المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الصيام

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الصيام
كتاب الصيام
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد

كتاب الصيام

 

الصيام في اللغة : الإمساك ، ومنه قوله تعالى : ﴿ إني نذرت للرحمن صوماً ﴾ أي إمساكاً عن الكلام .

وأما في الاصطلاح : فهو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن المفطِّرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس .

 

قوله : [ يجب صوم رمضان ]

رمضان مشتق من الرمَض ، رمِض يرمَض رمَضاً أي اشتد حره ؛ وإنما سمي رمضان بهذا الاسم لأنه وافق شدة حر ، فسمي بذلك.

قال هنا " رمضان " ولم يقل شهر رمضان ، ولا كراهية في ذلك خلافاً لمن كرهه من أهل العلم وقال : يقال : شهر رمضان وفي البيهقي -والحديث ضعيف -أن النبي r قال : ( لا تقولوا رمضان ، فإن رمضان اسم من أسماء الله ) ، لكن الحديث فيه أبو مَعْشر ، وهو ضعيف .

وقد قال عليه e كما في الصحيحين : ( إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة ).

يجب صوم رمضان إجماعاً ، قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ﴾ وقال عليه e : ( بني الإسلام على خمس : شهادة ألا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً ). والحديث متفق عليه .

وقد أجمع أهل العلم على وجوب صوم رمضان ، فمن أنكره أي جحد وجوب صوم رمضان ، فهو كافر.

وقد أجمع أهل السير على أن الصوم قد شُرع في السنة الثانية من الهجرة ، فعلى ذلك : يكون النبي r قد صام تسع رمضانات ، هذا بإجماع أهل السير .

 

قوله : [ برؤية هلاله ]

قال e كما في الصحيحين : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) .

ولا يُعتمد على الحساب الفلكي ، أي على حساب النجوم ، قال شيخ الإسلام : " بالسنة الصحيحة واتفاق الصحابة " ، وقررت هيئة كبار العلماء بالإجماع أنه لا يعتمد على الحساب في صوم رمضان .

 

قوله : [ فإن لم يُر مع صحو ليلة ثلاثين أصبحوا مفطرين ]

وعليه : فاليوم يكون هو يوم الثلاثين من شعبان فيفطرون ذلك اليوم ولايجوز صومه لما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين ، إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه ) هذا الحديث يدل على أنه لا يجوز أن يُتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين ، أي لمعنى رمضان ، أي من باب الاحتياط لرمضان ، إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه ، فإذا وافق يوم الاثنين وكان يصومه ، فصامه فلا بأس بذلك ، وظاهر الحديث التحريم ، وهو قول لبعض أهل الحديث ، والجمهور على الكراهية ، والراجح ما ذهب إليه من قال بتحريم ذلك ؛ فإن النبي r قال : ( لا تقدموا رمضان ) وظاهر النهي التحريم .

فإذا تقدمه قبل ذلك فلا بأس ، وأما ما روى أبو داود في سننه أن النبي r قال : ( إذا كان النصف من شعبان ، فأمسكوا عن الصيام حتى يكون رمضان ) ، فجمهور أهل الحديث على تضعيفه كما حكى ذلك ابن حجر لمخالفته ما ثبت في الصحيح من حديث عائشة أنه عليه الصلاة والسلام: ( كان يصوم شعبان كله إلا قليلا) ، وممن نص على تعليل الحديث الإمام أحمد والإمام عبد الرحمن بن مهدي ، وهذا الحديث يخالف الأحاديث الصحاح التي منها ما في الصحيحين أن النبي r ( كان يصوم شعبان كله إلا قليلا ) وجمع الموفق ابن قدامة بين الحديثين : بأن حديث النهي فيه نهي من لم يصم النصف الأول من شعبان أن يصوم نصفه الثاني درءاً لذريعة إرادة الإلحاق بالفريضة احتياطاً ، وفيه نظر لقوله r : ( فأمسكوا عن الصيام ) ، فظاهره الإمساك مطلقا سواء صام نصفه الأول أو لا ، فعلى ذلك ما قاله أهل العلم من نكارة هذا الحديث أولى ، إذاً الحديث معلول عند جمهور أهل العلم والله أعلم .

 

 

قوله : [ وإن حال دونه غيم أو قَتَرٌ فظاهر المذهب يجب صومه ]

قوله :" قَتَر" أي غُبْرة.

إن حال دون رؤيته ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر ، فظاهر المذهب يجب صومه ، يعني يجب الصيام احتياطا ، وإنما قلتُ :" احتياطا " ؛ لأنهم لا يرتِّبون على الحكم هنا أحكاماً أخرى ، كحلول الدَّيْن ، فإذا كان الدين يحل في أول رمضان ، فإنه لا يحل في هذا اليوم الذي أوجبوا الصيام فيه ، وإذا عَلَّق طلاق امرأته على أول يوم من رمضان ، فإنها لا تطلق فيه ، لأنه إنما وجب احتياطاً ، كذلك لا تتم به العِدَّة ، إلى غير ذلك من الأحكام ، وإن كان في أصح الوجهين في المذهب تُصلى التراويح في تلك الليلة ؛ احتياطاً لقيام رمضان.

إذاً يُصام وتُقام ليلته احتياطا هذا هو المذهب .

واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غُمّ عليكم ، فاقْدُروا له ) .

 قالوا : فقوله عليه الصلاة والسلام : ( فاقدروا له ) أي: ضيِّقوا عليه ، أي على شهر شعبان ، وعليه : فيكون شهر شعبان تسعةً وعشرين يوماً .

 وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن ابن عمر رضي الله عنه وهو راوي الحديث : "كان إذا حال دون منظره غيمٌ أو قتر ، أصبح صائما "، فهذا هو رأي ابن عمر وهورواي الحديث ، فيفسر به الحديث الذي رواه

هذا هو المذهب ، وهذا القول لا تتوجه إضافته إلى الإمام أحمد رحمه الله ، كما قال صاحب الفروع ، وذكر أنه لم يقف على نص صريح على الوجوب عن الإمام أحمد ، ولا أَمَر به .

والقول الثاني في المسألة ، وهو قول الجمهور : لا يجب صيام هذا اليوم .

واستدلوا برواية مسلم في الحديث المتقدم ، قال : ( فإذا غُمّ عليكم فاقدروا له ثلاثين ) ، وفي رواية البخاري : ( فأكملوا العدة ثلاثين ) ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة : ( فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ) ، وعلى ذلك : فمعنى قوله e : ( فاقدروا له ) أي احسبوا له ، فالقَدْر : هو الإحاطة بالمقدار ، تقول : قدَرْتُ الشيء أَقْدُرُهُ قدْراً وقدَراً ، أي أحطتُ بمقداره ، والروايات الأخرى تُفسِّره كما تقدم.

وفي سنن أبي داود من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره ) يعني في رؤية هلال شعبان ، قالت : ( فيصوم لرؤية هلال رمضان فإن غم عليه ، عدّ ثلاثين يوما ، ثم صام ) ، فكان e يتحفّظ ويتحرى في رؤية هلال شعبان ما لا يتحرى في غيره .

وروى الأربعة  أي أهل السنن - والبخاري معلقا عن عمار رضي الله تعالى عنه قال : " من صام اليوم الذي يُشك فيه ، فقد عصى أبا القاسم r " ، وهذا هو اليوم الذي يشك فيه ، لأن ليلته فيها غيم أو قتر .

وأما ما تقدم من أثر ابن عمر فإن العبرة بما روى لا بما رأى ، فالأحاديث الواردة صريحة في أنه لا يُصام ، و يصح أن يكون قد صامه من باب الاحتياط ، لكن الراجح كما تقدم من حديث عمار أن هذا يومٌ يُنهى عن صومه ، هذا هو مذهب جمهور العلماء ، إذاً المذهب وجوب صوم يوم الشك ، وهو مرجوح.

وعلى ذلك : فهل يستحب أم يباح أم يكره أم يحرم ؟

أربعة أقوال لأهل العلم ، أصحها التحريم ؛ لحديث عمار t : ( من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وآله وسلم ) .

وقد اختار القول بالنهي عن صيامه أبو الخطاب وابن عقيل من الحنابلة ، وهل يُنهى عنه تحريما أو كراهية ؟ على قولين كما تقدم ، و الذي عليه أئمة الدعوة ، كالشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ محمد بن إبراهيم ، النهي عنه ؛ لأنه اليوم الذي يشك فيه ، وقد قال عمار بن ياسر t: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم e) .

 

قوله : [ وإن رُؤي نهاراً فهو لليلة المقبلة ]

يعني ليس لليلة الماضية ، وإنما لليلة المقبلة . وهذه العبارة من المؤلف رحمه الله تعالى رد على من قال : إنه إن رُؤي نهاراً فهو لليلة الماضية .

-         فمن أهل العلم من قال : إنه إن رُؤي نهاراً فهو لليلة الماضية .

-         ومنهم من قال : إنه إن رُؤي قبل الزوال ، فهو للماضية ، وإن رؤي بعد الزوال ، فهو للمقبلة.

وليس مراد المؤلف أنهم يصومون وإن لم يُر بعد الغروب .

فيكون المعنى : أنه لليلة المقبلة مع رؤيته بعد غروب الشمس ؛ لأن الرؤية المعتبرة شرعاً هي الرؤية بعد الغروب لا قبل غروب الشمس . كما نبّه على هذا صاحب كشاف القناع وغيره من أهل العلم .

 

قوله : [ وإذا رآه أهل بلد لزم الناسَ كلَّهم الصومُ ]

هذا هو مذهب الجمهور ؛ لحديث :( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) وهذا خطاب للجميع ، فإذا رُئي في البلاد الشامية ، فيجب على أهل البلاد المصرية والنجدية والحجازية وغيرها من البلدان الصوم ، وإذا رُؤي في المغرب ، فيجب على أهل المشرق أن يصوموا ، وعلى ذلك فتتوحّد الرؤية .

وهناك من يدعو إلى توحُّد الرؤية ، ويرى أن هذا مقصودا للشارع ، وهذا خطأ ، فإن مقصود الشارع هو توحد الناس في أصول الدين ، وفي فروعه بما يكون فيه نصٌ من كتاب الله وسنة نبيه r ، وأما الخلاف السائغ ، فإن من المعلوم أنه ليس من مقصود الشارع أن يتفق الناس على الخلاف السائغ ، ومن الخلاف السائغ هذه المسألة ، وكثير من الناس يهتم بهذه المسألة أكثر من اهتمامهم بتوحيد الناس في عقائدهم ، فتوضع الاجتماعات لمثل هذا ، ولا يجتمع هؤلاء  لدعوة الناس إلى توحيد الله وتقرير أصول الدين . فأقول : هذا ليس من المسائل المقصودة شرعا ، ومازال الخلاف بين أهل العلم قديما وحديثا في هذه المسألة :

فقال الجمهور : إذا رؤي في بلد لزم الجميعَ الصومُ ، واستدلوا بالحديث المتقدم .

والقول الثاني - وهو قول إسحاق - : أن لكل بلد رؤيته ، واستدل بما ثبت في مسلم عن كريب رحمه الله : " أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية في الشام . قال : فقدمت الشام على معاوية فقضيت حاجتي واستهل رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة . قال : ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت ليلة الجمعة . فقال : أنت رأيته ؟ قلت : نعم ورآه الناس فصاموا وصام معاوية . فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه . قلت : أولا تكتفي برؤية معاوية وأصحابه ؟ فقال : لا ؛ هكذا أمرنا النبي e " قالوا : هذا يدل على أن لكل بلد رؤيته .

والقول الثالث ، وهو مذهب الشافعية ، وهو اختيار شيخ الإسلام : أنه إن اتحدت المطالع فيجب الصيام ، وإن اختلفت المطالع فلا يجب الصيام ، والمطالع : يعني مطالع القمر ، ومطالع القمر تتحد وتختلف باتفاق علماء الفلك ، ولا خلاف في هذا أيضا بين علماء الفقه ، فهذا أمر متقرِّرٌ لا خلاف فيه ، لكن الخلاف هل يُعتبر ذلك أم لا يعتبر ؟

فالجمهور قالوا : إنه لا يعتبر ، وقال الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام : إنه يعتبر ، وهذا هو القول الراجح ؛ وذلك لأنه إذا رؤي في بلد فإن البلد التي توافقها في مطلع القمر يُعلم أنه قد طلع فيها ، سواء رأوه أم لم يروه ، فقد يحول دونه غيم أو قتر أو نحو ذلك ، وعلى ذلك : فيكون كما لو رأوه ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) وهؤلاء في حكم من رآه .

فإذا رؤي في هذه الإمارة مثلا ، فإنه يعلم أنه قد خرج في الإمارة الأخرى ؛ لاتفاق المطلع ، حيث كانت المطالع متفقة ، وهذا هو القول الراجح ، فإذا اتفقت المطالع ، فإنه يجب الصوم .

ويجاب عن حديث : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) ، بأن المقصود بذلك أهل البلد ومن وافقهم في الرؤية ، وأما إذا كانت المطالع مختلفة ، فلا يحكم عليها بحكم واحد .

وأما حديث : ( صومكم يوم تصومون ) ، فإنه  إنما يراد به أهل البلد الواحد ، لئلا يختلفوا واختلافهم يؤدي إلى اختلاف قلوبهم ، فيكون بعضهم مفطرا وبعضهم صائماً.

وهذا المسألة مسألة اجتهاد ، فإذا قال الحاكم فيها بأي قول وجب على أهل ذلك البلد أن يعملوا بحكمه.

 

قوله : [ ويصام برؤية عدل ولو أنثى ]

فلا يشترط أن يراه عدلان ؛ لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه قال: " تراءى الناس الهلال ، فرأيته ، فأخبرت النبي r ، فصامه وأمر الناس بصيامه ".

 ولأن رؤيته خبرٌ ديني ، والخبر الديني يكفي فيه خبر الواحد العدل بخلاف باب الشهادة ، فإنها تتعلق به أموال الناس و حقوقهم ، وأما الخبر الديني فليس فيه تهمة ، وهذا هو قول الشافعية.

وقال المالكية والأحناف : بل يشترط أن يراه عدلان ، واستدلوا بما رواه النسائي أن النبي r قال :
( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) ، قال في رواية النسائي : ( فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا ) فرتب على شهادة الشاهدين الصيام والفطر.

والجواب : إن هذا الحديث مفهومه يدل على أنه لا يقبل خبر الواحد ، ومنطوق حديث ابن عمر دال على قبول خبر الواحد ، والمنطوق مقدم على المفهوم ، ولأنه خبر ديني ، والخبر الديني يقبل فيه خبر الواحد .

وأما في خروجه ، يعني في دخول شهر شوال :

فقال الجمهور : إنه يشترط في ذلك رؤية اثنين ، فلابد أن يشهد شاهدان على ذلك ؛ قالوا : لأن الحديث المتقدم قد أخرجنا منه رؤية هلال رمضان بحديث ابن عمر ، فبقي لنا الفطرأي رؤية هلال شوال ، فيشترط فيه شاهدان ، لقوله عليه الصلاة والسلام : ( فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا ) ، وقلنا : إن هذا المفهوم أي قوله

 ( فصوموا ) مخالف بالمنطوق ، فاستثنينا الصيام أي دخول رمضان ، فلم نشترط فيه شهادة شاهدين ، وأما خروج الشهر ، فهو باق على مفهومه .

وقال أبو ثور: يكتفى في خروج الشهر برؤية واحد عدل ، وهو إمام مجتهد من أئمة الشافعية رحمه الله تعالى ومال إليه الشوكاني في نيل الأوطار وذلك للقاعدة المتقدمة ، وهي أن الأخبار الدينية يكتفى فيها بخبر والواحد ، وهذا خبر ديني ، ويقوِّيه ما تقدم من استثناء دخول الشهر ، وعلى ذلك : يكون الحديث هنا على الاستحباب ، يعني الأكمل من باب الاحتياط أن يشهد شاهدان ، لكن إن شهد شاهد واحد وكان عدلا ، فإنه يقبل خبره ، كما يقبل خبر الواحد في الأحاديث التي قد تُقطع بها الأيدي وتزهق بها النفوس.

فما ذهب إليه رحمه الله تعالى هو الأقوى ، وإن كان الأحوط ما ذهب إليه جمهور العلماء ، والله أعلم .

قوله : " ويصام برؤية عدل ولو أنثى " ؛ لأنه خبر ديني ، والخبر الديني تستوي فيه المرأة و الرجل ، فلا فرق بين الرجل والمرأة ، كما أن الأحاديث تُقبل فيها رواية الإناث ، فكذلك في رؤية الهلال .

 

قوله : [ فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً فلم يُر الهلال أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا ]

إذا شهد شاهد أنه رأى الهلال وهو عدل ، فصمنا وتَمَّ لنا ثلاثون يوماً و لم نر الهلال بعد الثلاثين فيجب علينا الصوم ؛ لما تقدم من أن رؤية هلال شوال يشترط فيها رؤية شاهدين ، وعلى ذلك فلا نعتمد على شهادة الواحد ، هذا هو المشهور في المذهب ، وأما إذا شهد اثنان على أن رمضان قد دخل ، فتم لنا ثلاثون يوما فإنا نفطر.

وقال الشافعية : بل يفطرون ، لأن هذه الرؤية  - التي هي رؤية الواحد - قد اعتُمد عليها شرعا ، فلم تكن شهادة مجرّدة ، فهذا الشاهد الذي رأى هلال رمضان ، وتم لنا ثلاثون يوما ، وقد اعتمدنا على شهادته ، وعلى ذلك : فهي شهادة قوية لاعتمادنا عليها شرعا ، وهذا القول هذا القول الراجح ، وحيث اخترنا ما تقدم من قول أبي ثور ، فلا إشكال على هذا.

 

قوله : [ أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا ]

وهذا ظاهر ، بل تقدم أن هذا اليوم لا يجوز صومه فضلا أن نعدّه من الثلاثين.

فإذا صاموا لأجل غيم أو قتر أصبحوا صائمين وإن تم لهم ثلاثون يوماً ، قالوا : لأن صيامه كان على جهة الأحتياط .

 
قوله : [ ومن رأى وحده هلال رمضان ورُدّ قوله ، أو رأى هلال شوال صام ]

رجل رأى هلال رمضان ، لكن رُدّ قوله ، إما لفسقه أو لأنه مستور الحال لا تعرف عدالته ، أو كان في بلد لا تقبل إلا شاهدين ، فيجب عليه أن يصوم ؛ لحديث : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) .

والقول الثاني في المسألة ، وهو اختيار شيخ الإسلام : أنه لا يصوم إلا أن يكون منفرداً في موضع ليس فيه غيره ، كأن يكون في صحراء ، فإنه يصوم لأنه لا يتيقن مخالفة الجماعة  ، وهذا هو القول الراجح ؛ لما روى الترمذي -والحديث حسن -أن النبي r قال : ( الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون ، والأضحى يوم تضحُّون ) ، فالصوم يوم يصوم الناس ، وهذا اليوم لم يصمه الناس ، ولأن الهلال الذي يثبت به الشهر هو الهلال الذي يعتمد عليه الناس ، فإذا اعتمد الناس على رؤيته فهو الشهر المعتبَر ، فالشهر الذي أهل هلاله هو الشهر المعتبر ؛ وذلك لأن الشهر من الاشتهار ، فإن لم يره إلا واحد فليس بشهر ، فلا يكون شهرا حتى يشتهر ، فإذا رآه واحداً وقبلت رؤيته كان شهراً ، وأما إذا رآه ولم يقبل فإنه لا يكون شهراً.

قال : " أو رأى هلال شوال صام " فإذا رأى هلال شوال فيجب عليه أن يصوم ؛ قالوا : احتياطا . وهذا راجع للحديث المتقدم فإن النبي r قال : ( والفطر يوم تفطرون ) ، ولأنه لا يثبت إلا بشاهد ثان , والذي رآه واحد . هذا على المذهب ، لكن تقدم لكم الحديث الذي رواه الترمذي ، فتدخل فيه هذه المسألة ، وعلى ذلك إذا رأى هلال شوال ولم تُقبل رؤيته فإنه يصوم مع الناس ولا يفطر ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : ( والصوم يوم تصومون ) .

 

قوله : [ ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر ]

فالصوم يلزم المسلم ، وأما الكافر فإنه لا يصح منه إجماعا ؛ قال تعالى : ﴿ وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ﴾ .

وإذا أسلم الكافر أثناء النهار فيجب عليه الإمساك اتفاقا ، فلو أسلم بعد الظهر مثلاً فنقول : يجب عليك أن تمسك ؛ لقوله تعالى : ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ وهذا قد شهده .

واختلف أهل العلم ، هل يجب عليه القضاء أم لا ؟

فذهب الجمهور إلى وجوب القضاء .

ومذهب الأحناف ، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه لا يجب القضاء.

استدل أهل القول الأول بما روى أبو داود في سننه : " أتت أسْلَمُ إلى النبي r  فقال : ( صوموا بقية يومكم واقضوه ) ، لكن الحديث ضعيف ، وممن ضعّفه عبد الحق الإشبيلي رحمه الله تعالى .

وأما أهل القول الثاني ، فاستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي r أرسل إلى القرى حول المدينة يوم عاشوراء : ( من كان صائما ، فليتم صومه ، ومن كان مفطرا ، فليصم بقية يومه ) ، وكان يوم عاشوراء واجبا ، ثم نسخ وجوبه إلى الاستحباب . فهنا النبي r قال : ( ومن كان مفطرا ) ، يعني قد أفطر في أول النهار : ( فليصم بقية يومه ) ، ولم يأمره النبي r بقضاء ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، ولأن الشرائع لا تجب إلا بعد العلم بها ، ولئلا يجمع بين وجوب الإمساك ووجوب القضاء وهذا القول هو الراجح ، ولهذه المسألة نظائر يأتي ذكرها إن شاء الله .

قال  " مكلف " : فلا يجب الصيام على غير المكلف كالصبي والمجنون ، لقوله e : ( رفع القلم عن ثلاثة ) وذكر ( الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق ) .

بل إنه لا يصح من المجنون والصبي غير المميز كالصلاة

واستحب جمهور العلماء أن يؤمر بالصيام لسبع ، ويضرب عليه لعشر ، كالصلاة ، ليتعود على هذه الفريضة .

وقال الحنابلة : بل يؤمر ويضرب عند الإطاقة ، يعني إذا أطاق الصيام ، فإنه يؤمر ويضرب ، وعلى ذلك فلا نأمره ولا نضربه قبل أن يطيق ، ولا نرجع ذلك إلى السن كالصلاة ؛ لأن الصوم يشق ، فليس كالصلاة ، وهذا القول هو الراجح . والصبيان يختلفون في قدرتهم على الصيام ، فقد يكون ابن ثمان قادراً على الصيام ، ولا يكون ابن عشر قادراً عليه.

قال " قادر " : فإن كان عاجزاً ، كالمريض الذي لا يرجى برؤه ، أو الشيخ الكبير الذي يعجز عن الصيام فإن الصيام لا يجب عليهما وسيأتي إن شاء الله .

 

قوله : [ وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه ]

فإذا أتى الخبر أثناء النهار أن اليوم من رمضان فهنا قد يكون المكلف أفطر ، وقد لا يكون أفطر ،
فقالوا : يجب الإمساك والقضاء .

أما الإمساك ؛ فلأن الشهر قد ثبت فيجب الإمساك ، وهذا مما لا نزاع فيه ، فقد قال r : ( فإذا رأيتموه فصوموا ) . 

وأما القضاء فالراجح أنه لا يجب القضاء وهو اختيار شيخ الإسلام ؛ لما تقدم ؛ فإن النبي r  لما أمر بصيام عاشوراء أمر من أصبح من مفطراً أن يصوم بقية يومه ، ومن أصبح صائماً أن يتم صومه ، ولم يأمر النبي r بالقضاء ، ولأن النية تتبع العلم ، وهو لم يعلم وجوب الصوم عليه في هذا اليوم ، والشرائع لا تجب إلا بعد العلم بها , ولأنه لا فائدة للمكلف من أمره بالإمساك حيث لا يجزئ عنه ، ثم نأمره مرة أخرى بالقضاء ، والتكاليف لا يجب تكرارها إلا ما دل الشرع عليه ، ولذا نهى الشارع أن يصلي العبد مرتين كما في حديث ابن عمر وغيره.

