المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
الصلح
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد

 

باب الصلح

 

الصلح في اللغة : قطع المنازعة ، أما في الاصطلاح فهي : عقد لازم يتوصل به إلى قطع المنازعة بين المتخاصمين ، والبحث هنا في الصلح في الأموال ، وقد دلت الشريعة على ثبوت الصلح فقال تعالى ] والصلح خير [ وقال تعالى ] لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس [ ، وروى الترمذي من حديث عمرو بن عوف وله شاهد من حديث أبي هريرة والحديث صحيح بطرقه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما )[1] والصلح نوعان :

1- صلح على إقرار .

2- صلح على إنكار .

وهذا الفصل سيكون في الصلح على الإقرار ، والصلح على الإقرار هو أن يقر المدعى عليه بالدعوى ثم يتصالحا على أن يسقط بعضه إن كان دينا أو يهبه بعضها إن كانت عينا أو يعطيه عوضها.

مثال الأول : ادعى أن له في ذمته ألف ريال ، فأقر المدعي عليه بذلك ، ثم وضع عنه المدعي مائة ريال قطعا للمنازعة.

ومثال الثاني : أن يدعي عليه أن هذه الدار التي يسكنها له ، فيقر المدعى عليه بذلك ، ثم يتصالحا بأن يترك له المدعي شطرها هبة.

ومثال الثالث : أن يقر له بهذه الدار ، ثم يتصالحا بأن يعطيه عوضا عنها كأن يعطيه بستانا أو أرضا أو نحو ذلك.

وقد روى البخاري في صحيحه أن كعب بن مالك تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيته فخرج إليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كشف سجف حجرته ونادى كعب بن مالك قال يا كعب ، قال لبيك يا رسول الله ، فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك ، قال كعب قد فعلت يا رسول الله ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابن أبي حدرد : قم فاقضه)[2]  فهذا من الصلح على الإقرار ، فقد وضع عنه شيئا من الدين الذي أقر به .

 

 

 

قوله [ إذا أقر له بدين أو عين فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي صح ]

قوله ( أسقط ) أي من الدين ، وقوله ( وهب ) أي من العين ، فإذا أقر له بدين أو أقر له بعين فأسقط من الدين أو وهب البعض من العين وترك الباقي صح ، وهذا مذهب جماهير العلماء لما تقدم في حديث كعب بن مالك ، وليس فيه إلا أن صاحب الحق قد تنازل عن شيء من حقه برضىً منه فكان ذلك جائزاً .

 

قوله [ إن لم يكن شرطاه ]

أي إن لم يكن الصلح مشروطا ، فإن كان الصلح شرطا فلا ، فإذا قال : لا أعطيك حقك إلا أن تضع عني بعضه أو لا أتنازل عن العين التي هي لك حتى تهبني بعضها أو حتى تأخذ عوضها ، فهذا لا يجوز ، وذلك لأن الصلح أحل حراما ، وذلك لأن هذا الدين أو العين ملك له ، وكذلك ما يراد دفعه العوض عنه كل هذا ملك له فإذا أجبر على شيء من ذلك  فقد أجبر على أخذ شيء من حقه بغير رضا منه ، فكان من أكل أموال الناس بالباطل .

وهل يجوز - إن لم يكن عن شرط - أن يكون بلفظ الصلح ؟

مثاله : أقر زيد لعمرو بأن في ذمته له مائة ألف ، فقال زيد : قد صالحتك على عشرة آلاف ، أو قال : صالحني على عشرة آلاف من غير شرط فصالحه ، فهل يجوز ذلك ؟

1- قال الحنابلة : لا يجوز ذلك ، وذلك لأن لفظ الصلح هنا يقتضي المعاوضة ، فكأنه قال : لا أعطيك حقك حتى تصالحني على كذا ، وإن لم يكن هذا حقيقة الأمر لكن اللفظ يقتضيه .

2- وقال الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد بل يصح ذلك ، قالوا : لأن لفظ الصلح لا يقتضي المعاوضة في الأصل ، وإنما يقتضي قطع المنازعة ، وهذا هو اختيار طائفة من أصحاب الإمام أحمد وهو الراجح ، لأن العبرة بالحقائق لا بالألفاظ ، فحقيقة الأمر أنه لا شرط ولا معاوضة ، فلا يؤثر هذا اللفظ .

 

قوله [ وممن لا يصح تبرعه ]

أي بشرط أن يكون ممن يصح تبرعه ، فإن كان ممن لا يصح تبرعه فلا ، ومعنى العبارة : إن لم يكن شرطاه وإن لم يكن ممن لا يصح تبرعه ، فإن كان ممن يصح تبرعه فهو جائز ، فإذا كان الصلح من ولي أمر اليتيم فلا يصح ، فهذا المال ليس له بل هو لليتيم ، ولا مصلحة فيه لليتيم ، فإنه إسقاط حق فكان من باب الإحسان إلى الخلق فهو هدية أو هبة أو صدقه ، وهذا ليس لولي اليتيم ، لكن إن كان الحق لا يقدر عليه ، ويخشى إن لم يصالح أن ينكر الخصم و لا بينه ، فإن له أن يتبرع بشيء من مال اليتيم حفاظا على مصلحته ، لأن استيفاء البعض عند العجز عن الكل أولى من تركه.

