![]() |
![]() ![]() |
|
المكتبة المقروءة
:
الفقه
:
زاد المستقنع - البيع
|
|
المكتبة المقروءة
:
الفقه
:
زاد المستقنع - البيع
الحجر |
|
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
باب الحجر
الحجر لغة : المنع ، وفي اصطلاح الفقهاء : منع إنسان من التصرف في ماله ، والحجر نوعان : 1- حجر لحظ النفس ، كالحجر على الصبي في ماله . 2- حجر لحظ الغير ، كالحجر على المفلس . وقد روي عن النبي r :( أنه حجر على معاذ في ماله وباعه في دين كان عليه )[1] وعليه العمل ، وله شاهد عن عمر بن الخطاب t من فعله ، رواه مالك في موطئه أنه حجر على رجل من جهينة[2] والعمل على هذا عند أهل العلم ، وفيه حفظ للحقوق ، فالحجر على الغير فيه حفظ لحقوق الغير من الضياع ، فالحجر على المفلس فيه حفظ لحقوق الدائنين من الضياع، كما أن في ذلك إبراء للذمة من الدين ، والحجر لحظ النفس فيه حفظ لمال المحجور عليه من الضياع . ولا حجر إلا في حقوق الآدميين أما دين الله فلا يحجر به كنذر وكفارة وزكاة ذكره الشافعية ولا أعلم فيه خلافاً.
قوله [ ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه لم يطالب به وحرم حبسه ] مثاله : رجل مدين سواء كان عن قرض أو عن ثمن مبيع أو نحو ذلك ، ففي ذمته ديون لا يقدر على وفائها فهو معسر ، فتحرم مطالبته بالدين لإعساره ويحرم حبسه ، ودليل ذلك قول الله تعالى ] وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة [ فأوجب الله إنظاره فحرمت المطالبة وحرم الحبس ، ولما ثبت في مسلم من حديث أبي سعيد الخدري :( أن رجلا أصيب في عهد النبي r في ثمار ابتاعها فأفلس ، فقال النبي r تصدقوا عليه ، فتصدق الناس عليه ، فقال النبي r لغرمائه : خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك )[3] فدل على أنهم ليس لهم مطالبته وأنه ليس للحاكم أن يحبسه ، ولقول النبي r فيما رواه أبو داود والنسائي والحديث حسن :( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته )[4] أي مماطلة الغني تحل عرضه أي أن يقول : مطلني ، وتحل عقوبته : أي الحبس ، قال ذلك سفيان بن عيينة كما في صحيح البخاري قال :" عرضه أن يقول : مطلني ، وعقوبته : الحبس " [ خ كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس ] ، ومفهوم هذا الحديث أن غير الواجد لا يحل عرضه ولا عقوبته ، فعليه : من لم يقدر على وفاء شيء من دينه لم يطالب به ، وحرم حبسه ، وأما إن كان معروفاً بالغنى أو كان الدين عن عوض كثمن مبيع أو قرض ، كأن يشتري سلعة بثمن مؤجل ، ثم ادعى الإعسار ، فإنه يحتاج إلى بينة تثبت إعساره ، لأن الأصل بقاء هذا المبيع الذي قد اشتراه بثمن ، والأصل أيضاً بقاء غناه ، فهو معروف بالغنى ، فإذا ادعى الإعسار لم يقبل ذلك إلا أن يأتي ببينة ، فإن لم يأت ببينة فإنه يحبس ، لقول النبي r :( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ) ، والمشهور في مذهب الإمام أحمد أن البينة على الإعسار أن يشهد شاهدان ، فإن شهد اثنان على أنه معسر فإن ذلك يكفي ، وعن الإمام أحمد وهو مذهب بعض الحنابلة وبعض الشافعية وهو اختيار ابن القيم أنه لا يكفي لإثبات إعساره إلا ثلاثة ، فإذا شهد ثلاثة ممن يخبر حاله على أنه معسر فإن الإعسار يثبت ، ودليل هذا ما ثبت في مسلم أن النبي r قال :( ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش )[5] ، فإذا كان هذا في المسألة وفي جواز إعطاء الزكاة ، فأولى من ذلك ما يسقط به أداء الدين ، فلا شك أن الاحتياط في قضاء حقوق الناس أولى من المسألة ومن إعطائه شيئا من الزكاة ، وهذا القول هو الراجح ، وأن البينة المثبتة للإعسار يشترط أن يكون ثلاثة ممن يخبر حاله . وأما إن كان الدين عن غير عوض كقيمة متلف أو ضمان أو عوض خلع ونحوه ولم يقر أنه مليء حلف وخلى سبيله .
