![]() |
![]() ![]() |
|
المكتبة المقروءة
:
الفقه
:
زاد المستقنع - الجنائز
|
|
المكتبة المقروءة
:
الفقه
:
زاد المستقنع - الجنائز
الجنائــــز |
كتـــاب الجنائــــز
الجنائز : جمع جِنازة – بالكسر – في الأفصح ، ويصح الفتح " جَنازة " . وهي : من جَنزَ الشيء إذا ستره . والميت يسمى جنازة لأنه مستور بكفنه . وكذلك : النعش وعليه الميت , فإن كان بلا ميت فإنه لا يسمى جنازة بل يسمى نعشاً أو سريراً .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ تسن عيادة المريض ] يستحب للمسلم أن يعود المريض . وقد ثبت عن النبي e أحاديث كثيرة تدل على فضيلة ذلك : فمن ذلك ما ثبت في مسلم عن ثوبان t أن النبي e قال : ( إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خُرفة الجنة حتى يرجع , قيل : وما خرفة الجنة يا رسول الله ؟ قال : جناها ) . ورواه الإمام أحمد في المسند من حديث علي بإسناد صحيح وفيه : ( فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وإن كان مساءً صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح ) . وثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( حق المسلم على المسلم خمس : عيادة المريض ، واتباع الجنازة ، وإجابة الدعوة ، وتشميت العاطس ، ورد السلام ) . ورواه مسلم بلفظ : ( حق المسلم على المسلم ست ) وزاد النصيحة : ( وإذا استنصحك فانصح له ) . - واختار شيخ الإسلام ابن تيمية : أنها فرض كفاية ، وقال : " إن ظاهر النصوص تدل على وجوبها ". واختار هذا القول أيضاً الشيخ محمد رحمه الله . لكن ذكر النووي الإجماع على نفي الوجوب ، وتعقبه ابن حجر بأن الوجوب المنفي إنما هو الوجوب على الأعيان ، وأما وجوب الكفاية فليس بمنفي ، وقد بوَّب البخاري رحمه الله في صحيحه : " باب : وجوب عيادة المريض " . وهذا القول هو الراجح ، وأن عيادة المريض واجبة لكن ليس على الأعيان بل على الكفاية . فإن قيل : فما هو الصارف عن الوجوب على الأعيان في قوله e : ( حق المسلم على المسلم ) ؟ فالجواب : ما ثبت في البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( كنا جلوساً مع رسول الله e إذ جاء رجل من الأنصار فسلم عليه ثم أدبر الأنصاري فقال رسول الله e : ( يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة ؟ فقال : صالح ، فقال رسول الله e : من يعوده منكم ؟ ) . فلم يأمر النبي e من حضر من أصحابه كل واحد منهم بعينه بعيادة سعد فدل على أنها ليست فرضاً على الأعيان . فيجب على من علم بحاله من المسلمين ممن تقوم بهم كفاية جبره وتعزيته في مصابه أن يعودوه . والعيادة عامة في كل مرض ، أما ما رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهما من أن النبي e قال : ( ثلاثة لا يعاد صاحبهن : صاحب الضرس " أي وجع الضرس " وصاحب الرمد وصاحب الدُمَّلُ ) والرمد وجع في العين ، فالصواب : أنه من قول يحيى بن أبي كثير وهو من أتباع التابعين . أما النبي e فقد صح عنه في سنن أبي داود عن زيد بن أرقم t قال : ( عادني رسول الله e من وجع كان بعيني ) . فالصحيح أن كل مرض يعاد . والصحيح – أيضاً – أنه متى علم بمرضه عاده من غير أن يتربص ثلاثة أيام وإن كان في أول المرض . أما ما رواه ابن ماجه عن أنس t قال : ( كان النبي e لا يعود مريضاً إلا بعد ثلاث ) فالحديث إسناده ضعيف جداً . وليس هناك وقت محدد لعيادة المريض ، إلا أنه ينبغي أن تكون في الوقت الذي لا يضجره ولا يحرجه والأولى أن يرجع إلى عادة الناس في ذلك .
قال : [ وتذكيره التوبة والوصية ] أي يستحب أن يذكر بالتوبة . وقد ثبت في البخاري : عن أنس t : أن غلاماً ليهود كان يخدم النبيe فمرض فأتاه النبيe يعوده فيستحب لمن عاد مريضاً إن كان كافراً أن يدعوه إلى الإسلام وإن كان فاسقاً أن يدعوه إلى التوبة . كما أنه يُحث على الوصية أي بأن يكتب وصيته ، وذلك لأن المرض مظنة الموت ، وإذا كان المسلم مأموراً بكتب وصيته قبل أن يقع به المرض فأولى من ذلك أن يحث عليها في أثناء مرضه . فقد قال e – كما في الصحيحين - من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ) . فيستحب للمسلم أن يكتب وصيته في الحقوق التي له والتي عليه .
قال : [ وإذا نُزل به ، سُنَّ تعاهد بَلِّ حلقه بماء أو شراب وتندى شفتاه بقُطْنَةٍ ] " وإذا نزل به " أي نزل به الموت ، فأخذ بالاحتضار ، فإنه يسن تعاهده ببل حلقه بماء أو شراب وتندى شفتيه بقطنة ، ليسهل عليه النزع . وقد ثبت في البخاري : أن النبي e كان بين يديه - عند احتضاره - رَكْوة فيها ماء ، فكان يضع يديه فيها فيمسح بهما وجهه ويقول : ( لا إله إلا الله إن للموت سكرات ) . قوله : " بقطنة " أي : أونحوها .
قال : [ وتلقينه لا إله إلا الله مرة ] أي ويسن أن يلقن " لا إله إلا الله " . وينبغي أن يكون الملقن ممن يكون له قبول عند الميت وبينهما مودة مما هو مظنة لقبول كلامه لئلا يتضجر من قوله فيمتنع من قولها فهو في شدة فيكرر عنده قول : " لا إله إلا الله " حتى يقولها المحتضر . وكرهوا أن يقول له قل : " لا إله إلا الله " ؛ لئلا يضجره ، وإنما يكون ذلك على سبيل الإشارة فيكررها عنده حتى يقولها . ودليل استحباب التلقين ، ما ثبت في مسلم أن النبي e قال : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) وأطلق على المحتضر ميتاً باعتبار ما هو واقع لا محالة . فإن علم من حاله أن قول : قل " لا إله إلا الله " لا يضجره فلا بأس أن يقولها . فقد ثبت عند أبي يعلى والبزار بإسناد صحيح أن النبي e : ( أتى رجلاً من الأنصار " وفي رواية من بني النجار " – وهم مشهورون بحسن إسلامهم – فقال له : قل لا إله إلا الله ) .
قال : [ ولم يزد على ثلاث إلا أن يتكلم بعده , فيعيد تلقينه برفق ] فإذا تلقن الميت فقال : " لا إله إلا الله " ، فإنه يسكت عنه فلا يلقن إلا أن يتكلم بشيء آخر كأن يوصي أو نحو ذلك فإنه يستحب أن يعاد تلقينه ليكون آخر كلامه " لا إله إلا الله " . فقد ثبت ذلك في سنن أبي داود بإسناد جيد عن معاذ بن جبل t أن النبي e قال : ( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) .
قال : [ ويقرأ عنده " يس~ " ] ويستحب أن تقرأ عنده سورة يس~ . واستدلوا : بما رواه أبو داود وغيره أن النبي e قال من حديث معقل بن يسار t : ( اقرؤوا يس~ على موتاكم ) . والمراد اقرؤوا عليهم في حال الاحتضار , أما بعد الموت فهو بدعة ؛ وذلك لما تشتمل عليه من ذكر الجنة والبشارة بفضل الله للمؤمنين الذي يعظم به الرجاء . قالوا : وهي سبب لسهولة خروج الروح منه . لكن الحديث الوارد في ذلك ضعيف ، فقد ضعفه الدارقطني وغيره وقال : " لا يصح في هذا الباب شيء " وهو كما قال ، فإن الحديث ضعيف لجهالة في بعض رواته ولاضطراب في سنده . لكن إن قرأها فلا بأس أو قرأ غيرها من الآيات أو السور التي فيها رجاء وبشارة من غير اعتقاد سنية ذلك فلا بأس . وقالوا : ويستحب أن يقرأ عليه فاتحة الكتاب . وهذا أيضاً لا دليل عليه . وإنما يستحب عند المحتضر أن يذكر له محاسن عمله أي الأعمال الصالحة وأن يذكر له فضل الله ورحمته وأن يفتح له باب الرجاء لئلا يموت إلا وهو يحسن الظن بربه ، فقد قال e – كما في مسلم من حديث جابر t - : ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله U ) . قال إبراهيم النخعي – كما روى ذلك ابن أبي الدنيا بإسناده – قال : ( كانوا – أي السلف – يستحبون أن يذكر للميت محاسن عمله حتى يحسن الظن بربه ) .
قال : [ ويوجهه إلى القبلة ] أي : يستحب أن يوجه إلى القبلة . ودليل ذلك : ما رواه الحاكم أن البراء بن معرور t : أوصى بثلث ماله للنبي e ، وأوصى أن يوجه وهو يحتضر إلى القبلة ، فقيل ذلك للنبي e فقال : ( أصاب الفطرة ، وقد رددت ثلثه إلى ولده ) . والحديث : فيه نُعيم بن حماد وله مناكير ، لكن له شاهد عند البيهقي من حديث كعب بن مالك t فالأثر حسن إن شاء الله فيستحب أن يوجه إلى القبلة . فيضطجع على شقه الأيمن متوجهاً إلى القبلة ، فإن شق عليه أن يضطجع على شقه الأيمن أو الأيسر فإنه يستلقي ويجعل رجليه إلى القبلة ويرفع وجهه ويوجه إلى القبلة ، وهذا في الغالب أسهل على الميت .
قال : [ فإن مات سن تغميضه ] فقد ثبت - في صحيح مسلم - عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : دخل رسول الله e على أبي سلمة t وقد شَقَّ بصره فأغمضه ثم قـال : ( إن الروح إذا قبض اتبعه البصر ) . والمشهور في المذهب : أنه يكره أن يغمضه جنب أو حائض ولم أر دليلاً يدل على ذلك . قالوا : ويقول : - حين تغميضه – " بسم الله وعلى ملة رسول الله " ، ولا دليل يدل على ذلك ، وإنما فيه أثر مقطوع رواه البيهقي بإسناده الصحيح عن بكر بن عبدالله المزني أنه كان يقول : عند التغميض : ( بسم الله وعلى ملة رسول الله ) ونص عليه أحمد , لكن إن فعله من غير اعتقاد سنيةٍ فلا بأس .
قال : [ وشد لحييه ] فيغطى الفم لئلا يدخله شيء من الأذى أو الهوام ونحو ذلك .
قال : [ وتليين مفاصله ] ليكون ذلك أسهل عند تغسيله ، فيرد الذراع على العضد ثم العضد على الجنب ، ويرد الساق على الفخذ ، والفخذ على البطن , أي فتحرك المفاصل قبل قسوتها لتبقى أعضاءه سهلة على الغاسل لينة .
قال : [ وخلع ثيابه وستره بثوبٍ ] لئلا يحمى بدنه فيسرع إليه الفساد . وستره بثوب لما ثبت - في الصحيحين - أن النبي e : ( حين توفي سُجَّي ببردٍِِ حِبَرة ) والحِبرة : ضرب من برود اليمن .
قال : [ ووضع حديدة على بطنه ] لئلا ينتفخ بطنه . وقد روي ذلك عن أنس بن مالك t في البيهقي .
قال : [ ووضعه على سرير وغسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه ] لينحدر عنه الماء وما يخرج منه. ويكون متوجهاً إلى القبلة لما تقدم .
قال : [ وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة ] أي يستحب أن يسرع في تجهيزه والاشتغال بتغسيله وتكفينه . لما ثبت - في الصحيحين - عن أبي هريرة t أن النبي e قال : ( أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه ، وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ) . فيستحب الإسراع بالجنازة غسلاً وتكفيناً ودفناً . " إن مات غير فجأة " : فيستثنى من استحباب التعجيل إن كان موته فجأة ؛ حتى يتيقن من موته .
قال : [ وإنفاذ وصيته ] أي ويستحب الإسراع في إنفاذ وصيته ؛ لإسراع الثواب له أولاً , ولإيصال الحق إلى أهله ثانياً .
قال : [ ويجب في قضاء دينه ] أما قضاء الدين فيجب الإسراع به . فإذا ترك مالاً وعليه دين فيجب أن يسارع في قضاء دينه فقد قال النبي e - فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه بإسناد جيد - من حديث أبي هريرة t : ( نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ) . فنفس المؤمن معلقة محبوسة عن نيل ما أعد لها من الثواب حتى يقضى عنها الدين . وفي مستدرك الحاكم والبيهقي وغيرهما بإسناد صحيح عن سمرة بن جندب t : قال e ذات يوم : وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله e قال : ( يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين ) رواه مسلم . ولا بأس أن يكشف وجه الميت ويقبله ، فقد صح ذلك عن أبي بكر t في البخاري : أنه كشف وجه النبي e فقبله وقال : ( بأبي أنت وأمي يا رسول الله ) .
فصـــل قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية ] فالغسل والتكفين والصلاة والدفن للميت فرض على الكفاية ، فإذا قام به طائفة من المؤمنين سقط الإثم عن الباقين . فقد ثبت في الصحيحين أن النبي e قال فيمن وقصته راحلته فمات : ( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيباً ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً ) . والشاهد قوله : " اغسلوه ، وكفنوه " فهذه أوامر ظاهرها الوجوب على الكفاية , وقد أجمع أهل العلم على ذلك وكذلك على دفنه .
قال : [ وأولى الناس بغسله وصيه ] فإذا وصى الميت أن يغسله فلان أو أوصت امرأة أن تغسلها فلانة أو زوجها ، فإن أولى الناس بالغسل هو هذا الوصي ، وإن كان أجنبياً إذا كان مسلماً عدلاً . وفي موطأ مالك بإسناد صحيح أن أبا بكر t أوصى أن تغسله امرأته . وعند الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها : ( أن فاطمة بنت رسول الله e أوصت أن يغسلها زوجها " علي بن أبي طالب " وأسماء " وهي بنت عميس " فغسلاها ) .
قال : [ ثم أبوه ثم جده ثم الأقرب فالأقرب من عصباته ] " ثم الأب " لما له من الشفقة على ولده . " ثم الجد " ؛ لأن الجد بمنزلة الأب ، فهو أب . " ثم الأقرب فالأقرب من عصباته " : كالإرث .
قال : [ ثم ذوو أرحامه ] كالجد لأم والخال . وترتيبهم كالإرث .