 

قوله [ وإن وضع بعض الدين الحال وأجل باقيه صح الإسقاط فقط ]

مثاله لو قال : أنا أريد أن أحسن إليك بشيئين :

الأول : أحسن إليك بوضع بعض الدين عنك ، والثاني : أؤجله لك ، فمثلا عليه دين حال بألف ريال ، فقال : أضع عنك الشطر وأؤجله إلى شهر ، فقال هنا : صح الإسقاط دون التأجيل ، أما صحة الإسقاط فما تقدم ، فقد تنازل عن شيء من حقه برضاه من غير معاوضة ، وأما التأجيل فلا يصح لأن الشيء الحال لا يتأجل ، وقد تقدم الكلام على هذا في باب القرض ، وتقدم اختيار مذهب مالك في هذه المسألة وأن الدين يتأجل بتأجيله ، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، فالصحيح أن الإسقاط يصح والتأجيل يصح ، وهذا هو الراجح .

 

قوله [ وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالا .... لم يصح ]

مثاله : عليه في الذمة عشرة آلاف إلى سنة ، فقال الدائن : أعطني خمسة آلاف حاله وأبرؤ ذمتك ، فقد وضع شطرها ، فهذا لا يجوز ، وقد تقدم البحث في هذه المسألة وهي مسألة : ضع وتعجل ، وأن الراجح جوازها كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية و رواية عن الإمام أحمد.

 

قوله [ أو بالعكس ]

الذي يظهر أن العبارة تكرار للمسألة السابقة كما في الشرح ، فإن العكس أن يقال : إن الصلح عن الحال ببعضه مؤجلا ، كأن يكون عليه مائة ألف حالة ، فيقول : أعطني خمسين ألفا إلى سنة ، فتكون المسألة هي التي تقدم ذكرها في قوله ( وإن وضع بعض الحال وأجل باقيه صح الإسقاط فقط)  ، وفي موضع هذه العبارة يذكر الحنابلة هذه المسألة كصاحب الأصل وهو المقنع ، وغيره من كتب الحنابلة .

 

قوله [ أو أقر له ببيت فصالحه على سكناه أو يبني له فوقه غرفة .... لم يصح ]

وسبب عدم الصحة هو المعاوضة ، فإذا أقر أن هذه الدار له بشرط أن يسكنها إلى سنة ، أو قال له المدعي : أصالحك عن كذا وأقر لي بهذه الدار فهذه معاوضة على الحق المقر به ، أو قال : هذا الحق الثابت لي اعطني إياه وأصالحك على أن تسكنه سنة أو تبني فوقه غرفة أو نحو ذلك ، فهذا لا يصح للمعاوضة ، فإنه قد حرم حلالا ، فإن هذا مباح له ، وحرم عليه إلا بعوض ، سواء كان العوض سكنى أو بناء أو نحو ذلك .

 

قوله [ أو صالح مكلفا ليقر له بالعبودية ]

رجل حر ، وقال له : أقر لي بالعبودية وأعطيك كذا وكذا ، فهذا لا يصح لأن فيه تحليل ما حرم الله ، فإن الله حرم العبودية على الحر ، وهذا فيه تحليل ما حرم الله .

 

قوله [ أو امرأة لتقر له بالزوجية بعوض لم يصح ]

إذا قال لامرأة أقري لي بأني زوج لك ولك كذا وكذا ، فهذا لا يصح لأنه استباحة فرج قد حرمه الله بغير طريق شرعي .

 

 

 

قوله [ وإن بذلاهما له صلحا عن دعواه صح ]

إذا قالا نحن نبذل لك العوض واترك هذه الدعوى فهذا يصح ، مثاله : قال هذا الذي ادعى عليه العبودية وطلب منه الإقرار بها قال : أنا أعطيك العوض ، ولا تدعي على هذه الدعوى ، فإنه قد يتوصل إلى دعواه بالشهود ونحو ذلك ، كذلك قالت هذه المرأة التي يدعي عليها الزوجية قالت : أنا أعطيك العوض ولا تدعي علي هذه الدعوى فإن هذا يصح ، لأنه ليس فيه تحليل ما حرم الله ، فإن العوض يعتق به العبد ، والمال يفارق به الزوجة كما يكون في الخلع فلم يكن فيه تحليل ما حرم الله ، ولكن في الباطن يحرم عليه إن كان بغير حق ، لأن أكل لأموال الناس بالباطل .

 

قوله [ وإن قال أقر بديني وأعطيك منه كذا ففعل صح الإقرار لا الصلح ]

هذه من الحيل الجائزة ، إن قال : أقر لي بديني وأعطيك منه النصف ، ففعل هذا وأقر صح الإقرار لا الصلح ، أما الإقرار فيصح لأنه حق ثابت قد أقر به ، فلم يصح إنكاره ، وأما الصلح فلا يصح لأنه حق ثابت له فلم يعط هذا الحق إلا بعوض فكان العوض باطلا .

مسألة: هل يصح الصلح على شيء مجهول أم لا ؟

في المسألة تفصيل :

- فإن كان هذا المجهول لا يمكن التوصل إليه فإن الصلح يصح .