قوله [ ومن له مال قدر دينه لم يحجر عليه وأمر بوفائه ]من ماله قدر دينه فإنه لا يحجر عليه ، إذ لا فائدة من الحجر ، فالمقصود من الحجر حفظ حقوق الناس ، وحيث إن ماله قدر دينه فلا فائدة من الحجر ، وفي بعض الشروح :" ومن له قدرة على وفاء دينه " ، فلا يحجر عليه إذا لا فائدة من الحجر وهو قادر ، لكن يؤمر بالوفاء وذلك لأن مطله ظلم ، والواجب على الحاكم أن يمنع الظلم والمماطلة . واعلم أن المفلس الذي يحجر عليه عند الفقهاء كما هو المشهور في المذهب هو من دينه أكثر من ماله ، وعليه فإذا كان دينه قدر ماله فإنه لا يحجر عليه ، وقد تقدم أن في بعض النسخ كما في بعض النسخ من الروض :" ومن له قدرة " ، هذا هو المشهور في مذهب الفقهاء، وفي هذا نظر ، فإن العلة التي يحجر بها على من كان دينه أكثر من ماله هي تعلق حقوق الغرماء ذوي الديون الحالة ، وهذه العلة ثابتة أيضا فيما إذا كان ماله قدر دينه ، ولذا قال بعض الحنابلة :" وكذلك إذا كان قدره ولا كسب له وليس له ما ينفق على نفسه سواه " وهو كما قال لما تقدم ، والأحكام تدور مع عللها وجوداً وعدماً ، فحقوق الغرماء متعلقة بماله حيث كان دينه قدر ماله كأن تكون عنده حلي تساوي عشرة آلاف ، وعليه دين يساوي عشرة آلاف ، وليس له طريق يتكسب به ، فنفقته من هذه الحلي ، فإنه يحجر عليه ، أما إذا كان له كسب آخر يأكل منه وينفق منه على نفسه ، أو كانت له صنعة ينفق على نفسه منها فإنه كما قال الفقهاء . إذن إذا كان لا مال له سوى هذا المال الذي تعلقت به ديون الناس فإنه يحجر عليه ، وعلى هذا فالراجح هو ما ذكره بعض الحنابلة من أن المفلس من كان دينه أكثر من ماله ، أو قدر ماله ولا كسب له سواه وهو مذهب الشافعية . وهل للغريم أن يمنع مدينه من السفر أم لا ؟ وبعبارة أخرى : هل لا بد أن يستأذن المدين الدائن عندما يريد السفر ؟ المسألة فيها تفصيل : الحالة الأولى : أن يكون قدومه من سفره قبل حلول الأجل المتفق عليه ، فهنا ليس للدائن أن يمنع المدين من السفر وهو رواية عن الإمام أحمد وأختارها ابن سعدي لما في منعه من تفويت المصالح لأن الغريم قبل حلول الدين ليس له المطالبة ، ولأنه المعروف عند الناس والمعروف عندهم كالمشروط فالشرط العرفي كالشرط اللفظي) ، والمذهب له المنع لأن قدومه عند المحل غير متيقن والأصح هو القول الأول لكن إن كان السفر غير آمن كسفر الجهاد غير المتعين ونحوه فله أن يمنعه ، إلا أن يقيم ضميناً أو رهناً . الحالة الثانية : أن يكون قدومه بعد حلول الأجل ، فهنا يشترط الاستئذان لتعلق حق الغريم ، إلا أن يوثقه برهنٍ أو ضمين مليء . فإن كان معسراً فلغريمه منعه من السفر حتى يقيم كفيلاً ببدنه لأنه قد يوسر في البلد الذي سافر إليه كما قررهذا شيخ الإسلام .
