المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
فصل في الكفالة
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد

 

فصل في الكفالة

 

الكفالة لغة : المراعاة والعناية ، ومنه قوله تعالى ] وكفلها زكريا [ ، وأما في اصطلاح الفقهاء فهي التزام رشيد إحضار بدن من عليه الحق لصاحب الحق ، وهي من الإحسان إلى الناس كما تقدم في الضمان .

 

قوله [ وتصح الكفالة بكل عين مضمونة ]

كالعارية مثلا ، فقد تقدم أن المشهور في المذهب أنها مضمونة فتثبت فيها الكفالة ، فلو قال مثلاً : لا أعيرك هذه العين حتى تأتي بكفيل فهذا صحيح ، فكل عين تضمن فإن الكفالة تصح فيها كما تقدم في الضمان .

 

قوله [ وببدن من عليه دين ]

فمن وجب في ذمته حق مالي للغير فإن الكفالة تثبت فيه .

 

قوله [ لا حد ولا قصاص ]

فلا تصح الكفالة في الحدود ولا في القصاص ، وذلك لأن الحد والقصاص لا يستوفى إلا من الجاني ، فلا يمكن أن يستوفى من غيره فلم تثبت فيه الكفالة ، فإذا وجب عليه حد زنا أو سرقة أو قتل فلا تثبت في هذه الأمور الكفالة ، وإذا وجب عليه قود في النفس أو قصاص في شيء من الأعضاء فكذلك لا تثبت فيه الكفالة لأنه لا يمكن أن يستوفى من الكفيل ، وقد روى البيهقي بإسناد ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( لا كفالة في حد ) [ هق 6 / 77 ] والحديث إسناده ضعيف ، ويكفي ما تقدم من العلة الظاهرة في النهي عنه .

 وقد اختلف أهل العلم في الكفالة هل يثبت فيها غرم أم لا ؟ بمعنى إن تعذر على الكفيل إحضار مكفوله ، فهل يضمن الحق الثابت في ذمة المكفول أم لا ؟ قولان لأهل العلم :

 القول الأول : وهو مذهب الشافعية والأحناف أنه لا يغرم ، قالوا : لأنه إنما التزم بإحضار بدنه ولم يلتزم بإعطاء الحق المالي الواجب عليه .

القول الثاني : وهو مذهب المالكية والحنابلة أنه يغرم ، واستدلوا بما رواه الترمذي وحسنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( الزعيم غارم ) [ ت 1265 ،  د3565 ، جه 2405 ] قالوا : والواجب عليه أن يؤدي ما التزمه من إحضار بدنه ، و حيث تعذر فعليه الضمان لأنه توثيق بالحق فكان فيه ما في الرهن من استيفاء الحق ، فدل على أنه يضمن ويغرم ، وهذا القول هو الراجح للحديث المتقدم ، وعليه وعلى القول الراجح الذي تقدم من أنه ليس لرب الحق أن يطالب الضامن إلا بعد تعذر الاستيفاء من المضمون عنه ، على هذا القول لا فرق بين الضمان والكفالة إلا أن الكفالة فيها إحضار بدنه وأما هناك فإنه يلزم بأن يأخذ الحق من صاحبه الذي هو عليه ، فإن تعذر فإنه يعطى الحق من الضامن ثم يرجع هو على المضمون عنه .

قوله [ ويعتبر رضى الكفيل ]

لأن الكفالة التزام بحق فاشترط فيها رضى الملتزم و هو أن يُحضر المكفول به على ما وقع عليه الاتفاق .

 

قوله [ لا المكفول به ]

فليس شرطا أن يرضى المكفول به بالكفالة ، وهذا هو المشهور من المذهب ، قالوا : كالضمان ، فكما أن الضمان لا يشترط فيه الرضى من المضمون عنه فكذلك ف الكفالة لا يشترط الرضى من المكفول به ، والقول الثاني في المذهب وهو مذهب الشافعية أنه يشترط رضى المكفول به ، قالوا : لأنه يلتزم بحق  ، والحق الذي يلتزم به هو أن يتجاوب و يتطاوع مع الكفيل إذا جاء لإحضاره ، فإن الكفالة عقد يلتزم فيه المكفول به أن يحضر مع الكفيل متى أراد ذلك على ما وقع عليه الاتفاق ، فكان قد التزم بحق ، وهذا لا بد فيه من الرضى ، وهذا القول هو الراجح .

وليس بشرط رضا المكفول له ، لأنها وثيقة غير مقبوضة فلم تشترط فيها الرضى كالضمان ، وقد تقدم أنه لا يشترط في الضمان إذن المضمون له فكذلك هنا ولا فرق بين الأمرين .

 

قوله [ فإن مات .... بريء الكفيل ]

إذا مات المكفول به بريء الكفيل ، وهذا هو المشهور من المذهب ، وفي المسألة أقوال ثلاثة :

القول الأول : أنه يبرأ مطلقا ، وهو مذهب جمهور العلماء ، قالوا : لأن الحضور قد سقط بالموت ، فلا يمكن أبدا أن يحضره وقد مات ، وهو إنما تكفل بإحضاره .