- أما إذا كان يمكن التوصل إليه ومعرفته فإن الصلح لا يصح .

مثاله: إذا كانت هناك مواريث مجهولة ، أو كانت هناك أراضي لا يدرى حدودها ولا يميز بينها ولا يمكن معرفة هذا ، فتصالحا على شيء وتراضيا عليه ، فلا بأس بذلك ، للحاجة الداعية إليه ، ولما فيه من إبراء الذمم ، وإعطاء ما يمكن إعطاؤه من الحق ، ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود بإسناد حسن من حديث أم سلمة قالت :( جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة فقال رسول الله - r إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن بحجته أو قد قال لحجته من بعض فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاما - أي حديدة تسعر بها النار - في عنقه يوم القيامة فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما حقي لأخي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه )[3] ففي الحديث دلالة على جواز الصلح على شيء مجهول لا يمكن معرفته .

وأما إذا كان المجهول يمكن معرفته فقولان في مذهب الحنابلة :

القول الأول : هو الجواز .

القول الثاني : هو المنع ، مثال هذا : إذا صالح الورثة زوجة أبيهم على شيء من المال لتتنازل عن حقها من الإرث وهي لا يعلم قدر حقها ، لكن يمكن معرفته بحصر مال مورثها ، فهل يجوز هذا ؟

قولان في المذهب ، وأصحهما المنع من ذلك و هو ظاهر نصوص أحمد و هو المذهب ، لأنه معاوضة فأشبه البيع ، وبيع المجهول لا يجوز إلا عند الحاجة إليه ، ولأن فيه غررا ومخاطرة وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر .

 

فصل

 

تقدم الكلام على الصلح على الإقرار ، وهنا فصل في الصلح على الإنكار ، أي أن يصالح المدعى عليه المدعي مع عدم إقراره ، فهو لا يقر بالدعوى التي ادعيت عليه في ماله لكنه يصالح المدعي قطعا للخصومة وصيانة للمال وإبراء للذمة ، مثال ذلك : أن يدعي عليه أن هذه الدار ليست له ، وهي في يده ، فيصالح المدعي على شيء من المال يعطيه إياه أو شيء مما تقدم ذكره كأن يهبه بعضها إن كانت عينا أو يعطيه عوضا ، فهذا هو الصلح على الإنكار ، وجمهور أهل العلم على القول به ، ودليل ذلك قول النبي  r :( الصلح جائز بين المسلمين ) ولما تقدم من جواز الصلح الذي بمعنى البيع وهو الصلح على الإقرار فهذا جائز باتفاق أهل العلم فكذلك الصلح على الإنكار ، ومنع الشافعية من الصلح على الإنكار وقالوا : لا يجوز ، لأنه عاوض على شيء لم يثبت له ، فإن المدعي لم يثبت حق له على المدعى عليه ، فإن المدعى عليه لم يقر ، فيكون هذا المدعي قد أكل مال أخيه بالباطل ، وقد عاوض عما لم يثبت له ، وقد قال  r :( إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما ) ، قالوا : وهذا قد أحل حراما ، فإن مال المسلم محرم  ‎، وهذا الصلح قد أحله ، والجواب عند جمهور العلماء عما ذكره الشافعية هو كالتالي :

أما قولهم إنه عاوض على ما لم يثبت له ، فالجواب : أنه عاوض على شيء قد ثبت عنده ، فهو يرى أن الحق له ، وقد ادعى ذلك ، وهو يعتقد أن الحق له ، ولذلك عاوض عنه ، هذا في جهة المدعي ، أما في جهة المدعى عليه فإنه قد دفع ما دفع قطعا للخصومة وإبراء للذمة وفراراً من اليمين التي يطالب بها ، فلم يكن في ذلك شيء مما ذكره الشافعية ، وأما قوله  r :( إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما ) فمراد النبي r بهذا اللفظ الصلح الذي يتوصل به إلى تحليل الحرام ، فهو ما زال محرما ، ومع ذلك فإن هذا الصلح يتوصل به إلى تحليله ، فهذا الصلح محرم وممنوع ، كأن يتوصل بالصلح إلى حل الربا أو تعبيد الحر أو تحليل البضع ونحو ذلك ، وعليه فما ذهب إليه جمهور العلماء من الأحناف والمالكية والحنابلة هو القول الراجح في هذه المسالة خلافا لمذهب الشافعية .

 

قوله [ ومن ادعى عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله ثم صالح عليه بمال صح ]

قوله ( بعين ) كأن يدعي عليه أن هذه الدار التي بيده ليست له ، وإنما لفلان ، وقوله ( دين ) كأن يدعي عليه إنسان أن له عليه ألف درهم ونحو ذلك ، أو يدعي عليه أن اشترى سلعة بثمن مؤجل إلى شهر ولم يدفع الثمن بعد ، وقوله ( فسكت ) أي ولم يقر ، فهو صلح على عدم إقرار سواء كان على إنكار أو سكوت ، والسكوت بمعنى الإنكار فإنه لم يقر به ، وقوله ( وهو يجهله ) أي يجهل ثبوت هذا الشيء ، فهو يظن أنه لا يثبت ، وقوله ( ثم صالح عليه بمال صح ) فإذا صالح بمال كأن يقول هذه الدار التي ادعيت أنها لك أصالحك عليها بمائة ألف ريال ، أو أصالحك بأن أعطيك بعضها فهذا يصح ، وهو الصلح على الإنكار وتقدم دليله ، وأن هذا القول هو مذهب جمهور العلماء.