قال : [ وأنثى وصيتها ثم القربى فالقربى من نسائها ] وتتولى غسل الأنثى وصيتها كما تقدم , ثم القربى من النساء ، أي الأم ، فالبنت ، فبنت البنت ، فالأخت الشقيقة ، فالأخت لأب ، فالأخت لأم ، وهكذا . والعمة والخالة بمنزلة واحدة ، وبنت الأخت وبنت الأخ بمنزلة واحدة ، فإذا حصل تشاح بينهما فإنه يقرع بينهما. - هذا هو المشهور في المذهب : وأن حكم الرجال في هذه المسألة ليس كحكم النساء ، فالرجال يقدم العم على الخال لأنه عصبة ، وأما النساء فلا ، بل تقدم القربى فالقربى ، فالخالة تقدم على بنت العم . - وقال الشافعية : يقدم عند التساوي في القرب إلى المرأة كالعمة والخالة من كانت في محل العصوبة كما لو كانت ذكراً . فتقدم العمة لأنها بمنزلة العم ، والعم في الميراث مقدم على الخال ، وهذا أقوى ؛ لأنه مرجح فهو أولى من القرعة . وظاهر ما ذكره الحنابلة هنا والشافعية : أن الزوج والزوجة لا يقدمان على غيرهما إلا مع الوصية ، بل الأجنبية تقدم على الزوج . - وهذا هو المشهور عندهم . - وذهب بعض الشافعية وهو الوجه الثاني عندهم وقال به بعض الحنابلة : إلى أن الزوج أو الزوجة يقدمان بعد الوصي – وهذا القول أظهر – ، وأن الزوج أولى بغسل زوجته من غيره ، والزوجة أولى بغسل زوجها من غيرها من النساء – القريبات إليه – إلا ما تقدم من تقديم الوصي فإن الوصي مقدم لرغبة الميت فيه . ودليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد وسنن ابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي e قال لعائشة رضي الله عنها : ( ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك ) . وقالت عائشة رضي الله عنها – كما في المسند وسنن أبي داود - بإسناد حسن : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله e إلا نساؤه ) . وقد صح في الموطأ بإسناد صحيح : ( أن أسماء بنت عميس رضي الله عنها غسلت أبا بكر t حين توفي ) . ولأنه لا يؤمن من اطلاع الغاسل على شيء من العورة فكان من أبيح له الاطلاع إليها في حال الحياة بسبب الزوجية أولى من غيره . فالصحيح ما ذهب إليه أهل هذا القول : فأولى الناس الوصي ثم الزوج أو الزوجة ثم بعد ذلك يكون الأقرب فالأقرب من العصبات ثم ذوو الأرحام – سواء كان الميت ذكراً أو أنثى ما دام أن المغسل مسلم – واشترط الحنابلة العدالة ، وهو ظاهر ؛ لأن الغاسل قد يطلع على ما يجب ستره .
قال : [ ولكل من الزوجين غسل صاحبه ] وهو مذهب جماهير العلماء بل حكي إجماعاً . والأحاديث المتقدمة تدل عليه كقول النبي e : ( لو مت قبلي فغسلتك ) وقول عائشة رضي الله عنها : وفعل أسماء بنت عميس رضي الله عنها في غسل أبي بكر t وكان ذلك بمحضر الصحابة y من المهاجرين والأنصار في المدينة فلم ينكروه فكان ذلك إجماعاً . فغسل الزوج للزوجة أو الزوجة للزوج جائز عند جماهير العلماء بل هو إجماع إلا ما حكي عن الإمام أحمد في رواية عنه ، والمشهور من مذهبه جواز ذلك .
قال : [ وكذا سيد مع سُرِّيَّته ] فالسيد يجوز أن يغسل سُريته . والمراد بالسُرية هي الأمة التي يطؤها سيدها . دون الأمة المتزوجة التي قد زوجها سيدها أو الأمة المعتدة من نكاح فإنه لا يحل له أن يطلع على عورتها. - هذا هو المشهور في المذهب . - وقال بعض الحنابلة وهو مذهب الشافعية : لا يجوز ذلك . وذلك لأنها بموت سيدها قد خرجت من ملكه إلى ملك وارثه , وهذا القول أظهر .
قال : [ ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين فقط ] يجوز للمرأة وللرجل أن يغسل من له دون سبع سنين سواء كان ذكراً أو أنثى . فيجوز للرجل الأجنبي أن يغسل جارية دون سبع سنين ، وكذلك يجوز للمرأة الأجنبية أن تغسل الغلام دون سبع سنين . - هذا هو المشهور في مذهب أحمد ومذهب مالك لأنه لا عورة لهما . - وقيَّده الشافعية بقيد معتبر فقالوا : حيث لا يشتهى , فإذا كان صبياً لا تشتهيه المرأة أو جارية لا يشتهيها الرجل فليست محلاً للشهوة فلا بأس .
قال : [ وإن مات رجل بين نسوة أو عكسه يممت كخنثى مشكل ] الخنثى المشكل : وهو من لم تثبت ذكوريته ولا أنوثيته لا يجوز أن يغسل لا من النساء ولا من الرجال بل ييمم . لا تغسله النساء لأنه يحتمل أن يكون رجلاً ، ولا يغسله الرجال لأنه يحتمل أن يكون أنثى . ومثل ذلك الرجل يموت بين نساء وليس فيهن زوجة فإنه ييمم ؛ لأنه لا يغسل الرجل المرأة ولا المرأة الرجل إلا في الزوجين والسيد لأمته على ما تقدم . ومثل ذلك المرأة إذا ماتت بين الرجال فإنها تيمم ، كما هو مذهب جمهور الفقهاء . وقد روى الطبراني في الكبير ، كما في المجمع بإسناد فيه عبدالخالق بن يزيد بن واقد وهو ضعيف من حديث سنان بن غرفة t : أن النبي e قال : في الرجل يموت مع النساء والمرأة تموت مع الرجال وليس لواحد منهما محرم قال : ( يُيَمَّمان ) . وله شاهد مرسل من مراسيل مكحول رواه البيهقي وغيره . فإن مات رجل بين نساء أو امرأة بين رجال فإنهما لا يغسلان بل ييممان ، لأن في تغسيل الرجال للمرأة أو النساء للرجل إطلاعاً على العورة التي لا يجوز للمغسل أن يطلع عليها فانتقل إلى التيمم . - وقال بعض الشافعية – وهو وجه عندهم – وهو رواية عن الإمام أحمد قالوا : بل يغسلان بصب الماء على الثياب من غير أن يطلع على شيء من العورة , ومن غير أن يمس سواء كان ذكراً أو أنثى . وهذا القول جيد إن كان في ذلك إنقاء وتطهير له لقوله تعالى : ) فاتقوا الله ما استطعتم ( . ولما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنهما قالت : لما أراد الصحابة y غسل النبي e قالوا : ( والله ما ندري أنجرد رسول الله e من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى مامنهم رجل إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن اغسلوا النبي e وعليه ثيابه فقاموا إلى رسول الله e فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم ) . وأما إن كان لا يحصل به الإنقاء ، فإنه ييمم . وظاهر قول المؤلف وإن كانت النسوة من محارمه ، وإن كان الرجال من محارمها ، وهو المذهب , فإذا مات الرجل بين النساء وإن كانت النساء من محارمه أو تموت المرأة ومعها أبوها أو أخوها فإنهم – حينئذٍ – لا يغسلونها بل ييممونها . وذهب المالكية والشافعية : إلى أن ذلك جائز مع ستر العورة ، فيستران الـعورة ، ثم يقومان بالغسل ، وإذا احتاج إلى الاطلاع على العورة لتمام الغسل فإن ذلك يكون معفواً عنه ؛ لأن ذلك من باب الحاجة كما يجوز أن يطلع الطبيب ونحوه على شيء من عورة المرأة أو الرجل للحاجة إلى ذلك ، فكذلك هنا وقد قال تعالى :
قال : [ ويحرم أن يغسل مسلم كافراً ] لا يجوز للمسلم إن مات كافر أن يغسله . قالوا : لأن التغسيل تطهير له وهو لا يتطهر بذلك . - وقال الشافعية : بل له أن يغسله ، وهذا أظهر ؛ لأنه يحتاج إلى التغسيل ، والتغسيل له إحسان له ، والله U لم ينه عن الإحسان إلى الكفار إلا أن يكون حربياً فإنه لا يغسل ولا يكفن ولا يحسن إليه بشيء ؛ لأن الله نهانا عن الإحسان إليهم . فإذا كان كافراً غير حربي فالأظهر جواز تغسيله لأن ذلك من باب الإحسان إليه والإحسان إلى الكفار جائز كما دلت عليه الآية الكريمة : ) لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ( . وقد روى ابن أبي شيبة أن النبي e : ( أمر علياً أن يغسل أباه أبا طالب لما مات ) لكن الحديث مرسل من مراسيل الشعبي فإسناده ضعيف .
قال : [ أو يدفنه بل يوارى لعدم من يواريه ] أما الدفن فإنه لا يدفن كما يدفن المسلمون بل يوضع في حفرة يوارى فيها . فقد ثبت في المسند وسنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح : أن علياً t قال للنبي e : ( إن عمَّك الشيخ الضال " ويريد بذلك أبا طالب " قد مات فقال : اذهب فوار أباك ) . وهذا الحديث إسناده صحيح وفيه أنه لا يدفن وإنما يوارى لئلا يقع الضرر بجيفته . إذن : الكافر إذا مات لا يغسل في المشهور من المذهب والراجح خلاف ذلك . وأما الدفن فإنه لا يدفن ؛ لأن النبي e قد أمر بمواراة أبي طالب مع كونه أولى بالدفن من غيره من الكفار لنصرته للنبي e . وقد أمر النبي e بإلقاء صناديد قريش الذين قتلوا في بدر في قليب بدر - كما صح ذلك عن النبي e - في الصحيحين .
قال : [ وإذا أخذ في غسله ستر عورته ] وإذا أخذ في غسله ستر عورته ولا يجوز له أن ينظر إليها ولا أن يمسها . قال الموفق : " لا نعلم فيه خلافاً " ؛ ولأنه يمكنه أن يطهره من غير نظر إلى عورته أو مس لها ، فلا حاجة إلى كشف عورته ، فكانت باقية على حكمها في الأصل من النهي عن مسها والنظر إليها ، وهذا باتفاق العلماء .
قال : [ وجرده ] أي جرده من ثيابه سوى عورته ، لما روى أحمد وأبو داود من قول الصحابةy : " لا نـدري أنـجـرد رسول الله e من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه " ، فدل على أنهم كانوا يجردون موتاهم سوى النبي e . ولأن ذلك أبلغ في تطهيره .
قال : [ وستره عن العيون ] في حجرة أو خيمة أو نحو ذلك ؛ لأنه استر له . واستحب أهل العلم أن يكون المغسل أميناً صالحاً ؛ ليستر على الميت ما قد يظهر منه ، وقد قال e فيما رواه أحمد بإسناد صحيح : ( من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة ) .
قال : [ ويكره لغير معين في غسله حضوره ] لأنه ربما كان في الميت ما لا يحب إطلاع أحد عليه , والحاجة غير داعية إلى حضوره .
قال : [ ثم يرفع رأسه إلى قرب جلوسه ويعصر بطنه برفق ] " يعصر بطنه برفق " : ليخرج من جوفه ما هو متهيئ للخروج من البول أو الغائط ؛ لئلا يخرج بعد تغسيله فيتنجس الميت . فيرفع رأسه إلى قرب جلوسه من غير أن يجلسه ؛ لئلا ينفصل بعض أعضاء بدنه أو نحو ذلك .
قال : [ ويكثر صب الماء حينئذ ] يكثر صب الماء على المحل الذي يخرج منه الخارج ليزيله بسرعة ويكون هناك بخور لئلا يتأذى برائحة الخارج .
قال : [ ثم يلف على يده خرقة فينجيه ] فيلف على يده خرقة ويغسل السبيلين , ولا يمس عورته .
قال : [ ولا يحل مس عورة من له سبع سنين ] لأن التطهير يمكن بدون ذلك , فإن كان دون سبع سنين فله أن يغسل سبيله بلا خرقة كحال الحياة .
قال : [ ويستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة ] فالمستحب في سائر البدن ، كالفخذين والظهر ونحو ذلك ألا يمس شيئاً من ذلك إلا بخرقة . لفعل الصحابة مع النبي e ، فقد كانوا يصبون الماء ويدلكونه والقميص من دون أيديهم . فإذا حصل الإنقاء بذلك فهو أفضل ، وإن لم يحصل الإنقاء إلا بمسه ، فهو أفضل ، ولا يحرم مس سوى العورة .
قال : [ ثم يوضيه ندباً ] بعد أن ينتهي من إزالة الخارج وتنظيف السبيلين وإخراج ما في بطنه من أذى ، يوضئه استحباباً ؛ لحديث أم عطية رضي الله عنها المتفق عليه أن النبي e قال لهن في غسل ابنته : ( ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ) .
قال : [ ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه ] خشية تحريك النجاسة , وعلى ذلك فيستثنى من الوضوء المضمضة والاستنشاق .
قال : [ ويدخل أصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه ، فيمسح أسنانه ، وفي منخريه فينظفهما ، ولا يدخلهما الماء ] فيأخذ خرقة فيبلها بالماء فينظف بها أسنان الميت وشفتيه ونحو ذلك . ويدخل خرقة أخرى فينظف بها أنفه من الداخل . وقال الشافعية : بل يمضمضه وينشقه ؛ للحديث المتقدم ، فإنه قال e : ( ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ) ، والفم والأنف من مواضع الوضوء . والصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول ؛ لما في ذلك من تحريك النجاسة . قال : [ ثم ينوي غسله ] وكان ينبغي تأخير قوله : " ثم يوضئه ندبا " عن نية الغسل كما في المنتهى ؛ لأن الوضوء من الغسل المستحب . وتجب النية ؛ لأن الغسل عبادة كما قال e : ( اغسلوه بماء وسدر ) ، وقال : ( اغسلنها ثلاثاً ) فالغسل فرض كفاية ، فكانت النية شرطاً فيه ؛ لقوله e : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما وعن الإمام أحمد ، وهو قول بعض الحنابلة : أنه لا يشترط ذلك ؛ قالوا : هو بمنزلة إزالة الخارج من السبيلين ؛ لأن المقصود هو تنظيف الميت وتطهيره ، فلم تجب له النية . وهذا ضعيف ؛ لأن النبي e أمر بتغسيله, فكانت عبادةً والنية شرط في العبادة . والعلة تعبدية ، فيغسل وإن كان نظيف البدن ، بدليل أن من مات غريقاً أو نحو ذلك فأخرج فإنه يغسل تعبداً لله تعالى . فالصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الغسل تشترط له النية ، فإن عدمت فإن الغسل لا يجزئ ويجب أن يعاد الغسل بنية .
قال : [ ويسمي ] كما تقدم في الأغسال المشروعة وهذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد . قال : [ ويَغْسِل برغوة السدر رأسه ولحيته فقط ]يؤتى بالماء فيوضع فيه سدر ثم يحرك حتى تظهر الرغوة ، فإذا ظهرت ، أخذت وغسل بها رأسه ولحيته لأن الرأس أشرف الأعضاء والرغوة لا تتعلق بالشعر . وما تبقى من الثُفْل ، وهو بقية السدر الباقي بعد خروج هذه الرغوة يغسل بها سائر البدن , هذا هو المشهور في المذهب ، ويكون ذلك في كل غسلة من الغسلات . وظاهر حديث النبي e الذي فيه ذكر السدر أنه يوضع في كل غسلة ، ففي الصحيحين من حديث أم عطية رضي الله عنها ، قالت : " دخل علينا رسول الله e ونحن نَغْسل ابنته ، فقال : ( اغسلنها ثلاثاً أو خمساً – وفي رواية : أو سبعاً – أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر ، واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور ) . وظاهر ذلك أن كل هذه الغسلات يكون فيها الماء والسدر ، وهو نص الإمام أحمد .
قال : [ ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر ، ثم كله ثلاثاً ] أي يشرع في صب الماء ، فيصب على الجهة اليمنى ثم الجهة اليسرى ؛ لقوله e : ( ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ) . فهذا الحديث يدل على أن المستحب أن يُبدأ بالميامن من شقه الأيمن ثم شقه الأيسر ، ثم كله بصب الماء عليه كله ، ويكون ذلك ثلاث مرات , وهذا هو المستحب ؛ لقوله e : ( اغسلنها ثلاثاً ) . فإن اكتفى بغسله مرة واحدة أجزأ ذلك ، وهو خلاف ما يستحب ، فالمستحب أن يغسل الميت ثلاثاً . لكن إن غسله مرة أجزأ ذلك ؛ لإطلاق النبي e في قوله : ( اغسلوه بماء وسدر ) ، فهذا يدل على أن المجزئ هو تعميم البدن بالغسل ، لكن المستحب أن يغسله ثلاثاً فأكثر على حسب المصلحة .
قال : [ يمر في كل مرة يده عل بطنه ] يعني : يحرك بطنه في كل مرة من مرات التغسيل حتى يخرج ما هو متهيئ للخروج .