قوله [ فإن أبى حبس بطلب ربه ]فإذا أبى الوفاء فإنه يحبس بطلب رب المال . ولايجب حبسه في مكان معين بل المقصود منعه من التصرف حتى يؤدي الحق فيحبس ولو في داره كما قال شيخ الإسلام ، وليس للحاكم إخراجه حتى يتبين أنه معسرٌ أويبرأ من غريمه . قوله [ فإن أصر ولم يبع ماله باعه الحاكم وقضاه ]إذا أصر وأبى أن يقضي صاحب الحق حقه فحينئذ يباع ماله عليه ويعطى صاحب الحق حقه ، لأن هذا من منع الظلم ومنع الظلم واجب ، ودليل حبسه حديث :( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ) وهذا لَيٌ منه ، ولأنه كما قال صاحب الإنصاف :" الغالب أن الحقوق لا تستخرج إلا به - أي بالحبس - أو ما هو أشد منه في الأزمنة المتأخرة " ا.هـ وظاهر كلام المؤلف وغيره من الحنابلة أنه يحبس مطلقاً ولو عارض ذلك حق آخر ، كأن يكون أجيراً فيكون في حبسه تضييع حق مستأجره ، أو أن تكون زوجة فيكون في حبسها تضييع لحق زوجها ، واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أنه إذا عارضه حق آخر فإنه لا يحبس وذلك لأنه يمكن أن يجبر على إعطاء الحق بغير الحبس ، فكان الإجبار بغير الحبس فيه تحصيل للحقين ، فيحصل الزوج حقه من زوجته ، ويحصل الدائن حقه من مدينه بغير حبس ، وهذا هو الظاهر إن أمكن ذلك ، فإذا أمكن أن يحجر على المرأة في بيتها وأن تحبس في بيتها فتمنع من الخروج وكان في استطاعة الزوج منعها من ذلك ، وكذلك إذا كان هناك قدرة على حبس الأجير في محل عمله ونحو ذلك فأمكن حفظ حق الغريم من غير أن يكون هناك حبس وأمكن جبره على إعطاء الحق فإن ذلك هو الأولى . والحجر لا يثبت إلا بحكم الحاكم ، وهذا هو قول الحنابلة وعليه فله أن يتصرف قبل حجر الحاكم عليه ، وإن كان هذا التصرف يضر بغرمائه ، فمثلا : رجل مدين ، وقد استوفت الديون أمواله ، فتصدق بشيء من ماله أو أوقفه أو أهداه أو تصرف فيه بأي شيء من التصرفات التي تضر بالغرماء فصريح كلام الحنابلة أنه ينفذ تصرفه ويصح ، وإنما لا ينفذ إذا حكم الحاكم بالحجر عليه ، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن الحجر يثبت قبل حكم الحاكم متى توفرت دواعيه ، فإذا توفر داعي الحجر فليس له أن يتصرف ولا تنفذ تصرفاته ، فإذا كان الرجل مديناً وكان في تصرفه ضرر على الدائنين فإن هذا التصرف لا ينفذ ، وهذا القول هو الراجح ، وذلك لما فيه من حفظ حقوق الناس ، فلو أعتق لم ينفذ عتقه ، ولو تصدق لم تنفذ صدقته وهكذا سائر الأحكام ، وحكم الحاكم بالحجر لا يعدو أن يكون إظهاراً لمنعه من التصرف وإلا فهو ممنوع من التصرف قبل ذلك مع مطالبة الغرماء، لأن الأحكام تدور مع عللها وجوداً وعدماً والعلة ثابتة قبل حكم الحاكم .
قوله [ ولا يطلب بمؤجل ] فإن المؤجل لا يجب أداؤه إلا عند حلوله ، فإذا لم يحل فإن أداءه غير واجب ، وعليه فلا يطالب به لأنه ليس بواجب . وعنه أنه يحل بالفلس وهو مذهب مالك واختار إبن سعدي ؛ إن كان مؤجلاً بربح أسقط منه مقدار ما سقط من المدة. والمذهب أظهر لأنه مؤجل فلم يلزمه أداؤه قبل أجله . قوله [ ومن ماله لا يفي بما عليه حالاً وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه أو بعضهم ]لما تقدم من حديث معاذ وأثر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، وتقدم أن العمل عليه عند أهل العلم ، فمن كان ماله لا يفي بما عليه من الديون الحالة فإنه يحجر عليه ، بسؤال غرمائه أو بعضهم ، لأنهم أصحاب الحق ، وتقدم القول بأنه يحجر عليه قبل حكم الحاكم بعد مطالبة الغرماء لتعلق حقوقهم بذلك كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره . قوله [ ويستحب إظهاره ]أي يستحب إعلان وإظهار ذلك ، ليكون تصرف الناس معه على بصيرة ، لئلا يغتر به الناس . قوله [ ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر ولا إقراره عليه ]إذا حُجر عليه فإنه لا ينفذ تصرفه في ماله ، وذلك لتعلق حق الغريم بماله، فلو أعتق لم ينفذ ، ولو وهب أو أوقف وقد حُجر عليه فإن هذه التصرفات لا تنفذ ، وكذلك لو أقر فإن إقراره عليه لا ينفذ ويتعلق بذمته وذلك لتعلق حق الغرماء بماله .