فإن أقام المدعي بعد الصلح بينة أن المنكر أقر قبل الصلح بالملك لم تسمع و لو شهدت بأصل الملك و لم ينتقض الصلح كما في شرح المنتهى وهذا ضعيف .

و اختار شيخ الإسلام و هو المقطوع به النقض لأنه صالح لعجزه عن البينة إذ لو علم البينة لم يسمح بشيءٍ من حقه.

 

قوله [ وهو للمدعي بيع يرد معيبه ويفسخ الصلح ويؤخذ منه بشفعة ، وللآخر إبراء فلا رد ولا شفعة ]

المسألة : هل الصلح على الإنكار بيع أم لا ؟

أي هل هو بيع فتثبت فيه أحكام البيع ، أم ليس بيعا فلا تترتب عليه أحكام البيع ؟

المسألة ذات جهتين :

1- الجهة الأولى : جهة المصالح - بكسر اللام - وهو المدعى عليه .

2- الجهة الثانية : جهة المصالح - بفتح اللام -  وهو المدعي .

أما المدعى عليه فليس الصلح في حقه بيعا ، وإنما دفعه إبراء للذمة ، وليس فيه معاوضة .

أما في حق المدعي فإنها معاوضة ، لأنه يعتقد أن هذه الدار له ، فعاوض عنها بكذا من الدراهم ، فكان هذا بيعا في حقه ، لكن يستثنى من ذلك ما إذا كان الصلح على شيء من ما فيه الدعوى ، فإن هذا يكون استرجاعا لا معاوضة ، ففي المثال المتقدم الذكر وهو مثال الدار ، فإذا قال : أصالحك على أن أعطيك جزءا منها فأعطاه الجزء ، فلا يكون معاوضة في حق المدعي وذلك لأن الأمر لا يعدو إلا أن يكون استرجاعا للحق ، فهو يعتقد أن الدار له ، وقد استرجع بعضها فلا يكون هذا فيه معنى المعاوضة ، وإنما تكون المعاوضة حيث كان ما وقع عليه الصلح فيه شيئا آخر سوى هذه العين.

إذا ثبت هذا فإن الصلح في حق المدعي يترتب عليه أحكام البيع ، وأما الآخر فلا تترتب عليه أحكام البيع ، وعليه فإذا وجد المدعي عيبا فله أخذه مع الأرش على القول به كالبيع ، وله أن يفسخ الصلح كالبيع ، ويتثبت فيه الشفعة ، وسيأتي الكلام عليها ، وأما المدعى عليه فالصلح في حقه إبراء.

 

قوله [ وإن كذب أحدهما لم يصح في حقه باطنا وما أخذه حرام ]

إذا كان أحدهما كاذبا في الدعوى ، سواء كذب في الدعوى أو كذب في الإنكار فلا يجوز له ما أخذه ، فالمدعى عليه إذا كان كاذبا وسكت أو أنكر فبقي له شيء من هذه الدار فلا يحل له هذا البعض وهو يعلم كذب نفسه ، وكذلك المدعي لو ادعى على شخص شيئا وهو يعلم كذب نفسه فأخذ مالا مصالحة فما أخذه يعتبر حراما ، وهو في حكم الغصب ، وهو من أكل أموال الناس بالباطل .

 

قوله [ ولا يصح بعوض عن سرقة وقذف ]

رجل ثبت عليه السرقة أو ثبت عليه حد القذف فهل يجوز الصلح فيه ؟

الجواب : لا يجوز الصلح فيه ، وذلك لأنه حق لا يعتاض عنه ، فليس من الحقوق التي يؤخذ عليها العوض ، فمثلا : إذا ثبت قذف رجل لآخر ، فقال المقذوف أصالحه على كذا من المال ، أو قال المسروق منه أصالحه على كذا من المال ، فهذا لا يجوز ولا يصح الصلح فيه .

وأما القصاص والقود فيصح الصلح فيه وذلك لأنه حق يعتاض عنه في الدية ، فإذا ثبت القصاص ولم يرض أولياء المقتول بالدية فلأولياء القاتل أو للقاتل أن يعرضوا عليهم أكثر من الدية ولو كان ذلك أضعافا مضاعفة ، وذلك لأن القصاص حق يعتاض عنه .

 

قوله [ ولا حق شفعة ]

حق الشفعة لا يحوز فيه الصلح ، مثال هذا : أرض فيها شراكة ، فباع أحد الشركاء نصيبه من الأرض المشترك فيها ، فتثبت الشفعة للطرف الآخر ، فله الحق أن يشتري هذا الجزء المباع على ما سيأتي تفصيله في باب الشفعة ، فحق الشفعة ثابت للشريك  فهل يجوز لهذا الشريك أن يعتاض عن حق الشفعة بمال ؟

الجواب : لا يجوز ذلك ، قالوا : لأن الشفعة إنما شرعت لدفع ضرر الشريك ولم تشرع للاستفادة المالية ،وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.