قال : [ فإن لم ينق بثلاث ، زيد حتى ينقى ولو جاوز السبع ] لقول النبي e : ( أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك ) . وقوله : ( إن رأيتن ذلك ) أي على حسب المصلحة ، لا على حسب التشهي . وظاهر كلام المؤلف – وهو مذهب الحنابلة – أن ذلك متعلق بخروج الخارج من السبيلين . بمعنى : أنه لو كان البدن نقياً بثلاث غسلات ، لكن خرج شيء من السبيلين ، فإنه يعيد الغسل كاملاً مرة رابعة فخامسة ، وهكذا . وذهب جمهور العلماء : إلى أنه يوضئه فقط ؛ لأن التكرار المتقدم إنما هو حيث كانت المصلحة في تكراره على البدن كله . أما هنا فإن المصلحة في صب الماء على السبيلين فحسب . قالوا : وعليه يوضئه فقط وهو أظهر .
قال : [ ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً ] فالغسلة الأخيرة يضيف إليها الكافور ، وهو نافع للميت ، فإنه يشد ويصلب الجسد ويطرد عنه الهوام ، ويبرد به البدن ، مما يؤدي إلى تأخر الفساد عنه . ودليله ما تقدم من قوله e : ( واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور ) .
قال : [ والماء الحار والأشنان والخِلال يستعمل إذا احتيج إليه ] " الخِلال " : أن يدخل عوداً أو نحوه بين أسنانه لإخراج الوسخ بين الأسنان . فالماء الحار قد يعجل بفساد البدن ، ومثله الأشنان . والخلال قد يحدث نزيفاً في لثة الميت . وعلى ذلك فيستعمل هذا عند الحاجة إليه .
قال : [ ويقص شاربه ويقلم أظافره ] إن طالا , هذا هو المشهور في المذهب ، وهو مذهب إسحاق وسعيد بن المسيب وابن جبير والحسن البصري . ويستحب نتف الإبطين وهو المشهور في المذهب ؛ لأن ذلك تنظيف فأشبه إزالة الأوساخ والأدران . ويحرم حلق العانة في المشهور في المذهب لما في ذلك من لمس العورة أو النظر إليها .
قال : [ ولا يسرح شعره ] قالوا : لعدم وروده . وقال الشافعية : يستحب تسريح شعره قياساً على المرأة وفيه قوة .
قال : [ ثم ينشف بثوب ] إذا انتهى من تغسيله ، فإنه ينشف بثوب ؛ لئلا يبتل الكفن بالماء فيفسد .
قال : [ ويضفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل وراءها ] لقول أم عطية رضي الله عنها في غسلها لابنة النبي e : ( وظفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها وهذا كان بأمر النبي e - كما في رواية ابن حبان – أن النبي e قال : ( واجعلن لها ثلاثة قرون ) . ولا بأس أن يكون ذلك مع المشط ، فقد ثبت في رواية مسلم : ( ومشطناها ثلاثة قرون ) . فيكون تسريح ومشط ، وتظفر ثلاثة قرون ، هذا هو المستحب كما فعل بابنة النبي e بأمر منه e .
قال : [ وإن خرج منه شيء بعد سبع حشي بقطن ، فإن لم يستمسك فبطين حر ] أي خالص ليس مخلوطاً برمل ليمنع الخارج .
قال : [ ثم يغسل المحل ويوضأ ] ولم يقل : إنه يغسل بدنه – كما في المسألة السابقة – ، بل يكتفى حينئذ بغسل المحل وبالوضوء . فالمشهور في المذهب : أنه إذا خرج منه شيء بعد الثالثة ، أعيدت رابعة فخامسة ، حتى تكون سبعاً ، فإذا خرج شيء بعد السابعة ، فلا يعاد التغسيل ، بل يكتفى بغسل المحل مع الوضوء . والراجح – ما تقدم - ، وأن الإنقاء إذا حصل بثلاث ، فخرج شيء من الخارج ، فإنا نكتفي بغسل المحل والوضوء ، وهو مذهب الجمهور .
قال : [ وإن خرج بعد تكفينه لم يعد الغسل ] ولم يوضأ .
قال : [ ومُحْرِمٌ ميت كحي ] أي أن أحكام الميت المحرم الذي يموت في إحرام حج أو عمرة كأحكام الميت غير المحرم .
قال : [ يغسل بماء وسدر ولا يقرب طيباً ] فلا يمس طيباً ، ومن ذلك الكافور فقد تقدم أنه يستحب أن يجعل في الغسلة الثالثة للميت , أما المحرم فلا يجعل فيه كافور ولا غيره من الأطياب .
قال : [ ولا يلبس ذكره مخيطاً ] فالذكر لا يلبس مخيطاً لأنه محرم .
قال : [ ولا يغطى رأسه ] ويغطى وجهه وسائر بدنه , ولا يوضع على رأسه شيء بل يبقى مكشوفاً .
قال : [ ولا وجه أنثى ] لأن إحرام المرأة في وجهها . ودليل ذلك : ما ثبت - في الصحيحين - عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رجلاً كان مع النبي e فوقصته ناقته وهو محرم فمات فقال رسول e : ( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً ) .
قال : [ ولا يغسل شهيد معركة ] بل يجب بقاء دمه عليه . والشهيد هنا : هو شهيد المعركة . ودليل ذلك : ما ثبت في البخاري عن جابر t : أن النبي e : ( أمر بدفن شهداء أحد بدمائهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم ) ، وفي مسند أحمد وسنن النسائي بإسناد صحيح أن النبي e قال في قتلى أحد : والأصح أن النهي للتحريم كما في الإقناع خلافاً للمنتهى واختاره شيخنا . ومثله في الشهادة ووجوب بقاء الدم عليه من قتله الخارجون البغاة ؛ لأنه قد قتل في سبيل الله كشهيد المعركة – مع الكفار – ، وروى البيهقي في سننه أن عماراً t دفن بدمه ولم يصل عليه علي t ، وكان مع أولى الطائفتين بالحق . وأما شهيد غير المعركة كالشهيد بالغرق أو الطاعون أو المبطون والنفساء ونحو ذلك مما ثبت بالأدلة الشرعية أنه شهادة فإن هذا يغسل ويصلى عليه باتفاق العلماء . وقد ثبت في الصحيحين من حديث سمرة بن جندب t قال : ( صليت وراء رسول الله e على امرأة ماتت في نِفاسِها ) .
قال : [ ومقتول ظلماً ] فمن قتل ظلماً فإنه لا يغسل قياساً على المقتول في سبيل الله لأن كليهما قتل بغير حق . - هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد . - وذهب جمهور الفقهاء وهو رواية عن الإمام أحمد : أن من قتل ظلماً فإنه يغسل ويصلى عليه . وهذا هو القول الراجح ، فإن عمر t قد قتل ظلماً وغسل وصلي عليه بلا نكير . وهو شهيد t كما قال e لأُُحد : ( اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ) رواه البخاري فالصديق أبو بكر والشهيدان عمر وعثمان y . ومع ذلك فإنه – أي عمر t – قد كفن كما ورد ذلك في البيهقي وغيره ، وكذلك علي t كما في البيهقي وغيره . فعلى ذلك من قتل في غير الصف فإنه يغسل ويكفن .
قال : [ إلا أن يكون جنباً ] أي شهيد المعركة لا يغسل إلا أن يكون جنباً . ودليل ذلك : ما رواه ابن حبان والحاكم بإسناد جيد عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما أن النبي e قال - لما قتل حنظلة بن عبد الله بن الراهب t قال - : ( إن صاحبكم تغسله الملائكة فسألوا صاحبته ) فقالت : خرج وهو جنب لما سمع الهائعة - وهو منادي الجهاد – فقال النبي e : ( لذلك غسلته الملائكة ) . قالوا : فهذا دليل على أن الجنب يغسل ، فإن الملائكة قد غسلت حنظلة بن الراهب t . - وقال المالكية والشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد : لا يغسل ، وهو القول الراجح . فإن النبي e أخبرنا أن حنظلة t غسلته الملائكة ، والملائكة غير مكلفين بغسل الميت ، وإنما المكلف من علم بحاله من بني آدم ، وأما الملائكة فله حكم آخر فلم يأمر النبي e أولياءه أن يغسلوه لكونه جنباً . والأحاديث المتقدمة التي فيها أن الشهيد لا يغسل أحاديث عامة . وكذلك المرأة تقتل في سبيل الله وهي حائض فإنها لا تغسل – خلافاً للمشهور في المذهـب – .
قال : [ ويدفن بدمه في ثيابه ] لقوله e يوم أحد : ( زملوهم في ثيابهم ) رواه أحمد بإسناد صحيح فيكفن في ثيابه التي قتل فيها . قال : ( بعد نزع السلاح والجلود عنه ) لما روى أحمد وأبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي e : ( أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم ) ، لكن الحديث فيه عطاء بن السائب وقد اختلط فالحديث إسناده ضعيف . فيستحب أن ينزع عنه الجلد كأن يكون عليه خفان من جلد أو جبة من جلد , وكذلك ما يكون عليه من السلاح من درع ونحوه فإنه ينزع عنه والحديث كما تقدم ضعيف . - وقال المالكية : بل يدفن في ثيابه كلها ، وهذا أظهر ، لكن السلاح ينبغي استثناؤه للانتفاع به ، فلا فائدة من دفنه مع الميت . وأما ثيابه سواء كان من جلد أو فرو أو نحو ذلك فإنها تبقى عليه – إلا أن تكون هناك مصلحة راجحة لنزعها منه – كأن تكون للمسلمين حاجة في هذه الثياب لتكفين الموتى بها وعليه مزيد ثياب فإنه يكفن بها فإن كفن في غيرها فلا بأس ، فقد ثبت في مسند أحمد أن صفية رضي الله عنها : ( أرسلت إلى النبي e ثوبين ليكفن حمزة فيهما فكفنه بأحدهما وكفن بالآخر رجلاً آخر ) .
قال : [ وإن سلبها كفن بغيرها ] إن سلب الثياب في القتال ، فإنه يكفن بثياب أخر وهذا واضح .
قال : [ ولا يصلى عليه ] فشهيد المعركة لا يصلى عليه ، لحديث جابر t المتقدم ، فإن النبي e : ( لم يغسل شهداء أحد ولم يصل عليهم ) ونحوه من حديث أنس t في سنن أبي داود أن النبي e : ( لم يصل على شهداء أحد ) فهذه الأحاديث تدل على أنه لا تشرع الصلاة على شهيد المعركة . - هذا هو مذهب جمهور العلماء . - وذهب الأحناف إلى مشروعية ذلك . واستدلوا بما ثبت في الصحيحين : أن النبي e : ( خرج إلى أهل أحد فصلى عليهم كصلاته على الميت ). في البخاري : ( بعد ثمان سنوات كالمودع للأحياء والأموات ) أي كان ذلك قبيل وفاته . واستدلوا أيضاً : بما روى الطحاوي بإسناد حسن أن النبي e : ( صلى على حمزة فكبر عليه تسع تكبيرات ثم صلى على الشهداء وكل ذلك وهو يصلي على حمزة ) أي يكرر الصلاة عليه مع كل شهيد . وهذا حديث منكر ، وقد ضعفه الشافعي وأعله ابن القيم وغيرهم . والمحفوظ عنه في الصحيحين وغيرهما : أنه لم يصل على شهداء أحد ، ولم يكن هذا ليخفى على جابر وأبوه من شهداء أحد رضي الله عنهما ، وكذلك لم يكن ليخفى على أنس t وله في أحد شهداء . أما الحديث المتفق عليه : فإن معناه أنه دعا لهم كدعائه للميت ، وقوله : ( كصلاته على الميت ) لبيان أن هذا الدعاء مخصوص فهو كالدعاء الذي يكون في الصلاة على الميت . ثم لو قلنا : أنه صلى عليهم كالصلاة المعروفة ، فينبغي أن يقال : إنه خاص بالنبي e . فالأظهر مذهب الجمهور وأن شهداء المعركة لا يصلى عليهم لترك النبي e ذلك .
قال : [ وإن سقط عن دابته أو وجد ميتاً ولا أثر به … غسل وصلي عليه ] إذا سقط عن دابته بغير فعل الكفار أو وجد ميتاً ولا أثر به فليس فيه جرح فإنه يغسل ويصلى عليه . - هذا هو مذهب جمهور الفقهاء ومنهم الحنابلة . قالوا : لأن الأصل هو تغسيل الميت إلا ما ورد استثناؤه وهو شهيد المعركة وهذا لم يكن قتيلاً في المعركة وإنما حدث الموت له أثناء المعركة . - وقال الشافعية وهو قول القاضي من الحنابلة : أنه له حكم الشهداء ؛ فإنه قد مات وهو يقاتل في سبيل الله ويحتمل أن يكون ذلك بسبب القتال . - والراجح : ما ذهب إليه الجمهور ؛ لأن هذا الميت وجب بموته أن يغسل وكون موته بسبب الكفار مشكوك فيه ولا ندع اليقين للشك . ومثله عند الجمهور من عاد سيفه عليه أو وقصته دابة .
قال : [ أو حمل فأكل أو طال بقاؤه عرفاً غسل وصلي عليه ] إن حمل فأكل أو شرب أو تكلم أو فعل فعلاً من الأفعال التي يفعلها الحي كالعطاس أو البول ، أو طال بقاؤه عرفاً ؛ فإنه يغسل ويصلى عليه . أما إن لم يحمل بل أكل أو شرب قبل حمله من المعركة فحكمه حكم الشهيد . وقال الموفق والمجد ابن تيمية من الحنابلة : الذي يغسل ويصلى عليه هو من طال بقاؤه عرفاً , وهو الراجح . لكن الأكل دال على الحياة المستقرة فهو كحكم من طال بقاؤه عرفاً واختاره شيخنا .
قال : [ والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غُسل وصلي عليه ] السقط : من سقط من رحم أمه قبل أوانه . فإذا سقط لأربعة أشهر فإنه يصلى عليه , أي إذا تم له أربعة أشهر هلالية ؛ لأن الروح تنفخ فيه لأربعة أشهر كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود t . وعليه فالجنين الذي يسقط من أمه قبل أربعة أشهر لا يصلى عليه ؛ لأنه ليس من الأحياء بل هو قطعة لحم , قال e : ( والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة ) رواه الخمسة وإسناده صحيح . - وذهب جمهور الفقهاء : أنه لا يغسل ولا يصلى عليه إلا إذا خرج حياً باستهلاله صارخاً ، فلو سقط وهو ابن ثمانية أشهر فإنه لا يصلى عليه ولا يغسل بل يوارى . واستدل الجمهور بقول النبي e في الترمذي في الطفل : ( لا يغسل ولا يصلى عليه حتى يستهل صارخاً ) والحديث إسناده ضعيف فيه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف . فالراجح ما ذهب إليه الحنابلة . وتستحب تسميته وهو المشهور في المذهب لأنه يبعث يوم القيامة والناس يدعون يوم القيامة بأسمائهم وأسماء آبائهم , فإن جهل أذكر هو أم أنثى سمي بما يصلح للجنسين . قال : [ ومن تعذر غسله يُمم ] إن تعذر غسله كالحريق فإنه ييمم ؛ لأن التيمم يقوم مقام الغسل الشرعي عند تعذره ومن ذلك غسل الميت ، فكما أنه يقوم مقام غسل الجنابة ، فكذلك يقوم مقام غسل الميت . - وعن الإمام أحمد : أنه لا ييمم ، لأن المقصود من غُسل الميت تنظيفه والتيمم لا يستفاد منه تنظيفاً. والقول الأول هو الراجح ؛ لأن غسل الميت لا يقصد منه التنظيف فحسب بل يقصد منه التعبد لله عز وجل بتطهير الميت كما تقدم . وكما تقدم فيما إذا مات رجل بين نسوة أو عكسه فإنهما ييممان وفي ذلك حديث حسن وتقدم . وإن تعذر غسل بعضه غُسل ما أمكن ويمم للباقي .