قوله : [ ومن باعه أو أقرضه شيئاً بعده رجع فيه إن جهل حجره وإلا فلا ] إذا باع رجل على هذا المفلس شيئاً بثمن مؤجل ، أو أقرضه شيئاً ولم يعلم أنه محجور عليه فله أن يرجع ، وذلك لأنه معذور بجهله وإن كان يعلم حجره فليس له الرجوع لأنه دخل على بصيرة . والأظهر أن له الخيار على الفور وهو أحد الوجهين لأن تأخيره إضرار بالغرماء ، والمذهب على التراخي . فإن قيل : ألا يكون مفرطاً لأنه لم يسأل أهو محجور عليه أم لا ؟ فالجواب : أن الأصل عدم الحجر ، فالأصل هو صحة التصرف ونفوذه .
قوله : [ ومن باعه شيئاً قبل الحجر ثم وجد سلعته قائمة بعينها بعد الحجر عليه فهو أحق بها من سائر الغرماء ] مثاله : رجل باع رجلا سلعة بثمن مؤجل إلى شهر ، وبعد أسبوع أفلس الرجل ، وحكم عليه بالحجر ، فوجد هذا الرجل سلعته قائمة بعينها ليس فيها زيادة متصلة ولا نقص بأن لا يتلف بعضها ولا يضر نقص الصفة والزيادة المنفصلة لا تمنع الرجوع وهي للبائع كثمرة وكولد ، والوجه الثاني للمتري لأن المتصلة تتبع في الفسوخ البائع دون المنفصلة وهو أصح واختاره الموفق ولم يأخذ من ثمنها شيئاً فله الرجوع ، ودليل هذه المسألة ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به ) [ خ 2402 ، م 1559 ] هذا إذا لم يكن فيها زيادة ولا نقصان ، فإن كان فيها زيادة كأن يكون عبداً فتعلم عنده الكتابة ، أو يكون فيها نقص كأن يشتري سلعة فيتصرف فيها تصرفاً ينقصها كطعام ونحوه يؤخذ منه شيء يسير ، فقد اختلف أهل العلم ، هل له الرجوع أم لا حق له في الرجوع فيكون أسوة الغرماء يأخذ قسطه من الدين كما يأخذ سائر الغرماء قسطهم من الدين ؟ قولان لأهل العلم : قال الحنابلة : لا رجوع له ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أدرك ماله بعينه ) وهذا لم يدرك بعينه بل أدركه وفيه زيادة أو نقص . وقال المالكية والشافعية : بل يرجع ، وعليه إن كانت السلعة فيها زيادة فإن هذه الزيادة تقوم ويدفع قيمتها للغرماء ، وإن كان فيها نقص فيشارك الغرماء بقدر هذا النقص ، كأن تكون السلعة سعرها قبل هذا النقص مائة ألف ، وبعد النقص أصبحت تساوي ثمانين ألفاً فيشارك الغرماء بعشرين ألفا ، فيكون كما لو كان عليه عشرون ألفا فحسب ، والصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول ، وذلك لثبوت الزيادة والنقص ، ولأن الأصل أنها أصبحت ملك للمدين وكل ملك لهذا المدين فالغرماء فيه أسوة ، وهم مشتركون فيه ، وهذا خلاف الأصل فتعين البقاء على ما ورد ، فهو استثناء ، ولأنه إذا قبض شيئاً من الثمن فهو أسوة الغرماء ، فكذلك إذا تغير المبيع بزيادة أو نقص ، فلو أنه مثلا باعه سلعة بمائة ألف إلى سنة ، وأعطاه مقدما خمسة آلاف ثم أفلس هذا المشتري ، وحجر عليه فحينئذ لا رجوع لهذا البائع وإن وجد سلعته قائمة بعينها ، لا زيادة فيها ولا نقصان فكما أنه إذا كان هناك استلام شيء من الثمن فلا رجوع فكذلك إذا كان هناك تغير في المبيع بزيادة أو نقص ، والدليل على أنه إذا استلم شيئاً من الثمن فلا رجوع له ما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أيما رجل باع متاعه فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً فوجد متاعه