والقول الثاني : أن ذلك جائز لأنها معاملة والأصل في المعاملات الحل ، وكون الشارع لم يشرعه إلا لدفع الضرر لا يعني هذا أن الاستفادة المالية لا تجوز ، وهو حق له ، وقد اختار لنفسه احتمال الضرر من الشريك ورضي بذلك مقابل المال فلم يمنع من ذلك ، وهذا القول هو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ، والراجح المذهب.

و كذا حق الخيار لا يصح الصلح عنه بعوض في المذهب لأنه شرع للنظر في الأحظ.

و اختار السعدي الجواز وهو أصح لأن الأصل في المعاملات الحل ، كأن يكون الخيار بينهما مدة شهر ، فيقول أسقط حق الخيار بكذا وكذا ، وقول الشيخ السعدي هنا أصح وذلك لأن الخيار هنا متعلق بهذه الصفقة فلا يكون كالمسألة السابقة التي لا دخل لبكر فيها فهذا الرجل الذي اشترى حق الخيار ليلزم البيع فلا تفوته هذه الصفقه وهذا حق مالي فيجوز الإعتياض عنه.

 

قوله [ وترك شهادة ]

لا يجوز الصلح على ترك الشهادة ، سواء كانت شهادة حق أم شهادة باطل ، مثال شهادة الحق : قال له أصالحك على ألا تشهد علي ، وهي شهادة حق فيها إثبات حق مالي عليه ، أو فيها إثبات قصاص أو نحو ذلك ، فهذا محرم ، لأنه كتمان للشهادة ، وقد حرم الله كتمانها ، وإذا كانت الشهادة بالباطل فلا يجوز الصلح عليها ، لأنه يكون قد أكل مال أخيه بالباطل ، مثاله : إذا قال : أصالحك على ألا تشهد علي ، وكان هذا الشاهد يريد أن يشهد عليه شهادة زور ، فقال : لا تشهد علي وأعطيك كذا وكذا صلحا ، فهذا لا يجوز ، وذلك لأن الشاهد يأكل المال بالباطل ، ولا يحرم عليه دفع العوض لذلك ، وذلك لأن فيه دفعا للضرر عن نفسه و لحفظ ماله و هذا كالذي يدفع الرشوة للذي لا يدفع الحق إلا بها فلا تأخذ حقك منه إلا بالرشوة.

 

قوله [ وتسقط الشفعة والحد ]

بيان هذا ، إذا قال له : أسقط حق الشفعة ولك كذا وكذا ، أو قال الشريك أصالحك على ألا شفعة لي وأعطني كذا وكذا من المال ، فهذا الصلح محرم كما تقدم.

وهل تبقى الشفعة؟ ، قالوا : لا ، بل تسقط عنه الشفعة ، فليس له بعد هذا الصلح المحرم حق في الشفعة ، والعوض الذي أخذه يرده على صاحبه ، أما سقوط الشفعة فلأنه رضي بإسقاط الشفعة بهذا المال ، وأما رد العوض فلأنه صلح باطل.

والقول الثاني في المسألة في مذهب الحنابلة أن الشفعة لا تسقط ، وهذا القول هو الراجح ، وذلك لأنه إنما رضي بإسقاط الشفعة مقابل هذا المال ، فإذا ثبت أنه لا حق له في هذا المال فحينئذ ينتفي رضاه ، فهو إنما رضي بشرط العوض ، وحيث لا عوض فلا رضى ، وحيث لا رضى فالشفعة لا تسقط.

قالوا : وإذا ثبت الصلح في حد السرقة أو قذف فإن الحد يسقط ويرد العوض على صاحبه ، أما سقوط الحد فلأنه رضي بإسقاطه ، وأما رد العوض فلأن الصلح باطل ، والجواب أن يقال : إنه إنما رضي بإسقاطه حيث ثبت العوض وأما إن لم يثبت العوض فلا رضا ، وهذا على القول بأن الحد حق للآدمي كحد القذف ، والصواب أنه حق لله تعالى وللآدمي ، فلا يسقط بإسقاط الآدمي له ، فإذا أسقط المقذوف حقه فإن الحد لا يسقط لبقاء حق الله عز وجل ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في باب الحدود ، وعلى هذا فالصحيح أن الشفعة لا يثبت فيها الصلح ، وأن الحدود إن كان يعتاض عنها كحد القصاص فإن الصلح يثبت فيها ، وأما إن كانت لا يعتاض عنها كحد القذف وحد السرقة فلا صلح فيها كما سبق بيانه .

واعلم أن صلح الأجنبي عن المنكر صحيح سواء كان بإذن المنكر أو بدون إذنه ، مثال هذا : ادعى زيد على عمرو أن الدار التي بيد عمرو له ، فصالح أجنبي وهو بكر ، صالح زيدا على كذا وكذا من المال ، مقابل ترك هذه الدعوى وقطع هذه الخصومة عن عمرو ، فإن هذا الصلح جائز سواء أذن بذلك المدعى عليه أو لم يأذن ، وذلك لأن الصلح فيه إبراء للذمة وقطع للخصومة فأشبه قضاء الدين عنه ، وتقدم أن قضاء الدين عنه جائز أذن أم لم يأذن .