القول الثاني : أنه لا يبرأ مطلقا ، وهو قول مالك واختيار شيخ الإسلام ، قالوا : قياسا على الرهن والضمان ، فإن الضامن لا يبرأ بموت المضمون عنه ، وكذلك الرهن ، والمقصود استيفاء الحق كما   سبق .

القول الثالث : وهو قول لبعض الحنابلة أن في هذه المسألة التفصيل ، فإن توانى وقصر وفرط حتى مات فإنه لا يبرأ ، وأما إذا لم يكن منه ذلك فإنه يبرأ ، وهذا القول هو أعدلها .

فهناك فرق بين الرهن والكفالة ، فإنه في الأصل إنما التزم بإحضاره ، وهذا أمر يسقط بالموت ، ويستثنى من هذا ما إذا فرط وقصر وأهمل . و محل الخلاف إذا لم يشترط الكفيل أن لاشيء عليه إذا مات المكفول فإذا شرط برئ قولاً و احداً.

 

قوله [ أو تلفت العين بفعل الله تعالى ……. برئ الكفيل ]

كذلك إذا تلفت العين قبل المطالبة بفعل الله ، مثلا : أخذ عارية فتلفت بفعل الله تعالى ، الكفيل يبرأ وذلك لأنه ما دام أنها تلفت فحينئذ لا يجب شيء على من وقع التلف عنده ، وعليه فإن الكفيل يبرأ أيضا ، وأما إذا تلفت بفعل الآدمي فإن الكفيل لا يبرأ ، وذلك لوجوب بدلها على المتلف المكفول ، و أما بعد المطالبة فعلى المكفول الضمان و لا يبرئ الكفيل لأن يد المكفول متعدية.

 

قوله [ أو سلم نفسه بريء الكفيل ]

إذا سلم المكفول به نفسه فإن الكفيل يبرأ ، وذلك لأن المكفول به إذا سلم نفسه فقد قام بما يجب على الكفيل ، فأدى الواجب عن الكفيل ، فإذا حضر بنفسه فقد حصل المقصود .

ويبرأ الكفيل أيضا إذا أحضر المكفول به في المجلس المتفق عليه في الأجل المحدد وذلك لأنه قد قام بما يجب عليه ، وكذا قبل الأجل من غير أن يتضرر المكفول له .

مسألة : قال شيخ الإسلام السجان كفيل ، أي القائم على شان السجن كفيل ، وعليه فإنه يجب عليه أن يحضر البدن فإن لم يحضر البدن فإن الضمان عليه ، وقال بعض الحنابلة بل السجان ليس بكفيل ، إنما هو وكيل على الحفظ ، وهذا القول هو الراجح ، فهو وكيل على الحفظ ، وذلك لأنه ليس بملتزم بإحضار البدن ، وإنما هو ملتزم بحفظه في الموضع الذي هو فيه ، فهو لم يلتزم إلا

بالحفظ ، كما قرر هذا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو اختيار بعض الحنابلة ، فهو وكيل في الحفظ ، وعليه فإن فرط فعليه الضمان ، وإن لم يفرط فلا ضمان عليه .

 

مسألة : المشهور من المذهب أن كفالة المعرفة كالكفالة تماما ، وكفالة المعرفة أن يأتي مثلا بعض الناس إلى بعض التجار ليشتري ، فيقول : هل يعرفه أحد منكم ، فيقول أحدهم أنا أعرفه ، فحينئذ يكون كفيلا له ، وعليه فيلتزم بإحضاره في الموعد المتفق عليه ، فإن لم يحضره فإنه يضمن ، واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي التفصيل في هذه المسألة فقال : إن عرفه باسمه وموضعه ونحو ذلك فقد قام بما يجب عليه ، فإنه إذا قال : أنا أعرفه ، فليس فيه إلا أنه يعرفه أي يعرف اسمه ويعرف وموضعه ، فليس في ذلك إلا هذا ، فإن عرفه وإلا فإنه يضمن ، وهذا القول هو الراجح ، فإنه إذا ضمنه ضمان معرفة فليس فيه أنه يلتزم بإحضار بدنه ، بل غاية هذا أن يلتزم بتعريفهم إياه اسما ومحلا ونحو ذلك ، فإن قام بما يجب عليه وإلا فعليه الضمان لأنه فوت الحق عليهم .

إذا كان المكفول به في الحبس فإن هذا يكفي عن إحضاره ، فلو قدر أنه كان محبوسا في الوقت المحدد فهل يكفي أم لا بد من إحضاره ؟ الجواب : أنه يكفي هذا ولا يجب أن يحضره كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال :" وليس أحد من الأئمة يأمر بإحضاره لأنه متمكن منه "

 

والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم




حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net