بعينه فهو أحق به ، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء ) [ د3520 ] والحديث اختلف في وصله وإرساله ، والصواب أنه مرسل ، كما رجح هذا أبو داود وغيره ، لكن لكل شطر من الحديث شاهد ، أما الشطر الأول وهو الذي فيه أنه إذا قبض شيئاً من الثمن فلا رجوع له فله شاهد عند الإمام أحمد من حيث الحسن عن أبي هريرة [ حم 10415 ] وأما الشطر الثاني الذي فيه أنه إذا مات فإن البائع أسوة الغرماء – وهي مسألة أخرى – فلها شاهد عند ابن ماجة من حديث أبي هريرة [ جه 2361 ] وفيه اليمان بن عدي وهو ضعيف لكن حديثه يصلح أن يكون شاهداً . فهذا الحديث فيه مسألتان : المسألة الأولى : أنه إذا قبض شيئاً من الثمن فلا رجوع . المسألة الثانية : أنه إذا مات المشتري المفلس وانتقل الحق إلى الورثة فلا رجوع بل يكونوا أسوة الغرماء . وللمؤجر مع المفلس فسخ الإجارة قبل مضي شيء من المدة فإن مضى بعضها فلا لأنه لم يجد عين ماله بمنزلة تلف بعض العين والراجح أن له فيما بقى ويشارك الغرماء بأجرة ما مضى وهو مذهب المالكية والشافعية بالفرق مع ما سبق من ترجيح .
قوله : [ وإن تصرف في ذمته أو أقر بدين أو جناية توجب قوداً أو مالاً صح ] تقدم أنه ليس له أن يتصرف في الأموال التي ثبت الحجر عليها ، فليس له أن يتصرف فيها مثاله : عنده مزرعة ودار ودكان ثبت الحجر عليها ، فليس له أن يتصرف فيها ببيع أو هبة أو هدية أو نحو ذلك ، لأن مقتضى الحجر منعه من ذلك ، ولما في ذلك من الإضرار بحقوق الغرماء فقد تعلقت حقوق الغرماء بهذه الأموال التي قد ثبت الحجر عليها ، ومثل ذلك الإقرار ، فلا يجوز ، فلو قال هذه الدار – التي ثبت الحجر عليها – لفلان فلا يقبل إقراره ، وأما هنا فالأموال التي أقر بها أو التي باع بها قد تعلقت في الذمة ، فإذا اشترى في الذمة أو اقترض أو أقر أو نحو ذلك فهي تصرفات صحيحة ، وذلك لأنه أهل للتصرف ، فهو جائز التصرف ، وإنما حجر عليه في ماله لا في ذمته ، فالحجر ثابت في هذه الأموال التي قد احتيط لحقوق الغرماء بالحجر عليها ، وأما ما يكون في الذمة فإنه عن هذا ، فله أن يشتري في الذمة وأن يوصي وأن يقترض وغير ذلك ، ولا يطالب هذا المقرض ولا هذا الدائن بحقه في هذه الأموال التي ثبت الحجر عليها ، وإنما يطالب بها بعد الحجر وذلك لحقوق الغرماء ، ولذا قال المؤلف بعد ذلك :
قوله : [ ويطالب به بعد فك الحجر عنه ] فلا يطالب إلا بعد فك الحجر عنه ، لأن هذا الحجر ثابت لحقوق الغرماء ، وأما هذا الغريم الذي قد ثبت حقه بعد الحجر فلا حق له في هذه الأموال التي ثبت الحجر عليها .
قوله : [ ويبيع الحاكم ماله ] فيبيع الحاكم هذه الأموال بالأحظ له ، فيبيعها بثمن السوق بأفضل ما يمكن ، فلا يتعجل البيع بل يحتاط له في البيع ، فيبيعها من غير عجلة ، لأن العجلة في الغالب تنقص من ثمنه .
قوله : [ ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه ] مثال هذا : عليه من الديون مائتا ألف ، والدائنون أربعة ، لكل واحد منهم خمسون ألفا ، فكل واحد منهم يريد منه الربع أي بنسبه ( 25% ) ، فإذا بعنا ماله فتحصل لنا مائة ألف فلكل واحد منهم ( 25% ) أي ربع المائة ألف ، فكل واحد منهم يأخذ خمسة وعشرين .