وهل يرجع عليه أم لا ؟

الجواب فيه تفصيل :

إذا أذن له المدعى عليه بالمصالحة عنه ، ولم ينو هذا الأجنبي التبرع بل نوى الرجوع ، فإنه يرجع عليه فيأخذ حقه ويكون كالوكيل .

وأما إذا لم يؤذن له بذلك وتصرف من غير إذن فإنه لا يرجع مطلقا سواء نوى التبرع أم لم ينوه ، لأن هذا الصلح غير لازم للمنكر فإنه يمكنه أن يدفع هذه الخصومة باليمين فلم يكن هذا الصلح لازما في حقه ، فحينئذ لا يلزمه أن يعطي الأجنبي ما دفعه من المال في هذا الصلح ، لأنه قد تصرف عنه بما لا يلزمه ، فلا يجب عليه.

 

قوله [ وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره أو قراره أزاله ]

هنا في أحكام الجوار وهي داخلة في مسائل الصلح ، لأن الصلح يصح في بعض مسائل الجوار كما سيأتي إن شاء الله ، أو أن يكون هذا من باب ذكر الشيء مع ما يناسبه .

فإذا حصل غصن شجرته في هواء غيره أو قراره أزاله ، لأن مالك القرار مالك للهواء ، فمن ملك أرضا فإنه يملك هواءها ، وتقدم هذا في باب بيع الأصول والثمار ، فإذا غرس جاره شجرة في ملك نفسه فخرجت أغصانها إلى قرار أرض جاره أو هوائها وطالبه الجار بإزالة ذلك فإنه يجب عليه أن يزيلها ، ولذا قال المؤلف هنا ( أزاله ) ، هذا إذا كان بطلب منه ، وهل يجبر على هذا إن أبى أم لا ؟

قولان في المذهب :

القول الأول : وهو المشهور من المذهب أنه لا يجبر ، قالوا : لأنه هذا ليس من فعله .

القول الثاني : وهو الراجح أنه يجبر على هذا ، لأنه وإن لم يكن من فعله فهو من أثر ملكه ، والشجر غير مكلف فكان التكليف لاحقا للمالك ، فعليه أن يزيله ، فإن ترتب ضرر بعد مطالبة الجار فإنه يضمن لأنه قد تعدى والمتعدي ضامن .

 

قوله [ فإن أبى لواه إن أمكن وإلا قطعه ]

فإن أبى أن يزيله فإنه يلويه ، أي يلوي الجار الغصن الذي خرج على أرضه ، يلويه إن أمكن ذلك بلا غرامة ولا مشقة ، و إن لم يمكن فله أن يقطعه وليس له أن يقطعه مع إمكان ليه ، فإن قطعه مع إمكان ليه فإنه يضمن لأنه متعدي والمتعدي ضامن ، إذن يلويه فإن لم يمكنه فإنه يقطعه ولا ضمان عليه حينئذ للحوق الضرر به ، وكان هذا كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل .

كذلك عروق الشجر إذا حصلت  في قراره فكذلك لأنه يملك الأرض وقرارها لكن إن كانت لا تؤثر على بناء الجار أو بئره فالراجح الجواز و هو ظاهر ما في الكافي للموفق.

ولا يجوز لصاحب الملك أن يضع في ملكه ما يتضرر به جاره ، كأن يغرس فيه أثلا أو أن يضع فيه تنورا بحيث يتأذى من دخانه ، أو يضع فيه حماما فيه بخار بحيث يلحق الجار ضرر أو كان يتأذى به فهذا لا يجوز لقول النبي r ( لا ضرر ولا ضرار) [4] فهو يتصرف في ملكه بما شاء في حدود ما أباحه الله ، لكن ليس له أن يفعل في ملكه ما يكون فيه ضرر على جاره .

 

 

قوله [ ويجوز في الدرب النفاذ فتح الأبواب للاستطراق ]

الدرب النافذ هو الذي ثبتت فيه الملكية العامة وليست الخاصة ، فله أن يفتح عليه الأبواب للاستطراق أي لتكون طريقا ، فهذا جائز ولا خلاف في جوازه ، لأن هذا لا يضر بالمجتازين والحاجة داعية إليه ، وما زال المسلمون يفعلونه قديما وحديثا من غير نكير .

 

قوله [ لا إخراج روشن وساباط ]

الروشن : كان موجودا قديما ويوجد أيضا في البيوت المسلحة ، وهو أن يمتد السقف إلى الخارج ما يقارب المتر و المترين ثم يُبنى عليه.

أما الساباط فهو أن يمتد السقف حتى يصل إلى الجدار المقابل ثم يُبنى عليه ، فلا يجوز أن يضع الروشن والساباط ، قالوا : لأن الهواء ملك لغيره ، فإذا بناه فقد بناه على ملك غيره ، ولأنه قد يضر بالمجتازين بالسقوط ، فقد يسقط ، ولأنه - لاسيما الساباط - يسد الهواء ، ويمنع دخول الضوء ومرور سيارةٍ محملةٍ ، قالوا : فلا يجوز إلا بإذن السلطان ، فإذا أذن فإنه يجوز ذلك ، لأن السلطان نائب المسلمين ، وهو حق للمسلمين ، فإذا أذن فيه السلطان وهو نائبهم جاز.