إذاً الراجح أنه إذا قامت البينة نهارا وجب الإمساك ولو لم يأته الخبر إلا قبيل المغرب ، لأنه شهد الشهر ، ولا يجب عليه القضاء .

وكذا الصبي إذا بلغ ، والمجنون إذا أفاق ، فيجب عليهما الإمساك ولا قضاء .

 إذاً عندنا أربع مسائل :

المسألة الأولى : إذا قامت البينة نهاراً .

المسألة الثانية : إذا أسلم الكافر .

الثالثة : إذا بلغ الصبي .

الرابعة : إذا أفاق المجنون .

فهؤلاء يجب عليهم الإمساك ولا قضاء على الصحيح .

 

قوله : [ وكذا حائض ونفساء طهرتا ، ومسافرٌ قدم مفطراً ]

هنا الآن ثلاث مسائل أخرى ، ولك أن تجعلها مسألة واحدة :

فإذا قدم المسافر وهو مفطر ، فيجب عليه الإمساك ، ويجب القضاء.

وإذا طهرت المرأة من حيضها أو نفاسها فيجب عليها الإمساك والقضاء .

أما القضاء فلا خلاف فيه , إذاً هذه بعكس المسألة السابقة .

فإذا طهرت الحائض أثناء النهار فيجب عليها القضاء بلا خلاف ؛ للحديث المتفق عليه :
( كنا نؤمر بقضاء الصوم ، ولا نؤمر بقضاء الصلاة ) وكذلك النفساء.

وكذلك المسافر إذا قدم مفطراً فيجب عليه القضاء ؛ ﴿ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴾ .

وإنما وقع الخلاف في وجوب الإمساك بقية اليوم هل يجب أم لا ؟

فقال الحنابلة : يجب الإمساك ؛ لأن هذا من رمضان لزوال المانع.

وقال الشافعية ، وهو رواية عن أحمد ، وهو اختيار شيخ الإسلام : لا يجب الإمساك ، لكن قال الشافعية : يسن أن يمسك ؛ لدفع التهمة .

والقول الثاني في المسألة هو الراجح ؛ لعدم الدليل على وجوب الإمساك فقد كان النساء يُصبن بالحيض في زمن النبي r وهن نصف المجتمع ، فنقل إلينا وجوب القضاء ولم ينقل إلينا وجوب الإمساك فدل على عدم وجوبه ، ولئلا يجمع بين القضاء والإمساك ، ولحصول الفطر في أول النهار ، فلا فائدة من الإمساك في آخره قال تعالى : ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾.

وأما ما ذكره الشافعية من أنه يستحب له أن يمسك ؛ لدفع التهمة ، فهذا ظاهر حيث كانت هناك تهمة ، كأن يطعم أمام الناس بخلاف ما إذا كان يفطر سراً أو عند من يعلم عذره.

 

قوله : [ ومن أفطر لكِبَرٍ أو مرض لا يرجى برؤه ]

من أفطر لكبر بحيث يشق عليه الصيام بسببه ، وكذا من به مرض لا يرجى برؤه ، والمرض الذي لا يرجى برؤه هو الذي يغلب على الظن أنه لا يشفى منه ، ويعلم الناس ذلك إما بكلام الأطباء أو بما يعلمونه من طبيعة هذا المرض .

 

قوله : [ أطعم لكل يوم مسكينا ]

إذاً الكبير والمريض مرضاً لا يرجى برؤه يفطران ، ويطعمان مكان كل يوم مسكينا ، ولا قضاء ، لأنه عندهم عجز عن القضاء والأداء ، فأوجبنا عليهما الكفارة ؛ ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى : ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ قال : " هذه الآية ليست بمنسوخة ، هي في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة ، لا يستطيعان أن يصوما ، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا " ، وقد روى البخاري في صحيحه معلقا : " أن أنس بن مالك t أفطر لكبر عاما أو عامين ، فكان يُطعم الخبز واللحم " . والمريض الذي لا يرجى برؤه كذلك من باب القياس فيطعم عن كل يوم مسكيناً ويجزئه ذلك ولو برئ بعد ذلك .

 

قوله : [ ويسن لمريض يضره ]

إذا كان المريض يضره الصيام ، قالوا : فيسن له الفطر .

وقال بعض الحنابلة ، وهو الصواب : بل يجب عليه الفطروصوبه شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين ؛ لأن الله تعالى يقول :﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ ، ويقول e : ( لا ضرر ولا ضرار ) وقد أتت الشريعة بحفظ النفوس ، فكان ذلك واجباً ، إذاً المريض الذي يضره الصوم ، يجب عليه الفطر .

وما هو المرض الذي يباح معه الفطر في رمضان ، والذي يدخل في قوله تعالى : ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة ﴾ أي فأفطر فعدة ﴿ من أيام أخر ﴾ ؟

هو المرض الذي يشق معه الصيام ، كأن يكون عنده وجع شديد في رأسه ، ويحتاج إلى الدواء أو زكاماً شديداً يحتاج معه إلى الدواء ، فله أن يفطر ، لكن لو كان صداعا يسيراً أو زكاماً يسيراً أو نحو ذلك ، فليس له أن يفطر .

إذاً إذا كان هناك مشقة ويلحقه حرج ؛ لأن الحرج في الشرع منفي ، قال تعالى : ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ .

أو كان الصيام يؤخر بُرْءَه ، أو يزيد في مرضه ، فإذا كان يؤخر البرء ، كأن يكون مريضا في معدته ، فيحتاج إلى أن يطعم ، ولا تبقى المعدة خالية ، بحيث إن صام تأخر البرء , فله الفطر .

كذلك إذا كان الصيام يزيد في مرضه فله أن يفطر .

إذاً إذا كان يشق عليه الصيام أو كان يزيد في مرضه أو كان يؤخر البرء ، فإن له أن يفطر . فإن كان يضره ، فيجب ، كما تقدم .

 

قوله : [ ولمسافر يقصر ]

المسافر سفراً تقصر فيه الصلاة يسن له الفطر على المذهب .

 واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي r رأى زحاماً ورجلا قد ظُلِّل ، فسأل عنه ، فقيل : إنه صائم ، فقال e : ( ليس من البر الصيام في السفر ) .

 وبما ثبت في صحيح مسلم من حديث حمزة الأسلمي t أن قال للنبي r : يا رسول الله ، إني أجد بي قوة على الصيام في السفر ، فهل عليّ جناح ؟ فقال e : ( هي رخصة من الله ، فمن أخذ بها فحسن ، وإن أحببت أن تصوم فلا جناح عليك ) ، فدل ذلك على أن الفطر حسن ، فقد وصفه بهذا الوصف ، ونفى الحرج عن الصوم فحسب ، فدل على أن الأفضل هو الفطر .

 ولقوله r : ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ).

والقول الثاني ، وهو مذهب الجمهور وهو وجه عند الحنابلة ، قالوا : يستحب له الصيام في السفر إلا أن يشق عليه .

واستدلوا بما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء t قال : " كنا مع النبي r  في سفر رمضان في شدة حر حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر ، وما فينا صائم إلا رسول الله r وعبد الله بن رواحة " .

وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : " كانوا يرون أي أصحاب النبي r أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن ، ومن وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن " ، فالذي يجد قوة فالصيام أفضل له ، والذي يضعف ويكون عليه مشقة ، فالفطر أفضل له .

وفي الصحيحين من حديث أنس t قال : " كنا نسافر مع النبي r ، فمنا الصائم ومنا المفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولم يعب المفطر على الصائم " ، فله الصوم وله الفطر ، لكن الكلام هنا في الاستحباب ، وأثر أبي سعيد الخدري t دال على أن الأفضل هو الصوم ، وكذلك حديث أبي الدرداء من فعل النبي r. وهذا القول هو الراجح ؛ لما فيه من إبراء للذمة و إيقاع الصوم في رمضان ، وهو زمن الفضيلة ، وعلى ذلك : فالأفضل له أن يصوم إلا أن يجد ضعفا.

وأما حديث حمزة الأسلمي فلأن الأصل في الصوم في السفر الضعف والمشقة ، وعلى ذلك الأظهر ما ذهب إليه الجمهور من أن الأفضل هو الصيام ، إلا أن يضعف فيشق عليه ، فالمستحب له أن يفطر .

فإن كانت المشقة شديدة ، بحيث يُخشى عليه الضرر ، فلا يجوز له الصوم ، بل يجب عليه أن يفطر ، ويدل عليه الحديث المتقدم : ( ليس من البر الصيام في السفر ) ، وفي صحيح مسلم أن النبي r قيل له : إن بعض الناس قد شق عليهم الصوم ، وهم ينظرون ما تفعل ؟ فدعا النبي r بإناء فشرب ، فقيل له : إن بعض الناس قد صام ؟ فقال : ( أولئك العصاة ، أولئك العصاة ) .

 

قوله : [ وإن نوى حاضرٌ صوم يومٍ ثم سافر في أثنائه ، فله الفطر ]

يعني سافر بعد الفجر ، فله الفطر ، هذا هو المذهب خلافا للجمهور .

فالجمهور قالوا : إذا نوى وسافر بعد الفجر ، فليس له أن يفطر ؛ تغليبا للحضَر ، فبعض الصيام وقع في الحضر ، وبعضه وقع في السفر ، فتغليبا للحضر أوجبنا عليه الصيام.

والراجح ما ذهب إليه الحنابلة ؛ لما ثبت في الصحيحين عن جابر t قال : " خرجنا مع النبي r من المدينة عام الفتح ، حتى بلغ كُراع الغميم ،( فدعا بإناء فشرب ) ، وظاهر الحال أنه كان صائماً .

وهل يجوز للمسافر أن يفطر في البيت قبل أن يخرج أم لا ؟

قال الجمهور : ليس له ذلك ، حتى يغادر خيام قومه أو عمران بلده ، فله الفطر ، كالصلاة ، فكما أنه ليس له أن يقصر حتى يغادر عمران قومه فكذلك في الصوم ؛ ولقوله تعالى : ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو على سفر ﴾ .

والقول الثاني في المسألة ، وهو قول إسحاق ، وطائفة من التابعين ، كالحسن وعطاء ، قال الترمـذي : " وعليه العمل عند بعض أهل العلم " ، ولعل هؤلاء الذين أبهمهم هم من تقدم ذكرهم قالوا : له أن يفطر.

واستدلوا بما روى الترمذي وحسنه وهو كما قال عن محمد بن كعب قال : " أتيت أنس بن مالك رضي الله عنه وهو يريد السفر ، وقد رُحِّلَت له راحلته فهو متهيء للسفر وعازم عليه ولبس لباس سفره ، فدعا بطعام فأكل ، فقلت له : سنة ؟ فقال : سنة ، ثم ركب " ، فهذا الحديث دال على أن له أن يفطر ، وأن ذلك سنة وهذا هو القول الراجح .

فإن قيل : ما الفارق بينه وبين قصر الصلاة ؟

فالجواب : أن الصيام مستمر ، بخلاف الصلاة فإنها تنقضي وهو في موضعه حاضر ، وأما السفر فإنه مستمر ، فلا فائدة من أمره بالإمساك ثم تجويز الفطر له بعد ذلك ، وكثيرا من الناس يحتاج إلى أن يطعم قبل أن يخرج . هذا هو القول الراجح في هذه المسألة والأحوط ألا يفطر إلا بعد خروجه.

 

 

قوله : [ وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتاه فقط ]

إن أفطرت الحامل أو المرضع ، فإما أن يكون الفطر خوفاً على النفس ، وإما أن يكون خوفاً على الولد أو عليهما جميعاً ؛ فإن كان خوفاً على النفس أو عليهما جميعاً ، فالواجب القضاء فقط ، كالمريض الذي يرجى برؤه . لما ثبت في الترمذي والنسائي أن النبي r قال : ( إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة ، ووضع عن الحامل والمرضع الصوم ) .

 

قوله : [ وعلى ولديهما قضتاه وأطعمتا لكل يوم مسكينا ]

إذا كان الخوف على الولد فقط ، فيجب عليهما مع القضاء الإطعام .

إذاً إن خافت على نفسها فيجب عليها القضاء فقط ، كذلك لو خافت على ولدها مع نفسها . 

وإن خافت على ولدها فقط فيجب عليها مع القضاء الإطعام ، وإن صاحبه خوف على النفس ، لكن الخوف على الولد .

وإن خافت على نفسها وولدها جميعا ، فهي كالمسألة الأولى ، هذا هو المذهب .

والقول الثاني في المسألة ، وهو قول ابن عمر وابن عباس من الصحابة رضي الله عنهم ، وقول إسحاق من أتباع التابعين ، وهو قول طائفة من التابعين كسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والقاسم بن محمد ، قالوا : لا يجب إلا الإطعام .

فالحامل والمرضع إن أفطرتا ، سواء كان خوفاً على النفس أو خوفاً على الولد ، فلا يجب إلا الإطعام ، ولا يجب القضاء . وهذا القول هو الراجح ؛ لقوة أدلته ، ومنها : الحديث السابق : ( إن الله وضع عن المسافر شطر...الحديث ) .

فكما أن المسافر وضع عنه شطر الصلاة فلا يقضيه ، فكذلك الحامل والمرضع قد وضع عنهما الصوم فلا قضاء .

 وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " رُخِّص للشيخ الكبير ، إلى أن قال : " والحُبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً " فهنا أطلق الخوف سواء كان على النفس أو على الولد ، وقال " أطعمتا " ولم يذكر قضاءً ، وقوله : " رُخِّص " يدل على أنه مرفوع إلى النبي e.

 وفي سنن الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا في الحامل والمرضع : " تُطعمان ولا تقضيان " ، وروى معمر في جامعه بإسناد صحيح كما في الاستذكار لابن عبد البر رحمه الله تعالى : أن ابن عمر رضي الله عنهما قال في الحامل إذا خافت على نفسها : " تفطر وتطعم ولا قضاء عليها " ، فهذه الآثار التي لا يعلم لها مخالف دالة على أن الواجب هو الإطعام ولا قضاء ، وكذلك ما تقدم في الترمذي والنسائي ، وحديث ابن عباس في أبي داود " رُخص للشيخ الكبير " وهذا هو القول الراجح ، وإن كان الأحوط هو أمرها بالقضاء مع الكفارة .

وهذا الحكم عام في الأم والظئر المرضعة -، فلا يختص هذا الحكم بالأم ، فالظئر ، وهي المستأجرة للإرضاع تلحق بالأم ، لكن بشرط أن يكون الطفل محتاجاً إلى إرضاعها ، أو أن تكون هي محتاجة إلى الإرضاع لأخذ الأجرة عليها ، أما إن لم يكن ذلك ، فلا يجوز لها أن تفطر ، وهذا أمر ظاهر.

والمشهور في المذهب : أن الأم إن وجدت مرضعة و قدر الولي على الأجرة ، فلا يجوز لها أن تُفطر.

والراجح خلاف هذا ؛ لأن مصلحة الطفل في رضاعه من أمه ، والآثار المتقدمة عامة ، سواء كانت الأم تجد ظئرا أم كانت لا تجد ظئرا .

وإذا أوجبنا عليها الإطعام ، فعلى من يجب ؟

الراجح أنه يجب على من تلزمه النفقة ؛ لأن ذلك إنما وجب بسبب هذا الجنين ، وعلى ذلك : يجب ذلك على أبيه أو على الوارث وهو المذهب .

والواجب في هذه المسألة ومسألة الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه ، أن يطعم عن كل مسكينا ، مُداًّ من حنطة أو نصف صاع من غيره .

 فقد ثبت في الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما بإسناد صحيح أنه قال في الحامل إذا خافت على ولدها : " تُفْطِر وتطعم مكان كل يوم مسكينا مداًّ من حنطة " .

 وقال ابن عباس كما في الدارقطني بإسناد صحيح : " إذا عجز الشيخ الكبير عن الصيام أفطر مكان كل يوم مُداً مُداً". ، والمد ربع الصاع النبوي ، وهو كيلو ونصف تقريباً ، لأن الصاع النبوي نحو ثلاث كيلوجرامات ، وعلى ذلك فنصف الصاع : كيلو ونصف .

فإذا أخرجت نصف صاع من تمر أو شعير  فإنها تخرج كيلو ونصف الكيلو ، وأما إذا أرادت أن تخرج حنطة أو أرزاً فإنها تخرج على النصف من ذلك ، لأن المد هو الحفنة في اليدين ، والصاع يتكون من أربع حفنات باليدين جميعا ، إذا كانت اليدان متوسطتين ، فالمد هو ما يملأ الكفين إذا اجتمعا .

لكن إن كان الطعام دون الحنطة ، فإن الواجب نصف الصاع كالتمر ، وكذلك الأرز إذا كان رديئا فالواجب نصف الصاع ، وأما إذا كان جيداً فإنه يَقوم مقام الحنطة ، بل هو أفضل من الحنطة . إذاً الواجب ربع الصاع  - يعني مد من حنطة ، أو نصف صاع من غيره .

فإن صنع طعاما فجمع مساكين بعدد الأيام فأشبعهم فلا بأس بذلك ؛ ولذا روى الدارقطني وغيره بإسناد صحيح أن أنس بن مالك t أفطر عاما ، فصنع جفنة ثريد ، فدعا ثلاثين مسكينا فأشبعهم " ، فإذا صنع طعاما من لحم أو أرز ، وجمع المساكين وأشبعهم فلا بأس ، ويجزئ ذلك ؛ لإطلاق الآية . إذاً له أن يصنع طعاما يطعم به المساكين ، بأن يجمعهم أو يرسل لهم الطعام الذي يشبعهم .

إذا احتاج من يريد أن يُنقذ غريقا أو نحوه إلى الفطر ، فإنه يفطر ؛ لما في ذلك من إنقاذ النفس من الهلكة ، وهل يجب عليه كفارة ؟

وجهان في مذهب الإمام أحمد ، والأرجح وهو اختيار ابن رجب في قواعده أن عليه الكفارة ، قياسا على الحُبلى والمرضع ، فإنهما إذا أفطرتا خوفا على الولد فإن عليهما في المذهب مع القضاء : الكفارة ، فكذلك هنا ، فإن الذي ينقذ من يُخشى عليه الهلكة ، أفطر لمصلحة غيره ، وعلى ذلك فإنه يُطعم .

والقضاء واجب عليه عند جمهور العلماء كما تقدم ، وتقدم الخلاف في الحبلى والمرضع ، وهل يحلق بهما هذا ؟

فيه عندي قوة ، فيقوى أن يقال : يجب عليه الكفارة دون القضاء ، وإن كان الأحوط القضاء كما تقدم .

مسألة في هذا الباب : اختار شيخ الإسلام جواز الفطر في الجهاد في سبيل الله ، ليتقوى المجاهد على قتال الأعداء ، سواء كان في سفر أو حضر ، وفَعَلَهُ رحمه الله تعالى لما أتى التتار إلى دمشق ، وصوَّب هذا صاحب الإنصاف واختاره في الفائق . وهذا هو القول الراجح ؛ لأن الفطر في مثل هذه الحال أولى من الفطر في السفر وأولى من الفطر في المرض ، لأن فيه حفظ الدين ، وكذلك حفظ الأعراض والأموال ، فإن الأعداء إذا تسلطوا ، فإنهم يتسلطون على الأديان والأعراض والأموال .

ومن المسائل :

ما ذكره الآجُري رحمه الله تعالى ، وهو من فقهاء الحنابلة من أصحاب الإمام أحمد قال : إذا كان صاحب الصنعة يخشى على نفسه التلف إن صام ، فله الفطر ، هذا حيث كان مضطرا إلى هذه الصنعة لمعاشه ، كالذين يعملون في البناء إذا وافق صيفا شديدا وأصبحوا لا يتحملون الصيام ولا غُنية لهم عن هذا العمل ، وخشي التلف على نفسه ، فإن هذا أولى من المريض ، فله الفطر وعليه القضاء ، فيصوم في الأيام التي لا يعمل فيها ، لكن هذا كما تقدم إذا كان هذا العمل عملا شاقا وكان يخشى على نفسه التلف ، ولا مندوحة له عن هذا العمل ، وأما إن كان له عنه مندوحة ، فإنه يأثم .

 

قوله : [ ومن نوى الصوم ثم جن أو أغمي عليه جميع النهار ولم يُفق جزءاً منه لم يصح صومه ]

إذا جُنَّ ولم يُفق جزءا من النهار ، فلا يصح صومه ، ولا قضاء عليه ، وهذا ظاهر في المجنون ؛ لأن القلم مرفوع عنه .

والمغمى عليه أيضا ، فلو أنه قبل أذان الفجر أُغمي عليه ، ولم يفق جزءا من النهار ، فلم يفق إلا وقد غربت الشمس ، فإن صومه لا يصح ؛ لأنه لم يمسك شيئا من النهار والصوم يشترط فيه إمساك مع نية ، وقد قال e في الحديث القدسي :( يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ) . متفق عليه ، وهذا لا يضاف إليه أنه لم يأكل ولم يشرب ، وإن كان في الحقيقة ممسكا عن الأكل والشراب ، فإنه بمعنى زائل العقل.

ولكن هل عليه القضاء أم لا ؟ قال المؤلف بعد :

 

[ ويلزم المغمى عليه القضاء فقط ]

من أغمي عليه فلم يفق ساعة من النهار يجب عليه القضاء .

والقول الثاني في المسألة ، وهو قول ابن سُريج من الشافعية ، واختاره صاحب الفائق من الحنابلة : أنه لا يجب عليه القضاء ؛ لأنه زائلٌ عقله أثناء النهار ، ولأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد ، وليس عندنا ما يدل على وجوب قضاء المغمى عليه ، وقد تقدم في مسألة سابقة ترجيح عدم قضاء الصلاة على المغمى عليه ، فكذا هنا.

إذاً القول الراجح أنه لا يجب عليه القضاء ؛ لأنه زائلٌ عقله ، ومعلوم أن الخطاب إنما يوجه إلى من معه عقل ، وأما المغمى عليه فإنه زائل العقل ، بخلاف النائم ، فإنه لا يصدق عليه أن زائل العقل ، فإن عنده نوع إحساس ، فإذا خوطب أو أوقظ فإنه يستيقظ ، ولذا فإن أهل العلم إجماعا قالوا : لو نام قبل الفجر ولم يستيقظ إلا بعد غروب الشمس ، فإن صومه صحيح بالإجماع.

وأما إذا أفاق جزءا من النهار ، وأمسك في هذا الجزء ، فإنه يصح صومه ولا قضاء عليه لأنه يصدق عليه أنه أمسك عن الطعام والشراب وهو المذهب .

 

قوله : [ لا إن نام جميع النهار ]

كما تقدم التنبيه عليه ، وهذا بإجماع العلماء .

 

قوله : [ ويلزم المغمى عليه القضاء فقط ]

دون المجنون .

 

قوله : [ ويجب تعيين النية من الليل لصوم كل يوم واجب ]

يجب أن يُعيِّن النية ، فينوي أنه يصوم من رمضان أو نذره أو الكفارة ؛ لقوله e : (إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ).

قال " من الليل لصوم كل يوم واجب " : يدخل في قوله " لصوم كل يوم واجب " : النذر والكفارة وصوم رمضان .

 لما روى أبو داود في سننه والحديث صحيح من حديث حفصة أن النبي r قال : ( من لم يُبيِّت الصيام من الليل ، فلا صيام له ) .