قوله : [ ولا يحل مؤجل بفلس ] إذا أفلس الرجل وثبت الحجر عليه فإن ديونه المؤجلة لا تحل ، وذلك لأن التأجيل حق له ، فلا يسقط بفلسه .
قوله : [ ولا بموت إن وثق الورثة برهن أو كفيل مليء ] إذا مات فلا يحل دينه المؤجل ، مثال هذا : اشترى رجل من آخر سيارة بمائة ألف إلى سنة ثم توفي بعد يوم أو يومين ، فلا يحل هذا الدين بل يبقى مؤجلا كما اتفقوا عليه قبل الموت لأن الأجل له فورث كسائر حقوقه لكن لابد أن يوثق برهن أو كفيل مليء ، فيقال للورثة : إما أن تعطوه حقه ، وإما أن توثقوه برهن – يعني بالحق – أو كفيل مليء حفاظاً على حقه من الضياع ، لأنه إذا مات من عليه الدين وانتقل ماله إلى الورثة فإن هذا مظنة ضياع الحق ومظنة المضارة بصاحب الحق فلا بد أن يحتاط له وعنه وهو الراجح . أنه يحل بموت الميت ، وهو مذهب جمهور العلماء ؛ لأن بقاءه ضرر على الميت لبقاء ذمته مرتهنة به ، وعلى الوارث لمنعه التصرف من التركة ، وعلى الغريم بتأخر حقه وربما تلفت التركة وعليه فإن كان مؤجلاً بربح سقط من الربح ما سقط من المدة كما في الفائق واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي.
قوله : [ وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه ] وهذا ظاهر ، ففي المسألة السابقة : الغرماء أربعة ، فثبت غريم خامس ، فلابد وأن يكون له نصيب من القسمة ، فيأخذ قسطه فتعود المسألة حينئذ بعد أن كان لكل واحد منهم الربع يكون لكل واحد منهم الخمس ، هذا إذا كان نصيبه كنصيب سائر الغرماء ، وهذا كما لو ظهر للميت غريم بعد قسم ماله ، إذن فينتقض ويشاركهم .
قوله : [ ولا يفك حجره إلى الحاكم ] لا يفك حجره إلى الحاكم ، هذا إن بقي عليه حق ، وذلك لأن هذا الحجر قد ثبت بحكمه فلم يفك إلا بحكمة ، وأما إذا لم يبق عليه شيء فإن الحجر ينفك تلقائياً ، بمعنى أنه بمجرد ما يقضي ما عليه من الديون ولا يبقى عليه حقوق فحينئذ يفك عنه الحجر من غير حكم الحاكم وذلك لزوال موجبه ، فإن الموجب للحجر هو تعلق حقوق الغرماء ، وقد زال هذا التعلق فحينئذ يزول الحجر من غير حكم الحاكم . وهنا مسألتان : المسألة الأولى : هل يلزم المفلس بالتكسب والعمل لقضاء دينه حيث لم تفي أمواله بقضاء ديونه ؟ قولان لأهل العلم : القول الأول : وهو المشهور من المذهب أن المفلس يلزم بذلك حيث كان له قدرة على التكسب ، فيلزم بالعمل ليقضي أصحاب الحقوق حقوقهم . القول الثاني : وهو مذهب المالكية والشافعية أنه لا يلزم بذلك . واستدل أصحاب القول الأول بما ثبت في سنن الدار قطني بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( باع حراً قد أفلس في دينه ) [ قط 3/16 ، هق 6/50 ] أي باع منافعه ، لامتناع بيع الحر شرعاً ، وهذا كقوله تعالى : ) واسأل القرية ( أي اسأل أهلها ، فقوله ( باع حراً ) أي باع منافعه ، أي أجره ، وهذا يدل على أنه لابد أن يعمل ويتكسب ليقضي دينه ، ويستدل على ذلك بأن الشريعة قد دلت على وجوب إعطاء صاحب الحق حقه ، وإنما عذر المعسر لإعساره ، أما وهناك وسيلة لقضاء الدين فإنه لا عذر ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، والوسائل لها أحكام المقاصد ، فإعطاء