وعن الإمام أحمد وهو مذهب جمهور العلماء أن ذلك جائز حيث لا ضرر.

وأما المذهب فإنهم يمنعون منه مطلقا سواء كان فيه ضرر أم لم يكن إلا بإذن السلطان.

قال الجمهور : يجوز ذلك إذا لم يكن فيه ضرر ، لأن الطريق يسلكه المارة ويجلسون فيه ، فكذلك يجوز بناء ما ذكر ، واجب الحنابلة بأن المشي في الطريق إنما وضع الطريق له ، فلم يمنع منه ، ولأن الجلوس في الطرقات لا يدوم ولا يمكن التحرز منه بخلاف هذا ، وما ذهب إليه الحنابلة أظهر وأنه يحتاج إلى إذن السلطان ، وذلك لأن هذا الهواء ملك عام للمسلمين فاحتيج إلى إذنهم ، والسلطان هو نائبهم ، وبناءه بغير إذن تصرف في ملك الغير ، ولأنه قد يقع فيه ضرر ، ولا شك أن فتحه من غير إذن السلطان قد يترتب عليه مفاسد كثيرة ، فالصحيح ما ذهب إليه الحنابلة .

 

قوله [ ودكة ]

الدكة هي المكان المرتفع يبنى عند الدار ويجلس عليه ، وهذا لا يجوز ، ولا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يجوز ، كما قال ذلك الموفق ، فلا يجوز هذا سواء كان الطريق واسعا أو ضيقا لأنه تصرف في الملكية العامة.

و المذهب لا يجوز و لو أذن السلطان لأنه ليس فيه مصلحة و الضرر محتمل

 

قوله [ ولا ميزاب ]

لا يجوز أن يوضع الميزاب ، بحيث يصب في الطريق ، وهذا هو المشهور من المذهب ، قالوا : لأنه يزلق الطريق ، ولأنه قد يؤذي المارة  ، وعليه فيحتاج إلى إذن من السلطان ، والقول الثاني في المسألة وهو مذهب جمهور العلماء وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن ذلك جائز ، قالوا : لأن الحاجة داعية إلى وضعه لأنه يدفع الضرر عن البيت ، وعادة الناس جارية على وضعه قديما وحديثا ولا نكير فيه ، وكونه يزلق ويؤذي المارة فإن هذا ضرر ضعيف بالنسبة إلى الضرر الذي يقع في بيوت الناس ، وكون الزلق في الطريق هذا يقع مع الأمطار ومع سيل الماء من البيوت وهذا يقع غالبا ، فيكون حدوث هذا في ضمن حدوث غيره ، فالذي يظهر أنه لا يحتاج إلى إذن من السلطان لأن الحاجة داعية إليه ، والعادة جارية به .

 

قوله [ ولا يفعل ذلك في ملك جاره ودرب مشترك بلا إذن المستحق ]

فليس له أن يضع في هواء جاره روشنا ولا ساباطا ولا ميزابا ولا دكة ولا غير ذلك ، وذلك لأنه تصرف في ملك الغير بدون إذنه فلم يحل ، كذلك الدرب المشترك لا يحل له أن يفعل فيه مثل هذا ، بل يتوقف هذا على إذن المشارك لأن فيه ملكية للغير فاحتيج منه إلى الإذن ، فإن أذن فهذا جائز .

 

قوله [ وليس له وضع خشبة على حائط جاره إلا عند الضرورة إذا لم يمكنه التسقيف إلا به وكذلك المسجد وغيره ]

يجوز له أن يضع خشبة على حائط جاره أو الحائط المشترك بينهما بشرطين :

الأول : ألا يكون في ذلك ضرر على الجار ، لحديث :( لا ضرر ولا ضرار )

الثاني : أن تكون هناك ضرورة لذلك ، أما إذا كانت حاجة فلا ، فإذا كان يمكنه أن يضع الخشب على غير جدار جاره كأن ينصب خشبا فيضعها عليه أو أن يضع جدارا آخر فإنه ليس له أن يفعل ذلك - هذا معنى كلام المؤلف - وكذلك المسجد وغيره كالوقف من باب أولى ، لأنه إذا ثبت في حق الآدمي المبني حقه على المشاحة ففي حق الله المبني على المسامحة أولى ، ودليل هذه المسألة قول النبي r :( لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه على جداره )[5] متفق عليه من حديث أبي هريرة ، وظاهر الحديث عدم اشتراط الضرورة ، فالحديث عام في الضرورة وغيرها ، وهو قول ابن عقيل من الحنابلة ، وأن الجار له أن يغرز خشبه على جدار جاره حيث لا ضرر على الجار ، وإن لم تكن هناك ضرورة ، وهذا القول هو الموافق لظاهر حديث النبي r فالصحيح أنه لا يشترط الضرورة ، بل ذلك جائز حيث لا ضرر لعموم الحديث.