إذاً لابد أن ينوي الصيام قبل أذان الفجر ، فواجب عليه أن تستوعب النية يومَه ، فتكون النية شاملة لليوم كله ، فلو أنه أصبح ولم يطعم ، فنوى نذراً أو كفارة أو من رمضان ، فإنه لا يجزئه ، فلو قدم رجل من سفر وهو لم ينو الصيام ، ولم يطعم ، ولما حضر البلد قال : أريد أن أنوي صيام الفرض مادام أني لم آكل ولم أشرب ، فهذا لا يجزئه ، فلابد أن ينوي قبل طلوع الفجر ، فتشمل النية النهار كله ، ولابد أن تكون هذه النية جازمة ، فلابد أن يكون جازماً في نيته ، فإن كان عنده تردد ، فدخل عليه النهار ولم ينو ، فلا يجزئه ، فلابد أن يكون جازماً في نيته .

قوله: " لصوم كل يوم واجب " ، وعلى ذلك : فلا يكفيه أن ينوي من أول الشهر .

وذهب المالكية ، وهو اختيار ابن عقيل ورواية عن أحمد : إلى أن له أن ينوي من أول الشهر إذا لم يقطع هذه النية ، فإذا نوى من أول الشهر الصيام ، فإن ذلك يجزئه ما لم ينو القطع ، فإذا أفطر في يوم من الأيام لسفر أو نحوه ، فلا بد أن يستأنف النية ، لأن رمضان عبادة واحدة ، ولحديث :( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ) ، وهذا قد نوى .

ومثله أيضا صيام الشهرين المتتابعين ، وهذا هو القول الراجح ، وعلى ذلك إذا نوى من أول الشهر فإن هذه النية تكفيه ما لم يقطعه بسفر أو مرض.

 

قوله : [ لا نية الفرضية ]

إذا نوى أن ما يصومه من رمضان ، فهل يشترط أن ينوي أنه فرضه ، أم يكفي أنه نوى من رمضان؟

الجواب : لا يشترط ، ولذا قال " لا نية الفرضية " ؛ لأن نية الفرضية تتضمنها نية أن هذا اليوم الذي يصومه من رمضان ، فكونه ينوي أنه يصوم من رمضان هذا متضمن لنية الفرضية .

 

قوله : [ ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده ]

يصح في النفل أن ينوي الصيام إن لم يطعم أو يشرب أو يجامع يعني لم يأت شيئا من المفطرات قبل الزوال أو بعده .

 لما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : " أتانا النبي r ذات يوم ، فقال :
( هل عندكم شيء ؟ ) فقلنا : لا ، فقال : ( إني إذاً صائم ) ، قالت : ثم أتانا يوماً آخر ، فقلتُ : أُهدي لنا حَيْسٌ ؟ فقال : ( أرنيه ، فلقد أصبحت صائما ) فأكل ، والشاهد قوله : ( إني إذاً صائم ) فظاهره أنه صام حينئذ ، فأصبح مفطرا ، فلما لم يجد طعاما نوى الصيام
e .

وأما القول الثاني في المسألة ، وهو قول المالكية ، قالوا : لابد من نية من الليل ؛ لحديث : ( من لم يُبيِّت الصيام من الليل فلا صيام له ) .

لكن الحديث الذي رواه مسلم مُخصِّصٌ لعموم هذا الحديث الذي استدلوا به .

قال هنا : " قبل الزوال أو بعده " :

أما قبل الزوال : فهذا مذهب الجمهور خلافا للمالكية كما تقدم.

وأما بعد الزوال فهذا من مفردات المذهب ، رجل لم يأت شيئا من المفطرات إلى أن بقي من غروب الشمس ساعة ، فقال : إذاً أنوي الصيام ، فله ذلك ، هذا في المشهور في مذهب الإمام أحمد ، وهو من مفردات المذهب ؛ قالوا : لأنه لمّا جاز أن ينوي قبل الزوال ، جاز أن ينوي بعده ، لأنهما يشتركان في أنهما جزء من الصيام ، فهذا جزء من اليوم ، وهذا جزء من اليوم ، فله أن ينوي بعد الزوال ، كما لو نوى قبل لحظة قبل الزوال ، فإذا كانت الشمس تزول في الساعة الثانية عشرة فلو نوى قبل الثانية عشرة بدقيقة ، يجزئ عند الجمهور ، فكذلك بعد الثانية عشرة بدقيقة ، فلا فرق بين الصورتين ، وهذا القول هو الراجح ؛ لأن الشرع متشوِّف إلى فعل العبد للتطوع ، وهذا من التخفيف في باب التطوع ، ترغيبا في فعله له ، كما تقدم في صلاة النافلة على الراحلة.

لكن إنما يؤجر بقدر ما نوى ؛ لأن الأعمال بالنيات ، وهذا هو نص الإمام أحمد ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، فلا يكون كمن صام من أول النهار ، وإنما له من الأجر بقدر ما نوى .

قوله : [ ولو نوى إن كان غدا من رمضان فهو فرضي لم يُجْزِه ]

يقول ذلك ليلة الثلاثين من شعبان ، فقد يأتي الخبر في الليل وهو يريد أن ينام مبكرا أو يكون خارج البلد ، وليس عنده ما ينقل له الخبر فنوى إن كان غدا من رمضان فهو فرضه ، فقالوا هنا : " لم يجزه " ؛ لأنه لم يجزم ، والنية لابد فيها من الجزم.

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : أنه يجزئه ذلك ؛ قال : لأن النية تتبع العلم ، وهذا علمه غير مجزوم به ، فهو لا يدري هل غداً من رمضان أم لا ، لكن لو كان يعلم أن غدا من رمضان فلا يجزئه إلا الجزم ، لكن حيث كان لا يجزم أن غداً من رمضان ، فينوي بحسب علمه ، وعلمه فيه تردد وعدم جزم ، وهذا هو مقدوره ، وهذا هو الراجح .

إذا قال : إن كان غداً من رمضان فهو فرضي وإلا فإني مفطر ، أو قال : إن كان غداً من رمضان فهو فرضي وإلا فهو نفل ، فالراجح أن ذلك يجزئه ؛ لأن النية تتبع العلم , وهو اختيار شيخ الإسلام .

أما إن كان في ليلة الثلاثين من رمضان و قال : إن كان غداً من رمضان فهو فرضي وإلا فإني مفطر ، فإنه يجزئه على المذهب ؛ لأن الأصل أن هذا اليوم من رمضان ، فالأصل هو بقاء رمضان ، لكن هناك في ليلة الثلاثين من شعبان الأصل بقاء شعبان.

 

قوله : [ ومن نوى الإفطار أفطر ]

أفطر : بمعنى أن له حكم المفطرين ، لا حكم الآكلين والشاربين ، وذلك لأن النية لا بَّد أن تشمل كل جزء من أجزاء الصيام .

فإذا قلنا " أفطر " ، فله أن ينوي نفلاً إن لم يكن ذلك في رمضان .

رجل نوى أن يكون هذا اليوم نذراً أو كفارة أو تطوعا ، وأثناء النهار نوى الفطر ، إذاً قطع نيته فقد فسد الصوم ، فله أن ينوي نفلا من جديد ؛ لأن النية يصح أن تكون من النهار وهو لم يأكل ولم يشرب .

فالآكل والشارب ليس له أن ينوي نفلا ، فإذا أكل في أول النهار ، فليس له أن ينوي الصيام في آخره .

وتقدم أن هذا يُقيَّد بأن لا يكون في رمضان ؛ لأن أيام رمضان وقتها مضيق على صوم رمضان ، فلو أن مسافراً نوى نفلاً لم يجزئه ذلك ، وإنما خُفِّف عنه بالفطر ، فإن صام فإنما يصوم رمضان ، وليس له أن ينوي النفل .

فإن حصل له تردد في النية ؟

تقدم أنه لابد أن تكون النية جازمة ، لكن إن كان في أثناء النهار يعني بعد النية الجازمة - حصل عنده تردد ، فهل يكون قد أفطر بذلك ؟

قولان لأهل العلم هما وجهان في المذهب :

فالمذهب : أنه يبطل صومه لأن الواجب في النية الجزم وهذا قد تردد .

والقول الثاني : أنه لا يبطل ، وهو قول في المذهب ، وهذا هو الراجح ؛ لأن النية باقية على ما هي عليه ، لكنه تردد هل يقطعها أم لا ، وهذا التردد لا يقطع الجزم السابق .

باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة

 

        قوله : [ من أكل أو شرب أو استعط أو احتقن ]

الحقنة تكون من الدبر ، وأما السعوط فإنه يكون من الأنف .

 

قوله [ أو اكتحل بما يصل إلى حلقه أو أدخل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان غير إحليله ]

الإحليل : هو الذَّكر .

 وقاعدة المذهب في باب مفسدات الصوم : أن كل مادخل عندهم إلى الجوف ـ يعني ـ المعدة ـ أو إلى مجوَّف في بدنه كالدماغ فإنه يفطر به .

المفطِّر الأول من مفطرات الصائم الأكل والشرب ؛ قال تعالى : ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾ .

 وما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من المسائل هنا فيها نزاع بين أهل العلم .

فنازع الشافعية في الكُحل ، ورأوا أن العين ليست منفذاً للطعام والشراب ، فرأوا أن الكحل ليس بمفطِّر.

ونازع المالكية في القطرة التي توضع في الأذن إذا لم تصل إلى الحلق ، فإذا ذهبت إلى الدماغ فإنها لا تفطر عند المالكية ، بخلاف ما إذا وَجد طعمها في حلقه .

ونازع الأوزاعي والليث في أن الأذن منفذ ، ورأوا أن الأذن ليست بمنفذ للطعام والشراب ، سواء وصل الطعم إلى الحلق أم لم يصل .

والحقنة نازع فيها شيخ الإسلام وأهل الظاهر ، فرأوا أن الحقنة التي توضع في الدبر لا تفطِّر .

وقاعدة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذا الباب ، وهي التي دل عليها الكتاب والسنة :
 " أن الصائم لا يفطر إلا بما هو أكل أو شرب مما يصل إلى المعدة أو إلى الدم فيغذي البدن " ؛ لأن
الله تعالى قال : ﴿ وكلوا واشربوا ﴾  ، والكحل أو القطرة التي في الأذن أو الحقنة التي توضع في الدبر ، هذه كلها ليست بطعام ولا شراب في عرف المخاطَبين بهذه الآية ؛ ثم إن الحاجة داعية شرعا إلى بيان ما يفطر به الصائم ، فلو كان ما ذكروه مفطِّراً لبيّنه الشارع ، كما بيّن نواقض الوضوء ومبطلات الصلاة ، فإن الصيام ركن من أركان الإسلام ، فلو كان الكحل أو نحوه مما ذكروه مفطراً لبينه الشارع ، وليس هذا بأكل وشرب .

إذاً الراجح - وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى - أن ما يصل إلى المعدة أو إلى الدم فيغذي البدن ، هو الذي يكون مفطراً ، فعلى ذلك الإبر المغذية أو المحاليل المغذية ، هذه مفطرة ؛ لأنها تصل إلى البدن فتغذيه ، بخلاف ما يكون من الإبر المداوية ، إذا كان الأطباء يقررون أن الإبرة ليس فيها غذاء ، وإنما هي دواء .

وكذلك ما يكون من غسيل الكلى ، فإنه يكون منظفاً للكليتين فتُغسل الكلى به ، وليس نافعاً ولا يقوم في البدن مقام الغذاء ، لكن إن كان يضاف إليه شيء من الفيتامينات والمقويات فإنه يفطر به .

وكذلك البخور ؛ فإن البخور ليس بأكل ولا شرب ، ولذا اختار شيخ الإسلام أنه لا يفطِّر وإن وصل إلى الدماغ يعني تبخر حتى وصل إلى الدماغ - ، خلافا للمشهور في مذهب أحمد وغيره وأنه مفطر ، والراجح أنه لا يفطر ؛ كالدهن الذي يدهن به البدن ، فيسري من المنافذ إلى داخل البدن ، فإنه لا يفطر عند أهل العلم ، فكذلك البخور ؛ ولذا قال ابن مسعود : " إذا كان صوم يوم أحدكم فليُصبح دهينا مترجِّلاً " رواه البخاري معلقا .

إذاً كما أن الدهن عند أهل العلم لا يبطل الصيام ، فكذلك البخور ، وليس التبخر عند العرب الذين نزل القرآن بلغتهم بأكل ولا شرب .

وأما الدخان الذي يشرب ، فهذا في عرف الناس شراب ، وقد اتفق الفقهاء على أنه يفطر ، كما ذكر هذا أصحاب الموسوعة الفقهية الكويتية ، فقد ذكروا الاتفاق على أن شرب الدخان المعروف أنه يُفطِّر ، ولا أعلم خلافا بين أهل العلم في ذلك .

كذلك في المذهب : إذا داوى المأمومة مثلا ، أو الجائفة بدواء ، فإنه يفطر بذلك ، وهذا خلاف مذهب المالكية .

والصواب ما ذهب إليه المالكية ، وأن دواء المأمومة وهي الجرح الذي يكون في الرأس ويصل إلى أم الدماغ ، أو الجائفة التي تنفذ إلى الباطن ليس بمفطر .

بل المشهور عند الحنابلة وعند كثير من أهل العلم أنه لو أدخل آلة ، كأن يحرّك سكينا داخل هذه الجائفة أو يُخرج منها شيئا ، كأن يكون فيها رصاص ، فيدخل فيها شيئا ليخرجها ، فتنفذ هذه الآلة إلى الباطن ، فإنه يفطر بذلك ؛ لأن قاعدة المذهب أن : كل ما دخل عندهم إلى الجوف يعني المعدة - أو إلى مجوَّف في بدنه  كالدماغ ، فإنه يفطر به .

ولذا ذهب جمهور العلماء إلى أنه لو ابتلع حصاة وهي لا تنماع في باطنه - أو خيطا ، فإنه يفطر بذلك .

واختار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنه لا يفطر ؛ لأن ابتلاع الحصاة ليس بطعام ولا شراب في عرف من نزل القرآن بلغتهم وهذا هو القول الراجح .

لكن سفُّ التراب ، يرجع فيه إلى أهل الخبرة ، فإن قالوا : إن سفَّ التراب يغذِّي ، فإنه يفطر بذلك ، والذي أعلمه عن النساء اللاتي يصبن بالوحام أن بعضهن تسف التراب ويغنيها عن الطعام والشراب ، بخلاف ما لا ينماع كالحصى أو الخيط أو نحو ذلك ، فإنه لا يفطر على الصحيح .

قال : " غير إحليله " ، يعني غير ذكره ، فلو وضع قطرة في إحليله فإنه لا يفطر بذلك ؛ لأنه ليس هناك طريق يوصل من المثانة إلى الباطن ، فليس هناك طريق بين المثانة والباطن ، وإنما البول يرشح رشْحاً و على كُلٍّ قد تقدم أن مثل هذا لا يفطر ، كالحقنة ونحوها .

فالذي دلت عليه الأدلة أن طريق الأكل والشرب هو الفم والأنف .

أما الفم فهذا ظاهر ، وأما الأنف فدليله قوله r فيما رواه أبو داود وغيره : ( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً ) ، فدل ذلك خلافاً للظاهر على أن الأنف منفذ للشراب ، وهذا ظاهر فيما يقع في هذه الأزمان من إدخال الطعام إلى الأنف للمرضى .

 وأما غيرهما من المنافذ ، فقد قعد فقهاء الحنابلة قاعدة واسعة في هذا الباب ، فقالوا : كل ما يصل إلى جوفه أو إلى مجوف في بدنه كالدماغ والحلق ، فإنه يثبت به الفطر .

 

قوله : [ أو استقاء ]

أي استدعى القيء فقاء ، فإنه يفطر بذلك ؛ لما روى أحمد وأبو داود والترمذي أن النبي r قال : ( من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ، ومن استقاء فليقض ) ، والحديث قد اختلف فيه ، وكثير من أهل العلم من أئمة النقاد كالبخاري وأحمد والترمذي وغيرهم أعلُّوه ولم يتبين لي ما هو طعن هؤلاء الأئمة في هذا الحديث إلا ما ذكره الترمذي من تفرد عيسى بن أيوب ، وهو ثقة من رجال الصحيحين ، لكنه لم يتفرد بهذا الحديث ، بل تابعه حفص بن غياث كما في سنن ابن ماجه وهو من رجال الصحيحين أيضاً ، ثم إنه لو تفرد به لقبل .

وقال عيسى بن أيوب : " زعم أهل البصرة أن هشاماً قد أوهم " وهذا هو الطعن الثاني ، وهذا المطعن مجرد دعوى ، فإن الأصل هو عدم وهمه ، ولم يتبين لنا سند آخر يثبت به الوقف أو نحو ذلك ، وقد صححه طائفة من المتقدمين ، والمشهور عند المتأخرين هو تصحيحه ، وإن كان ما تقدم من أقوال الأئمة الكبار يجعل في النفس شيئاً من هذا الحكم المبني على هذا الحديث المتكلم فيه ، لكن الذي يترجح أنه صحيح ، وعليه العمل عند أهل العلم ، كما قال الترمذي رحمه الله تعالى ، وهو مذهب جمهور العلماء .

وذهب طائفة من السلف والخلف ، وهو رواية عن مالك : إلى أن استدعاء القيء لا يفطر ، والذي يترجح هو القول الأول ؛ للحديث الذي تقدم ذكره .

قال " أو استقاء " ، ولو قلّ في المذهب ، وهو ظاهر الحديث .

وعن أحمد وهو قول ابن عقيل : أنه لا يفطر حتى يخرج ملء الفم .

والذي يترجح هو الأول ؛ لعموم الحديث ، فإن هذا يسمى قيئاً .

ولعل العلة من ذلك والله أعلم خلافاً لإنكار شيخ الإسلام هذا التعليل ، وقد نص على هذا التعليل ابن عبد البر وغيره ، الأظهر أن خروج الطعام من المعدة إلى الحلق مظنة رجوع شيء منه إليه ، وهذا فيه معنى الأكل والشرب.

 

قوله : [ أو استمنى ]

يعني طلب خروج المني ، فأمنى ، فإنه يفطر بذلك ؛ يدل على ذلك ما ثبت في صحيح البخاري وغيره في الحديث القدسي وفيه : ( يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ) متفق عليه  ، فإخراج هذا الماء شهوة ، ولذا قال e فيما رواه مسلم لما قيل له : أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ فقال : ( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في حلال ) ، فدل على أن هذا الماء شهوة ، وعلى ذلك : فتقصُّد إخراجه من البدن مفطِّر بأي طريق ، سواء كان باليد أو المباشرة ، هذا هو مذهب عامة أهل العلم خلافا لأهل الظاهر .

وأما ما استدلوا به بأن النبي r كان يباشر ، فإن المباشرة لا تقتضي إنزالاً ، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي r كان يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ، قالت : " لكنه كان أملككم لأرَبه " أي لحاجته ، وضُبطت بالتسكين " لإرْبه " أي عضوه ، بل قد يكون هذا الحديث دالا على ما تقدم وأنه يباشر من غير إنزال ، فإنه يملك إرْبه ، إذاً ما ذهب إليه عامة أهل العلم هو الصواب ، خلافا لأهل الظاهر .

 

قوله : [ أو باشر فأمنى ]

المباشرة هي ما دون الجماع ، سواء كانت بما هو قريب من الجماع أو كان ذلك بالقبلة أو نحوها .

فإذا باشر دون الفرج أو قبّل أو لمس فأمنى فإنه يفطر ، هذا هو مذهب جمهور العلماء ، حتى قال الموفق : " بغير خلاف نعلمه " ؛ لأن خروج المني تتم به الشهوة وقد قال الله تعالى فيما يرويه عنه النبي r :
( يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ) فالشهوة قد امتنع عنها الصائم ، فهي مما يسمك عنه ، وحيث خرج المني باستدعاء ، فإن الشهوة قد وقعت تامة له ، فكان ذلك من مفسدات صومه خلافاً لأهل الظاهر القائلين : بأنه لا يفطر إلا بالجماع ، فلو أمنى باستمناء أو مباشرة ، فلا يفطر بذلك ، والراجح ما تقدم ، وهو مذهب عامة العلماء.

أما إذا باشر دون الفرج فهذا واضح إن أمنى ، وكذلك الاستمناء ؛ لأنهما سبب ظاهر لخروج المني.

وأما إن كان بالقبلة أو اللمس فالمذهب ماتقدم وأنه يفطر ، لكن مال صاحب الفروع - وهو الأظهر - إلى أنه لا يفطر بذلك ؛ لأن هذا ليس بسبب معتاد ، وعلى ذلك يكون خروجه عن غير قصد ، لأن القبلة ليست بسبيل معتاد لخروج الماء ، وعلى ذلك فإنه لا يفطر ، لأن الخروج هنا كما لو لم يقصد ، وسيأتي أنه إن لم يقصد فإنه لا يفطر .

إذاً الراجح أنه كان دون المباشرة بقبلة أو لمس ، مما يكون خروج المني معه ليس بمعتاد ، فإنه لا يفطر بذلك . ويتوجه أن يقال : إن كان يعلم من نفسه أنه ينزل بذلك فإن صومه يفسد ، وإلا فإنه لايفسد .

 

قوله : [ أو أمذي ]

المذي هو سائل أبيض لزج يخرج عند تحرك الشهوة ، فهو مقدمة للشهوة ودليل عليها .

لو باشر أو قبل أو لمس فأمذى ، فإنه يفطر في المذهب وهو مذهب مالك.

وقال الأحناف والشافعية : لا يفطر ، وهو أصح ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، فقياس المذي على المنى قياس مع الفارق ؛ لأن المذي دليل الشهوة ومقدمها وليس هو الشهوة ، بخلاف المنى فهو الشهوة ، ولأن الأصل عدم الفطر ، ولا دليل يدل على الفطر به ولاشك أن الرجال في زمن النبي r قد يحصل منهم ذلك ولم يصح لنا حديث في أن المذي مفسد للصوم ومثله يقع كثيراً فلو كان ثابتاً لنقل .

 

قوله : [ أو كرّر النظر فأنزل ]

فإنه يفطر ، لا إن كرّر فأمذى .

إذاً فرّق الحنابلة هنا بين المذي والمنى في هذه المسألة ، فقالوا : إن كرر النظر فأمذى ، فإنه لا يفطر ؛ لمشقة التحرز من ذلك ، فيشق عليه أن لا يقع منه تكرار نظر على أهله ، فربما حصل منه هذا المذي ، فإنه لا يفطر ، وأما المنى فإنه يفطر .

 وقال الأحناف و الشافعية بل لا يفطر أيضا ، حتى لو أمنى ، وهذا هو الراجح ؛ لما تقدم لكم في القبلة والمس ، وأن هذا ليس بسبب معتاد فيكون خروجه بغير اختياره ، لكن لو كان يعلم من نفسه ذلك وأنه إذا كرر فإنه يحصل مثل ذلك ، فنقول إنه يفطر ؛ لأنه في حقه سبب معتاد .

 

قوله : [ أو حجم أو احتجم وظهر دم ]

فيفطر الحاجم والمحجوم إذا ظهر دم ؛ واستدلوا بحديث شداد بن أوس الذي رواه الخمسة إلا الترمذي ، وإسناده صحيح أن النبي r قال : ( أفطر الحاجم والمحجوم ) ، وهذا هو مذهب أكثر أهل الحديث ، كما قال شيخ الإسلام ، واختاره رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم ، وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد ، إذاً المذهب أنه يفطر الحاجم والمحجوم بالحجامة ، والحجامة معروفة .

وهناك بعض التفاصيل التي خالف فيها شيخ الإسلام المذهب ، فمنها :

أن الفَصْد في المشهور في المذهب ليس بمفطر وفي المسألة قولان في المذهب -  واختار شيخ الإسلام أن الفصد أيضا يفطر.

وكـذلك اختار شيخ الإسـلام : أن العلة معقولة ، وليست تعـبدية - والمذهب أن العلة تعبدية - قال : " إنما يفطر الحاجـم إذا كان يمص الآلة " ، فحينئذ يكون ذلك مظـنة لأنْ يطـير في حلـقه شـيء من الدم ، فأُعطيت المظنة حكم الوقوع .

 وأما المذهب فقالوا : مطلقاً ، حتى لو كانت الحجامة باليد ، كما يفعله بعض الناس فيضع شيئا من القراطيس ويشعل فيها النار ، ثم يضعها على المكان الذي يراد حجامته .