الحق لصاحبه واجب ، ووفاء الدين واجب ، والتكسب والعمل وسيلة إلى ذلك فهو قادر على هذه الوسيلة فوجبت عليه . واستدل أصحاب القول الثاني بقول الله تعالى : ) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ( والصحيح هو القول الأول لقوة أدلتهم كما تقدم ، وأما الآية فالمراد به العاجز عن قضاء دينه من ماله ومن تكسبه ، فهو المعسر أما إذا كان قادراً على قضاء الدين بتكسبه فليس بمعسر ، فالمعسر هو العاجز عن قضاء الدين ، ولا يعتبر معسراً من كانت عنده قدرة على التكسب . المسألة الثانية : أنه ينفق على المحجور عليه من ماله بالمعروف ، وينفق على من ينفق عليهم ويعولهم بالمعروف أيضاً أثناء الحجر ، ويترك له بعد الحجر ما ينفق على نفسه وعياله بالمعروف ، هذا إذا لم يكن له قدرة على التكسب ، وأما إذا كان له قدرة على التكسب والإنفاق على نفسه وعياله فإنه لا يترك له شيء ، واختلف أهل العلم هل يترك له مسكنه أم لا ؟ على قولين : القول الأول : أنه يترك له مسكن لائق به بالمعروف ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد . القول الثاني : وهو مذهب المالكية والشافعية أنه يباع عليه ويكترى له . أما دليل أهل القول الأول من أنه لا يباع عليه مسكنه فقالوا : لأن المسكن من الحاجيات ، فأشبه النفقة المتفق عليها ، فإن النفقة بالمعروف من الحاجيات ، ويمكن أن يعطى من النفقة ما يدفع عنه الجوع ، ومع ذلك يترك له ما يطعمه بالمعروف وكذلك الكسوة ، وهي من الحاجيات فكذلك المسكن . وأما أهل القول الثاني فاستدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك ) ، قالوا : فقوله : ( خذوا ما وجدتم ) إنما هو فيما تصدق عليه به ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تصدقوا ) فتصدق الناس ، ثم قال قوله : ( خذوا ما وجدتم ) أي من الصدقات التي تُصدق عليه بها . فالأظهر هو القول الأول ، وأنه يترك له ما يسكنه بالمعروف ، ولكن هل يستثني إذا كان دينه لهذا المسكن ؟ استثنى هذا بعض الحنابلة ، وقواه الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ، بل قوى مذهب المالكية والشافعية ، وتقدم أن قول المالكية والشافعية مرجوح في هذه المسألة ، ولكن هل ما ذهب إليه بعض الفقهاء من الحنابلة صحيح ؟ الجواب : نعم هذا صحيح فيباع ولا يترك له معاملة له بنقيض قصده . فصل في المحجور عليه لحظه
قوله [ ويحجر على السفيه والصغير والمجنون لحظهم ] يحجر على السفيه ، وهو البالغ العاقل المكلف لكنه ليس حسن التصرف بالمال ، بل عنده تبذير وتلاعب بالمال ، فهذا هو السفيه كما تقدم تقريره في شروط البيع ، وليس المراد من في عقله شيء من النقص بل المراد من عنده سوء تصرف في المال ، ويحجر كذلك على الصغير أي غير البالغ ، ويحجر على المجنون أي غير العاقل ، وهذا هو النوع الثاني من أنواع الحجر وهو الحجر لحظ النفس ، والفرق بين الحجر لحظ النفس والحجر لحظ الغير أن الحجر لحظ النفس عام في عين المال وفي الذمة ، فيحجر عليه ولا يتصرف في ماله ولا في ذمته ، وأما المحجور عليه لحظ غيره فإن الحجر على المال ، وأما الذمة فإنه يتصرف فيها كما تقدم تقريره .