قال : [ وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسناً ] الغاسل وهو الأمين العدل يجب عليه إذا رأى من الميت ما يعيبه أو يفضحه أن يستر ذلك ، وقد قال e : وروى الحاكم بإسناد صحيح : أن النبي e قال : ( من غسل مسلماً فكتم عليه غفر له الله أربعين مرة إذن : الواجب عليه أن يستر ما رآه ، هذا إن كان الميت من أهل السنة . وأما إن كان من أهل البدعة ورأى أن في بيان أمره ما يجعل الناس يبتعدون عما هو عليه من البدعة والضلالة فإنه يبين ذلك لمصلحة المسلمين . كما أنه إذا رأى ممن هو معروف بالبدعة ما هو من بشارات الخير ، فلا يخبر بذلك ؛ لئلا يغتر به . وأما من كان من أهل السنة فإنه إن رئي منه خير أُظهر ليكون ذلك سبباً للاقتداء به ، وإن رأى منه شراً فإنه يخفي ستراً عليه . ومن دفن قبل غسله وجب نبشه إذا لم يخف تفسخه أو تغيره , وهو مذهب الجمهور .
فصـــلقال : [ يجب تكفينه في ماله مقدَّماً على دينٍ وغيره ] التكفين واجب ، وهو من فروض الكفاية ، كما تقدم في قوله e : ( وكفنوه في ثوبيه ) والأمر للوجوب. قوله : " مقدماً على دين وغيره " : كإرث ووصية فأول ما يقدم من تركة الميت ما يكون في تجهيزه وتكفينه وأجرة غاسله ونحو ذلك ، ومن ذلك الكفن ، فإنه يقدم على الدين والإرث والوصية . ولو كان الدين برهن ؛ لأن تكفينه يقوم مقام كسوته في الحياة ومعلوم أن الكسوة في الحياة مقدمة على حق الدائن وغيره . والنبي e لما أمر بتكفين المحرم في ثوبيه وأمر بتكفين الشهداء في ثيابهم لم يستفصل ولم يستثن من كان عليه دين . وأما الطيب والحنوط فهو مستحب فعلى ذلك يقدم عليه غيره إلا أن يرضى بذلك صاحب الحق .
قال : [ فإن لم يكن مال فعلى من تلزمه نفقته ] فإن لم يكن له مال ، فعلى من تلزمه نفقته في الحياة . فالوالد مثلاً ينفق على ولده فيجب أن يتكفل الوالد بتكفين ولده .
قال : [ إلا الزوج فإنه لا يلزمه كفن امرأته ] هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة ، وهو مذهب الأحناف ؛ لأن الاستمتاع قد انقطع بالموت , فلم يجب الإنفاق عليها كالناشز . وقال الشافعية في الأشهر عندهم وهو قول في مذهب الإمام مالك وقول في مذهب الإمام أحمد وحكي رواية عن الإمام أحمد : أن تجهيز المرأة واجب على زوجها – وهذا القول أرجح – ؛ وذلك لأن إنفاق الزوج على زوجته واجب ما دامت زوجة له ، وقد قال e لعائشة : ( لو مت لغسلتك ثم كفنتك ) الحديث ، فدل هذا على بقاء معنى الزوجية . ولأن من وجبت عليه النفقة في الحياة فيجب عليه الكفن والتجهيز بعد الممات ، كما يجب على السيد تجاه رقيقه وهذا بالاتفاق ، ولأن النشوز بفعل من الزوجة فاقتضى منعها من النفقة . فعلى ذلك الأرجح – وهو الأشهر في مذهب الشافعية - : أن الزوج يلزمه كفن امرأته وما يتبع ذلك . فإن عدم ذلك فمن بيت المال ؛ لأن بيت المال لمصالح المسلمين . فإن لم يكن هناك بيت مال أو لم يقـم بيت المال بهذا ، فيجب على من عـلم حاله من المسلمين أن يقوم قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " ومن ظن أن غيره لا يقوم به تعين عليه " ا.هـ .
قال : [ ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض ] لما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كفن رسول الله e في ثلاثة أثواب بيض سُحولية - نسبة إلى بلدة في اليمن تصنع فيها هذه اللفائف - من كرسف - أي قطن - ليس فيها قميص ولا عمامة ) ، وفي مسند أحمد : ( جدد يمانية ) . ويستحب أن تكون بيضاً لما ثبت في سنن الأربعة إلا النسائي وهو ثابت في مسند أحمد وصححه الترمذي وهو كما قال أن النبي e قال : ( البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم ) وفي النسائي من حديث سمرة t : ( فإنها أطيب وأطهر ) .
قال : [ تُجمّر ] أي تبخر ، فتبخر هذه اللفائف بالبخور ، لما ثبت في مسند أحمد أن النبي e قال : ( إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً ) ، وثبت في الموطأ بإسناد صحيح عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : ( أجمروا ثيابي إذا مت , ثم حنطوني , ولا تذروا على كفني حِنَاطاً " أي طيباً " ولا تتبعوني بنارٍ ) . ويستحسن أن يرش عليها ماء ورد أو غيره ليعلق البخور بالثوب .
قال : [ ثم تبسط بعضها فوق بعض ] أي توضع ثلاث طبقات على الأرض .
قال : [ ويجعل الحنوط فيما بينها ] أي فيما بين هذه اللفائف , والحنوط : أخلاط من طيب ولا يسمى حنوطاً إلا إذا أعد للميت ، والذي يدل على استحباب الحنوط قوله e – في الصحيحين – فيمن وقصته ناقته فمات : ( ولا تحنطوه ) فدل على أن المتقرر عندهم هو تحنيط الميت أي تطييبه . وقال e : ( ولا تمسوه بطيب ) ولقول أسماء رضي الله عنها : ( ثم حنطوني ) فالحنوط مستحب .
قال : [ ثم يوضع عليها مستلقياً ] أي يوضع عليها الميت مستلقياً على ظهره .
قال : [ ويجعل منه في قطن بين أليتيه ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان تجمع أليته ومثانته ] أي يجعل من الحنوط في قطن بين أليته ليسد الخارج وليطيب هذا المحل . قوله : " ويشد فوقها خرقة " : أي يشد فوق الأليتين خرقة مشقوقة الطرف أي في كل طرف من الخرقة شقان حتى تكون كالتبان وهو السروال القصير . و " المثانة " : هي مخرج البول .
قال : [ ويجعل الباقي على منافذ وجهه ] أي يجعل الباقي من هذا القطن الذي جعل فيه الحنوط على منافذ وجهه يعنى في منخريه وفي عينيه وفمه لتمنع دخول الهوام فيها .
قال : [ ومواضع سجوده ] يعني الركبتين وأطراف القدمين والجبهة واليدين ، تطيب هذه المواضع تشريفاً لها ، وكذلك المغابن كطي ركبتيه وتحت إبطيه وسرته .
قال : [ وإن طيب كله فحسن ] والباب في هذا واسع .
قال : [ ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن ويرد طرفها الآخر من فوقه ثم يفعل بـالثانية والثالثة كذلك ] فإذا وضع بين اللفائف مستلقياً على ظهره ، يرد طرف اللفافة اليمنى على شقه الأيمن ، ويرد طرفها الآخر على شقه الأيسر وفوق اللفافة التي على شقه الأيمن , ثم الثانية ثم الثالثة . لما ثبت في مسند أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم وفيه : ( ثم أدرج فيها أدراجاً ) وهذا هو الإدراج وهو الطي .
قال : [ ويجعل أكثر الفاضل على رأسه ] ما يفضل من اللفائف يكون أكثره من جهة الرأس تشريفاً له , وقد قال خباب بن الأرت t كما في الصحيحين : لما قتل مصعب بن عمير t لم نجد ما نكفنه فيه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه فأمر النبي e : ( أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر ) فهذا يدل على تقديم الرأس على الرجلين .
قال : [ ثم يعقدها وتحل في القبر ] ثم يعقدها بحبل . قوله : " وتحل في القبر " : لأنها إنما عقدت خوف انتشارها فإذا دخل القبر حُلت وروى ذلك عن ابن مسعود t الأثرم كما في المغني .
قال : [ وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جاز ] إذا لم يكفن على الطريقة السابقة بل كفن في قميص ، وهو الثوب المعروف عندنا وإزار ثم لف بدنه فلا بأس بذلك . وقد ثبت في موطأ مالك عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : ( الميت يقمَّص ويؤزر ويلف في الثوب الثاني فإن لم يكن إلا ثوب واحد كفن فيه ) . وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( لما توفى عبد الله بن أبيٍّ جاء ابنه النبي e فقال : يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له ، فأعطاه قميصه ) .
قال : [ وتكفن المرأة في خمسة أثواب : إزار وخمار وقميص ولفافتين ] المرأة المستحب أن تكفن في خمسة أثواب . إزار – ويقوم مقامه السروال – . وخمار يغطى به الوجه والرأس . وقميص وهو الثوب المعروف . ولفافتين . وذلك لما روى أحمد وأبو داود من حديث ليلى الثقفية : ( أنها كانت فيمن غسَّل ابنة النبي e قالت : فكان أول ما أعطانا النبي e – يعني لتكفينها – الحِقاء - وهو الإزار - ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر ) , والدرع وهو القميص , ثم الخمار ثم الملحفة وهي كالعباءة ثم ثوب آخر ، والملحفة تقوم مقام اللفافة ولذا قال المؤلف : " لفافتين " ، لكن الحديث فيه : نوح بن حكيم الثقفي وهو مجهول . لكن ذكر الحافظ في الفتح أن الجَوزقي – هو إمام نيسابوري – له مستخرج على صحيح مسلم وكان إماماً حافظاً متقناً توفي سنة 388 هـ : أنه روى بسنده عن أم عطية رضي الله عنها أنها قالت في تكفين بنت النبي e – ولعلها أم كلثوم رضي الله عنها أو غيرها على اختلاف بين العلماء – قالت : ( فكفناها بخمسة أثواب وخمرناها كما يخمر الحي ) قال الحافظ : " وهذه زيادة صحيحة الإسناد " . فهذا يشهد لما ورد في سنن أبي داود من رواية نوح بن حكيم وهو مجهول . ويخفف في الجارية والصبي . فالصبي – كما ذكر فقهاء الحنابلة وغيرهم : يكفي أن يكفن في ثوب واحد ، وأما الجارية فإنه يكفي أن تلبس قميصاً وتوضع عليها لفافتين ، لأن عورتهما أخف .
قال : [ والواجب ثوب يستر جميعه ] فالواجب : أن يغطى بثوب يستر جميعه ؛ لأن العورة يجزئ ثوب واحد , فكفن الميت أولى . فإن كان هناك ثوب لا يستر بدنه كله ، فإنه يقدم ستر العورة ثم يدفن على تلك الحال ويغطى سائر بدنه بحشيش أو ورق . وإن كان يستر فيه عورته وفيه فضل فيقدم الرأس تشريفاً له .
فصــلفي حكم الصلاة على الميت وصفتها ، وما يتبع ذلك من المسائل . الصلاة على الميت فرض كفاية – كما تقدم في درس سابق – . - والمشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور الفقهاء : أنه إذا صلى عليه مكلف واحد ذكراً كان أو أنثى فإن هذا الواجب الكفائي يسقط بذلك ، وهو قول الجمهور ؛ لأن فروض الكفاية إذا قام بها مكلف سقط الإثم عن الباقين . وقلنا مكلف , لأن الصلاة على الجنازة فرض , والفرض لا يقوم به إلا المكلف . - وقال بعض الحنابلة : تسقط بثلاثة ، وهو قول في مذهب الإمام الشافعي . لقوله e : ( صلوا على صاحبكم ) كما في الصحيحين في قصة المدين ، وهو خطاب للجماعة فكان الواجب أن يصلي عليه جماعة ثلاثة فأكثر وهو أظهر . ويستحب ألا تنقص الصفوف عن ثلاثة لما روى الترمذي في سننه أن النبي e قال : ( من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب ) لكن الحديث فيه محمد بن إسحاق وقد عنعن . وله شاهد عند الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف لكنه يشهد لما قبله ولفظه أن النبي e : فإن كانوا جماعة كثيرة فالأظهر أنه لا يُجَزَّئَهم إلى ثلاثة لما ثبت في الصحيحين أن النبي e : ( نعى النجاشي فخرج بهم إلى المصلى ) الحديث وفيه قال جابر t : ( فصففنا صفين ) . وقد قال e – كما في مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما : ( ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه ) ، وهو ثابت في مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها إلا أنها قالت : ( مائة ) . ويأمرهم بتسوية الصفوف لأنها صلاة كغيرها من الصلوات .
قال : [ السنة أن يقوم الإمام عند صدره وعند وسْطها ] هذه المذهب : أن يقوم عند صدر الرجل ، وعند وسط المرأة . يقوم عند وسط المرأة لما ثبت في الصحيحين عن أنس t قال : ( صليت وراء النبي e على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسْطها ) . يقوم عند صدر الرجل وذكر الحنابلة فيه أثراً عن ابن عباس رضي الله عنهما ولم يعزوه . ويخالفه ما صح عن النبي e عند الخمسة إلا النسائي عن أنس t : ( أنه صلى على رجل فقام عند رأسه ، وصلى على امرأة فقام عند وسطها فقيل له : أهكذا يقوم النبي e عند الرجل كما قمت ويقوم عند المرأة كما قمت ؟ فقال : نعم ) . وهو رواية عن الإمام أحمد وقول لبعض الشافعية وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة وهو القول الراجح ، فالمستحب أن يقوم عند رأس الرجل لا عند صدره واختاره شيخنا . والمستحب له أن يقوم عند وسطها مطلقاً سواء كان بدنها مغطى بنعش أو لا . ودليل ذلك : ما جاء في رواية لأبي داود الطيالسي في حديث أنس t المتقدم – أنه صلى على امرأة فقام عند وسطها وفيه : ( وعليها نعش أخضر ) . فإن كانت هناك جنائز كثيرة فإنه يساوي بين الرجال والنساء فتكون رؤوسهم سواء . ودليل ذلك : ما ثبت في النسائي عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما : ( صلى على تسع جنائز فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القبلة وصفهم صفاً واحداً ) ، وعند عبدالرزاق : ( وجعل رؤوسهم واحدة ) . وفي الأثر المتقدم أن الرجال يكونون فيما يلي الإمام وإن كان فيهم غلمان ، والنساء فيما يلي القبلة
قال : [ ويكبر أربعاً ] لما ثبت في الصحيحين عن جابر t قال : ( نعى النبي e النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر بهم أربعاً ) .
قال : [ يقرأ في الأولى بعد التعوذ الفاتحة ] ولا يستفتح في مذهب أكثر العلماء خلافاً للأحناف – لعدم ورود ذلك عن النبي e ، ولأن صلاة الجنازة ينبغي فيها التخفيف . فلا يسن أن يستفتح بل يستعيذ ويبسمل ثم يشرع بالفاتحة . ودليل مشروعيتها ما ثبت في البخاري عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال : ( صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال : لتعلموا أنها سنة ) ، وفي النسائي : ( لتعلموا أنها سنة وحق ) وفي النسائي – أيضاً : ( أنه قرأ بفاتحة الكتاب وسورة ) . وينبغي – كما قال النووي – أن تكون هذه السورة خفيفة ؛ لأن المقام يقتضي التخفيف والإسراع في دفن الميت .
قال : [ ويصلي على النبي e في الثانية كالتشهد ] وقد ثبت في النسائي بإسناد صحيح عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف قال : ( من السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثاً ثم يسلم في الآخرة ) . وفي رواية للحاكم والبيهقي – بعد أن ذكر التكبيرة الأولى - قال : ( ثم يصلي على النبي e ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات الثلاث ) . " كالتشهد " : لأن الصحابة قالوا للنبي e : ( يا رسول الله علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك ؟ فقال : قولوا : اللهم صل على محمد … ) وتقدم الحديث في صفة الصلاة . فيصلي على النبي e كصفة صلاته في تشهده . فإن قال : اللهم صل على النبي ، أجزأه ذلك .