إذاً المذهب أن الفصد لا يُفطِّر ، وأن العلة تعبدية ، وشيخ الإسلام يرى أن العلة ليست تعبدية ، وأن الحاجم لا يفطر إلا إذا كان يمص ، فيكون ذلك مظنة .

 وأما المحجوم ، فإنه لخروج هذا الدم الذي يضعفه عن الصيام ، فحكم عليه بالفطر.

والمشهور في المذهب : أنه لو جرح بدنه بحيث لا تغور الآلة في الجوف ، فإنه لا يفطر ، حتى لو خرج دم ، وكذلك الإرعاف ، فلو استدعى خروج الدم من الأنف ، فإنه لا يفطر بذلك ، وعلى هذا فيكون إخراج الدم للتحاليل الطبية  حتى على المذهب القائلين بأن الحجامة تفطر لا يفطر ، لأن هذه التحاليل شيء يسير ، لاسيما ما يؤخذ من أطراف الأصابع ، بخلاف ما إذا كان يسحب ، وأُريد من التحاليل مثل ما يكون من تحليل السكر أو نحو ذلك الذي غايته أن يجرح شيء من البدن ، وأما إذا كان بحيث يسحب كما يكون هذا في التبرع أو في التحاليل التي يسحب فيها الدم ويخرج من البدن ، فإن هذا له حكم الحجامة ، وإن كان هذا موضع تردد حتى في المذهب ؛ لأنه شيء يسير في العادة ، فإخراج الدم للتحاليل الطبية ليس التبرع هذا في الغالب يكون شيئا يسيراً.

 إذن إذا جرح بدنه حتى لو خرج دم ، فإنه لا يفطر ، وعلى ذلك : يقوى أن يقال : حتى التحاليل التي تكون يسيرة لا تُنهك البدن ، كما ينهكه التبرع بالدم ، أنها لها حكم هذا الجرح ، لأن الجرح لا يخلو من خروج دم ، بحيث لو اجتمع لكان أكثر أو مثل ما يجمع للتحاليل الطبية . هذا هو تقرير مذهب الحنابلة في هذه المسألة.

وأما الجمهور ، فقالوا : إن الحجامة لا تفطر ؛ واستدلوا بما روى البخاري أن النبي r :
"
احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم "  وهذا الحديث رواه البخاري في صحيحه من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ، وقد رواه وُهيب وعبد الوارث عن أيوب موصولا ، وروه ابن علية ومعمر مرسلا ، واختلف على حماد بن زيد ، فرواه بعضهم موصولا وبعضهم مرسلا ، ومثل هذا لا يؤثر في الحديث ،بل يكون ثابتا موصولاً ومرسلاً ، فإنه حيث تساوى الواصل والمرسل ، فإنه لا يقال بترجيح شيء من قوليهما ، وعلى ذلك فالحديث يصح موصولا ومرسلا ، وهذا الحديث إنما أعل الإمام أحمد رحمه الله تعالى بعض طرقه ، وأما الطريق الذي رواه البخاري فإن تعليل الإمام أحمد رحمه الله تعالى لا يتوجه إليه ، ولذا قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله : " لا اختلاف بين أهل العلم في صحته وثبوته " ، وقال ابن حجر رحمه الله في هذا الحديث : " إنه لا مطعن فيه " ، على أن للحديث شواهد تثبت صحته ، كيف وقد أخرجه البخاري في صحيحه الذي تلقته الأمة بالقبول وأحاديث البخاري لا يقال بتعليل شيء منها إلا إذا كانت البينة ظاهرة في ذلك ، فهذا الحديث يدل على أن الحجامة لا تفطر .

وأما حديث ( أفطر الحاجم والمحجوم ) ، فإنه منسوخ على الصحيح ، ويدل على ذلك أدلة منها :

ما ثبت في أبي داود عن رجل من أصحاب النبي r قال : " نهى النبي r عن الحجامة للصائم وعن المواصلة ولم يحرّمهما إبقاء على أصحابه " .

وفي الدارقطني بإسناد قوي كما قال الحافظ عن أنس رضي الله عنه قال : " أول ما كُرهت الحجامة أن النبي r مر على جعفر بن أبي طالب وهو يحتجم ، فقال : ( أفطر هذان ) ، قال : ثم رُخِّص بعد في الحجامة للصائم " هذا الحديث نص في النسخ .

وفي الطبراني في الأوسط ، ورواه الدارقطني بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النبي r أن النبي r رخص في القبلة للصائم وفي الحجامة " ، وكلمة " رُخِّص " دالة على سبْقِ عزيمة.

-         وقد روى البخاري في صحيحه أن أنس بن مالك t سئل : هل كنتم تكرهون الحجامة ؟ فقال : " لا ، إلا من أجل الضعف " .

فهذا يدل على أنه قول جمهور الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وإن كان فيه خلاف بين أصحاب النبي r في هذه المسألة .

وأجاب الجمهور عن الاستدلال بحديث ( أفطر الحاجم والمحجوم ) ، بأن المراد : يؤول أمرهما إلى الفطر ، فإن ذلك مضعف للمحتجم ومظنة لدخول شيء من الدم إلى الحاجم ، فيؤول أمرهما إلى الفطر ، وهذا ظاهر للجمع بينهما ، لكن يعكر عليه الآثار والأحاديث المتقدمة ، فإن ظاهرها أن إفطار الحاجم والمحجوم كان عزيمة على الوجه المتقدم ، إلا أن يقال : إن كان منهيا عنه وإن لم يكن مفطراً ، والحاصل : أن مذهب جمهور الفقهاء هو القول الراجح في هذه المسألة.

والحديث الذي تقدم ، وهو حديث ابن عباس الذي رواه البخاري ، هو مذهب راويه  - وهو ابن عباس فإنه قال كما في ابن أبي شيبة بإسناد صحيح : " الفطر فيما دخل لا فيما خرج " . إذاً الراجح أن الحجامة لا تفطر ، وأما ما تقدم من جرح البدن وأخذ شيء من الدم ، سواء كان مما يسيل كما يسيل الجرح أو كان يسيرا ، فالأقوى حتى على القول بأن الحجامة تفطر أن مثله لا يفطر ، بخلاف ما يكون من تبرع الدم .

 

 

قوله : [ عامداً ذاكراً لصومه فسد ]

إذاً لا يفطر إلا أن يكون عامدا وأن يكون ذاكرا لصومه ، وعلى ذلك : فلو كان ناسيا أو مكرها ، فإنه لا يفطر .

أما الناسي ؛ فلما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه ، فإنما أطعمه الله وسقاه ) ، وقال كما في الحاكم بإسناد صحيح : ( من أفطر ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة ) .

وأما المكره ؛ فللأحاديث الواردة العامة في هذا ، منها حديث : ( إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) ومنه : لو صبَّ الدواء في حلق المغمى عليه لأجل علاجه فلا يفطر بذلك في المشهور من المذهب لأنه غير مختار .

ولم يذكر المؤلف هنا الجاهل ، سواء كان جاهلا بالتحريم أو بالوقت ؛ لأن الجاهل في مذهب الحنابلة والجمهور يفطر إن أكل أو شرب أو فعل مفطرا جاهلاً ، واستدلوا بقوله r : ( أفطر الحاجم والمحجوم ) لما مر على الرجلين وأحدهما يحتجم والآخر محتجم ، قالوا : فدل على أنه لا يعذر بالجهل.

مثال الجاهل بالتحريم : كالذي يستقيء عمدا ، وهو يجهل أن هذا مفطر .

ومثال الجاهل بالوقت : الذي يفطر قبل غروب الشمس حيث لم يتمكن من اليقين ، فيظن أن الشمس قد غربت ثم اتضح له أن الشمس لم تغرب فالجاهل بالتحريم والجاهل بالوقت في المذهب يفطران .

واختار شيخ الإسلام ، وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة ، وهو مذهب طائفة من السلف كإسحاق ومجاهد والحسن : أن الجاهل معذور أيضا قياسا على الناسي والمكره ، ولما ثبت في الصحيحين في قصة عدي t لما نزل قول الله عز وجل : ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ قبل أن ينزل قوله ﴿ من الفجر ﴾ ، فأخذ عقالين أبيض وأسود وأخذ ينظر إليهما ، فقال له e لما أخبره : ( إنما هو سواد الليل وبياض النهار ) ، فهنا النبي r لم يأمره بالقضاء .

وأما الجاهل بالوقت ، فيدل عليه حديث أسماء رضي الله عنها في صحيح البخاري قالت :
" أفطر الناس في يوم غيم ثم طلعت الشمس " قال هشام بن عروة ، وهو الراوي عن أبيه عن عائشة ، لما قيل له : هل قضوا ؟ قال : " بدٌّ من قضاء " ، لكن هذا من رأيه لا من روايته ، بدليل أنه سئل كما في البخاري أيضا : هل أُمروا بالقضاء ؟ قال : " لا أدري " .

والذي يترجح أنه لمّا لم يذكر القضاء فإنهم لم يأمروا به ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، وكذلك القاعدة الشرعية : أن الشارع لا يفرق بين الجاهل والناسي في فعل المحذورات والمفسدات .

وأما حديث :( أفطر الحاجم والمحجوم ) فليس صريحا في أنهما لا يفطران بل المقصود من ذلك أن من فعل ذلك فإنه يفطر ، على أن هذه قضية عين لا تخالف بها القاعدة الشرعية المتقدمة وهي قاعدة : إلحاق الجاهل بالناسي .

وعلى ذلك لو أن إنسانا كان في صحراء وكان هناك غيم ولا يسمع النداء وغلب عن ظنه أن الشمس قد غربت ، فأفطر ثم إن الشمس قد طلعت ، أو رجل كبير السن في بيته وليس عنده أحد يخدمه أو غاب من يخدمه ويخبره بالوقت ، فأفطر وهو يظن أن الشمس قد غربت ، فبان بعد أنها لم تغب ، فإنه حينئذ لا يجب عليه القضاء ، ونأمره بالإمساك لأن الشمس لم تغرب ، فلا زال النهار ، كمن يأكل ويشرب ناسيا ، فيؤمر بالإمساك وليس له أن يفطر .

 

قوله : [ أو طار إلى حلقه ذباب أو غبار ]

لو طار إلى حلقه ذباب أو غبار لم يفطر ؛ لأنه غير مختار, كأن يدخل في غرفة وفيها أثر دخان ، فدخل في أنفه ، فلو قلنا : إن هذا يفطر ، فإنه لا يفطر بذلك . وكذلك البخور عند من يقول : إنه يفطِّر ، فلو دخل المسجد فوجد البخور فيه ، فوصل ذلك إلى دماغه ولم يتقصد ذلك ، فإنه لا يفطر لأنه بغير اختياره .

 

قوله : [ أو فكّر فأنزل ]

فإنه لا يفطر بذلك ؛ لأن هذا ليس بسبب معتاد للإنزال  وهو مذهب جمهور العلماء ، واستدلوا بالحديث المشهور: ( إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم ) .

واختار ابن عقيل أنه يفطر إن كان هو الذي استحضر هذه الصور لكن إن خطر بقلبه من غير استحضار فلا شيء عليه وفيه قوة لمن كان يعلم في نفسه خروج المني بذلك ، لأنه في حقه سبب معتاد .

 وظاهر كلامهم الإطلاق ، وفيه نظر ، فإن الأظهر أنه إذا كان يستحضر الصور بقصد منه وتطلب مع علمه أن ذلك يورثه إنزالاً فالأظهر هو القول بأنه يفطر ، وهذا هو اختيار ابن عقيل ، وإن كان اختياره على هيئة الإطلاق ، فإن ابن عقيل قال : أن من فكر فأنزل فإنه يفطر ، واستدل على ذلك بأن الفكر يأتي باستحضاره ، وظاهر كلامه إذا لم يأت باستحضار منه ، بل كان عن غلبة ، فإنه لا يفطر بذلك ، وهذا هو الظاهر ، فإن هذا يشبه ما تقدم من تكرار النظر مع علمه أن ذلك يورثه إنزالاً ، أما إذا علم من نفسه ذلك واستدعى الفكر فإنه يفطر ؛ لأنه تعاطى سبباً يورث مفسداً من مفسدات الصوم ، تعاطاه باختيار منه ، فأشبه ذلك المباشرة والاستمناء اللذين يورثان إنزالاً. 

 

قوله : [ أو احتلم ]

فإنه لا يفطر إجماعا ، لأنه غير مختار .

 

قوله : [ أو أصبح في فيه طعام فلفظه ]

أصبح وقد تجمع في فيه طعام مما يكون بين الأسنان ونحو ذلك ، فلفظه ، ولم يجرعه ، فإنه لا يفطر ، لكن لو جرعه ، أفطر بذلك ، لأن من أكل أو شرب ولو شيئا يسيراً أفطر أما إذا كان لايمكنه لفظه فلا يفطر بذلك لمشقة الاحتراز منه .

 

قوله : [ أو اغتسل أو تمضمض أو استنثر أو زاد على الثلاث أو بالغ فدخل الماء حلقه لم يفسد ]

أي صومه ، لاحرج على الصائم أن يغتسل ؛ ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كان النبي r يُصبح جُنُبا من غير احتلام ، ثم يغتسل وهو صائم " ، ولو كان لا يجوز للصائم أن يغتسل لاغتسل قبل طلوع الفجر .

وفي سنن أبي داود وأحمد عن رجل من أصحاب النبي r بإسناد صحيح قال : " رأيت النبي r يسكب الماء على رأسه إما من الحر وإما من العطش وهو صائم " .

وفي البخاري معلقا : " وبَلّ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ثوبا فألقاه عليه وهو صائم " ، فلا حرج على الصائم أن يغتسل أو أن يطرح الثوب المبلول بالماء.

 ولا حرج أن يدَّهن كما تقدم الأثر عن ابن مسعود t .

ولا بأس أيضا أن يتمضمض أو يستنثر ، ويدل عليه :ماثبت في سنن أبي داوود أن النبي r قال لعمر لما سأله عن القبلة للصائم : ( أرأيت لوتمضمضت ؟ ) فقال عمر t : لا بأس ، فقال e : ( فمه ؟) ، يعني لم السؤال ؟ ، وهذا من باب من القياس ، فلا حرج على الصائم أن يتمضمض ، ولو كان ذلك لغير وضوء ، ولو كانت المضمضة منهياً عنها ما أحدث في الصوم إلا للوضوء الواجب ، ولسنة النبي r ، وهذا لا خلاف بين أهل العلم فيه.

وأما الاستنشاق ؛ فلحديث : ( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ) والمبالغة هي : أن يرفع الماء إلى أعلى أنفه ، فالنهي إنما هوعن المبالغة ، أماالمضمضة والاستنشاق فهما جائزان للصائم وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ولو كان ذلك في غير وضوء .

 

قوله : [ أو زاد على الثلاث ]

لما تقدم ، فالمضمضة والاستنشاق جائزان للصائم ولو كان ذلك في غير وضوء ولو زاد على الثلاث ، وأما هل هو مشروع أم لا ؟ فقد تقدم أن من زاد على الثلاث فقد أساء وأظلم هذا إن كان بنية الوضوء ، أما إن كان الزائد على الثلاث بنية التنظيف لكونه يحتاج إليه فلا بأس .

 

قوله : [ أو بالغ فدخل الماء حلقه لم يفسد ]

إذا بالغ فاستنشق حتى دخل الماء حلقه ، قال : " لم يفسد صومه " ؛ لأنه لم يتعمد ، هذا هو المشهور في المذهب.

وقال الجمهور ، وهو اختيار المجد ابن تيمية : بل يفسد صومه ؛ لأنه قد فعل ما هو سبب ظاهر لوصول الماء إلى الجوف ، وهذا القول أرجح ؛ لأن هذا الفعل ليس بمأذون فيه و ما ترتب على غير المأذون فيه فليس بمضمون ، بل قد نُهي عنه ، كما في الحديث المتقدم : ( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ) ، وهذا كما لو استمنى أو باشر فأنزل ، فهو وإن لم يقصد بهما نزول المني ، فإنه يفطر بذلك ، فكذلك هنا.

بخلاف ما لو كان ناسيا ؛ لأنه لو شرب ناسيا فلا حرج عليه ، فضلا عن أن يكون قد استنشق مبالغا ناسيا .

إذاً الراجح أنه يفسد صومه إن بالغ في الاستنشاق حتى دخل الماء إلى حلقه أو جوفه .

 

قوله : [ ومن أكل شاكا في طلوع الفجر ، صح صومه ]

من أكل أو شرب أو جامع شاكاً في طلوع الفجر ، ولم يتبين له طلوعه ، وليس هناك طريق لزوال هذا الشك أو لم يخطر بباله أن الفجر قد طلع فيصح صومه ، لأن الأصل بقاء الليل .

أما لو كان يمكنه أن يخرج فينظر إلى جهة المشرق أو ينظر إلى الساعة أو التقويم أو نحو ذلك ، فهذا قد فرَّط ، لكن لو كان عنده شك يعذر بمثله فحصل له شك لا يتمكن معه من اليقين - ، فأكل ، فلا حرج عليه ؛ لأن الأصل بقاء الليل هذا هو مذهب جمهور العلماء.

 

قوله : [ لا إن أكل شاكا في غروب الشمس ]

فإنه يفسد صومه لأن الأصل بقاء النهار .

 

قوله : [ أو معتقدا أنه ليلٌ فبان نهارا ]

إن أفطر يعتقد أنه ليل فبان نهارا ، فإن عليه القضاء ، هذا هو المذهب ، وهو مذهب جمهور العلماء.

وتقدم أن الجاهل بالوقت لا قضاء عليه ، فالذي يأكل وهو يعتقد أنه في الليل ، فبان نهارا ، فإنه لا شيء عليه ، يعني إذا أكل وهو يظن أن الشمس قد غربت ، والشمس لم تغرب ، وكان هذا على وجه لا يمكنه إلا الرجوع إلى الظن ، وغلبة الظن معمول بها شرعا إذا لم يتمكن من اليقين , فالراجح ما تقدم من أنه لا يجب عليه القضاء .

والمشهور في المذهب أنه يجوز الفطر بغلبة ظن غروب الشمس .

 

 

 

مسألة في قضاء الصوم:

إن أفطر معذوراً فلا خلاف بين أهل العلم في وجوب القضاء ، ويدخل فيه الحديث السابق فيمن استقاء ، فالذي يستقيء عمداً لمرض ، وإذا شرب المريض دواء أو نحو ذلك ، فيجب عليه القضاء فكذلك لو استقاء لإخراج هذا الأذى الذي ثقل عليه في معدته .

وإنما اختلف أهل العلم فيمن أفطر متعمداً :

فذهب جمهور العلماء : إلى أن المفطر على جهة التعمد يجب عليه القضاء ، ويدخل في ذلك من جامع في نهار رمضان ، فمن أكل أو شرب أو جامع أو استقاء أو نحو ذلك عامداً ، فإنه عليه القضاء - لا شك أن الذي يستقيء عمدا في الغالب أنه إنما يستقيء لمرض ، ولذا قوله e :( فعليه القضاء ) في هذا الحديث ؛ لأن ذلك إنما يُفعل في العادة عن مرض ، فهذا الحديث إنما هو في المعذور لا في المتعمد ؛ لأن الذي يستقيء في الأصل إنما يستقيء لدفع أذى يجده في معدته.

واستدلوا بما روى أبو داود في سننه في حديث المجامع أهله في رمضان ، وفيه : ( وصم يوما مكانه ) ، قالوا : فهذا الحديث يدل على وجوب القضاء على المتعمد .

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وهو مذهب ابن حزم ، وحكاه ابن حزم عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة ، فهو مذهب طائفة من أصحاب النبي r ورضي الله عنهم ، ذهبوا إلى : أن المفطر عمداً لا يقضي .

    قالوا : لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد وهذه قاعدة عند جمهور الأصوليين ، وهذا إنما أُمر بصوم رمضان وأما كونه يقضي فهذا يحتاج إلى أمر جديد ، والأمر الجديد إنما ورد في قضاء المعذور ، وأما قضاء المتعمد ، فلم يرد أمر جديد فيه .

    وأما حديث :( فصم يوما مكانه ) والذي صححه الحافظ ابن حجر ، فإن هذه الجملة معلولة ، كما قرر هذا شيخ الإسلام ؛ لأن عامة الرواة عن الزهري وهم نحو عشرة - لم يذكروا هذه الجملة ، وإنما تفرد بها بعضهم ، ومن ثم أعرض عنها صاحبا الصحيح ، فإن صاحبي الصحيح مع استقصائهم للروايات في هذا الحديث إلا أنهما لم يذكرا هذه الجملة ، وعلى ذلك : فإعراضهم لأنها معلولة ، مع أن فيها فائدة ، وهذا هو الراجح ، فإن هذا الحديث معلول .

وعلى ذلك : فالراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني ، بل الآثار التي ذكرها ابن حزم رحمه الله لا يعلم لمن قال بها من الصحابة مخالف ، وعلى ذلك يكون هذا القول حجة ؛ لأن قول الصحابي الذي لا يعلم له مخالف حجة كما تقدم .

وأما ما رواه أبو داود أن النبي r قال : ( من أفطر يوما في رمضان متعمدا لم يكفه الدهر كله لو صامه ) فإن الحديث إسناده ضعيف .

 

 

مسألة :

رجل أكل أو شرب ناسياً أو جاهلاً فهل تُبيِّن له ذلك أم يترك ويقال : قد أطعمه الله وسقاه ؟ وجهان في مذهب الإمام أحمد :

الوجه الأول : أنه يترك ، فإن هذا رزق من الله ساقه إليه ، فلا يمنع منه .

الوجه الثاني : أنه يُنكر ، وهذا أظهر ؛ لوجوب إنكار المنكر ، ومعلوم أن من تعاطى محرماً وهو يظنه حلالاً فهو زرق قد ساقه الله إليه ؛ لأنه جاهل بالحكم الشرعي ، ومع ذلك لاشك أنه يبين له أنه حرام ، فهذا واجبنا من الإنكار ، على أنه لا يقطع أن يكون ناسياً ، فقد يكون فعله متعمداً ولاشك في وجوب الإنكار على المتعمد.

 

فصل

 

قوله : [ من جامع في نهار رمضان في قُبُل أو دُبر ]

قالوا : ولو قُبُل بهيمة ، و قال أبو الخطاب ، وهو رواية عن أحمد : أن قُبُل البهيمة وإن كان مفسداً للصوم ، لكنه لا تجب فيه الكفارة ؛ لأن هذا شذوذ وليس محلا للشهوة كقُبل الآدمية والمذهب أظهر لأنه وطء فرجٍ مفسد للصوم فيقاس على وطء فرج الآدمية.

 

قوله : [ أو دبر ]

هذا هو مذهب الجمهور ؛ قالوا : لأنه وطء محرم مفسد للصوم ، فأشبه الجماع في القبل.

وقال الأحناف ، ووجه صاحب الفروع تخريجاً : أنه إن جامع في الدبر ، فإنه ليس عليه كفارة ، وإن كان ذلك مفسدا للصوم والمذهب أرجح ؛ لما تقدم.

 

قوله : [ فعليه القضاء والكفارة ]

أما القضاء فتقدم الكلام على حديث ( صم يوما مكانه ).

وأما الكفارة ؛ فلما ثبت في الصحيحين ( أن رجلاً قال : يا رسول الله هلكت ، وفي رواية : احترقت  إذاً هو عنده علم بالحكم ، وإن كان يجهل الكفارة ، ومعلوم أن الجهل بالكفارة ليس بعذر ، وإنما العذر هو الجهل بالحكم فقال النبي r : وأما أهلكك ؟ قال : وقعت على امرأتي في رمضان ، فقال عليه الصلاة والسلام : فهل تجد رقبة تعتقها ؟ قال : لا ، قال : هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا ، قال : هل تجد ما تطعم ستين مسكينا ؟ قال : لا ، فجلس الرجل رضي الله عنه ، ثم أُتي النبي e بعَرق من تمر ، فقال : تصدَّق بهذا فقال الرجل : وعلى أفقر منا يا رسول الله ، فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي ؟ فقال النبي e : تصدَّق به على أهلك ) ، فهذا الحديث فيه وجوب الكفارة على المجامع في نهار رمضان ، وأن ذلك واجب على الترتيب ، وهذا الحديث هو الأصل في هذه المسألة .

