن هذه من مسائل العادات .

مسألة :

يستمر التكبير المطلق مع التكبير المقيد كما تقدم في أثر عمر وابنه وميمونة رضي الله عنهم .




حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net