قال : [ ويدعو في الثالثة ] إذا كبر الثالثة دعا . قال أبو أمامة t : ( ثم يصلي على النبي e ويخلص الدعاء للميت في التكبيرات الثلاث ) وظاهره أنه يدعو له بعد التكبيرة الثانية أيضاً فيصلي على النبي e ويدعوا للميت . ولذا قال النووي - رحمه الله - : " لا أعلم لتخصيص الفقهاء الدعاء في التكبيرة الثالثة دليلاً " . قال : [ فيقول … ] فيدعو بما ورد استحباباً ، فإن دعا بغيره فلا بأس باتفاق أهل العلم ، لكن الأفضل له أن يدعو بما ورد عن النبي e .
قال : [ فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا ، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير ، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة ومن توفيته منا فتوفه عليهما ] قوله : " السنة " و : " وأنت على كل شيء قدير " زادهما الموفق رحمه الله تعالى . وقوله : " إنك تعلم منقلبنا ومثوانا " لم أقف عليها في السنة وهي زيادة مباحة . وقد روى الأربعة - بإسناد صحيح - من حديث أبي هريرة t : ( اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا ، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته فتوفه على الإيمان ، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده ) .
قال : [ اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مَدْخله " وهو القبر " واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، وأبدله داراً خيراً من داره وزوجاً خيراً من زوجه ، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار وافسح له في قبره ونوِّر له فيه ] لما ثبت في مسلم من حديث عوف بن مالك t قال : ( صلى النبي e على جنازة فحفظت من دعائه : اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مَدْخله – أي مكان الدخول - واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم أبدله داراً خيراً من داره ، وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً من زوجه - ولا يقال هذا في الأنثى - اللهم أدخله الجنة وقه فتنة القبر وعذاب النار ).
قال : [ وإن كان صغيراً قـال : اللهم اجعله ذخراً لـوالديه وفـرَطاً وأجراً وشفيعاً مجاباً ، اللهم ثَقِّل به موازينهما وأعظم به أجورها وألحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفالة إبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم ] وهذا من الدعاء المباح ، وقد قال e في السقط : ( ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة ) . وثبت عن أبي هريرة t – بإسناد حسن – أنه صلى على طفل فقال : ( اللهم اجعله سلفاً وفرطاً
قال : [ ويقف بعد الرابعة قليلاً ] ولا يدعو , وعن الإمام أحمد أنه يدعو بعد الرابعة واختاره المجد ابن تيمية وهو الراجح ؛ لحديث أبي أمامة : ( ثم يصلي على النبي e ويخلص الدعاء للميت في التكبيرات الثلاث ) فالتكبيرات الثلاث كلها دعاء للميت ، فإذا كبر الرابعة دعا قليلاً للميت ثم سلم . قال : [ ويسلم تسليمة واحدة ] هذا هو المستحب وهو المشهور في مذهب الحنابلة : أنه يسلم واحدة عن يمينه . ودليل ذلك : ما رواه الدارقطني والحاكم بإسناد حسن عن أبي هريرة e أن النبي e : ( صلى على جنازة فكبر عليها أربعاً وسلم تسليمة واحدة ) . وهو مذهب أكثر الصحابة بل لا يعلم لمن قال به من الصحابة مخالف ، قال الحاكم : " وبه صحت الرواية عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن أبي أوفى وأبي هريرة y أنهم كلهم كانوا يسلمون على الجنازة تسليمة واحدة " ووافقه الذهبي . وروى غالب هذه الآثار البيهقي في سننه مسندة . - وقال الشافعية : يستحب أن يسلم تسليمتين عن يمينه وعن يساره . واستدلوا بما روى البيهقي في سننه بإسناد حسن عن ابن مسعود t قال : ( ثلاث خلال كان النبي e يفعلهن ، تركهن الناس : إحداهن : التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة ) وهذا الأثر محتمل ، فيحتمل أن يكون مراده أنه يجهر بالسلام فيجهر بالتسليم كما يجهر بالتسليم في الصلاة . ويحتمل أن يكون المراد أصل السلام أي أنه كان يسلم وأن الناس قد تركوا السلام في صلاة الجنازة . أو أن المراد : أنه كان يقول : السلام عليكم ورحمة الله كالتسليم في الصلاة . لكن لو سلم ثانية فلا بأس . والمشهور في المذهب أنه يجهر بالتسليم ويدل عليه أثر ابن مسعود t المتقدم : " مثل التسليم في الصلاة " والتسليم في الصلاة يجهر به ، وهو ثابت عن ابن عمر رضي الله عنهما – في البيهقي – بإسناد صحيح : وورد في الحاكم في حديث أبي أمامة المتقدم قال : ( ويسلم سراً ) ، وهو ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد حسن : ( أنه كان إذا سلم على الجنازة سلم خُفية ) . وعلى ذلك فإن أسر فلا بأس .
قال : [ ويرفع يديه مع كل تكبيرة ] أجمع أهل العلم على استحباب رفع اليدين في التكبيرة الأولى ، كما حكاه ابن المنذر وغيره . وورد عن النبي e حديث في ذلك لكنه لا يثبت ، فلا يصح عنه حديث في هذا الباب لكن الإجماع ثابت كما تقدم . وأما رفع اليدين في سائر التكبيرات : فمذهب الجمهور : استحباب ذلك . ومذهب الأحناف : عدم الاستحباب ، قالوا : لعدم ورود ذلك عن النبي e . وأما دليل الجمهور فقالوا : هذا تكبير عن قيام فيستحب أن يرفع المصلي فيه يديه فيه كالصلاة المكتوبة . وقد ورد هذا صريحاً عن ابن عمر رضي الله عنهما ، فيما رواه البيهقي بإسناد صحيح : ( أنه كان يرفع يديه على كل تكبيرة من تكبير الجنازة ) ، وهذا فعل صاحب لا يعلم له مخالف ، وهذا القول هو الراجح . مسألة : الأولى أن يصلي على الميت وصيه إن كان عدلاً صالحاً للإمامة قال الإمام أحمد : ( وأوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر ، وأوصى عمر أن يصلى عليه صهيب ، وأوصت أم سلمة رضي الله عنها أن يصلي عليها سعيد بن زيد ، وأوصى أبو بكرة أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي y ) . ثم إمام الناس ، فإمام المسجد هو أولى الناس بعد الوصي بالصلاة عليه ؛ لعموم حديث : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ) وهذا عام في صلاة الجنازة وغيرها ، وقال عمرو بن سلمة t – و تقدم حديثه - وفي أبي داود : ( وكنت أؤمهم في الجنائز ) . وقال الحسن رحمه الله : " أدركت الناس وأخصهم بالصلاة على جنائزهم من رضوه لفرائضهم ". وعند الحاكم بإسناد حسن : " أن الحسين t قدَّم سعيد بن العاص t - وكان أمير المدينة – للصلاة على الحسن بن علي رضي الله عنهما وقال : ( تقدم فلولا أنها سنة ما قدمتك ) " . ثم أولياء الميت على حسب ترتيبهم المتقدم في غُسله .
قال : [ وواجباتها قيام ] فالقيام ركن فيها كما هو ركن في الصلاة لقوله e : ( صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب ) وقد صلاها النبي e قائماً ؛ ولأنها فريضة فهي من فروض الكفاية والفريضة يجب أن تصلى على صفة القيام . فإن تكررت الصلاة على الجنازة لم يجب القيام على من صلى عليها لسقوط الفرضية بالأولى .
قال : [ والتكبيرات ] الأربع إجماعاً لفعل النبي e ، ولم يصح عنه e أن كبر على الجنائز ثلاثاً , وعلى ذلك فلو كبر ثلاثاً عمداً بطلت صلاته , وسهواً يكبر الرابعة ما لم يطل الفصل كما صح عن أنس t في البخاري . وروى ابن حزم في كتابه بسنده وقال : - هو سند صحيح – : ( أن ابن عباس رضي الله عنهما كبر على الجنائز ثلاثاً ) ، والسنة على خلافه والله أعلم . وهل يشرع التكبير أكثر من أربع ؟ المشهور في مذهب الحنابلة : أنه لا يستحب . وهل يتابعه المأموم إن كبر أم لا ؟ - المشهور في المذهب أن الإمام يتابع إذا زاد على التكبيرة الرابعة إلى سبع تكبيرات فقط . والراجح أنه يستحب أحياناً أن يزيد على أربع لثبوت ذلك عن النبي e فقد ثبت في مسلم عن عبدالرحمن بن أبي ليلى رحمه الله قال : ( كان زيد بن أرقم t يصلي على جنائزنا فيكبر أربعاً فصلى على جنازة فكبر خمساً فسئل عن ذلك فقال : كان النبي e يكبرها ) . وثبت في سنن الدارقطني بإسناد صحيح : ( أن علي بن أبي طالب t صلى على سهل بن أبي حنيف رضي الله عنهما فكبر ستاً وقال : إنه بدري ) ، وثبت عند الطحاوي بإسناد صحيح – أنه أي علي t - : وفي الطحاوي بإسناد صحيح : ( أنه كان – يعني علياً t - يكبر على أهل بدر ستاً وعلى أصحاب النبي e خمساً وعلى سائر الناس أربعاً ) . فثبت أن النبي e كبر أربعاً وخمساً ، وأن علياً t كبر ستاً وسبعاً ولم يثبت له مخالف من الصحابة ، ولم يثبت عن النبي e ولا عن أحد من أصحابه y أكثر من سبع . إلا ما روى الطحاوي بإسناد حسن : ( أن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما قال : صلى النبي e على حمزة t فكبر عليه تسعاً ) لكن الحديث تقدم أنه منكر – أنكره الشافعي وابن القيم وغيرها فالحديث منكر فالنبي e لم يصل على حمزة t بل دفنه كسائر الشهداء كما في الصحيحين . وعن ابن مسعود t كما رواه ابن حزم بإسناد صحيح أنه قال : ( كبروا عليها ما كبر أئمتكم لا وقت ولا عدد ) لما ذكر له أن أهل الشام من أصحاب معاذ t يكبرون على الجنائز خمساً فدل على أن الإمام يتابع على الزيادة .
قال : [ والفاتحة ] الفاتحة ركن في صلاة الجنازة ، لقول النبي e : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب ) وصلاة الجنازة صلاة , وثبت في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان : يقرأ بفاتحة الكتاب ويقول : ( لتعلموا أنها سنة ) .
قال : [ والصلاة على النبي e ] وهذا مبني على القول بركنية الصلاة على النبيe في الصلاة وتقدم الكلام على هذا .
قال : [ ودعوة للميت ] وهي المقصود من الصلاة على الميت قال e : ( إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء ) رواه أبو داود وغيره وهو حديث صحيح . فالدعاء للميت ركن في الصلاة على الجنازة بل هو المقصود منها .
قال : [ والسلام ] والسلام كما هو ركن في الصلاة فهو ركن في صلاة الجنازة فإنها صلاة ، وفي الحديث : ( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ) وصلاة الجنازة صلاة . ويشترط حضور الجنازة بين يديه , فلا تصح على جنازة محمولة ولا من وراء جدار .
قال : [ ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته ] فإذا سلم الإمام كبر المأموم ما فاته ؛ لعموم قوله e : ( فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) . المشهور في مذهب الحنابلة أن ذلك ندب ، فلو سلم مع الإمام فلا بأس . واستدلوا : بما رواه ابن أبي شيبة أن ابن عمر رضي الله عنهما : ( كان لا يقضي ما فاته من وقال جمهور الفقهاء : يجب ذلك ، ولا يجزئه السلام مع الإمام قبل قضاء ما فاته ؛ لقوله e : ( فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) . والصحيح مذهب الجمهور : وأنه يجب عليه أن يقضي التكبيرات الفوائت لعموم الحديث .
قال : [ ومن فاتته الصلاة عليه صلى على قبره ] استحباباً لما ثبت في الصحيحين في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد فسأل عنها النبي e ؟ فقيل : ماتت , فقال : ( أفلا كنتم آذنتموني ) فكأنهم صغروا أمرها فقال النبي e : ( دلوني على قبرها فدلوه فصلى عليها ).
قال : [ إلى شهر ] من دفنه لا من موته . وهذا عند الحنابلة ليس للتحديد وإنما للتقريب فتجوز الصلاة عليه قريباً من الشهر أي بزيادة يسيرة , قال القاضي من الحنابلة : كيومين . واستدلوا : بما رواه الترمذي من مراسيل سعيد بن المسيب رحمه الله : أن النبي e : ( لما توفيت أم سعد بن عبادة t وهو غائب صلى عليها وقد مضى لذلك شهر ) . وقال ابن عقيل من الحنابلة : " بل يصلي عليه أبداً " ، وهو اختيار ابن القيم رحمه الله قال رحمه الله : والحديث المتقدم الذي رواه سعيد بن المسيب ليس فيه أنه لو كان ذلك بعد شهرين أو ثلاثة فلا يصلي عليه. وشرط بعض الشافعية : أن يكون أهلاً للصلاة عليه زمن دفنه وهذا شرط معتبر . ولم يرد عن أحد من التابعين أو أتباعهم فيما يعلم أنه صلى على أحد من الصحابة y ممن مات ولم يكن أهلاً للصلاة عليه حينئذ . مسألة : في الصلاة على القبر : - قال بعض أهل العلم : هي خاصة بالنبي e . واستدلوا : بما ثبت في مسلم في حديث المرأة التي كانت تقم في المسجد وأن النبي e قال : ( إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم ) . قالوا : فهذا يدل على أن الصلاة على القبر خاصة بالنبي e ، والحديث قد أعله بعض أهل العلم من المتقدمين ، والصحيح أنه ليس بمعل . والجواب عنه أن يقال : إن هذا التخصيص إنما هو في الأثر لا في الفعل ، فأثر صلاته على الأموات سواء كانوا في قبورهم أو لا – أن تكون صلاته عليهم رحمة لهم . قال e – كما في النسائي – لما صلى على جنازة رجل : ( إن صلاتي عليه رحمة ) وقد صلى عليه قبل أن يدفن . أما الصلاة على الميت في قبره فليس من خصائصه e والأصل عدم الخصوصية . فالحديث ليس فيه إلا أن صلاة النبي e مختصة بأن تكون نوراً لأهل القبور ، وليس فيه أن هذا الفعل خاص بالنبي e .
قال : [ وعلى غائب بالنية إلى شهر ] فتشرع الصلاة على الغائب مطلقاً سواء صلي عليه في بلده أم لم يصل عليه كما هو المشهور في واستدلوا بحديث أبي هريرة t المتفق عليه : ( أن النبي e نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعاً ) . وأخذ من هذا بعض الناس أنه يصلي كل يوم على جميع من مات من المسلمين , قال شيخ الإسلام : ولا ريب أنه بدعة . واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو قول الخطابي وابن عبد القوي من الحنابلة وغيرهم : أن الصلاة على الغائب لا تشرع إلا إذا لم يصل عليه في بلده . وهذا القول هو الراجح ، وذلك أنه لم يكن من هدي النبي e الصلاة على كل غائب ، فقد مات أناس كثير من أصحابه y خارج المدينة فلم يثبت أن النبي e صلى على أحد منهم . والنجاشي لم يكن يظهر إسلامه ، ولم يكن في بلده من يصلي عليه ، فصلى عليه النبي e . واختار بعض المعاصرين الصلاة على من كان فيه منفعة للمسلمين بعلم أو بجهاد أو صدقة رد لجميلة وتشجيعاً لغيره , والراجح ما تقدم . وهل تشرع الصلاة على من مات ولم تبق جثته كأن يموت غريقاً في بحر لا يمكن أن تحضر جثته أو مأكولاً أو محترقاً ولم يبق منه شيء ، فهل يشرع أن يصلى عليه كما يصلى على الغائب ؟ - المشهور في مذهب الحنابلة : أنه لا يصلى عليه . - وقال طائفة من الحنابلة : بل يصلى عليه . وهذا القول هو الراجح ؛ قياساً على الصلاة على الغائب فإن هذا الميت الغائب صلى عليه النبي e لأنه لم يصل عليه ، وهذا كذلك فهو في حكم الغائب فكان المشروع أن يصلى عليه .