وتجب الكفارة في الجماع سواء أنزل أم لم ينزل بإجماع العلماء ، فإذا وطئ امرأته أو أجنبية في قبلها أنزل أم لم ينزل ، فإن عليه الكفارة .

 

قوله : [ وإن جامع دون الفرج فأنزل أو كانت المرأة معذورة أفطر ولا كفارة ]

إن جامع دون الفرج فأنزل ، فلا كفارة عليه ، وإنما عليه القضاء ، وإنما تجب الكفارة في الجماع فقط ،لكن لو باشرها دون الفرج ، فأنزل ، فإنه يفطر ولا كفارة عليه .

قال : " أو كانت المرأة معذورة " ، يعني كانت المرأة المجامعة معذورة بإكراه ، فعليها القضاء ولا كفارة ، هذا هو المشهور في المذهب ، وهذا ظاهر لما تقدم من الأدلة السابقة .

 وهذه العبارة تدل على أن الرجل ليس بمعذور ؛ لأن الرجل لا يمكن أن يجامع مكرها ، فلا يمكن أن ينتشر ذكره مع الإكراه .

لكن هذا فيه نظر ؛ لأنه إذا هُدَّد بقتل ، فإن هذا إكراه ، ثم إنه قد يحصل منه مايحصل من الرجل إذا قرب من المرأة ، إذاً الراجح أن الإكراه ممكن واختاره شيخنا .

لكنهم قالوا : ولا يعذر بنسيان لأنه يندر حدوثه ولا بجهل ، واستدلوا بحديث المجامع المتقدم وفيه أن النبي r أمره بالكفارة وأمره بالقضاء في رواية أبي داود ، ولم يستفصل أهو ناس أم ذاكر أهو مكره أم لا ، أهو جاهل أم عالم ، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم من المقال . وهذا ضعيف ولذا تقدم في الجهل أن الجمهور يوافقون الحنابلة في سائر المفطرات ، وتقدم الراجح وأن الجهل يعذر به ، فنقول هنا : أيضا النسيان ؛ لعموم قوله e : ( من أفطر ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة ) ، ولأن الجماع كسائر المفطرات ، فيقاس على الطعام والشراب في قوله e : ( من نسي فأكل أو شرب ناسيا فليتم صومه ) ، وهذا هو مذهب جمهور العلماء .

إذاً قال جمهور العلماء : لا يجب على  المجامع في نهار رمضان الكفارة ، وكذلك لا يجب عليه القضاء إن جامع ناسيا أو مكرها .

واختار شيخ الإسلام : أو جاهلا ، إذاً الراجح أن من جامع ناسيا أو مكرها أو جاهلا فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة ؛ لأن قوله : " هلكت " ونحو ذلك يدل على أنه لم يقع ذلك منه على سبيل النسيان أو الإكراه أو الجهل ، وإنما وقع ذلك على سبيل العلم والاختيار ، وإلا لَمَا قال ذلك ، قالوا : ولأن الأصل هو عدم النسيان وعدم الإكراه وعدم الجهل ، فالأصل في الفاعل للشيء أن يكون قد فعله عن علم واختيار وذكر ، فالحكم قد أنزل على الأصل ، ويؤيد هذا ما تقدم من سياق الحديث وأن ظاهر ذلك أنه فعله مختاراً ذاكراً .

وهنا أيضا ظاهره وهو المذهب : أن المرأة عليها كفارة أخرى ، وهذا هو مذهب جمهور العلماء ، فقد ذهب جمهور العلماء على أن الرجل إذا جامع المرأة ، وكانت المرأة مطاوعة ، فإن عليها القضاء والكفارة . إذاً على الرجل كفارة ، وعلى المرأة كفارة . قالوا : لأن الأحكام الشرعية تستوي فيها المرأة مع الرجل ، فما ثبت حقا على الرجل ، فهو كذلك على المرأة ، ما لم يدل دليل ، ولأن الكفارات لا يُتشارك فيها ، فهذه المرأة صائمة صوما في نهار رمضان وحصل منها من ينافي الصيام من الجماع ، فكان عليها الكفارة كما كان على الرجل.

والقول الثاني في المسألة ، وهو مذهب الشافعية ، و رواية عن أحمد : أن المرأة لا كفارة عليها ، فيجب عليهما كفارة واحدة ، واستدلوا بالحديث المتقدم ، فإن النبي r لم يذكر على المرأة كفارة ، قالوا : وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .

والراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول لما تقدم ، وأما ما ذكره أهل القول الثاني ، فالجواب : أن الرجل إنما يسأل عن نفسه ، وقد أخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما يجب عليه من الكفارة ، وفي ذلك تنبيه على وجوبها من باب القياس على المرأة ، لأن المرأة مقيسة على الرجل ، فإذا ذُكر هذا الحكم في حق الرجل ، فإنه يُعلم ذلك في حق المرأة ؛ ولأن المرأة لم تكن سائلة وقد تكون معذورة ، كأن تكون قد طهرت من حيضها في أثناء النهار فجامعها ، ونحو ذلك من الأعذار الممكنة ، وعلى ذلك فإن النبي r ذكر الحكم في الرجل ، وفي ذلك تنبيه على الحكم في حق المرأة من باب القياس الصحيح ، فالمرأة مقيسة على الرجل فالنساء شقائق الرجال ، كما ذكر النبي e .

إذاً الراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء ، من أن على كل منهما كفارة ، فعلى المرأة كفارة ، وعلى الرجل كفارة .

والمذهب أنها إن أكرهت فعليها القضاء واختار شيخ الإسلام وهو الراجح أنه لا قضاء مع الإكراه واختاره في الفائق.

 

قوله : [ أو جامع من نوى الصوم في سفره أفطر ولا كفارة ]

رجل مسافر فجامع امرأته في السفر ، فإنه يكون بذلك مفطراً ولا كفارة عليه كما لو أكل أو شرب ، وهذا ظاهر.

 

قوله : [ وإن جامع في يومين أو كرَّره في يوم ولم يكفِّر فكفارة واحدة في الثانية ، وفي الأولى اثنتان]

عندنا عدة صور في هذه المسألة :

الصورة الأولى : أن يجامع في اليوم الأول ، ويجامع في اليوم الثاني ، ولم يكفِّر عن اليوم الأول ، فعليه كفارتان ، وإذا جامع في اليوم الثالث فعليه ثلاث كفارات ، فهنا لم يكفر , وهذا هو مذهب جماهير العلماء ؛ لأن كل يوم من أيام رمضان عبادة مستقلة ، وهذا قد انتهك هذه الأيام بما يترتب على الانتهاك به الكفارة ، فوجبت عليه كفارات متعددة .

الصورة الثانية : أن يفطر بالجماع ، ثم يكفِّر ، ثم يجامع في اليوم الثاني ، وقد كفّر عن اليوم الأول ، فهذا أيضا عليه كفارات متعددة بعدد الأيام إذاً هنا تخللت الجماع الكفارة وهذا بإجماع العلماء .

إذاً إذا جامع في أيام متعددة ، فعليه كفارات بعدد هذه الأيام سواء كفر أم لم يكفر ، فإذا كفّر بينها ، فهذا بالإجماع ، وإذا لم يكفر ، فهذا عند جماهير العلماء.

الصورة الثالثة : أن يكون الجماع في يوم واحد ويكفر بعد الجماع الأول ، فهل نوجب عليه كفارة أخرى؟

قال الجمهور : لا تجب عليه إلا كفارة واحدة ؛ لأن اليوم واحد ، ولأن الإمساك الذي أمسكه بعد فأفسده بالصيام ، ليس كالإمساك الأول ، لأن الإمساك الأول لم يُفسَد ، وأما الإمساك الثاني فقد أُفسد .

وأما الحنابلة ، فقالوا : إنا نوجب عليه كفارة أخرى ؛ لأنه أفطر حيث يجب عليه الإمساك .

إذاً أهل العلم متفقون على أن من أفطر في نهار رمضان بغير عذر ، فإن عليه أن يمسك بقيته.

فالحنابلة قالوا : هذا الرجل قد أفطر بالجماع فأوجبنا عليه كفارة ، فكفر ، فبقية النهار واجب عليه الإمساك ، فأيضا جامع فيه ، فعلى ذلك : نوجب عليه كفارة أخرى ، لأنه يجب عليه أن يمسك في بقية النهار.

وأما الجمهور فقالوا : وإن كان يجب عليه أن يمسك بقية النهار ، لكن هذا الإمساك ليس كالإمساك الأول ، فعلى ذلك يكون قياس مع الفارق ، فالإمساك الأول لم يُفسَد ، وأما الإمساك الثاني فقد أُفسد ، ولذا يوجبون القضاء ، وهذا قياس مع الفارق ، وعلى ذلك فالراجح ما ذهب إليه الجمهور .

الصورة الرابعة : إن جامع مرتين أو ثلاثا في اليوم ولم يكفر ، فلا خلاف بين أهل العلم أنه لا يجب عليه إلا كفارة واحدة .

إذاً إما أن يكون الرجل قد جامع أيام متعددة ، وإما أن يكون قد جامع في يوم واحد : فإن كان قد جامع في أيام متعددة ، فعليه كفارة متعددة ، سواء كفّر للجماع الأول أم لم يكفر .

والحال الثانية ، أن يكون الرجل قد جامع أكثر من جماع في اليوم نفسه ، فهذا ليس عليه إلا كفارة واحدة ، سواء كفّر للجماع الأول ، أم لم يكفّر .

وأما الحنابلة فقالوا : إذا كفر عن الجماع الأول فتجب كفارة عن الجماع الثاني ، وإذا كفر عن الجماع الثاني ، فجامع ثالثا فعليه أيضا كفارة أخرى . والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء .

 

قوله : [ وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه فكفارة ثانية ]

هذا في المذهب كما تقدم .

 

قوله : [ وكذلك من لزمه الإمساك إذا جامع ]

رجل لزمه الإمساك : يدخل في ذلك صور ، منها : إذا ثبتت البينة نهارا ، فأمسك ، فجامع ، فهل يجب عليه الكفارة ؟ نعم ، هذا ظاهر  وأما القضاء فتقدم أنه ليس بواجب في الأصح.

 ويدخل في ذلك ما لو قدم مسافرا ، أو طهرت المرأة من حيضها ، فيجب عليهما كما تقدم الإمساك ، وعلى ذلك : لو جامعها زوجها وقد طهرت من حيضها ، فهل عليها كفارة ؟

على المذهب : عليها كفارة ، وكذلك إذا جامع امرأته لما قدم من السفر وكان قد أكل في أول النهار ، فإن عليه كفارة .

والقول الثاني ، وهو نص الإمام أحمد رحمه الله : أنه لا تجب الكفارة ؛ ومرد ذلك لأن هذا الإمساك ليس بواجب ، ولو قلنا بأنه واجب ، فإنه ليس إمساكا لا يجب معه القضاء ، لأن الذين يوجبون الإمساك هنا ، يوجبون القضاء ، فليس كالإمساك الذي لا يجب معها القضاء ، وإنما هو إمساك لحرمة الشهر ، وتقدم أن الراجح أنه لا يجب الإمساك . وعلى ذلك : إذا قدم مسافرا مفطرا ، فلا يجب عليه الإمساك ، ولو أجبنا عليه الإمساك فلا كفارة ، كذلك المرأة إذا طهرت من حيضها ، فلا يجب عليه الإمساك ، ولو أوجبنا عليها الإمساك ، فلا كفارة .

 

قوله : [ ومن جامع وهو معافى ثم مرض  أو جُنّ أو سافر ، لم تسقط  ]

لأنها استقرت في ذمته ، فإذا عوفي أو أفاق من جنونه فإنا نوجب عليه الكفارة .

أو رجل لما أصبح جامع امرأته ، قال : إذاً أسافر ، فسافر ، فهل تسقط عنه الكفارة ؟ لا تسقط عنه الكفارة .

 

قوله : [ ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان ]

فلو جامع في نذر أو في قضاء أو في كفارة ، فهل عليه الكفارة ؟

الجواب : ليس عليه الكفارة ، لأن هذا ليس بمنصوص عليه ، وليس بمعنى المنصوص عليه ، يعني ليس فيه نص ولا قياس ، فالنص وارد في الجماع في نهار رمضان ، وهذا لا يقاس عليه وهذا مذهب جمهور العلماء.

وكذلك لاتجب الكفارة بغير الجماع في رمضان ، فمن أكل أوشرب أوفعل مفطراً متعمداً فلاكفارة عليه وهو الصحيح .

وذهب المالكية : إلى أن من أفطر في رمضان بأي نوع من المفطرات ، فإن عليه الكفارة ؛ لأن في ذلك انتهاكا لحرمة الصوم ، فالجماع فيه انتهاك لحرمة رمضان والأكل والشرب فيهما انتهاك لحرمة الصوم ، فكلاهما فيه انتهاك لحرمة الصوم  فتجب الكفارة .

وقال الحنابلة والأحناف ، وهو قول أهل الظاهرـ وهو الصحيح كما تقدم ـ : لا تجب الكفارة إلا في الجماع ؛ قالوا : لعدم النص ولعدم القياس.

أما عدم ورود النص ، فهذا واضح ، حتى أهل القول الأول لا يذكرون نصا إلا أن في بعض الروايات أن الرجل قال : " أفطرت في نهار رمضان " ، لكن قوله " أفطرت " لفظ مجمل بينته الروايات الأخرى التي فيها ذكر أن فطره كان بالجماع .

أهل القول الثاني ، قالوا : لا نص ولا قياس . أما لا نص ، فهذا واضح ، وأما لا قياس ؛ لأن بينهما فارق ، وذلك لأن هذه العقوبة المغلظة قد شرعت في الجماع ؛ لأن النفس إليه أميل من الطعام والشراب ، فناسب أن توضع فيه هذه العقوبة للردع ، فلما كانت النفس إليه أميل ، شُرعت فيه الكفارة ، ولم تشرع في سائر المفطرات ، ولذا فالراجح أن الكفارة لا تجب إلا في الجماع خاصة ، كما أن الأصل براءة ذمة المكلف من الكفارة .

قوله : [ وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ]

تقدم هذا في الحديث السابق ، ولكل مسكين مد من حنطة أو نصف صاع من غيره ، وإن صنع طعاما فأشبع ستين مسكينا فإنه يجزئه ذلك ، وهذه الواجبات إنما هي على الترتيب لا على التخيير ؛ لأن النبي r قدر فيها على المجامع امرأته ، وهو مذهب جمهور العلماء.

 

قوله : [ فإن لم يجد سقطت الكفارة ]

هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة خلافا للجمهور .

فالحنابلة قالوا : تسقط الكفارة ؛ لأن النبي e لم يذكر للرجل وجوبها عليه في ذمته ، قالوا : وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز . وإما إعطاؤه ذاك العرق من التمر ، فإن ذلك من جهة الصدقة لا من جهة الكفارة ، ولذا فإنه يطعمه أهله .

وقال الجمهور ، وهو رواية عن أحمد : بل لا تسقط ، وإنما تبقى في ذمته ؛ لأنها دين لله عز وجل ، فتجب في ذمته ، قياسا على سائر الكفارات ، كما تقدم في كفارة المرضع والحامل.

والأرجح ما ذهب إليه الحنابلة ؛ ولأن حق الله تعالى من الديون مبني على المسامحة ، وهذا الرجل قد عجز عن الكفارة ، فعلى ذلك : تسقط عنه ، فالأظهر ما ذهب إليه الحنابلة ، وأنه إذا كان عاجزا ، فتسقط عنه الكفارة ، لأن حاله حال إعسار ، ولو أيسر بعد ذلك.

 

 

باب ما يُكره ويُستحب للصائم وحكم القضاء

 

قوله : [ يكره جمع ريقه فيبتلعه ]

وأما ابتلاع الريق بلا جمع ، فإنه لا كراهية فيه لمشقة التحرز منه ، ولا يفطر بإجماع العلماء .

أما إن جمعه فابتلعه ، فيكره في المشهور في مذهب أحمد ، ولا يفطر لأنه لا يعد أكلاً ولا شرباً ، فبلع الريق ليس بأكل ولا شرب ، فكما أنه إذا ابتلعه بلا جمع مع إمكان أن يلفظه لا يفطر ، فكذلك إذا جمعه ، والراجح أنه لا يكره لأنه لا دليل على الكراهية وهو اختيار شيخنا الشيخ محمد رحمه الله .

فإن أخرجه إلى شفتيه أو أخرجه إلى خرقة ثم امتصها ، ومثله لو ابتلع ريق غيره ، فهل يفطر ؟

قالوا : يفطر ، هذا هو مذهب جمهور العلماء .

والصواب ما تقدم من اختيار شيخ الإسلام ، وأن الصائم لا يفطر إلا بما هو أكل أو شرب وابتلاع الريق ليس بأكل ولا شرب ، سواء جمعه في فيه ثم ابتلعه أو أخرجه من فيه إلى شفتيه أو جمعه في إناء أو نحو ذلك فإنه لا يفطر على الصحيح .

إذاً عندنا ثلاث مسائل :

الأولى : أن يبتلعه بلا جمع ، فهذا لا يفطر إجماعا .

الثانية : أن يجمعه فيبتلعه ، فيكره في المشهور في المذهب ، و الراجح عدم الكراهية.

الثالثة : أن يخرجه من الفم إلى شفتيه أو إلى خرقة أو يبتلع ريق غيره ، فهنا يفطر عند الجمهور ، والصواب أنه لا يفطر .

 

قوله : [ ويحرم بلع النخامة ويفطر بها فقط إن وصلت إلى فمه ]

إذا وصلت النخامة إلى فمه ، فابتلعها ، فإنه يفطر بذلك ، وأما إن لم تصل إلى فيه ، بل ابتلعها من الدماغ أو من الصدر ، ولم يخرجها إلى فيه ثم يبتلعها ، فإنه لا يفطر ، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد رحمه الله .

والقول الثاني ، وهو رواية عن أحمد : أنه لا يفطر ، كالريق و اختاره شيخنا ، فكما أن الريق إذا جُمع فابتلع فإنه لا يفطر ، فكذلك النخامة إذا وضعت في الفم ثم ابتلعت ، بجامع أن كليهما من الجوف ، فكلاهما قد خرج من البدن من داخله ، هذا هو الراجح ، وعلى ما تقدم من تقرير شيخ الإسلام فلا إشكال ، لأن النخامة ليست بطعام ولا بشراب .

قال : " ويفطر بها فقط إن وصلت إلى فمه " :  تقدم ، وأنها إذا كانت من الصدر إلى المعدة ، أو من الدماغ إلى المعدة ، فإنه لا يفطر ؛ قالوا : لمشقة التحرز . وأما إذا أوصلها إلى فيه ، فلا يشق التحرز من ابتلاعها ، بل يمكنه أن يلفظ هذه النخامة , والراجح ما تقدم وأنه لا يفطر بها مطلقا .

إذا ابتلع الريق وبه دم ، كدم اللثة ونحو ذلك ، فإنه يفطر ؛ لأن الدم كما أنه محرم ، فإنه طعام ، قال تعالى : ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس ﴾ .

 

قوله : [ ويكره ذوق طعام بلا حاجة ]

يكره أن يتذوق الطعام إن لم تكن هناك حاجة ، والحاجة كأن يريد أن يتعرف على الطعام ، هل فيه ملوحة أو أنه ناقص الملوحة ، ويتعرف على ما يريد أن يشتريه من سمن أو عسل أو نحو ذلك ، فيتذوقه بطرف لسانه ، وكذلك الأدوية العشبية التي يضعها على طرف لسانه ليعرف مكوناتها وكذلك مضغ الطعام للطفل ، هذا لا بأس به ؛ ويدل عليه ما رواه البخاري معلقا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " لا بأس أن يذوق الخل أو الشيء يريد شراءه " . إذاً يكره بلا حاجة ، فإنه كان هناك حاجة فلا كراهية .

والمذهب أنه إذا لم يستقصِ في البصق ووجد طعمه في حلقه فإنه يفطر بذلك.

 

قوله : [ ويكره مضغ علك قوي ]

العلك القوي هو الذي لا يتحلل ، فإذا مضغه ، فإنه لا يتحلل فلا يخرج منه طعم يسري مع الريق حتى يصل المعدة ، فإذا كان العلك لا يتحلل ، فهو كما لو علك خرقة أو قطعة  بلاستيك ، فإن ذلك لا يفطر الصائم , لكن قالوا : يكره .

والذي يترجح أن لا كراهية ، إلا إذا كان في موضع يساء فيه الظن .

 

قوله : [ وإن وجد طعمهما في حلقه أفطر ]

إذا تذوق الصائم الطعام أو علك ، فوجد طعمه في حلقه ، فإنه يفطر .

والقول الثاني في المسألة وهو وجه في المذهب ، واختاره شيخ الإسلام : أن مجرد وصول الطعم إلى الحلق لا يفطر به الصائم ؛ ولذا فإن أهل العلم قد أجمعوا على من وطئ حنظلة  - نبات ينبت في البراري ، وهو شديد الحموضة والمرارة - فوجد طعمها في حلقه ، فإنه لا يفطر ، بالإجماع كما ذكره صحاب الفروع ، وهنا كذلك إذا وصل الطعم إلى الحلق ، فإنه لا يفطر ، لا إن وصلت الأجزاء ، فإن وصول الأجزاء إلى الحلق مظنة وصولها إلى المعدة ، بخلاف الطعم إذا وصل إلى الحلق ؛ فإنه يبعد وصوله إلى المعدة ، وأثر ابن عباس رضي الله عنهما مطلق ، فإن ذوق الطعام قد يصل إلى الحلق وقد لا يصل ، وقد أطلق ابن عباس رضي الله عنهما ولم يستثن .

إذن القول الثاني وهو الراجح أن وصول الطعم فقط إلى الحلق لا يفطر ، لا وصول الأجزاء ، فإذا كانت الأجزاء تصل ولو شيئاً يسيراً كما يكون بين الأسنان فجرعه ، فإنه يفطر به ، وأما إذا كان مجرد طعم يصل إلى الحلق ، فإنه لا يفطر ، لأن هذا ليس بغذاء ، فإن وصوله إلى المعدة بعيد في العادة ، بخلاف ما إذا كان أجزاء ، يعني قطعا - ولو صغيرة - فإنها تصل إلى المعدة عادة .

مسألة :

إذا كان في الفم رطوبة بعد مضمضة كأن يكون تمضمض أو شرب الماء قبل أذان الفجر ، فيبقى في فيه رطوبة :

فقال فقهاء الأحناف : إنه يجب عليه أن يبصق ، فإذا بصق وابتلع بعد ذلك الريق ، فإنه لا يؤثر ؛ لمشقة التحرز .

والأظهر : أنه لا يبصق ؛ لأن هذا لم ينقل ، فإن المضمضة جائزة في الشرع ، والناس يتوضؤون للصلاة المكتوبة اليوم خمس مرات ، ولم ينقل لنا أنهم كانوا يبصقون أو يؤمرون بالبصاق , فالراجح أن ابتلاع الريق بعد المضمضة يعني بعد إخراج الماء ؛ لأنه إذا تمضمض فقد مج الماء وأخرجه من فيه ، فلابد أن يبقى شيء من الريق في الفم أن ذلك لا يؤثر , وهذا معفو عنه لمشقة التحرز منه .

 

قوله : [ ويحرم العلك المتحلل إن بلع ريقه ]

ويحرم ويفطر به أيضا إذا بلع ريقه لأن تلك الأجزاء المتحللة ستصل إلى معدته ، وأما إذا لم يبلعه ، فلا يفطر بذلك فلو مضغ العلك المتحلل ثم لفظه ولم يبلع ريقه فإنه لايفطر بذلك ، لكن يكره ذلك كما تقدم في العلك القوي .