وقال جمهور العلماء : لا بد من الإذن ، وحملوا الحديث على الكراهية ، وأن له أن يمنع لكن يكره له المنع ، وهذا يخالف ظاهر قول النبي r  فإن ظاهر قوله التحريم ، قال الجمهور : ليس له أن يضع خشبه على جدار جاره عند الضرورة مع عدم الضرر إلا بإذن الجار ، واستدلوا بالأحاديث العامة "في أنه لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيب نفس منه"[6] .

والجواب : أن هذا الحديث عام ، والحديث الذي استدل به الحنابلة خاص ، فيخصص عموم هذا بهذا ، إذن له أن يغرز الخشبة في جدار جاره من غير إذن حيث لا ضرر سواء أكانت هناك ضرورة أم لم تكن . فإن أبى أجبره الحاكم فإن صالحه عنه بعوض جاز في المذهب.

قوله [ وإذا انهدم جدارهما أو خيف ضرره فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه أجبر عليه ]

إذا انهدم جدارهما المشترك ، أو خيف ضرره - أي خيف أن يسقط - فطلب أحدهما من الآخر أن يعمره معه فإنه يجبر على ذلك ، وهذا هو المشهور في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله.

وقال الأحناف والشافعية لا يجبر على ذلك.

أما دليل أهل القول الأول فهو حديث :( لا ضرر ولا ضرار ) وانهدامه يضر بالجار ، واستدل أهل القول الثاني بعلة وهي أن هذا الجار الذي لم يشأ أن يبني جداره لا يلزمه أن يبنيه ، والجدار لا حرمة له ، فلم يجب عليه أن ينفق عليه ، فالنفقة غير واجبة في بنائه وإصلاحه ونحو ذلك ، وما ذكروه صحيح حيث كان الجدار له وحده ، أما وله مشارك.

وعليه فالراجح هو القول الأول ، ويؤيده ما سبق ذكره في الرهن وأنه يلزم بالنفقة على الرهن حيث كان هناك ضرر على الآخر ، وهنا كذلك .

و إن بنا جداراً مشتركاً بينه و بين جاره فله الرجوع إن نواه لما تقدم.

 

قوله [ وكذا النهر والدولاب والقناة ]

كذلك النهر إذا احتاج إلى إصلاح فإن كل من يستفيد من هذا النهر فإنه يلزم بالإشتراك في إصلاحه ، وهذا يتضح في الأنهار التي تحتاج إلى إصلاح وتعمير وحفر ، وذلك لأنه مشترك فيه فأشبه المسألة المتقدمة ، فإن حقوق الشركاء متعلقة به ، بخلاف ما لو كان منفرداً به ، كذلك الدولاب ، وهو الذي تديره الدابة للسقي بمعنى : يكون في البئر أو عند النهر فتديره الدواب فيسقي منه الناس ، فالدولاب إذا احتاج إلى إصلاح فكذلك كما يكون في الجدار ، وكذلك القناة ، وهي ما يشق من النهر ليجري إلى مزارع الناس أو إلى بيوتهم ، فكذلك إذا احتاج إلى إصلاح فإنه يجبر الآخرون ، لأنه حق مشترك ، لحديث :( لا ضرر ولا ضرار) .

ومن هذا الحديث يؤخذ أن الجار إذا كان منزله عاليا فإنه يؤمر بوضع سترة تمنعه من الإشراف على جيرانه ، وأما إن كانت البيوت متساوية في العلو ويشرف بعضها على بعض فإن السترة يشترك فيها ، وذلك لما تقدم في الجدار المشترك ، فهنا ما دام أن البيوت متساوية فإن السترة يشترك فيها ، فإذا أراد بعض الجيران عمل سترة فإن له أن يطالب بقية الجيران بوضع السترة لأنه حق مشترك .

وذكر بعض الأحناف أنه إن كان ارتفاع النافذة قدر قامة الإنسان و كذا السترة فلا بأس و هو جيد.

ولا يمنع الجار غير المضار من تعلية بناء داره و لو أفضى إلى سد الفضاء عن جاره أو نقص أجرة داره.

 

مسألة :

هل يجوز أن يقول الجار لجاره : آذن لك أن تجعل الأغصان تمتد إلى أرضي بعوض ؟

الجواب : هذا جائز ، فإن قيل : امتداد الأغصان مجهول ، فأصبح المصالح عنه مجهولاً فلا يجوز ، فالجواب : أن هذا المصالح عنه مجهول لا يمكن العلم به ، فأشبه الإرث الدارس ، وحيث كان المصالح عنه مجهولاً يحتاج فتعذر معرفته فإن الصلح جائز كما تقدم.

 وفي المسألة قولان في المذهب ، فالمشهور من المذهب المنع منه لأن المصالح عنه مجهول ، والقول الثاني أنه جائز ، قال الموفق : " واللائق في مذهب أحمد صحته " ا.هـ

و إن اتفقا على أن الثمرة التي تحصل بهواء الجار له أو بينهما جاز في المذهب لأنه أسهل من القطع و لم يلزم الصلح فلكل منهما إبطاله متى شاء لجهلة العوض.

و قال ابن القيم و بعض الحنابلة ثمرة غض في طريق عام للمسلمين لأن إبقاءه إذن عرفي في تناول ما سقط منه

 

 

والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم





حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net