قال : [ ولا يصلي الإمام على الغال ] وهو من كتم شيئاً مما غنمه , فلا يصلي عليه الإمام زجراً للناس عن هذه المعصية . واستدلوا بما روى النسائي عن أبي عمرة عن زيد بن خالد الجهني t قال : ( توفي رجل من أصحاب النبي e يوم خيبر فذكر ذلك للنبي e فقال : صلوا على صاحبكم قال : فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال النبي e : إنه قد غل في سبيل الله ، قال : ففتشنا متاعه فوجدنا خرزاً من خرز يهود لا يساوي درهمين ) . والأثر فيه أبو عمرة وهو تابعي مجهول ، وهو الراوي عن زيد بن خالد فهو من التابعين فجهالته يسيرة والحديث احتج به الإمام أحمد وغيره . والنظر يقتضي أنه ليس بمنكر فإن النبي e من سنته ترك الصلاة على بعض العصاة إذا كان في ترك الصلاة عليهم زجراً لغيرهم عن فعل هذه المعصية كما سيأتي . وقد ترك النبي e الصلاة على المدين – كما في الصحيحين – وقال : ( صلوا على صاحبكم ) وذلك قبل أن تفتح الفتوح ويكثر المال في بيت المال ، فلما كثر ذلك في عهده e صلى على المدينين وقضى عنهم
قال : [ ولا على قاتل نفسه ] وثبت في مسلم أن النبي e : ( أتى برجل قد قتل نفسه بمشاقص " وهو نصل السهم " فلم يصل عليه ). وفي النسائي أن النبي e قال : ( أما أنا فلا أصلي عليه ) فلم يمنعهم من الصلاة عليه فإن قاتل نفسه مسلم وليس بكافر ، فيصلى عليه طائفة من المسلمين ، أما الأئمة في الدين ومن يقتدى بهم من أهل العلم والتقوى فإنهم يتركون الصلاة عليه زجراً للناس عن هذه المعصية . ومثل ذلك سائر المعاصي التي هي مثل هذه المعصية أو أشد ويرجى بترك الصلاة على أهلها اجتناب الناس لها . ومن ذلك ترك الصلاة على المبتدعة كما هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو مذهب السلف . ولكن كما قال شيخ الإسلام : من صلى عليهم وهو يرجو لهم الرحمة وليس في امتناعه عن الصلاة عليهم مصلحة فذلك حسن .
قال : [ ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد ] والسنة أن يصلي عليه في موضع خاص بالجنائز ، كما ثبت في البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما : ( أن اليهود جاؤوا إلى النبي e برجل منهم وامرأة قد زنيا فأمر بهما فرجما قريباً من موضع الجنائز عند المسجد ) . وتقدم حديث أبي هريرة t في نعي النبي e للنجاشي وفيه : ( فخرج بهم إلى المصلى فصف بهم ) . فالمستحب أن يصلي عليها في مصلى خاص بالجنائز . لكن إن صلى عليها في المسجد مع أمن تلويث المسجد فلا بأس : لما ثبت في مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( والله لقد صلى رسول الله e على ابني بيضاء في المسجد ) . أما ما رواه أبو داود في سننه أن النبي e قال : ( من صلى على الميت في المسجد فلا شيء له ) ، فهو من حديث صالح مولى التوأمه رواه عنه عبدالله بن أبي ذئب . وصالح هذا مختلط الحديث ، لكن عبدالله بن أبي ذئب قد روى عنه قبل الاختلاط فحديثه حسن وقد حسنه ابن القيم . لكن الحديث منكر ؛ لمخالفة ما ثبت في مسلم من صلاة النبي e على ابني بيضاء وقد ضعفه الإمام أحمد رحمه الله . وقال بعض العلماء كابن عبد البر وابن القيم ، الصواب أن لفظه - : ( فلا شيء عليه ) كما ثبت ذلك في نسخة صحيحة لسنن أبي داود .
فصــلقال المؤلف رحمه الله تعالى : [ يسن التربيع في حمله ] التربيع في حمل الجنازة : أن يضع قائمة السرير اليسرى في المقدمة على كتفه الأيمن ثم ينتقل إلى المؤخرة اليسرى ثم يضع قائمته اليمنى على كتفه اليسرى ثم ينتقل إلى المؤخرة اليمنى . لما روى أحمد وابن ماجه عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه t قال : ( من اتبع الجنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإن ذلك السنة ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع ) ، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه فعلى ذلك الإسناد فيه انقطاع يسير . ويشهد له ما ثبت عن أبي الدرداء t في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال : ( من تمام أجر الجنازة أن يتبعها من أهلها وأن يحمل بأركانها الأربعة وأن يحثو في القبر ) وله حكم الرفع , وإنما بدأ بالقائمة اليسرى لأن عليها ميامن الميت . وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما – كما في مصنف ابن أبي شيبة - : ( أنه حمل جنازة من أركانها الأربعة فبدأ بالميامن ) , وعن الإمام أحمد : أنه لا بأس أن ينتقل من المؤخرة اليسرى إلى المؤخرة اليمنى ثم ينتقل إلى المقدمة اليمنى فيبدأ برأسه وينتهي برأسه ؛ لأن ذلك أسهل , وهذا أولى لما فيه من اليسر وفيه بداءة بالميامن ؛ ولأنه أبعد عن اختلاط الناس بعضهم ببعض . واستحب الشافعية أن يحمله بين العمودين .
قال : [ ويباح بين العمودين ] فيحمل كل واحد على عاتقه صح ذلك عن سعد بن أبي وقاص ، فقد ثبت في سنن البيهقي عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : ( رأيت سعد بن أبي وقاص t مع جنازة عبد الرحمن بن عوف t قائماً بين العمودين واضعاً الجنازة على كاهله ) . وذكر ابن المنذر ذلك عن عثمان وسعد بن مالك " وهو سعد بن أبي وقاص " وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير y . - وعن الإمام أحمد : أنهما سواء . والذي يظهر أن الأفضل أن يحمل بجوانبها كلها وهو التربيع ؛ لأنه مرفوع إلى النبي e , لكن إن حملها بين العمودين فحسن .
قال : [ ويسن الإسراع بها ] لما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( أسرعوا بالجنازة فإنها إن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ) ، قال أبو بكرة t : ( والذي كرم وجه أبي القاسم e لقد رأيتنا على عهد النبي e وإنا لنكاد أن نرمل بها رملاً ) والرمل هو إسراع المشي مع تقارب الخطى . قوله : " إنا لنكاد " : دل على أن هذا الإسراع دون الرمل لأن الرمل يتعب المشيع وقد يضر الجنازة .
قال : [ وكون المشاة أمامها والركبان خلفها ] يستحب – في المشهور من المذهب – أن يكون الماشي أمام الجنازة . وذلك لما روى الخمسة بإسناد صحيح – وقد اختلف في وصله وإرساله والراجح الوصل – عن ابن عمر رضي الله عنهما : ( أنه رأى النبي e وأبا بكر وعمر وهم يمشون أمام الجنازة ) وفي الترمذي : وأما الراكب فيستحب أن يكون خلفها لما ثبت في الترمذي بإسناد صحيح أن النبي e قال : ( الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها وخلفها وعن يمينها وعن يسارها قريباً منها ) . وفي بقيته حجة لما ذهب إليه بعض أهل العلم كالموفق ابن قدامة في الكافي وطائفة من أصحاب الإمام أحمد : إلى أن المستحب للماشي أن يكون حيث شاء ، أمامها أوخلفها أو عن يمينها أو عن يسارها . وفي الطحاوي بإسناد حسن : ( أن النبي e مشى خلفها ) . فعلى ذلك : المستحب للماشي أن يمشي حيث شاء ، أما ما حديث ابن عمر رضي الله عنهما فتلك واقعة عين ، والنبي e قال – كما تقدم - : ( والماشي أمامها وخلفها وعن يمينها وعن يسارها قريباً منها ) . ويكره ركوب لغير حاجة ولا يكره عوده راكباً لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي e : لكن إن كان حاجة لركوبه في الذهاب لمشقة ونحوها فلا يكره .
قال : [ ويكره جلوس تابعها حتى توضع ] يكره لمن اتبع الجنازة أن يجلس حتى توضع هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة . لما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى توضع ) وفي رواية سفيان : وقال جمهور العلماء : هذا الحكم منسوخ بحديث علي t : ( أن النبي e قام ثم قعد ) وفي المسند بإسناد صحيح : ( أمرنا النبي e بالقيام للجنازة ثم جلس وأمرنا بالجلوس ) . وفي البيهقي من حديث علي t بإسناد جيد قال : ( قام النبي e على الجنازة حتى توضع فقام الناس معه ثم قعد وأمرهم بالقعود ) . وخص الحنابلة القيام عند مرور الجنازة بالنسخ فقد ثبت أن النبي e : ( لما مر بجنازة يهودي قام فسئل عن ذلك فقال : إذا رأيتم الجنازة فقوموا ) متفق عليه . قال الحنابلة : هذا الحديث منسوخ بما ثبت في مسلم من حديث علي t والراجح ما ذهب إليه الجمهور لما تقدم .
قال : [ ويسجى قبر امرأة فقط ] أي يغطي قبر المرأة عند إدخالها القبر ؛ لأن ذلك استر لها . لما روى البيهقي بإسناد صحيح عن أبي إسحاق السبيعي قال : ( شهدت جنازة الحارث فأبى عبدالله بن يزيد t " وهو صحابي " أن يسجوه بثوب وقال : إنه رجل ) . وهذا باتفاق العلماء , وأما ما رواه البيهقي أن النبي e : ( جلل قبر سعد بن معاذ t بثوب ) فالحديث إسناده ضعيف ضعفه البيهقي ، وهو كما قال ، وبه قال الشافعية .
قال : [ واللحد أفضل من الشق ] اللحد : أن يحفر للميت على حائط القبر والمستحب أن يكون مما يلي القبلة , والشق أن يحفر في وسط القبر . واللحد أفضل لما ثبت في مسلم عن سعد بن أبي وقاص t قال : ( الحدو لي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً كما صنع بالنبي e ) . وعند الأربعة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله e : ( اللحد لنا والشقة لغيرنا ) ، وله شاهد عند ابن ماجه من حديث جرير بن عبدالله t ، فالحديث حسن . لكن الشق جائز بإجماع العلماء كما حكى ذلك النووي ، ومما يدل على جوازه ما ثبت في ابن ماجه من حديث أنس t قال : ( لما توفى النبي e كان في المدينة رجل يَلْحَد وآخر يُضَرِّح " أي يشق " فقال أصحاب النبي e نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه فأرسِل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي e ) . وهو ثابت – أيضاً – في ابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها ، والحديث حسن . وفيه أنه كان في المدينة رجل يضرح أي يشق ، فدل على أن ذلك جائز وهذا بالإجماع . وإذا كانت الأرض رخوة تنهار فإن الشق أفضل . قال : [ ويضعه في لحده على شقه الأيمن مستقبل القبلة ] المستحب أن يوضع على شقه الأيمن كالنائم بلا نزاع كما قال صاحب الإنصاف ، وأن يوجه إلى القبلة لما ثبت في أبي داود أن النبي e قال في الكعبة : ( قبلتكم أحياءً وأمواتاً ) وهو حديث حسن .
قال : [ ويقول مُدْخِلُهُ : بسم الله وعلى ملة رسول الله ] لما ثبت في مستدرك الحاكم - بإسناد جيد - أن النبي e : ( أدخل ميتاً فقال : بسم الله وعلى ملة رسول الله ) ، ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي e قال : ( إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا : بسم الله وعلى ملة رسول الله ) ، وفي رواية : " وعلى سنة رسول الله " ، لكن حديث ابن عمر رضي الله عنهما اختلف في رفعه ووقفه والراجح هو الوقف كما رجح ذلك النسائي والدارقطني وغيرهم من أهل العلم . وأما ما رواه ابن ماجه أن النبي e : ( لما أدخل ابنته أم كلثوم رضي الله عنها قرأ : ) منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ( ) فالحديث فيه ثلاثة ضعفاء فالحديث إسناده ضعيف جداً . ولا أصل كذلك لقراءة هذه الآية عند الحثيات الثلاث . وفي ابن ماجه أن النبي e : ( حثى على الميت من قبل رأسه ثلاثاً ) وهو حديث حسن ولم يصح عنه أنه قرأ هذه الآية .
قال : [ ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر ] فيرفع القبر عن الأرض قدر شبر ، كما فعل بالنبي e فيما رواه البيهقي وابن حبان بإسناد حسن : ( أن النبي e رفع قبره من الأرض قدر شبر أو نحو شبر ) ليعرف ويزار ويحترم ولا يؤذى . ويكره فوق شبر والغالب أن التراب الذي يعاد إلى القبر يرتفع بمقدار شبر أو قريباً منه . ولا يجوز أن يكون مشرفاً فقد ثبت في مسلم أن النبي e بعث علياً t وفيه : ( وألا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته ) .