 

قوله : [ وتكره القبلة ]

وكذا دواعي الوطء من ضم أو مس .

 

قوله : [ لمن تُحرِّك شهوته ]

فقد روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح أن رجلا سأل النبي r عن المباشرة للصائم فرخص له ، ثم أتاه آخر فنهاه ، قال أبو هريرة t : " فإذا الذي رخـص له شيخ ، وإذا الذي نهاه شاب " ، وفي مصنف عبد الرزاق بإسناد : "صحيح أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن القبلة للصائم فرخص للشيخ ونهى الشاب عن ذلك " .

وأما من لا تحرك شهوته ، فتقدم ما ثبت في الصحيحين أن النبي r : " كان يقبل وهو صائم " .

ولكن قول المؤلف : " لمن تُحرِّك شهوته " : ظاهره أنها تكره لمجرد أنها تحرك الشهوة وإن كان يأمن على نفسه ، وهذا فيه نظر ، بل الراجح أنه ينهى عنها إذا كان لايأمن على نفسه من الوقوع فيما نهى الله عنه ، فحينئذ الأرجح وهو رواية عن أحمد أنها تحرم من باب سد الذرائع.

إذاً الراجح أن القبلة وإن تحركت الشهوة بها ، وكذلك المس والضم ، وإن تحركت الشهوة بها ، لا تكره إلا أن يكون بحيث لا يأمن على نفسه يعني يخاف ويخشى على نفسه ، فحينئذ تدخل هذه المسألة في باب سد الذرائع ، ونقول : إنه لا يجوز . والغالب في حال الشاب أنه يخشى على نفسه ، وأما الشيخ فالأصل والغالب فيه أنه يأمن على نفسه ، وأما الشاب فإن كان لا يأمن على نفسه فلا يجوز له ؛ لأن هذا ذريعة ، وأما إن كان يأمن على نفسه ، فالأولى له الترك ، والقول بالكراهية فيه قوة للشاب ، هذا حيث يأمن على نفسه ، وأما إن كان لا يأمن على نفسه فالذي يترجح وهو رواية عن أحمد أنه يحرم .

إذن القبلة للصائم جائزة في الأصل ، لكن إن كان لا يأمن على نفسه ويخشى على نفسه ، فالذي يترجح أنه يحرم ، وهو رواية عن أحمد .

 

قوله : [ ويجب اجتناب كذب وغيبة وشتم ]

يجب ذلك في رمضان وفي غيره ، لكنه يتأكد في رمضان ؛ ولذا قال عليه الصلاة والسلام : ( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل ، فليس لله حاجة أي إرادة في أن يدع طعامه وشرابه ) رواه البخاري في صحيحه ، أي هذا الصوم ليس هو الصوم الذي يريده الله شرعا ؛ لأن الصوم الذي يريده الله شرعا هو الصوم الذي يربي العبد على تقوى الله سبحانه وتعالى ، " وقول الزور " هو الكذب وكل قول محرم ، " والعمل به " وارتكاب كل فعل محرم " والجهل " هوالسفه وعدم الحلم كالسب والشتم والصخب ونحو ذلك.

ولا يفطر بالغيبة ولا النميمة ولا بغيرها من المحرمات بإجماع العلماء ، ذكره الموفَّق رحمه الله ؛ ولأن هذا النهى خارج عن ذات العبادة ، فإنها تحرم في الصوم وفي غيره .

وأما الأكل والشرب والجماع ، فإنها تحرم في الصوم ، ولذا فإنها تفطِّر .

 

قوله : [ وسن لم شُتم قوله إني صائم ]

يستحب أن يقول ذلك جهرا في المشهور في مذهب الإمام أحمد .

وفي المسألة ثلاثة أقوال :

القول الأول : هو هذا القول ، وأنه يستحب له أن يقول ذلك جهرا في الفرض والنفل . واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، وهو ظاهر قول النبي r في الصحيحين : ( وإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم ، إني صائم ) ، ظاهره أنه يقول ذلك بلسانه ، بحيث يسمعه من سابه أو قاتله .

والقول الثاني : أنه يقول ذلك سرا ليردع نفسه .

والقول الثالث : أنه يقول ذلك جهرا في الفرض ، وسرا في النفل .

والذي يترجح هو القول الأول ، إلا إن كان يخشى على نفسه الرياء ، فالأولى في حقه أن لا يقوله بلسانه ، بل يقوله سرا في النفل ، وأما الفرض فليس محلا للرياء ، فلا يرد في الفرض الرياء .

 

قوله : [ وتأخير سحور ]

يستحب تأخير السحور ؛ لما ثبت في الصحيحين أن زيد بن ثابت t قال : " تسحرنا مع النبي r ثم قمنا إلى الصلاة ، فقيل له : كم قدر ما بينهما ؟ - يعني ما بين فراغكم من السحور والقيام إلى الصلاة ؟ - فقال : " خمسون آية " وهذا وقت يسير ، فكان بين فراغهم من السحور وبين قيامهم إلى الصلاة قدر خمسين آية ، وهذا وقت يسير .

وأما ما رواه أحمد أن النبي r قال : ( لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور ) ، فإن زيادة ( وأخروا السحور ) ضعيفة منكرة ، تفرد بها ابن لهيعة ، وهو ضعيف الحديث ، والحديث متفق عليه بلفظ : ( لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر ) .

والسحور مستحب بالاتفاق ، وليس بواجب ، ومن أدلة ذلك :

الأدلة الدالة على جواز الوصال مع كراهيته ، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي r نهى عن المواصلة ، فقالوا : إنك تواصل ؟ فقال : ( وأيكم مثلي ، فإني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ) قال : فلما رآهم أبوا أن ينتهوا واصل بهم يوما ثم يوما ، فرأوا الهلال ، فقال e : ( لو تأخر لزدتكم ) كالمنكِّل لهم حيث أبوا أن ينتهوا " ، وهذا يدل على أنه ليس بمحرم ، إذ لو كان محرما لما أبى الصحابة ، وإنما رأوا أن ذلك من باب التخفيف عليهم ، ولذا قال بعض الصحابة كما تقدم في أبي داود : " إن النبي r نهى عن الحجامة والمواصلة للصائم لم يحرمهما إبقاء على أصحابه " ، ففهموا منه أن ذلك للتخفيف عليهم ورحمة بهم ، فكان منهم أن واصلوا ، ولو كان الوصال محرما لما عاقبهم به ، وقال : ( لو تأخر الهلال لزدتكم ) كالمنكل لهم .

إذن : هذا يدل على أن السحور مستحب ، لكنه سنة مؤكدة ؛ ولذا قال e فيما ثبت في الصحيحين :
( السحور بركة ) ،
وفي مسند أحمد : ( فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء ) ، وقال كما في صحيح مسلم : ( فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر ) .

إذن : المواصلة تكره إلا أن تكون إلى السحر ، فلا كراهية ؛ يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( لا تواصلوا ، وأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر ) .

ومن هنا يعلم أن ما ذهب إليه الحنابلة في المشهور عندهم من أنه يفطر حكما إذا غربت الشمس ، أن الراجح خلافه ، وأنه لا يفطر حكما إلا أن ينوي وأما قوله e : ( إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم ) متفق عليه ، فقوله : ( فقد أفطر الصائم ) يعني هذا هو أوان الفطر .

وأما المشهور في المذهب : أنه يفطر حكما ، وإن لم يأكل ، لأن هذا هو الأوان الشرعي ، وهذا ظاهر لمن لم يرد الوصال ، وأما مع نية الوصال ، فإنه لا يفطر .

ولنا أن نجمع بين هذين القولين وفيه عندي قوة فنقول : إذا لم ينو الوصال فإنه يكون قد أفطر حكما وإن لم ينو الفطر .

إذاً المشهور في المذهب : أنه يفطر حكما ، وهذا فيه نظر لما تقدم من جواز المواصلة مع الكراهية.

قوله : [ وتعجيل فطر ]

للحديث المتقدم : ( لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر ) .

 

ويستحب كما ذكر المؤلف : [ على رطب ، فإن عدم فتمر ، فإن عدم فماء ]

لما ثبت في أبي داود والترمذي أن النبي r : ( كان يفطر على رطبات ، فإن لم تكن فتمرات ، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء ) .

 

 

قوله : [ وقول ما ورد ]

يستحب قول ما ورد ، ففي سنن أبي داود والدارقطني بإسناد حسن أن النبي r كان يقول عند فـطره : ( ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله ) .

وأما حديث : ( اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ) فقد رواه أبو داود بإسناد فيه ضعف.

 

قوله : [ ويستحب القضاء متتابعا ]

فلا يجب التتابع في القضاء ، لكنه يستحب لما فيه من إبراء الذمة ولما فيه من الإسراع بفعل ما تعلق في الذمة .

إذن يستحب التتابع ، ولذا قال ابن عباس كما في البخاري : " لا بأس أن يفرق " ، ونحوه عن ابن عمر في الدارقطني ، وكان فيما أُنزل من القرآن كما روى الدارقطني من حديث عائشة بإسناد صحيح : ﴿ فعدة من أيام أخر متتابعات ﴾ ثم نسخت هذه اللفظة ﴿ متتابعات ﴾ وإلا فإنه كان يجب التتابع ، ثم نسخ . وهذا هو الذي يفيده إطلاق هذه الآية ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ إذاً لا يجب أن يتابع ، وإنما يستحب .

 

قوله : [ ولا يجوز إلى رمضان آخر من غير عذر ]

لا يجوز ذلك باتفاق العلماء ؛ لقول عائشة رضي الله عنها : " كان يكون علي الصيام من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان ، لمكان النبي e مني " ، فدل على أنه لا يجوز لها أن تؤخره عن شعبان ، وقياسا على الصلاة ، فكما أن الصلاة لا يجوز تأخيرها إلى وقت الصلاة الأخرى ، فكذلك الصيام لا يجوز تأخيره إلى وقت الصيام الآخر .

 

قوله [ فإن فعل ]

فأخر بلا عذر ، والحكم الذي سيذكره المؤلف من الكفارة إنما هو في حق من أخر بلا عذر.

 

قوله : [ فعليه مع القضاء إطعامُ مسكينٍ لكل يوم ]

هذا هو مذهب جمهور العلماء خلافا للأحناف ؛ وتدل عليه الآثار عن أصحاب النبي r ، ففي سنن الدارقطني بإسناد صحيح عن أبي هريرة t قال : " يطعم عن الأول يعني عن رمضان الأول لكل يوم مدا من حنطة " ، ونحوه عن ابن عمر وابن عباس في سنن الدارقطني ، ولا يعلم لهم مخالف .

وأما الآية ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ ولم يذكر الإطعام ، فلأن الأصل أن يقضي قبل رمضان ، وأما هنا فحيث أخر حتى يأتي رمضان الآخر .

إذن إذا أخر حتى رمضان آخر فعليه مع القضاء الإطعام ، حتى لو أخر بعد رمضان ثانٍ أو ثالث ، فلو لم يصم إلا بعد خمس سنوات ، فلا يجب عليه مع القضاء إلا كفارة واحدة .

يعني لو لم تصم المرأة أو لم يصم الرجل ما عليه حتى مرّ ثلاث أو أربع رمضانات فإنه ليس عليه إلا كفارة واحدة .

وأما من أخر بعذر كالمرأة يكون عليها شيء من رمضان ثم إنها تمرض أو تحمل ولا تتمكن من القضاء حتى يأتي رمضان آخر ، فتقضي بعده ، فهنا لا يجب عليها الإطعام.

 

قوله : [ وإن مات ولو بعد رمضان آخر ]

هنا إن مات من عليه قضاء .

رجل مريض مرضا يرجى برؤه أو امرأة حاضت في رمضان ، فمات - هذا الذي عليه القضاء - قبل أن يقضي ، فلا يخلو من حالين :

الحال الأولى : أن يستمر عذره حتى يموت ، فهنا لا تجب الكفارة اتفاقا ، فلا يجب الإطعام عنه ولا الصيام اتفاقا .

امرأة حائض ، فلما جاء اليوم الثاني بعد رمضان يعني من شوال ، ماتت ، فهنا لم تتمكن من القضاء . فهل يجب إطعام في ذمتها بحيث يخرج من تركتها أو يستحب لأوليائها ؟ الجواب : لا .

أو رجل مريض مرضا يرجى برؤه ، لكن استمر المرض أو رجل مسافر فاستمرت به الأسفار ، فلا يجب عليهم القضاء ، لأنهم لم يتمكنوا من أداء الواجب وهو القضاء - .

إذاً استمر عذره فلا شيء عليه ، أو مات قبل أن يتمكن لاستمرار العذر أو لم يكن هناك مدة يمكن فيها القضاء

  كالمرأة تموت في اليوم الثاني من شوال فلاتوجد مدة تتمكن فيها من القضاء فهنا لا شيء عليه .

وأما إذا كان قد تمكن من القضاء فلم يقض ثم مات ، فعليه الكفارة ، فتكون الكفارة في ذمته ، فتخرج من تركته ، وإن لم تكن له تركة فيستحب لأوليائه أن يخرجوها عنه .

فإذا أخر إلى رمضان آخر مع التفريط ؟

رجل أتى رمضان الثاني فلم يصم ، ثم مات بعد رمضان الآخر ، فهل عليه كفارة أو كفارتان ؟

المذهب : أنه ليس عليه إلا كفارة .

وقال الشافعية : عليه كفارتان ، وهو قول في المذهب ، وهو أصح ؛ لأنه لو كان حيا لوجب عليه قضاء وكفارة ، فهو الآن ميت لا يمكن منه القضاء ، فوجب مكان القضاء كفارة .

وقول المؤلف هنا :" وإن مات ولو بعد رمضان " .

يفهم منه وهو مذهب الجمهور : أن الرجل إذا مات وعليه قضاء من رمضان ، فإنه يطعم عنه ولا يصام عنه .

ودليله ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها عند الطحاوي وسنن سعيد بن منصور بإسناد جيد أن عمْرة سألتها : أن أمها ماتت وعليها صيام من رمضان قالت : أفأقضيه عنها ؟ قالت : " لا ، بل أطعمي عنها مكان كل يوم نصف صاع " .

وثبت نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما كما في سنن أبي داود ولا يعلم لهم مخالف .

وعلى ذلك هذا الأثران يخصصان حديث : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) ، والحديث متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها نفسها ، وقد استثنت من عموم هذا الحديث صوم رمضان ، وكذلك ابن عباس رضي الله عنهما ، فقد ثبت في الصحيحين أنه قال : أتت امرأة إلى النبي r فقالت : إن أمي عليها صوم نذر ، أفأقضيه عنها ؟ قال : ( لو كان على أمك دين فقضيتيه ، أكان يؤدي عنها ؟ ) قالت : نعم ، قال :
( فصومي عن أمك )
، وهنا أيضا ابن عباس راوي الحديث يرى أن صوم رمضان يطعم عن صاحبه ولا يصام عنه ، وتقدم في أصول الفقه أن أقوال الصحابة تخصص عموم الأحاديث .

 ولذا قال المؤلف هنا :[ وإن مات وعليه صومٌ أو صلاة نذر استُحب لوليه قضاؤه] .

" صوم " : أي صوم نذر .

" حج " : أي حج نذر .

 " اعتكاف " : أي اعتكاف نذر .

إذن حديث : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) ، هذا في النذر ، وأما في رمضان فإنه يُطعم عنه ، وكذا في الكفارات لأنها واجبة بالشرع كالصيام فيطعم عنه.

لكن لو معسرا ؟

رجل مريض مرضا لا يرجى برؤه وهو معسر ، فأراد رجل أن يتبرع عنه بالصيام ، وكان المتبرع أيضا معسر ، فيتوجه كما قال شيخ الإسلام أنه يجزئ عنه ؛ لأن المماثلة بالصيام أقوى من المماثلة بالمال ، فهنا مماثلة بالصيام ، لأنه صام عنه .

إذن إذا مات وعليه صوم نذر أو اعتكاف نذر فإنه يستحب للولي القضاء لما تقدم : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) .

وهذا للاستحباب باتفاق العلماء ، خلافا لأهل الظاهر ، لقوله تعالى : ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ ، ولأنه لو كان عليه دين مالي لأحد من الناس ، فهل يجب على أوليائه أي ورثته القضاء ؟ لا يجب عليهم القضاء، وقد e في الحديث المتقدم :( لو كان على أمك دين فقضيتيه ، أكان يؤدي عنها ؟ ) قالت : نعم " ، فدل هذا على قياس دين الله على دين الآدمي ، وعلى ذلك : يستحب لوليه القضاء ، والولي هو الوارث ، لكن هذا من باب أن الولي أحق بالقضاء ، لكن لو قضى متبرع أجنبي فلا بأس ، فلو أن صديقه تبرع عنه فأطعم أو صام إذا كان نذرا فإنه لا بأس بذلك ؛ لأنه ذمته تبرأ كسائر الديون .

إذن إذا مات وعليه شيء من رمضان فإنه يطعم عنه ولا يُصام ، لما تقدم من الأثرين عن عائشة وابن عباس ، وهما راويا الأحاديث في هذا الباب ، وأقوال الصحابة ، لا سيما إذا كانوا رواة بل على الإطلاق تخصص العموم ، فإن هذا تفسير منهما .

وأما إن مات وعليه نذر أو كفارة ، فإن ذمته لا تبرأ بالإطعام ، وإنما تبرأ بالصيام ، لعموم حـديـث : ( من مات وعليه صيام ، صام عنه وليه ) والله أعلم .

 

 

 

 

 

باب صوم التطوع

 

قوله : [ يسن صيام أيام البيض ]

أيام البيض هي : اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ، وسميت بأيام البيض ، لابيضاض ليلها بالقمر ، ولذا فلا يصح لغة أن يقال : الأيام البيض ، وإنما يقال : أيام البيض ؛ لأن الأيام كلها بيض ، وإنما يقال : أيام البيض ، أي أيام الليالي البيض ، وقد روى النسائي من حديث مِلْحان القيسي ، والحديث صحيح قال : " كان النبي r يأمرنا أن نصوم البيض ، ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة " ، وفي الترمذي والحديث إسناده حسن ، أن النبي r قال : ( يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ، فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ) إذاً يستحب صيام أيام البيض .

وإن صام ثلاثة أيام من الشهر من أوله أو من وسطه أو من آخره أو كانت متفرقة ، فذلك مستحب أيضا ؛ فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة t قال : " أوصاني خليلي بثلاث : صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أرقد " ، وفي الصحيحين أن النبي r قال لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : ( صم من الشهر ثلاثة أيام ، فإن الحسنة بعشر أمثالها ، وذلك مثل صيام الدهر ) ، وعن عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم أنها قالت : " كان النبي r يصوم من الشهر ثلاثة أيام " فقيل لها : من أيه كان يصوم ؟ قالت : " كان لا يبالي من أيه صام " .

إذاً يستحب أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، من أيه كانت ، فإن صامها من أيام البيض ، فإن هذا حسن للأحاديث المتقدمة .

 

قوله : [ والاثنين والخميس ]

ففي سنن أبي داود من حديث أسامة قال : " كان النبي r يصوم الاثنين والخميس ويقول : ( إن أعمال العباد تعرض على الله يوم الاثنين والخميس ) ، ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة t وزاد ( فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ) ، وفي النسائي : أن النبي e كان يتحرى صيام الاثنين والخميس " .

 

قوله : [ وست من شوال ]

لحديث مسلم أن النبي r قال : ( من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر ) ، وفي ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان بإسناد جيد أن النبي r قال : ( من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة ، ثم قرأ قوله تعالى : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ) .

مسألة :

هل يصح صيام النفل قبل القضاء ؟

قولان :

فذهب الجمهور : إلى أنه يصح .

وذهب الحنابلة : إلى أنه لا يصح .

استدل الحنابلة بما روى أحمد في مسنده أن النبي r قال : ( من صام تطوعا وعليه شيء من رمضان لم يقضه ، لم يُتقبل منه ) ، قالوا : وقياسا على الحج ، فإذا حج حج تطوع لم يجزه ذلك ، حتى يحج فرضه .

وأما الجمهور فذهبوا إلى أن الصوم يصح تطوعا قبل القضاء ، فإذا صام يوم عرفة أو عاشوراء أو الاثنين والخميس قبل أن يقضي ما عليه فلا بأس ؛ قالوا : لأن الأصل الصحة ، ولا دليل على البطلان ، وأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده فإسناده ضعيف ،فإن فيه ابن لهيعة .

وأما القياس ، فإن هذا قياس مع الفارق ، وذلك لأن قضاء رمضان وقته موسع بخلاف الحج ، ولذا فقياس صوم التطوع على صلاة التطوع أولى ، فإن وقت الصلاة موسع ، فإذا تنفل قبل أن يصلي الفرض صح ذلك ، فكذلك التطوع من الصيام ، فإن وقت القضاء موسع ، فله أن يؤخر ما لم يأت رمضان الآخر ، كما تقدم.

إذاً الراجح أن له أن يتطوع قبل قضاء فرضه ، لكن الأولى أن يقضي ما عليه لما في ذلك من إبراء الذمة .

هل ينال الثواب المتقدم إذا صام ستاً من شوال قبل أن يقضي رمضان ثم قضاه أم أنه لا ينال الثواب المذكور في الحديث ؟

الجواب : أنه ينال هذا الأجر.

فإن قيل : إن النبي r قال : ( من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال ) فظاهره أنه إنما ينال ذلك إذا صام رمضان ، والذي عليه قضاء قد بقي عليه من رمضان ، وعلى ذلك : فإنه يقضي أولا ثم يصوم ؟

فالجواب : أنه لما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه ابن خزيمة وابن ماجه ، وفيه ( من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ) عُلم أنه إنما كان هذا الأجر في صوم ستة أيام بعد رمضان من شهر شوال ، لأن الحسنة بعشر أمثالها ، فشهر رمضان عن عشرة أشهر ، وستة أيام عن شهرين ، فيكون هذا تمام السنة كما تقدم ، وعلى ذلك : فكأنه صام ستة أيام ثم قضى ، فإن هذه المضاعفة تحصل له ، لأن الحسنة بعشر أمثالها ، حتى إن بعض أهل العلم قد ذهب إلى أنه لو صام ستة أيام من غير شوال لنال هذا الثواب ، والمعنى يدل عليه ، ولذا قال النبي e في الحديث المتقدم لعبد الله بن عمرو بن العاص : ( صم من الشهر ثلاثة أيام ، فإن الحسنة بعشر أمثالها ، وذلك مثل صيام الدهر ) ، فمن صام ثلاثة أيام من أي شهر كان ، سواء كان هذا من شهر شوال أو من غيره ، فإنه عن ثلاثين يوماً ، لأن الحسنة بعشر أمثالها ، وعلى ذلك  : يكون ذكر الأيام من شوال من باب المسارعة في إتباع الحسنة بالحسنة بعدها ، فنقول : إذاً يستحب له أن يصوم ستة أيام من شوال بعد رمضان ، لكن لو صام في غير شوال ، فإنه ينال الثواب المذكور ؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها ، وهذا لا يختص بشوال .

 

قوله : [ وشهر الله المحرم ]

لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي r : ( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ) .

وأما ما رواه أبو داود والنسائي بجمع الأشهر الحرم ، وأن النبي r كان يصوم الأشهر الحرم ، فإن الحديث إسناده ضعيف .

فالمستحب صيام شهر الله المحرم ، وأما الأشهر الحرم ، فإنه لم يرد في استحبابها ما يصح عن النبي r .

 

قوله : [ وآكده العاشر ثم التاسع ]

" العاشر " : هو يوم عاشوراء ؛ لما ثبت في الصحيحين أن قريشا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية ، فكان النبي r يصومه ، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه ، فلما فرض عليه رمضان قال e : ( من شاء صامه ، ومن شاء تركه ) ، وهذا الحديث يدل على أن صيام عاشوراء كان واجبا ، لقوله في الحديث :
( فمن شاء صامه ومن شاء تركه )
، وأما قبل فإنه يجب على العبد أن يصوم ولا خيرة له .

وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، وهو مذهب الأحناف ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، واختار هذه الرواية الموفق ابن قدامة .

إذاً الراجح أن يوم عاشوراء كان واجباً ، ولذا فقد رتبنا عليه مسألة سابقة فيما إذا ثبتت البينة نهاراً ، وتقدم الكلام عليها في بابها .

وأيضاً ورد في الصحيحين أن النبي r لما قدم المدينة وجد اليهود يصومونه ، وذكروا أن هذا اليوم يوم أنجى الله تعالى موسى e وبني إسرائيل من فرعون ، فقال e : ( نحن أحق بموسى منكم ) .

إذاً كان يوما تعظمه قريش واليهود ، فكان النبي r يصومه ، فلما فرض عليه رمضان قال : ( من شاء صامه ، ومن شاء تركه ) ، وبقي الأمر على الاستحباب ، فكان e يصوم هذا اليوم ، لكن على جهة الاستحباب ، كما تقدم .

ثم إنه e ذُكر له أن اليهود والنصارى يعظمون هذا اليوم ، ففي صحيح مسلم أن النبي r قيل له : إن هذا اليوم تعظمه اليهود والنصارى ؟ فقال : ( لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع ) ، والحديث من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقوله : ( لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع ) أي والعاشر ، فإن اليوم العاشر باق على استحبابه ، وإنما يصام التاسع لمخالفة اليهود والنصارى ، ولذا صح عن ابن عباس وهو الراوي ، كما في مصنف عبد الرزاق والبيهقي أنه قال : ( صوموا اليوم التاسع و العاشر و خالفوا اليهود ) .

فإن صام يوما بعده وهو اليوم الحادي عشر فلا بأس ، والحديث الوارد فيه أن النبي r قال :
( صوموا يوما قبله أو يوما بعده )
، إسناده ضعيف ، لكن المخالفة تحصل بصيام الحادي عشر ، فإن صام اليوم التاسع فهو أفضل ، لكن إن لم يصمه فصام اليوم العاشر والحادي عشر ، فلا بأس بذلك .

ولا يكره إفراد عاشوراء ، وهو المذهب واختيار شيخ الإسلام.

 

قوله : [ وتسع ذي الحجة ]

أي وصوم تسعِ ذي الحجة ؛ للحديث الذي رواه البخاري : ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر ) ، ومن الأعمال الصالحة الصيام .

 

 

قوله : [ ويوم عرفة ]

هذا آكده ؛ لقوله e فيما رواه مسلم في يوم عرفة : ( أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده ) ، وقال في يوم عاشوراء كما في مسلم أيضا : ( أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله ) .

 

قوله : [ لغير حاج بها ]

فالحاج يستحب له الفطر ؛ ولذا ثبت في الصحيحين عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صيام النبي e فقال بعضهم : إنه صائم ، وقال بعضهم : إنه مفطر ، قالت : فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه " إذاً المستحب هو الفطر .

وقد ورد النهي عن صيام يوم عرفة في أبي داود لكن إسناده فيه جهالة : " أن النبي r  نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة " ، لكنه يوم عيد بالنسبة إلى الحاج ، لأنهم يجتمعون فيه ، ولأنهم بالفطر يتقوون على الدعاء ، ولذا فلا يستحب لهم الصوم بل يكره ، وقد روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي r قال : ( يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام ، وهي أيام أكل وشرب ) ، لكن لفظة ( يوم عرفة ) شاذة كما قرر هذا الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى ، فقد تفرد بهذه الزيادة موسى بن علي عن أبيه ، وأما بقية الحديث فلا علة فيها وعلى ذلك نقول : يستحب له ألا يصوم .

 

قوله : [ وأفضله صوم يوم وفطر يوم ]

لقول النبي  r: ( أفضل الصيام صيام داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ) ، وفي رواية : ( أحب الصيام إلى الله صيام داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ) والحديث متفق عليه.

وهل يكره صيام الدهر ؟

والمراد بصيام الدهر : باستثناء أيام العيدين وأيام التشريق ، يعني الأيام التي يحرم
 صيامها ؟

المشهور في المذهب : أنه يجوز بلا كراهية .

والقول الثاني في المسألة : أنه يكره ، وهو اختيار الموفق وابن القيم . وهذا أصح ، ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال لعبد الله بن عمرو بن العاص : ( إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل ، وإنك إن فعلت ذلك هجمت  أي غارت -  له العين ، ونهكت أي تعبت - ، لا صام من صام الدهر ) ، ولما سئل كما في النسائي عمن يصوم الدهر ؟ قال : ( لا صام ولا أفطر ) ، وقال e كما روى ذلك ابن خزيمة : ( من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنم هكذا ) وقبض كفه " ، والذي يظهر أن هذا الحديث فيمن صام الدهر وفي ذلك أيام العيدين يعني الأيام التي نهى الله عز وجل عن صيامها . فعلى ذلك نقول : إنه يكره أن يصوم الدهر .

 

 

 

قوله : [ ويكره إفراد رجب ]

فعند ابن أبي شيبة : أن عمر t كان يضرب أيدي المترجِّبين ، يعني الذين يفردون رجب بالصيام ويخصونه بالصيام ، فكان يضرب أيديهم على الطعام ، ويقول : " إنما هو شهر تعظمه أهل الجاهلية " .

وحكى شيخ الأسلام في تحريم إفراده وجهين والذي يظهر التحريم فإن لم يفرده بالصيام بل صام شهراً آخر فلا كراهة ، و كذا إذا أفطر بعض أيامه.

قوله : [ والجمعة ]

يعني إفراد الجمعة ؛ لما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده ) ، وفي صحيح البخاري أن النبي r دخل على جوريرة بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها يوم الجمعة وكانت صائمة ، فقال لها e : ( أصمت أمس ؟ ) قالت : لا ، قال : ( أتريدين أن تصومي غدا ؟ ) قالت : لا ، قال : ( فأفطري ) ، إذاً يكره إفراد الجمعة لهذين الحديثين .

وذهب الآجري رحمه الله تعالى : إلى التحريم وهو أصح ؛ لظاهر الحديث ( فأفطري ) ، وعليه : فيجب عليه أن يفطر .

هذا إذا كان لمعنى الجمعة ، لكن لو كان لغير ذلك ، كأن توافق الجمعة يوم عرفة أو أن توافق الجمعة يوم عاشوراء ، أو أن يصوم الجمعة لأنه يصوم يوما ويفطر يوما ، فلا بأس بذلك ؛ لأنه لا يقصد الجمعة ، ولذا تقدم في الحديث : ( أفضل الصيام صيام داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ) ، وعلى ذلك يدخل يوم الجمعة ، لأنه إذا صام يوما وأفطر يوما فإنه يدخل في ذلك في كل أسبوعين يوم الجمعة ، وعلى ذلك : فالمقصود أن يقصد هذا اليوم ، وأما إذا لم يقصده ، وكان هذا لمعنى آخر كصيام يوم وفطر يوم ، فإنه لا بأس ، حتى إنه لو صامه هكذا لغير معنى الجمعة ولغير معنى آخر ، فإنه ينهى عن ذلك ، لعموم الأحاديث ، لكن إن كان إنما يصوم لكونه يوم عرفة أو عاشوراء ، ولا يخطر بقلبه بأن ذلك هو يوم الجمعة ولا يرد إليه ، بخلاف رجل وقع في قلبه أن يصوم غدا وكان ذلك يوافق يوم الجمعة وكان تنفلا مطلقا ، فإنه ينهى عن ذلك إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده .

إذاً إذا كان لمعنى آخر فلا بأس ، وأما إذا كان تنفلا مطلقا أو لمعنى الجمعة ليعظم الجمعة - ، فإنه ينهى عن ذلك ، لما تقدم .

 

قوله : [ والسبت ]

يعني يكره إفراد السبت ، هذا هو المشهور في المذهب ، واستدلوا بحديث ( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة أوعود عنبة فليمضغه )  والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ، فهذا الحديث في المشهور في المذهب دال على النهي عن أفراد يوم السبت وعلى كراهية ذلك ، وهذا أيضا هو مسلك الترمذي رحمه تعالى ، فالحديث يُحمل عنده على النهى عن الإفراد ، فيكون عندئذ كيوم الجمعة ، لكن لو صامه لمعنى يوم عرفة أو لمعنى يوم عاشوراء أو كان يصوم يوما ويفطر يوما فلا بأس بذلك .

والمسلك الآخر ، وهو مسلك أكثر أهل العلم ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن يتيمة رحمه الله : أنه لا يكره صيام يوم السبت لا مفرداً ، بل له أن يصومه وإن أفرده بالصيام ، وأما هذا الحديث فإنه كما قال شيخ الإسلام : إما منسوخ وإما شاذ ، وقد ذكر النسخ أيضا أبو داود رحمه الله تعالى . وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في شرحه للعدة : أن ظاهر هذا الحديث يخالف الإجماع ، وإن كان قد ذهب بعض كبار العلماء من المتأخرين إلى القول بظاهره ، لكن هذا القول مسبوق بهذا الإجماع الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله ، ولذا قال الأثرم رحمه الله تعالى : " جاء هذا الحديث ثم جاءت الأحاديث كلها بخلافه " وذكر أنه روي عن السلف أنهم أنكروه ، وممن نص على عدم صحته من الإئمة يحيى بن سعيد والزهري والإمام مالك والنسائي وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى ، بل قال الإمام مالك : " إنه كذب " ؛ لأن الأحاديث كلها بخلافه ، فإن قول النبي r في صحيح البخاري : ( أصمت أمس ؟ ) قالت : لا ، قال : ( أتصومين غدا ؟ ) قالت : لا ، قال : ( فأفطري ) ، وقال في البخاري : ( لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده ) وذلك يوم السبت ، وكذلك صيام داود ، وأنه كان يصوم يوما ويفطر يوما ، ويدخل في ذلك صوم السبت ، وكذلك أن النبي r كان يصوم شعبان كله إلا قليلا ، وتدخل في ذلك أيام السبت ، وكذلك شهر الله المحرم ، وأيام البيض يدخل فيها أيضا في بعض الأشهر يوم السبت ، إلى غير ذلك من الأحاديث ، ثم إنه لا معنى للمنع من صيامه ، فإن قيل : بل هو يوم تعظمه اليهود ، فناسب أن يفطر ، فيقال : أيضا يوم الأحد يوم تعظمه النصارى ، بل قد روى الإمام أحمد في مسنده والحديث إسناده لا بأس به أن النبي r كان يصوم السبت والأحد ، ويقول : ( إن هذين يومان تعظمهما اليهود والنصارى ، فأحب أن أصومهما ) ، إذاً على ذلك الصواب أنه لا مانع من صيامه مطلقا ، وأما الحديث السابق فهو حديث فرد شاذ مخالف لسائر الأحاديث الواردة في هذا الباب ، ولا يعضده أيضا المعنى ، فإن يوم الجمعة وهو اليوم الذي يعظمه أهل الإسلام إنما ينهى عن إفراده ، فكيف ينهى عن صيام يوم السبت إلا في اليوم الذي افترض ، فيكون تحريمه أعظم ، لأن ظاهر الحديث أنه حتى لو وافق عرفة أو عاشوراء أو كان في الأيام البيض أو وافق صوم يوم وفطر يوم ، فإنه ينهى عن ذلك ، وليس هذا ليوم الجمعة ، فيكون المنع منه أشد ، فهذا لا إشكال أنه لا مناسبة لذلك ، فليس له من الشرع ما يعضده ، فهو حديث فرد ، لا توافقه الأحاديث ، ولا توافقه أيضا قواعد ومعاني الشرع .

 

قوله : [ والشك ]

كذلك صوم يوم الشك ، وتقدم ، والشك عند الحنابلة هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان ليلته صحوا ، وقد تقدم أن الصواب أنه يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت ليلته فيها غيم أو قتر .

 

 

قوله : [ ويحرم صوم العيدين ]

إجماعا ، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي e نهى عن صيام يومي العيدين ، عيد الأضحى وعيد الفطر .

 

قوله [ ولو في فرض ]

وحتى القضاء ليس له أن يقضي في العيدين ولا في أيام التشريق .

 

قوله : [ وصيام أيام التشريق ]

لما ثبت في البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : " لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي " ، ولذا قال المؤلف هنا :

[ إلا عند دم متعة أو قران ] .

 

قوله : [ ومن دخل في فرض موسَّع حرم قطعه ]

هذا باتفاق العلماء ؛ ويدل عليه ما رواه أبو داود والترمذي بإسناد حسن من حديث أم هانئ رضي الله تعالى عنها : أن النبي r أتي بشراب فشرب ، قالت : ثم ناولني فشربت ، ثم قلت : يا رسول إني أذنبت فاستغفر لي ، فسألها فقالت : إني كنت صائمة فأفطرت ، فقال e : ( أفمن قضاء كنت تقضينه ؟ ) قالت : لا ، قال : ( فلا يضرك ) ، فدل هذا الحديث على أنه لو كان قضاء لضرها ، وأنه لا يجوز الفطر في القضاء وإن كان موسعاً.

 

قوله : [ ولا يلزم في النفل ]

فلا يلزمه إتمام النفل ؛ يدل عليه الحديث المقتدم وهو حديث أم هانئ ، فإن النبي r قال لها : ( فلا يضرك ) ، وفي الترمذي من حديثها : ( الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ) .

 

قوله : [ ولا قضاء فاسده ]

يعني لا يلزم قضاء فاسد الصوم التطوع ، فإذا جامع في نفل ، فلا يلزمه القضاء ؛ لأنه يجوز له أن يفطر كما تقدم ، فإذا جاز له الفطر ، ثم أفسده بشيء من مفسدات الصوم فإنه لا يلزمه أن يقضيه .

 

قوله : [ إلا الحج ]

أي و العمرة ، فلا يلزم ما فسد من النفل إلا الحج و العمرة ؛ لقوله تعالى : ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ ، فالحج والعمرة يجب قضاء فاسدهما ، لأنه يجب إتمامهما ، وتقدم هذا في أصول الفقه .

 

قوله : [ وترجى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان وأوتاره آكد ]

ليلة القدر سميت بذلك لأنها ذات شرف وقدر ، وهي الليلة التي أنزل الله فيها القرآن  .

قال " وترجى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان " في الشفع وفي الوتر ؛ لقوله e : ( التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ) متفق عليه .

إذاً يجوز أن تكون في أوتار العشر ويجوز أن تكون في أشفاعها ، ومما يدل على جواز أن تكون في أشفاع العشر ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري وفيه : ( لتاسعة تبقى ، لسابعة تبقى ، لخامسة تبقى ، لثالثة تبقى ) ، وفي الترمذي من حديث أبي بكرة : ( أو آخر ليلة ) .

فإذا كان الشهر ثلاثين يوما فإن التاسعة التي تبقى هي الليلة الثانية والعشرين ، والسابعة التي تبقى هي ليلة أربع وعشرين ، وهكذا ، كما بيّن هذا الرواي ، وهو أبو سعيد الخدري t ، وممن قرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى .

إذاً جائز أن تكون في الشفع من ليالي العشر ، ولكنها في الوتر آكد ، ولذا قال e فيما ثبت صحيح البخاري : ( تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر ) .

وهي في السبع الأواخر آكد ، ففي الصحيحين أن النبي r قال : ( أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر ، فمن تحراها فليتحرها في السبع الأواخر ) ، إذاً هي في الأوتار آكد ، وفي السبع الأواخر آكد .

 

قوله : [ وليلة سبع وعشرين أبلغ ]

يعني أرجى ؛ لما روى أحمد في مسنده أن شيخا كبيرا ذكر للنبي r أنه يثقل عليه القيام ، فسأل النبي r أن يأمره بليلة يلتمس فيها ليلة القدر ، فقال e: ( عليك بالسابعة )  والحديث إسناده جيد ، وفي سنن أبي داود من حديث معاوية أن النبي r قال : ( ليلة القدر ليلة سبع وعشرين) ، لكن الصواب وقفه على معاوية كما ذكر هذا الإمام أحمد والإمام الدارقطني ، وفي صحيح مسلم أن ابن مسعود t قال : " من يقم الحول يصب ليلة القدر " ، فقيل لأبي بن كعب t ؟ فقال : " أراد أن لا يتكل الناس ، لقد علم أنها في رمضان وأنها في العشر الأواخر وأنها ليلة سبع وعشرين " ثم حلف لا يستثني t أنها ليلة سبع وعشرين ، فقيل له : بم قلت هذا ؟ فقال t : " بالعلامة التي أخبرنا بها النبي r أن الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها " . إذاً هي في ليلة سبع وعشرين آكد .

وقد اختلف أهل العلم ، هل ليلة القدر تتنقل في العشر أم أنها ليلة معينة لا تنتقل ؟

فذهب بعض أهل العلم : إلى أنها ليلة معينة ، وهو ظاهر القرآن ﴿ إنا إنزلناه في ليلة القدر ، وأما أدراك ما ليلة القدر ، ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ .

والقول الثاني ، وهو ظاهر كلام الشافعي رحمه الله ، وهو رواية عن أحمد وصوبه صاحب الإنصاف واختاره شيخنا : أن ليلة القدر تنتقل ، يعني في سنة تكون في ليلة إحدى وعشرين ، وفي أخرى تكون ليلة ثلاث وعشرين ، وهكذا .

 ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين أن أبا سعيد الخدري t قال : قال رسول الله r ( إني أريت ليلة القدر ، وإني أنسيتها ، وإني رأيت أني أسجد صبيحتها بماء وطين ) قال :
" فرأت عيناي النبي
r وعلى جبهته وأنفه الطين صبيحة إحدى وعشرين " .

ونحوه من حديث عبد الله بن أُنيس في صحيح مسلم ، وفيه " أنها ليلة ثلاث وعشرين ".

وتقدم أثر أبي بن كعب t ، وأن ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين ، وأنه قد رأى في صبيحتها الشمس لا شعاع لها .

وهذه الآثار دالة على أنها تنتقل ، وهذا أقرب لظاهر الأدلة المتقدمة .

 وقد روى البخاري في صحيحه من حديث عبادة أن النبي r خرج ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين ، فقال e: ( إني خرجت لأخبركم بليلة القدر ، فتلاحى فلان وفلان فرفعت ، وعسى أن يكون خيرا ، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة )  ، وفي قوله e : ( وعسى أن يكون خيراً) هذا من حِكَم هذا الإخفاء ، فإن الناس يجتهدون في العبادة ، وعلى ذلك : لو تُوقِّف في الترجيح لم يكن له ذلك أثر عملي ، لأن الناس يجتهدون العبادة .

 

قوله : [ ويدعو فيها بما ورد ]

في سنن الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي r قال لها لما سألته ما تقول إن وافقت ليلة القدر ؟ فقال : ( قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ) .

 

باب الاعتكاف

 

الاعتكاف في اللغة : اللزوم .

وفي الاصطلاح فعرفه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله :

[ لزوم مسجد لطاعة الله ]

والمشهور في مذهب أحمد والشافعي ، وهو مذهب الظاهرية : أنه لا أقل للاعتكاف ، فلو اعتكف ساعة في المسجد ، فإن له أجرا ويصدق على مكثه أنه اعتكاف .

ويدل على ذلك إطلاق الآية قال تعالى : ﴿ وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ ، فإذا جلس زمنا يسيرا بنية الاعتكاف ، فإن هذا اعتكاف ، والآية مطلقة .

وفي مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن يعلى بن أمية رضي الله عنه أنه قال : " إني لأمكث في المسجد الساعة ما أريد إلا أن أعتكف " , وهذا هو أصح القولين ، وسيأتي ما ذهب إليه المالكية والأحناف من أن أقله يوم .

 

قوله : [ مسنون ]

فقد ثبت في الصحيحين أن النبي r كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده " .

وهي سنة فعلية ، وأما القول فلم يصح عن النبي r في فضيلة الاعتكاف ، ولذا لما سئل الإمام أحمد رحمه الله : هل تعرف في الاعتكاف شيئا ؟ فقال : " لا ، إلا شيئا ضعيفا " .

وهي من السنن المهجورة ، ولا يخفى ما في إحياء السنن المهجورة من الأجر والثواب .

 

قوله : [ ويصح بلا صوم ]

يصح الاعتكاف بلا صوم ، هذا أحد القولين ، وهو مذهب الجمهور .

وقال المالكية وهو اختيار ابن القيم : لا يصح إلا بصوم .

استدل أهل القول الأول بما ثبت في الصحيحين أن عمر رضي الله عنه قال للنبي r : يا رسول الله ، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فقال e : ( أوف بنذرك) ، وأكثر الرواة على لفظ : ( إني نذرت أن اعتكف ليلة ) ومعلوم أن الليل لا صيام فيه .

وثبت في الصحيحين أن النبي r لما أراد أن يدخل معتكفه رأى فإذا أخبية خباء عائشة وخباء حفصة وخباء زينب رضي الله عنهن- فقال : ( آلبر تقولون بهن ؟ ) يعني خشي النبي r أن تكون الغيرة في هذا الباب قد دخلت في شيء من الأعمال الصالحة ، ثم لم يعتكف النبي e واعتكف عشرا من شعبان ، وفي رواية للبخاري أنه اعتكف العشر الأواخر من شعبان .

ولم يصح لنا أن النبي r كان صائما في اعتكافه العشر التي هي من شوال ، واستدلوا أيضا : بأن الاعتكاف عمل صالح مستقل عن الصيام ، والأدلة في كتاب الله عز وجل فيها أن الاعتكاف مطلق ، فتقييده بالصيام ، وأنه لا يصح إلا بصيام يحتاج إلى دليل يرجع إليه .

وأما أهل القول الثاني ، فاستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها ، ففي سنن أبي داود وغيره أن عائشة رضي الله عنها قالت : " السنة للمعتكف ألا يخرج إلا لحاجة لابد له منها ، ولا يعود مريضا ولا يمس امرأته ولا يباشرها ، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة ، والسنة للمعتكف أن يصوم " ، وفي سنن أبي داود أن النبي r قال لعمر : ( اعتكف وصم ) .

والجواب : أن حديث عائشة ، فالمحفوظ أنه من قولها ، وعلى ذلك ذكر السنة غير محفوظ ، وهذا القول من عائشة رضي الله عنها قد خالفه قول ابن عباس رضي الله عنهما ، فقد روى الحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي مرفوعا أن النبي r : ( ليس على المعتكف صيام إلا أن يشاء ) ، والصواب أنه موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما ، وعلى ذلك : فهذا القول الموقوف عن ابن عباس رضي الله عنهما عارض قول الموقوف على عائشة رضي الله عنها ، وأقوال الصحابة إذا تعارضت تساقطت .

وأما حديث ( اعتكف وصم ) فلا يصح ، وعلى ذلك : فالراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول ، وأنه لا يشترط في الاعتكاف الصيام ، فلا يشترط للمعتكف أن يكون صائما ، وعلى القول باشتراط ذلك ، فإن القائلين به قالوا : إن أقل الاعتكاف يوم ، ومعلوم أن هذا ليس بلازم ؛ لأنه إذا قلنا أنه يشترط الصيام ، فقد يأتي ويمكث ساعة في المسجد وهو صائم ، فلا يلزم ، لكن القائلين بهذا القول قالوا : إن أقل الاعتكاف يوم.

 

قوله : [ ويلزمان بالنذر ]

لقوله e : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) متفق عليه ، فإذا قال : لله علي أن أعتكف العشر الأواخر من رمضان ، لزمه ذلك.

 

 

قوله : [ ولا يصح إلا في مسجد يجمع فيه ، إلا المرأة ففي كل مسجد ]

هذا هو المشهور في المذهب ، واستدلوا بأثر عائشة المتقدم ، وفيه : ( لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة) ، وهذا الراجح أنه موقوف من قولها .