قال : [ مُسَنَّماً ] قال سفيان التمار : ( رأيت قبر النبي e مسنماً ) رواه البخاري وهذا كالقبور عندنا ، كسنام البعير . ويجوز أن يكون مسطحاً أي بأن يجعل أعلاه كالسطح . ويستحب أن توضع عليه الحصباء وهي الحصى الصغير كما فعل بقبر النبي e كما في أبي داود : ويرش بالماء وفي البيهقي : ( أن النبي e رش على قبر ابنه ووضع عليه الحصباء ) ، وهو مرسل , ويستحبه أهل العلم لأن ذلك أثبت له . ويستحب أن يوسع القبر وأن يعمق ، فقد ثبت في سنن أبي داود والنسائي وهذا لفظ النسائي أن النبي e قال : ( احفروا ووسعوا وأعمقوا ) وإسناده صحيح . واستحب الإمام أحمد : أن يعمق القبر إلى قدر السرة ؛ لأن ذلك أحفظ للميت وليس في ذلك مشقة على الحافر . وهو ثابت عن عمر بن عبدالعزيز – رحمه الله - كما في سنن سعيد بن منصور بإسناد جيد : ( أنه أمر بأن يعمق قبر ابنه إلى السرة ) . مسائل : المسألة الأولى : في حكم الصلاة على الجنائز بين القبور ؟ في هذه المسألة عن الإمام أحمد ثلاث روايات : الرواية الأولى ، وهي المشهورة : أن ذلك جائز ، واستدل بما رواه عبدالرزاق في مصنفه عن نافع – رحمه الله - قال : ( صلينا على عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما وسط البقيع بين القبور والإمام أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر y ) . الرواية الثانية : أن ذلك مكروه ، وهو مذهب طائفة من الصحابة والتابعين . الرواية الثالثة : أن ذلك محرم . ودليل هاتين الروايتين ما رواه الطبراني في الأوسط والضياء في المختارة عن أنس t : ( أن النبي e نهى عن الصلاة على الجنائز بين القبور ) وإسناده حسن . وأصح هذه الأقوال : أن ذلك جائز بلا كراهية وأن هذا الحديث منكر فقد صلى النبي e على المرأة التي تقم المسجد كما في الصحيحين بعد دفنها , ولا فرق بين الصلاة عليها قبل الدفن أو بعده في المقابر وأن الصلاة التي نُهي عنها في المقابر إنما هي الصلاة ذات الركوع والسجود سداً لذريعة الشرك . المسألة الثانية : أنه يكره للنساء اتباع الجنائز ، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أم عطية رضي الله عنها قالت : ( نهينا عن اتباع الجنازة ولم يعزم علينا ) أي لم يعزم علينا بالنهي فالنهي للكراهية . وثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح : كان النبي e في جنازة فرأى عمر t امرأة فصاح بها , فقال النبي e : ( دعها يا عمر فإن العين دامعة والنفس مصابة والعهد قريب ) فالنهي للكراهية ، كما هو المشهور في مذهب أحمد وغيره وهو مذهب جمهور العلماء . المسألة الثالثة : لا يجوز أن تتبع الجنازة بصوت ولا نار . بصوت : من ذكر أو قراءة للقرآن أو نعي للميت . أو بنار : لغير حاجة . ودليل هذه المسألة : ما رواه أبو داود والحديث حسن بشواهده أن النبي e قال : ( لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ) . ورفع الأصوات عند الجنائز من هدي اليهود وقد أمرنا بمخالفتهم , وروى البيهقي عن قيس بن عباد قال : ( كان أصحاب النبي e يكرهون رفع الصوت عند الجنائز وعند القتال وعند الذكر ) . المسألة الرابعة : أن اتباع الجنازة ثبت له فضل عظيم ، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة t أن النبي e قال : ( من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط , ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان , قيل : وما القيراطان يا رسول الله ؟ قال : مثل الجبلين العظيمين ) . وهل يثبت الثواب المذكور بمجرد الصلاة أم حتى يتبعها من أهلها ؟ ثبت في صحيح مسلم أن النبي e قال : ( من خرج مع الجنازة من بيتها ) وتقدم أثر أبي الدرداء t وفيه : ( من تمام أجر الجنازة أن يتبعها من أهلها ) . والاتباع من بيتها وإلى المسجد وسيلة للصلاة عليه . وعلى ذلك فالأظهر أن الثواب يختلف ، مع ثبوت أصله , فلمن صلى عليها قيراط ، ولمن اتبعها من بيتها فصلى عليها قيراط ، وإن كان القيراطان ليسا بدرجة واحدة بل هما متفاوتان . ودليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد وصحيح ابن حبان بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري t قال : ( لما كان مقدم رسول الله e كان إذا حضر الميت حضره النبي e فاستغفر له حتى يقبض فربما طال عليه ذلك فخشينا مشقة ذلك عليه ، فقال بعض القوم : لو كنا لا نؤذن النبي e حتى يقبض قال : ففعلنا فكان النبي e إذا حضر استغفر له وربما مكث حتى يدفن قال : ثم قلنا لو كنا نحضر جنائز موتانا إلى النبي e عند بيته لكان ذلك أرفق بالنبي e وأيسر له فكان الأمر على ذلك إلى اليوم ) , فدل ذلك على أن الأمر الذي استقر في عهد النبي e أنه كان لا يأتي إلى البيت فيتبع الجنازة بل كان تحضر له الجنائز عند بيته فيصلي عليها e ، فدل ذلك على أنه يثبت هذا القيراط وإن لم يتبعها من بيتها ، لكن إن اتبعها من بيتها فإنه له قيراطاً أعظم من القيراط الأول . أما القيراط فيمن تبعها حتى تدفن ، فهل يكون بوضعها في اللحد أم حتى يفرغ من دفنها ؟ في صحيح مسلم : ( حتى توضع في اللحد ) . وفي رواية البخاري : ( حتى يفرغ من دفنها ) وعند أبي عوانة : ( ويسوى عليها التراب ) . وكما قلنا في المسألة السابقة نقول في هذه المسألة فلكلٍ قيراط لكن ذلك مع التفاوت . المسألة الخامسة : يستحب أن يُدخل الميت من قِبَل رجلي القبر فيؤتى به من قبل رجلي القبر - أي المكان المختص بالرجلين - ثم يسل سلاً حتى يوضع الرأس في موضعه ثم تنزل القدمان في موضعها ؛ لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن زيد t : ( أنه أدخل الميت من قبل رجلي القبر وقال : هذا من السنة ) . وأما ما رواه الترمذي وفيه أنه يدخل من قبل القبلة ، فإن الحديث فيه الحجاج بن أرطاة ومنهال بن خليفة وهما ضعيفان . فالصحيح مذهب الجمهور وأنه يدخل من قبل رجلي القبر ثم يسل سلاً حتى يدخل في القبر . المسألة السادسة : أنه يستحب أن يوقف عند قبره قليلاً بعد الفراغ من دفنه ويستغفر له ؛ لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عثمان t قال : ( كان النبي e إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ) . وهل يستحب تلقينه أم لا ؟ - المشهور في مذهب الحنابلة والشافعية استحباب ذلك ، واستدلوا بحديث وأثر . أما الحديث فهو ما رواه الطبراني عن أبي أمامة t أن النبي e قال فيه : ( يقال : له يا فلان ابن فلانة فحينئذ يسمع ولا يجيب ثم يقال : يا فلان بن فلانة فيجلس ثم يقال يا فلان بن فلانة فيقول : أرشدوني أرشدكم الله ثم يرشد ويلقن بلا إله إلا الله وبملة الإسلام وبنبوة محمد e فيتولى عنه منكر ونكير ويقولان : كيف بكم برجل قد لقن حجته ) والحديث إسناده ضعيف جداً قال الهيثمي : " فيه رجال لا أعرفهم " , وقد ضعفه ابن القيم وابن حجر والنووي والعراقي وابن الصلاح وغيرهم . وأما الأثر فهو ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن ضمرة بن حبيب t قال : ( كانوا يستحبون – أي أصحاب النبي e – إذا سوي على الميت قبره وانصرف عنه الناس أن يقال له : يا فلان قل : لا إله إلا الله - وذهب الأحناف : إلى كراهية ذلك وهو اختيار شيخ الإسلام . وهو الصحيح ؛ فإن ذلك لم يثبت عن النبي e ولم يصح عن أحد من أصحابه e وإنما يستحب أن يدعى له ويسأل له التثبيت ويستغفر له – من غير أن يلقن ذلك .
وهل يستحب أن يوقف على القبر طويلاً أم لا ؟ لا يستحب ذلك ؛ لعدم وروده عن النبي e ، لكن إن فعل فلا بأس ، فقد ثبت في مسلم عن عمرو بن العاص t قال : ( إذا مت فقوموا على قبري قدر ما ينحر جزور ثم يقسم حتى أستأنس بكم وأعلم بما أراجع به رسل ربي ) .
قال : [ ويكره تجصيصه ] أي تبييضه بالجص , وكذا زخرفته وتطييبه . وهذا للكراهة في المشهور من المذهب . لما ثبت في مسلم عن جابر t قال : ( نهى النبي e أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه ). والصحيح أن هذا النهي للتحريم ؛ كما هو ظاهر الحديث ، وهو ما اختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله وغيره. ولأن هذا وسيلة إلى الشرك ولما فيه من التشبه بأهل الكتاب .
قال : [ والبناء عليه ] والصواب المقطوع به التحريم وهو الذي عليه أئمة الدعوة .
قال : [ والكتابة ] الكتابة على القبر مكروهة . ودليله ما ثبت في النسائي من حديث عامر بن ربيعة t أن النبي e : ( نهى أن يكتب عليه ) . وظاهر ذلك المنع مطلقاً سواء كانت الكتابة مزخرفة أم لا ، وسواء كانت الكتابة فيها ألفاظ ثناء على الميت أم لم يكن فيها ذلك . لكن قال الحاكم في مستدركه : " وليس العمل عليها فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف " . وتعقبه الذهبي بقوله : " ولا يعلم صحابياً فعل ذلك وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين فمن بعدهم ولم يبلغهم النهي " . ذهب طائفة من أهل العلم وهو اختيار الشيخ عبدالرحمن ابن سعدي أن الكتابة المنهي عنها ما كان يفعله أهل الجاهلية من كتابات المدح والثناء ؛ لأن هذه هي التي يكون فيها المحظور أما التي بقدر الإعلام فإنها لا تكره وهو الراجح ، وأنها إذا وضعت الكتابة مجردة واكتفى بالاسم فحسب لا سيما إذا لم يمكن وضع علامة غيرها ، وذلك للحاجة إلى معرفة قبر الميت . وقد ثبت في سنن أبي داود أن النبي e : ( وضع صخرة عند رأس عثمان بن مظعون t وقال : أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي ) . وفي هذا الحديث فائدة وهو أن دفن الميت عند خاصته وأقاربه ومعارفه وأهل الخير والصلاح أمر حسن فإن عثمان بن مظعون t كان من خيار الصحابة . قال الحنابلة : ويستحب جمع الأقارب في بقعة لتسهل زيارتهم .
قال : [ والجلوس والوطء عليه والاتكاء إليه ] لحديث جابر t المتقدم في نهي النبي e وفيه : ( وأن يقعد عليه ) ، وفي مسلم أن النبي e قال : ( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر ) ، وقال النبي e : وهذا فيه النهي عن المشي والمشي أعظم من القعود . وفيه – أيضاً – النهي عن قضاء الحاجة في المقابر ، أما على القبر فهو محرم – في المشهور من ويكره في المشهور من المذهب أن يمشي بين القبور في نعليه لما روى الخمسة إلا الترمذي بإسناد صحيح أن النبي e رأى رجلاً يمشي بين القبور بنعليه فقال : ( يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك ) فإن مشى بنعليه بين القبور لحاجة كشدة حرٍ أو بردٍ أو نحو ذلك فلا يكره . ويكره الحديث بأمر الدنيا ؛ لأنه موضع تذكر واتعاظ . وكذا يكره التبسم والضحك لمنافاة ذلك حال هذا الموضع .
قال : [ ويحرم فيه دفن اثنين فأكثر ] واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين عن هشام بن عامر t قال : ( لما كان يوم أحد شكونا إلى النبي e فقلنا : إن الحفر لكل إنسان شديد ، فقال النبي e : احفروا وأعمقوا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد ) . قالوا : فهذا يدل على أن الأصل أن يقبر الميت في قبره وحده ، وهذا كما فعل بعثمان بن مظعون t وغيره من الصحابة y . وقال جمهور أهل العلم , وهو اختيار المجد بن تيمية , وابن عقيل , وشيخ الإسلام ابن تيمية , وشيخنا الشيخ محمد : إن ذلك للكراهة فقط . وما ذكره الحنابلة لا يقوى على التحريم ، وفعل النبي e من دفنه الواحد في القبر وحده يدل على مشروعية ذلك واستحبابه . وعند الحاجة إليه لا يكره ، كأن يكثر القتلى لوباء أو حرب أو نحو ذلك فيشق على الناس أن يخصوا كل ميت بقبر ، فيدفنوا الاثنين والثلاثة بقبر واحد فلا كراهة .
قال : [ ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب ] ليصير كل واحد كأنه في قبر منفرد وهذا حسن .
حكم نبش القبر ؟ هو محرم ، وقد ثبت في موطأ مالك عن عَمْرة بنت عبد الرحمن أن النبي e : ( لعن المختفي فنبش القبر محرم ولا يجوز ذلك إلا لمصلحة فإذا ثبتت المصلحة فلا بأس بنبشه كأن يدفن من غير تغسيل فيجوز أن ينبش ليكفن ويغسل . فإن دفن من غير أن يصلى عليه ؟ ففي المسألة قولان لأهل العلم : أصحهما : أنه لا ينبش بل يصلى على القبر لصحة الصلاة عليه في القبر فلا نحتاج إلى نبش قبره . وكذا إذا دفن الاثنان في قبر واحد ، فأحب أهل الميت أن يدفنوه وحده . وقد ثبت في البخاري عن جابر t – في قصة قتلى أحد ودفن أبيه مع غيره في قبر - قال : ( وقد دفن معه غيره فلم تطب نفسي بذلك فاستخرجته بعد ستة أشهر ) . ومثل ذلك : لو وضعت مقبرة ثم ثبتت المصلحة بنقلها إلى موضع آخر فلا حرج بنبش القبور إلى موضع آخر . قالوا : ولا بأس بنبشها أو الزرع عليها أو البناء إذا أصبحت رميماً ، وحكى صاحب الفروع : اتفاق أهل العلم على ذلك . والمدة التي يصبح بها الميت رميماً يعرفها أهل الخبرة فإذا مضت المدة التي يعلم بالظن الغالب أن الميت قد أصبح رميماً فيجوز أن ينبش قبره ويوضع فيه ميت آخر . ولم أر في هذه المسألة خلافاً بين أهل العلم ، وقد نص عليها الحنابلة والشافعية والمالكية وغيرهم ولم أر فيها خلافاً وهي مسألة قديمة . وفي موطأ مالك بإسناد صحيح عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال : ( لا أحب أن أدفن في البقيع ، لأن أدفن في غيره أحب إلى من أدفن فيه فإنما هو أحد رجلين إما ظالم فلا أحب أن أدفن معه وإما صالح فلا أحب أن تنبش عظامه ) . فإن نبش وقد بقيت عظامه ؟ فقال الحنابلة يعاد القبر ولا يدفن معه غيره . وقال الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار الخلال من أصحابه : لا بأس أن يدفن معه غيره . وهذا هو القول الراجح ، فإن النبش قد حصل فلا مانع أن يدفن معه غيره إذ لا مفسدة في ذلك . ومن ظن بقاء عظامه فلا يجوز نبش قبره ، وكذلك القبور المعظمة عند أهل الإسلام لعظمة أهلها في دينهم وصلاحهم فإن هؤلاء مظنة أن تبقى أبدانهم فلا ينبغي أن يتعرض إليها . - واعلم أن المستحب أن يتولى دفن الميت أولياؤه من الرجال ، وأن النساء لا يستحب لهن مطلقاً أن يتولين الدفن ؛ وذلك لأنه مظنة لخروج شيء من عورتها والمرأة مأمورة بالستر . وأحق الناس أولياء الميت ، فقد ثبت في الحاكم بإسناد صحيح أن علياً والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله e هم الذين تولوا دفنه e . لكن يستحب ألا يكون المشتغل بالدفن ممن قارف ليلته تلك أهله - أي جامع أهله - ، فقد ثبت في البخاري عن أنس t قال : ( شهدنا زينب بنت رسول الله e والرسول e جالس على القبر فرأيت عينيه تذرفان فقال : هل منكم من أحد لم يقارف الليلة فقال : أبو طلحة t : نعم ، فقال النبي e : انزل في قبرها ، فنزل فقبرها ). وهذا يدل على أنه لا بأس أن يتولى دفن المرأة من لم يكن من محارمها وإن كان المستحب أن يكون ذلك من محارمها ؛ لأن مظنة الشهوة بعيدة فإن الميتة لا تشتهى عادةً . والمحرم أولى ، فقد ثبت في البيهقي : ( أنه لما ماتت زينب بنت جحش قالت أزواج النبي e يتولى ذلك
قال : [ ولا تكره القراءة على القبر ] كسورة الفاتحة ويس~ أو غير ذلك – هذا في المشهور من مذهب الحنابلة – ، وذكروا في ذلك حديثاً أن النبي e قال : ( من جاء إلى المقابر فقرأ فيها يس~ خفف عنهم وكان له بعددهم حسنات ) لكن الحديث لا يثبت عن النبي e . ومذهب قدماء أصحاب الإمام أحمد وهو مذهب المالكية والأحناف وجمهور السلف : كراهة ذلك ، بل هو بدعة كما صرح به الإمام أحمد في رواية عنه ؛ فإن النبي e كان يدعو لأهل القبور في المقبرة ولم يصح عنه أنه قرأ شيئاً من القرآن ، ولم يثبت ذلك عن أحد من أصحابه y فعلم أنه بدعة . وقد قال النبي e – فيما رواه مسلم - : ( ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ) فدل ذلك على أن المقابر ليست مواضع لقراءة القرآن وهذا هو الصواب .