قالوا : وقول الله تعالى : ﴿ وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ ، والمساجد هي التي تقام فيها الصلوات المكتوبة .

وذهب الشافعية والمالكية : إلى أنه يجزئ في المسجد المهجور التي لا تقام فيه الصلاة ، قال الشافعية : إلا أن تتخلل جمعة ، فإذا تخللت جمعة ، فلابد وأن يكون في مسجد جامع .

وقول عائشة المتقدم لا يعلم له مخالف من الصحابة إلا ما سيأتي من قول حذيفة e ، وهو أضيق من هذا القول ، فكلاهما قد اتفقا على أنه لا يجوز أن يعتكف في المساجد المهجورة .

إذاً له أن يعتكف في المساجد التي تقام فيها الصلوات ، كما هو ظاهر القرآن ﴿ وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ ، فإذا تخللت جمعة ، فهذا خروج يسير ، فلا يؤثر في اعتكافه .

وإذا خرج للجمعة ، فهل له أن يخرج مبكرا ؟

الجواب : له ذلك ، وهو منصوص الإمام أحمد ؛ لأنه إنما ينتقل من مسجد إلى مسجد ، ولذا أجازوا أن يمكث في هذا المسجد ويتم اعتكافه به ، فله أن يعود إلى مسجده وله أن يمكث في هذا المسجد الذي صلى فيه الجمعة ، فيتم اعتكافه به .

وذهب بعض أهل العلم خلافا لعامة العلماء : إلى أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ، وهذا القول قول طائفة من السلف والخلف ؛ واستدلوا بما روى البيهقي والطحاوي أن حذيفة tذكر لابن مسعود أن أناسا عكوفا بين داره ودار أبي موسى ، قال حذيفة : " ولقد علمتَ أن النبي r قال : ( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ) فقال له ابن مسعود t: " لعلك نسيت وحفظوا ، أو أخطأت وأصابوا " ، هذا الحديث رواه محمود بن آدم و هو ثقة عن سفيان بن عيينة مرفوعا يعني أن النبي r قال : ( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ) ، وقد تابعه هشام بن عمار ، وفي حفظه بعض الضعف ، وإن كان صدوقا ، وكذلك تابعه محمد بن الفرج في الإسماعيلي ، لكن في الإسناد إليه جهالة ، ورواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان موقوفا إلى حذيفة ، وليس من قول النبي r ، ورواه الإمام الحافظ الحجة سعيد بن منصور صاحب السنن بالشك في رفعه يعني أنه مرفوع أو موقوف - ، وبالشك في لفظه ( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو في مسجد جماعة ) ، وعلى ذلك فالراجح أنه موقوف على حذيفة رضي الله عنه ، ولذا قال ابن مسعود t : " لعلك نسيت وحفظوا أو أخطأت وأصابوا " ، وهذا شك من ابن مسعود t ، وحيث كان عندنا شيء من الشك في مثل هذا ، كما لو رجعنا إلى رواية سعيد بن منصور رحمه الله ، فإنا نبقى على الأصل ، والأصل عندنا صحة الاعتكاف في المساجد كلها .

وظاهر كلام ابن مسعود أن الذين خالفوا حذيفة من أصحاب النبي r ورضي الله عنهم ، ولذا قال :
" لعلك نسيت وحفظوا " ، ويقرب فيما يظهر لي أن يكون هناك وهم من حذيفة
t بين الاعتكاف وبين شد الرحال إلى المساجد الثلاثة وأن النبي r قال : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ) ، ولذا فإن هذا الحديث لم يحفظ لنا كما حفظت لنا ما تشبهه من مسائل العلم ، فهذا الحديث لم يرو في السنن الأربعة ولا في الصحيحين ولا في مسند الإمام  أحمد ولا غيرها من الكتب التي هي أشهر في أحاديث الأحكام والتي لا تكاد تخرج عنها الأحاديث التي عليها مدار الأحكام ، كل ذلك يوجب عندنا شكا فيما روي في ذلك ، وعلى ذلك : فالراجح هو صحة الاعتكاف مع مخالفة أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وهي التي روت لنا كثيرا من أحاديث الاعتكاف ، فإن عائشة رضي الله عنها قد اعتنت في أحاديث الاعتكاف ، فروت لنا الاعتكاف عن النبي r في غير ما حديث ، وقد قالت رضي الله عنها : " لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة " ، وعلى ذلك فالراجح أن له أن يعتكف في أي مسجد من المساجد ، وهذا هو ظاهر القرآن ، فلا نترك ظاهر القرآن لمثل هذا الأثر وعندنا فيه ذاك الشك المتقدم ، بل الذي يترجح أنه موقوف ، فإن الله تعالى قال : ﴿ وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ ، وظاهر الآية الكريمة عموم المساجد كلها ، فإن الخطاب هنا لعموم المؤمنين ، وإذا قلنا : إن المساجد هنا هي المساجد الثلاثة ، كان ذلك خطابا لطائفة من المؤمنين ، ثم إن المقصود من الاعتكاف حاصل في كل مسجد ، فلا معنى لتخصيص المساجد الثلاثة به ، فإن المقصود منه أن يخلو ويتفرغ للعبادة ، وهذا حاصل في كل مسجد ، وهذا القول هو الذي عليه جماهير علماء الأمة ، والله أعلم .

 

قوله [ إلا المرأة ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها ]

قالوا : المرأة لها أن تعتكف في المسجد المهجور . إذاً الرجل ليس له أن يعتكف في المسجد المهجور ، وأما المرأة فلها أن تعتكف في المسجد المهجور ، هذا هو المذهب .

والراجح أنه ليس لها أن تعتكف ؛ لأثر عائشة المتقدم ، فإنها قالت : " لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة " ، وهذا عام في الرجال والنساء ، وقال تعالى : ﴿ وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ وأل هنا عهدية ، فهي المساجد التي تقام فيها الصلوات المكتوبة .

والمسجد  المهجور هو الذي كان يُصلى فيه ثم بني غيره ، وتُرك على حاله ، لكنه لا تقام فيه الصلوات الخمس .

قال " سوى مسجد بيتها " ، ليس للمرأة خلافا للأحناف أن تعتكف في مسجد بيتها ؛ وذلك لأن أزواج النبي r وهن أحرص الناس على أن يلزمن البيوت ، كن يعتكفن في المسجد ، ولأثر عائشة المتقدم " لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة " ، وهذا عام في الرجال وفي النساء .

 

قوله : [ ومن نذره أي الاعتكاف - أو الصلاة في غير المساجد الثلاثة ، وأفضلها الحرام ، فمسجد المدينة ، فالأقصى ، لم يلزمه فيه ] 

أفضلها الحرم ، فمسجد المدينة ، فالأقصى ؛ قال e فيما ثبت في الصحيحين : ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ) ، وفي المسند بإسناد صحيح : ( فصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه من المساجد ) ، وأما المسجد الأقصى ، فقد روى ابن خزيمة بإسناد ضعيف أن النبي r قال : ( صلاة في المسجد الأقصى أفضل من خمسمائة صلاة فيما سواه من المساجد ) ، وروى الحاكم في مستدركه بإسناد جيد أن النبي قال : ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ، ولنعم المصلى ) ، فقوله : ( أفضل من أربع صلوات فيه ) يدل على أن الصلاة في المسجد الأقصى أفضل من مئتين وخمسين صلاة .

قال " ومن نذره أي الاعتكاف أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة " ، نذر أن يعتكف في مسجد بلده الجامع ، أو في مسجده الذي يصلي فيه ، فلا يجب أن يعتكف فيه ، فله أن يعتكف في مسجد آخر .

واختار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : أنه يجب أن يعتكف به إذا كانت الصلاة فيه أفضل ، كأن تكون جماعته أكثر ، وكذا كل ما امتاز بمزية شرعيه أخرى كقِدم.

رجل نذر أن يعتكف في المسجد الجامع ، ويحضر هذا المسجد مثلا مائة من المصلين ، فهل له أن يعتكف في مسجد الذي لا يحضره إلا عشرة ؟

الجواب : في المذهب له ذلك ، والراجح هو اختيار شيخ الإسلام أنه ليس ذلك ؛ لأن من نذر أن يطيع الله فليطعه ، وهذا المسجد الجامع أفضل لكثرة المصلين فيه ، ولأنه لا يحتاج أن يخرج منه .

لكن إن اعتكف في مسجد أفضل منه ، فلا بأس .

رجل نذر أن يعتكف في مسجده هو ، فاعتكف في المسجد الجامع الذي فيه مصلون أكثر ، فله ذلك .

وقال في كشاف القناع ولعل مرادهم إلا مسجد قباء لفضيلة الصلاة فيه وهو ظاهر ، إن لم يكن فيه شد رحل.

أما إن نذر أن يعتكف في أحد المساجد الثلاثة ، فيلزمه أن يعتكف فيه أو في ما هو أفضل منه .

نذر أن يعتكف في المسجد النبوي ، فله أن يعتكف في المسجد الحرام .

نذر أن يعتكف في المسجد الحرام ، ليس له أن يعتكف في المسجد النبوي .

نذر أن يصلي أو يعتكف في المسجد الأقصى ، فله أن يعتكف في المسجد النبوي .

يدل على هذا ما ثبت في سنن أبي داود والحديث إسناده صحيح أن رجلا قال للنبي r : يا رسول الله ، إني نذرت إن فتح الله عليك أن أصلي في البيت المقدس ، - قال ذلك في فتح مكة - ، فقال e : ( صل هاهنا ) فسأله يعني أعاد السؤال فقال : ( صل هاهنا ) فسأله ثالثا ؟ فقال e : ( شأنك إذاً )، إذاً له أن يعتكف في هذا المسجد أو في مسجد أفضل منه ، فلو نذر أن يعتكف في مسجد بلده ، فاعتكف في المسجد النبوي ، فله ذلك ، ولذا قال المؤلف : " لم يلزمه فيه " .

 

قوله : [ وإن عيّن الأفضل لم يجز فيما دونه ، وعكسه بعكسه ]

هنا مسألة : أن المسجد تتبعه الرحبة التي فيه ، يعني فناء المسجد ، هذا إذا كان للرحبة أبوابا ، وأما إذا كانت الرحبة مفتوحة ، كالمواقف مثلا ، فليس له أن يعتكف في مثل هذا الموضع ، فإذا نصبت خيمة في مواقف المسجد ، فليس له أن يعتكف ، لكن في فناء المسجد المحوط  يعني الذي أحيط به سور - ، فإنه له أن يعتكف فيه ؛ لأنه من المسجد ، وكذلك المنارة التي بابها منه ، وكذلك الغرف التي تبنى فيه ، كالمكتبة مثلا يفتح بابها إلى المسجد ، فإنها من المسجد ، وكذلك سطح المسجد وهكذا .

إذاً ما يتبع المسجد ، منه ، يعني مما يصدق عليه أنه مسجد ، بخلاف بيت الإمام أو بيت المؤذن ، فإنه لا يصدق عليه أنه مسجد .

المرأة إذا حاضت ، فيجب عليها أن تخرج من المسجد عند جمهور العلماء .

قال الحنابلة : تبني خباءها في رحبته غير المحوطة لقوله e : ( وتعتزل الحُيَّض المصلى ).

والحنابلة قد استدلوا بما رواه ابن بطة رحمه الله تعالى ، وقال صاحب الفروع : إسناده جيد ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كن المعتكفات إذا حضن أمر النبي r بإخراجهن من المسجد وأن يضربن بأخبيتهن في رحبة المسجد حتى يطهرن " .

وأما المستحاضة ، فإن لها أن تعتكف ؛ ولذا روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها : " اعتكفت امرأة من أزواج النبي r مستحاضة ، ترى الصفرة والحمرة ، وربما وضعت الطست حين تصلي " ، يعني حتى لا يقع الدم في المسجد ، إذاً المستحاضة لا تمنع من الاعتكاف .

 

قوله : [ ومن نذر زمنا معينا ، دخل معتكَفه قبل ليلته الأولى وخرج بعد آخره ]

نذر أن يعتكف شهر رمضان كله ، فمتى يدخل معتكفه ؟

يدخل قبل غروب الشمس من الليلة الأولى من ليالي رمضان ، يعني إذا غربت الشمس من اليوم الثلاثين من شعبان ، وإذا ثبتت البينة في الليل ، فإنه يذهب إلى المسجد ويدخل فيه .

وإذا نذر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان ؟

فنقول : ادخل المعتكف قبل غروب الشمس ، يعني تغرب عليك الشمس وأنت في المسجد ؛ لأن الليلة كما تقدم تتبع النهار الذي بعدها ، فالليل سابق النهار .

ومتى يخرج ؟

يخرج إذا غربت الشمس من آخر يوم ، فإذا غربت الشمس من آخر يوم من رمضان ، فإنه يخرج ، هذا في باب النذر  ؛ ولذا قال : " ومن نذر زمنا معينا دخل معتكفه قبل ليلته الأولى وخرج بعد آخره " .

وأما في التطوع ، فإذا أراد أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان ، فالمستحب أيضا أن يدخل عند غروب الشمس ، يعني تغرب عليه الشمس ليلة إحدى وعشرين وهو في المسجد . هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد ، وهو مذهب الجمهور ، واستدلوا : بأن النبي r كان يعتكف العشر الأواخر ، والعشر مذكر ، فالمعدود مؤنث ، فقوله " العشر " يعني العشر الليالي ، وعلى ذلك : هل يكون في معتكفه ليلة إحدى وعشرين ؟

 الجواب : نعم .

وأما القول الثاني ، وهو قول إسحاق والليث والأوزاعي وابن المنذر وطائفة من أهل العلم ، فقالوا : يدخل صبيحة إحدى وعشرين بعد صلاة الفجر  ، وعلى ذلك : فيبيت في أهله ليلة إحدى وعشرين ، فإذا كانت صبيحة إحدى وعشرين دخل معتكفه ، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي r " كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه " .

وهنا احتمال ذكره القاضي من الحنابلة ، ومال إليه شيخ الإسلام في شرح العمدة ، في تفسير هذا الحديث : أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه " أن ذلك صبيحة عشرين ، وبه تجتمع الأدلة ، لأنه إذا دخل صبيحة عشرين ، فإن ليلة إحدى وعشرين تدخل في اعتكافه  وهذا هو الراجح ، ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : " كان النبي r يعتكف العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر ، فخرجنا صبيحة عشرين ، فخطبنا النبي عليه الصلاة والسلام صبيحة عشرين ، فقال : ( إني أريت ليلة القدر ، وإني أنسيتها ) ، الحديث وفيه أن النبي r قال : ( ومن كان اعتكف معي فليرجع ) يعني ليعتكف العشر الأواخر ، قال : فرجع الناس إلى المسجد " ، هذا ظاهره أن دخولهم كان صبيحة عشرين ، وعلى ذلك : فالراجح أنه يدخل صبيحة عشرين ، لتكون ليلة إحدى وعشرين داخلة في اعتكافه ، ومعلوم أن هذا أهيأ له ، فإنه إذا دخل في النهار ، فإنه يكون متهيأ للعبادة ليلاً .

ومتى يخرج ؟

قالوا : يخر ج إذا غربت الشمس من يوم ثلاثين.

واستحب الحنابلة ، وهو مروي عن بعض السلف : أن يبيت ليلة العيد في معتكفه ، قال إبراهيم النخعي كما في سعيد بن منصور : " كانوا يستحبون ذلك ".

وقال المالكية والشافعية : بل المستحب له أن لا يبيت ليلة العيد في معتكفه ، بل يخرج إذا غربت الشمس ، وهذا أصح ؛ لأن النبي r لم ينقل عنه أنه كان يبيت ليلة العيد في معتكفه عليه الصلاة والسلام ، بل الراجح أنه يخرج صبيحة ثلاثين ، كما تقدم في أثر أبي سعيد ، فإن الناس خرجوا صبيحة عشرين ، وصبيحة عشرين تقابلها ليلة ثلاثين فيمن اعتكف العشر الأواخر ، وعلى ذلك فالأقوى فيما يظهر لي أنه يخرج صبيحة ثلاثين ، وفي ذلك مصلحة ؛ لأنه يعلم أن الليلة المقبلة ليست من رمضان قطعا ، فيخرج صبيحة ثلاثين و يهيئ نفسه للعيد.

 

قوله : [ ولا يخرج المُعتكِف إلا لما لابد له منه ]

لما تقدم في حديث عائشة ، لما قالت : " السنة في المعتكف ألا يخرج إلا للحاجة التي لابد له منها " ، وفي الصحيحين عنها رضي الله عنها قالت : " كان النبي r يدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله ، وكان عليه الصلاة والسلام لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان " ، فالحديث الأول الراجح أنه موقوف ، والثاني متفق عليه مرفوع ، فيهما أن المعتكف لا يخرج إلا لما لابد له منه وهذا بإجماع العلماء ، فإذا كان لا يُحضر له الطعام ، فيخرج ليطعم عند أهله أو يُحضر الطعام ، كالذي يعتكف في المسجد الحرام فيخرج ليطعم في العشاء والسحور ، فلا بأس بذلك .

إذاً يخرج للحاجة التي لابد منها ، كأن تتعين عليه الشهادة ، يعني دُعي إلى الشهادة ، والشهادة متعينة ، فإنه يخرج ليشهد ثم يعود .

لكن لو كان الطعام يُحضر له يحضره له أهله - فليس له أن يخرج .

فإذا كان الأمر منه بد وله مندوحة عنه ، فإنه إن خرج له ، بطل اعتكافه ، كأن يخرج إلى البيت لطعام وهو يمكن أن يحضر له في المسجد أو خرج لمبيت ، فإنه يبطل اعتكافه .

فإن كان الاعتكاف نذراً فإنه يفسد اعتكافه ويجب عليه القضاء .

 

قوله : [ ولا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ]

لما تقدم ؛ لأن هذا منه بد ، وتقدم أثر عائشة رضي الله عنها ، وأن المعتكف لا يعود مريضا ، ومثل ذلك شهادة الجنازة ، ونحو ذلك من الأفعال الصالحة ، فهي وإن كانت أفعالاً صالحة ، لكن فعلها خارج المسجد يبطل الاعتكاف ؛ لأن الاعتكاف حقيقته لزوم المسجد.

 

قوله : [ إلا أن يشترطه ]

إذا اشترط ما له منه بد ، أو اشترط قربة ، فله ذلك ؛ لأن النبي e قال لبضاعة في الحج ، وهذه المسألة تقاس عليه ، قال لها فيما ثبت في الصحيحين : ( حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني ) قال في رواية النسائي : ( فإن لك على ربك ما استثنيت ) .

إذاً له أن يشترط ، فلو أن رجلا قال : لله علي نذرٌ أن اعتكف العشر الأواخر من رمضان ، لكنه إذا حضرت جنازة فإني أشهدها يعني أتبعها حتى تدفن ، وقال : أعود والدي المريض أو قال : أزور والدي في البيت لأنظر حاجته ، أو قال : أخرج إلى الطعام وآكل في البيت ، أو قال : أبيت عند أهلي في البيت ، فإذا اشترط ، فله ما اشترط ، فإذا اشترط ما له منه بد مما يحتاجه ولا ينافي الاعتكاف فإنه يصح ، وأما إذا اشترط ما له منه بد وهو ينافي الاعتكاف كتجارة أو نحو ذلك ، فإن هذا الاشتراط لا يجوز ؛ لأنه ينافي الاعتكاف ، هذا هو مذهب الحنابلة .

وخالف من الحنابلة ابن عقيل والمجد ابن تيمية ، وهو رواية عن أحمد في مسألة اشتراط ما له منه بد مما ليس بقربة ، كأن يشترط طعاماً أو مبيتاً في البيت ؛ قالوا : إن اشترط ذلك فإنه لا يصح وأولى منه لو شرط الخروج لتجارة ونحوها ، قالوا : لأن ذلك ينافي الاعتكاف ، فإنه خرج من المعتكف لغير عيادة أو شهادة ؛ لأن العبادة لا تنافي الاعتكاف ، فكلاهما عبادة لله عز وجل .

وذهب الإمام مالك : إلى أن الاشتراط من أصله لا يصح ؛ لأن حقيقة الاعتكاف في لزوم الشيء والاشتراط فيه يقتضي الخروج من هذا لالتزام في هذا الموضع ، فحينئذ لا يصح الاشتراط مطلقاً .

والذي يظهر لي في هذه المسألة : أنه إن شرط عدم الاعتكاف إن مرض فلا بأس وكذا لعدم نفقه لقوله r لضباعة بنت الزبير : ( اشترطي على ربك فإن لك على ربك ما استثنيت ) ، أما أن يشترط أمراً من الأمور التي تنافي الاعتكاف منافاة ظاهرة ، كما يكون ذلك في أمور التجارة ونحو ذلك ، فإن القول بعدم جواز الاشتراط ظاهر كما تقدم ، ولعله اتفاق بين أهل العلم فلم أر فيه بينهم اختلافاً .

وأما اشتراط القربة أو ما له منه بد ، فالذي يظهر جوازه أيضاً ؛ لأن غاية الأمر في الناذر أن نذره وقع على هذه ، ولا يشكل هذا مع ما تقدم من أن الاعتكاف يصح ولو قلّ ، كما لو قال رجل : لله علي أن اعتكف يوم الاثنين باستثناء ما بين صلاة الظهر والعصر .

إذاً له أن يشترط ، وأما المعتكف تطوعاً فإن الأمر فيه واسع ، فإذا نوى أن يعتكف ويخرج للطعام والشراب ونحو ذلك ، ثم يعود إلى معتكفه ، فالأمر فيه واسع .

فالذي يظهر لي والله أعلم صحة الاشتراط مطلقاً كما ذهب إليه الحنابلة ، إذ لا دليل يمنع من ذلك ، والاعتكاف ، بل لو رأيت خلافاً بين أهل العلم فيما لو اشترط خروجاً للتجارة ونحوها لقلت بجوازه ؛ وذلك أن هذه الأعمال وإن نافت الاعتكاف منافاة ظاهرة في المسجد ، لأن المسجد ليس محلاً للتكسب والعمل ، ومن هنا أجمع العلماء على تحريم التكسب والتجارة للمعتكف في المسجد ، فإنها ليست منافية له خارج المسجد ، والأكمل ألا يخرج وأن يبقى في المسجد ، كما تقدم من سنة النبي e ، فإذا خرج يفوته من الأجر بقدر خروجه .

 

قوله : [ وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه ]

لقوله تعالى : ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ ، وهذا بالاتفاق ، فإذا جامع في المسجد وهو معتكف بطل اعتكافه .

فإن قبّل أو مس أو باشر يعني بشهوة ؟

فقال الحنابلة والأحناف والشافعية : لا يبطل اعتكافه قياسا على الصوم ، فكما أن المباشرة والقبلة ومس المرأة بشوة لا تبطل الصوم ، فكذلك لا يبطل ذلك الاعتكاف .

إذاً الذي يبطله فقط  هو الجماع أو الإنزال .

وقال المالكية و القول الآخر للشافعي : بل يفسد بما دون الجماع ، فمقدمات الجماع تفسده .

وهذا القول أصح ؛ لأن ذلك منهي عنه ، وقد تقدم في حديث عائشة ولا يعلم لها مخالف قالت : " ولا يمس امرأة ولا يباشرها " فإذا فسر المس بالجماع ، فإن المباشرة هي ما دونه.

وأما قياس الحنابلة الشافعية ، فهو قياس مع الفارق ، لأنهم قاسوا ما حرمه الله تعالى على ما أحله ، فالقبلة والمباشرة للصائم حلال ، وهي محرمة على المعتكف ، إذاً الراجح أن الجماع ومقدماته يبطلان الاعتكاف.

 

قوله : [ ويستحب اشتغاله بالقرب ]

يعني من صلاة وقراءة وذكر ونحو ذلك من الأعمال الصالحة باتفاق العلماء ، وهذا هو المقصود من الاعتكاف.

قوله : [ واجتناب ما لا يعنيه ]

فقد قال e فيما رواه الترمذي وغيره : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) . والله أعلم.

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

 

..

 

 

 

 

 




حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net