قال : [ وأي قربة فعلها ] أي قربة سواء كانت صلاة أو صياماً أو حجاً أو ذكراً أو قراءة للقرآن أو دعاء أو صدقة أو غير ذلك من الأعمال الصالحة فَعَلَها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي ، نفعه ذلك وبلغه ثواب العمل ، وهذا هو المشهور في - وقال بعض الحنابلة : لا يكون هذا إلا للميت دون الحي ؛ لأن الميت محتاج ولا يمكنه العمل بخلاف الحي ؛ ولأنه يؤدي إلى اتكال الحي على غيره في العمل على ابن وغيره مع كونه قادراً على العمل أو يدفع أجرة أو نحو ذلك . وهذا القول أقرب : وأنه مختص بالميت دون الحي . قالوا : ويشترط أن ينوي ذلك قبل الفعل ، فإذا فعله ثم أهدى الثواب لغيره لم يجزِ ذلك . قالوا : لأن النبي e إنما أذن به على هذه الصورة فقال e : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) وقال : ( حجي عنها ) ونحو ذلك من الأحاديث التي تدل أنه لابد أن يكون العمل من أصله للميت . قالوا : ولأن الأثر يترتب على الفعل ، فإذا ثبت الأثر على الفعل فإنه لا يزال عنه ، والأثر هنا هو الثواب ، كالولاء فإن من اعتق عبداً فإنه يثبت له ولاؤه ، فلو نوى الثواب لأحد من الناس فإن الولاء يبقى له . وقال بعض الحنابلة : بل لا يشترط ذلك ؛ فإن الثواب ملكه فإذا تصدق به بعد ذلك فلا حرج , والأظهر ما تقدم لقوة دليله . قالوا : ولا يشترط أن يهدي الثواب كله ، فلو تصدق بصدقة ونوى أن يكون شطر ثوابها له وشطر ثوابها للميت فإنه لا حرج في ذلك ، وهذا ظاهر . - واعلم أن أهل العلم قد اتفقوا على أن الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات في الجملة ينتفع بها الميت , قال تعالى : ) والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ( ، وقال النبي e : ( استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ) ، وقال e : ( إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء ) . وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها : ( أن رجلاً قال للنبي e : إن أمي افتلتت نفسها ولم توصِ وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها ؟ فقال النبي e : نعم ) . وثبت في البخاري عن عبادة t : " أن أمه توفيت - وهو غائب - فقال : يا رسول الله إن أمي ماتت وأنا غائب فهل ينفعها إن تصدقت عنها ؟ فقال e : ( نعم ) فقال : أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها " . وقال e – لمن سألته عن الحج - : ( أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ قالت : نعم قال : فدين أحق الله بالقضاء ) متفق عليه ، وقال e : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) . - وشذ بعض أهل العلم كالشوكاني وقال : إنما ينفع ذلك من الولد دون غيره وحكى النووي الإجماع على خلافه . وكذلك سائر القرب وهو المشهور في المذهب واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم قالوا : إن الصوم يدل على الانتفاع بالعبادات البدنية ، والحج يدل على الانتفاع بالعبادات البدنية والمالية والصدقة تدل على الانتفاع بالعبادات المالية . وقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن أن النبي e قال – لعمرو بن العاص t في أبيه - : ( إنه لو كان مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك ) والحديث إسناده حسن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . أما قوله تعالى : ) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ( فأجاب شيخ الإسلام على الاستدلال بالآية وذكره ابن القيم مقراً له : " أي ليس الإنسان مالكاً لغير سعيه ، فالنفي هنا متوجه إلى ملكه ، وأنه لا يملك شيئاً من الأعمال إلا ما سعاه ، وليس فيه نفي الانتفاع فإنه قد ينتفع بعمل غيره " . بدليل الآية قبله : ) ألا تزر وازرة وزر أخرى ( والمعنى : أنك لا تحمل وزر غيرك وأن سعيك لا يضيع. ولكن لم يكن من هدي السلف الصالح إهداء القُرَب – قال شيخ الإسلام : إنه ليس من عادة السلف إهداء الثواب وأن ذلك لا ينبغِ وأن هديهم أفضل وأكمل . كما أن فيه إيثاراً في القربة ، وهو مكروه , وعلى ذلك فتخصيص صاحب الطاعة نفسه أفضل . والمشهور في المذهب أنه لو أهدى للنبي e جاز , واختار شيخ الإسلام : أن ذلك بدعة , وهو كما قال ؛ لأنه e له كأجر العامل فلم يحتج إلى ذلك الإهداء ولم يكن الصحابة y يفعلونه .
قال : [ وسن أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم ] هذا أمر مستحب ، وقد قال النبي e – فيما رواه الخمسة إلا النسائي - : ( اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم ) . وقد قيد المجد وهكذا صاحب الروض وهو المذهب : بثلاثة أيام – وهذا التقييد لا دليل عليه ، فقد يكون ذلك يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك بحسب تأثر أهل الميت بالمصيبة .
قال : [ ويكره لهم فعله للناس ] يكره لهم وينهون عن صنع الطعام لمن يجتمع عندهم من الناس ، فقد ثبت في مسند أحمد وسنن ابن ماجه عن جابر t قال : ( كنا نَعُدُّ الاجتماع عند أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة ) . وذهب بعض أهل العلم من الحنابلة : إلى أن ذلك يحرم ، وهو أصح ؛ لقول الصحابي t : " من النياحة " والنياحة محرمة ، فلا يجوز لهم أن يصنعوا الطعام للناس ، وهو من فعل أهل الجاهلية . قال الموفق وغيره : إلا من حاجة كأن يجيء من يحضر ميتهم من أهل القرى البعيدة ويبيت عندهم فلا يمكن إلا أن يطعموه .
فصــل قال : [ تسن زيارة القبور ] لقوله e : ( إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها ) رواه مسلم زاد أحمد وأبو داود وغيرهما : لكن زيارة الميت في حكم زيارة الحي ، فإن الحي عند الزيارة يستقبل وجهه قريباَ منه فكذلك الميت – وهذا ما عليه عمل أهل العلم . ولم يصح عن النبي e لزيارة القبور يوم معين بل يزورها متى شاء .
قال : [ إلا النساء ] فلا تشرع لهن زيارة القبور – وهذا هو المشهور في مذهب أحمد بل تكره . واختار شيخ الإسلام ابن تيمية تحريم زيارة القبور للنساء . وقال جمهور العلماء وهو رواية عن الإمام أحمد : لا تكره . استدل الناهون عن ذلك : بما روى الترمذي وابن ماجه وهو ثابت في مسند أحمد وصحيح بن حبان من حديث عمرو بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة t قال : ( لعن رسول الله e زوارات القبور ) والحديث حسن وهو عند ابن حبان بلفظ : " زائرات " . وله شاهد من حديث حسان بن ثابت t – عند ابن حبان - أن النبي e : ( لعن زوارات القبور ) . ويشهد له أيضاً ما رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه وصححه ابن حبان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( لعن رسول الله e زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ) . وأخذ شيخ الإسلام من هذه الأحاديث التحريم وهو الراجح واختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله , ولأن الإذن لهن بالزيارة ذريعة إلى النياحة وشق الجيوب لضعف تحملهن وقلة صبرهن . وقوله : " زوارات " : في بعض الروايات للنسبة لا للمبالغة جمعاً بين الروايات . واستدل الجمهور بما ثبت في الصحيحين أن النبي e : ( مر على امرأة عند قبر وتبكي فقال : اتقي الله واصبري ) فقالت : إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ، ولم تعرفه ، فذكر لها أنه النبي e فأتت إليه فلم تجد عنده بوابين فقال النبي e : ( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) . بما ثبت - في مسلم - عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : يا رسول الله كيف أقول لهم فقال النبي e : ( قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ) الحديث ، وثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن أبي مليكة قال : ( أقبلت عائشة من المقابر فقلت : يا أم المؤمنين من أين أقبلت ؟ فقالت : من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر فقلت لها : أو ليس كان رسول الله e نهى عن زيارة القبور ؟ فقالت : بلى ثم أمر بزيارتها ) . والجواب : أن أحاديث المنع ناسخة لأحاديث الإذن ويصح أيضاً أن يجاب عن حديث : ( اتق الله والمشهور في المذهب أن زيارة النساء لقبر النبي e وقبر صاحبيه " أبي بكر وعمر " رضي الله عنهما لا تكره . والراجح وهو اختيار شيخنا المنع أيضاً لعموم الأدلة .
قال : [ وأن يقول : إذا زراها أو مر بها : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا والمتأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية ] لما روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي e : ( يا رسول الله : كيف أقول لهم قال : قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ) ، وفي مسلم من حديثها أن النبي e قال : ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا وإياكم وما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ) . وفيه : تسمية أهل المقبرة .
قال : [ اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده واغفر لنا وله ] وهذا من الدعاء المباح . ولا بأس أن يرفع يديه ، فقد ثبت في مسلم عن عائشة رضي الله عنها في زيارة النبي e للبقيع في الليل : ( قام قياماً طويلاً ورفع يديه ثلاث مرات ) والمستحب أن يستقبل القبلة في ذلك .
قال : [ وتسن تعزيه المصاب بالميت ] التعزية : هي التقوية والتسلية . وأما المصاب : فهو من أصيب بالميت سواء كان من أهله أو من يربطه به نسب أو مصاهرة ، أو صحبة. فكل مصاب فإنه يعزى سواء كان من أهله أو أصدقائه . وقد ثبت التعزية من فعله e , ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : كنا عند النبي e إذ جاءه رسول إحدى بناته تدعوه إلى ابنها في الموت فقال النبي e : ( ارجع فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب ) . وفيها إحسان للميت بالدعاء وللمصاب بتسليته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر . ولم يثبت فيه فضل خاص ، أما ما رواه الترمذي أن النبي e قال : ( من عزى مصاباً فله مثل أجره ) فقد استغربه الترمذي ، وهو كما قال . وعند ابن ماجه أن النبي e قال : ( ما من مسلم يعزي أخاه في مصيبة إلا كساه الله من حلل الجنة يوم القيامة ) وإسناده ضعيف . والحديث المتقدم – كما قال النووي – من أحسن ما يعزى به ، وهو قول النبي e : ( لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى ) رواه البخاري ، فإن قال : ( أعظم الله أجوركم وأحسن عزائكم ) فلا بأس بذلك وهو منقول عن الإمام أحمد . وعنه أنه يقول : ( آجرنا الله وإياك في هذا الرجل ) ونحو ذلك من الألفاظ التي فيها تعزية وجبر للميت . - والتعزية جائزة بعد الدفن وقبله ، كما هو المشهور في مذهب الحنابلة , ويدل على ذلك الحديث المتقدم وفيه أن بنت رسول الله e أرسلت إليه وقالت : إن ابناً لها أو بنتاً قد حضرت ، فعزاها النبي e . فلو عزى قبل الدفن أو قبل التغسيل أو الصلاة عليه فلا بأس بذلك ويحصل المقصود المتقدم ، وإن عزى بعد الدفن فلا بأس . والمشهور في مذهب الحنابلة والشافعية : أن مدة العزاء ثلاثة أيام ، فلا يعزى بعدها مصاب إلا أن يكون غائباً فيعزى عند حضوره إن لم ينس المصيبة . قالوا : لأن التعزية بعد ثلاث تهيج الحزن فلا فائدة منها . قال في الفروع : ولم يحدها جماعة وهو اختيار شيخ الإسلام فتستحب مطلقاً حيث دعت الحاجة إليها . وإن جلس أهل الميت عن أعمالهم ثلاثة أيام فلا بأس فإن النبي e : نهى المرأة أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج - كما في الصحيح - وهذا ما قرره شيخنا رحمه الله .
قال : [ ويجوز البكاء على الميت ] لما ثبت في الصحيحين أن النبي e : ( ذرفت عيناه لما قبض إبراهيم – ابنه – وقال : هذه رحمة ثم قال : إن العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) ، وقال النبي e – في الصحيحين – : ( إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم وإن الميت ليعذب ببكاء أهله ) . واستحب شيخ الإسلام البكاء على الميت ؛ لفعله e – وذلك أكمل مما حدث من بعض التابعين كالفضل من فرحه بموت ابنه لإظهار الرضا وكان من كبار التابعين أو أتباعهم ، لكن السنة ما كان عليه النبي e . فجزم شيخ الإسلام باستحبابه لفعل النبي e ولقوله : ( هذه رحمة ) والرحمة مستحبة وأن ذلك أكمل من الفرح إظهاراً للرضا بقدر الله ، والرضا بقدر الله لا يعارضه ما يكون من طبيعة البشر من دمع العين وحزن القلب . وفي قوله e : ( وإن الميت ليعذب ببكاء أهله ) إشكال : وذلك أن الله عز وجل قال : ) ألا تزرُ وازرةٌ وزر أخرى ( . وأجاب أهل العلم عن ذلك بأجوبة ، أصحها جوابان . الجواب الأول : وقال به جمهور أهل العلم : أن ذلك فيمن أوصى بالبكاء عليه البكاء غير المشروع الذي فيه ندب ونياحة ، أو كان يعلم من طبيعة أهله وعادتهم الندب والنياحة ولم ينههم . والجواب الثاني : وقال به شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم : أن العذاب المذكور إنما هو التألم والأذى ، لا العذاب ، نظير قوله e في السفر : ( إنه قطعة من العذاب ) ، وقال تعالى : ) لن يضروكم إلا أذى ( ، وفي الحديث القدسي : ( يؤذيني بن آدم يسب الدهر ، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار ) . وهذا يوافق ظاهر الحديث ، فإن ظاهره أن البكاء يعذب كل ميت ، وأن كل ميت يعذب ببكاء أهله ، وقد قال e ذلك لما حضر سعد بن عبادة t وكان عليه غاشية من أهله فقال e – وقد بكى وبكى من حوله - :
قال : [ ويحرم الندب والنياحة ] الندب : هو ذكر محاسن الميت على وجه التسخط ، فهذا هو الندب المحرم . أما ذكر شيء من ذلك لا على سبيل التسخط فإن هذا لا بأس به ، وقد ثبت في البخاري عن أنس t قال : ( لما ثقل النبي e فجعل يتغشاه - أي الموت – قالت فاطمة رضي الله عنها : وكرب أبتاه فقال النبي e : ليس على أبيك كرب بعد اليوم ، فلما مات قالت : يا أبتاه أجاب رباً دعاه ، يا أبتاه في جنة الفردوس مأواه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ) . فهذا من الندب لكنه ليس من النوع الذي فيه تسخط على قدر الله . فالندب المحرم هو : ذكر الميت بمحاسنه وفضائله على وجه التسخط ، ويصحبه في الغالب رفع صوت بالبكاء وهو النياحة ، فالنياحة أن يرفع الصوت بالبكاء مع ذكر محاسنه بما يشعر بأن هذا المصاب متسخط من قضاء الله وقدره . وقد قال النبي e – فيما رواه البخاري - : ( ليس منا من ضرب الخدود ، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ) ، وفي سنن ابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي e : ( لعن الخامشة وجهها والشاقة ثوبها والداعية بالويل والثبور ) . وكل ذلك من النياحة المحرمة وهي من الكبائر للعن النبي e وقوله : ( ليس منا ) . وأما النعي وهو إعلان الموت فلا بأس به ، فلا بأس أن يعلن موت فلان ليصلى عليه ، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي e : ( نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه ) الحديث . أما ما رواه الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن أن النبي e : ( نهى عن النعي ) . فالمراد به : ما كان عليه أهل الجاهلية من إظهار ذلك في الأسواق وغيرها على جهة التسخط .
قال : [ وشق الثوب ولطم الخد ونحوه ] هذا كما تقدم من الأفعال التي تدل على التسخط على قدر الله عز وجل وهي من كبار الذنوب .
|
|
|
|
حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved info@al-zad.net ![]() |