قوله [ ومن أعطاهم ماله بيعا أو قرضا رجع بعينه وإن أتلفوه لم يضمنوا ] إذا أعطى شخص أحد هؤلاء الثلاثة - السفيه أو المجنون أو الصغير - ماله بيعا أو قرضا رجع بعينه ، إن أدركه ، فالبيع غير صحيح ، فإذا أدرك ماله وإن كان فيه تغير فإنه يأخذه ، وهذا ظاهر لأن البيع عليهم باطل لا يصح ، فالمبيع راجع إلى صاحبه ، وإن أتلفوه لم يضمنوا ، لأنه مفرط حيث عاملهم بالبيع أو القرض سواء علم بالحجر أم لا ، لأن الحجر عليهم مظنة الشهرة فلم يعذر فيه بالجهل ، فقد فرط حيث لم يتبنه لذلك ، وعليه فإذا أتلفوا المال ولو كانوا متعمدين فإنهم فلا ضمان عليهم ، وظاهر كلامهم أن هذا عام في هؤلاء ومنهم السفيه ، والذي يظهر أن الحجر على السفيه ليس مظنة الشهرة ، فهو رجل عاقل مكلف لكن عنده سوء تصرف في المال ، فمعرفة الحجر عليه ليس مظنة الشهرة ، فالذي يظهر وهو قول لبعض الحنابلة عبر عنه صاحب الإنصاف بقوله :" قيل " أن البائع أو المقرض أو نحوهما إذا جهل أن هذا سفيه فإن السفيه يضمن ، لأنه عاقل مكلف قد يسلط على مال غيره من غير تفريط من صاحب المال فكان ضامنا ، وأما إذا دخل على بصيرة فهو الذي قد مكنه من التصرف في ماله وإتلافه فلا يضمن . وهذا حيث كان التعامل فيه يسليط ، أي قد سلطهم على ماله ، وأما إذا كان التعامل ليس فيه تسليط كالعارية والوديعة فإن المعير والمودع لم يسلط المستعير ولا المودع على ماله ، بل قد جعله عند هذا عارية ، ليستفيد منها ثم يعيدها من غير إفساد لها ، وجعل هذه وديعة عنده ، فهي أمانة ، فإذا وضع وديعة أو عارية عند أحد من هؤلاء الثلاثة فأتلفها فهل يضمن أم لا ؟ قولان في المذهب : القول الأول : أنه لا ضمان ، وذلك لأنه لما أعارهم وأودعهم فقد مكنهم من التصرف فيها وإتلافها وهو المذهب. القول الثاني : أنهم يضمنون ، وذلك لأنه لم يمكنهم من التصرف فيها ، فهو لم يسلطهم عليها ، وإنما جعلها أمانة أو عارية وليس في هذا تخويل لهم في التصرف فيها ، والذي يظهر هو القول الأول وذلك لأنه بهذا قد سلطهم على ماله ومكنهم منه ، وهذا في غير السفيه ، فالسفيه مكلف ، والحجر إنما يكون في التصرفات المالية ، والأمر هنا ليس كذلك ، فقد وضعت عنده عارية وهذه أمانة فلا يحل له أن يتصرف فيها ، فإذا تصرف فقد اعتدى ، فالذي يظهر أن السفيه يضمن مطلقا ، حتى لو علم الآخر أنه سفيه محجور عليه ، وذلك لأنه لم ينه عن مثل هذا ، وإنما نهي أن يتصرف في ماله ، وهذا ليس من التصرف في المال ، والآخر وهو المودع أو المعير لم ينه عن إيداع السفيه ولا إعارته ، إنما نهي عن التعامل معه بالبيع والشراء ونحو ذلك .
قوله [ ويلزمهم أرش الجناية وضمان مال من لم يدفعه إليهم ] إذا اعتدى أحد هولاء على نفس أو طرف أو جرح فعليهم أرش الجناية لأنه لا تفريط من المجني عليه وكذا من لم يدفع ماله إليهم لأنه لا تفريط من المالك0.
قوله [ وإن تم لصغير خمس عشرة سنة ...... زال حجرهم ] إذا كمل للصغير خمس عشرة سنة فيكون حينئذ بالغا ، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال :( عرضت على r يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني - وفي رواية ( ولم يرني بلغت ) وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني )[6] ، و لابن حبان بلفظ ( عرضت على النبي r وأنا بن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت ... )[7] ، فهذا يدل على أن من تم له خمس عشرة سنة فهو بالغ ، وهذا هو فهم الراوي ، والراوي أعلم بما روى ، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد والشافعي . وقال مالك : ليس للتكليف سن محددة ، بل يعرف ذلك بالاحتلام ونحوه وأما السن فلا ، وقال أصحابه بتمام ثماني عشرة سنة ، وقال أبو حنيفة كذلك في الذكر إذا بلغ ثماني عشرة سنة وللجارية سبع عشرة سنة ، وهذه الأقوال لا دليل عليها ، والراجح هو القول الأول للحديث المتقدم .
قوله [ أو نبت حول قبله شعر خشن ] وهو نبات شعر العانة ، وهو علامة على البلوغ ، ودليل ذلك ما رواه الأربعة بإسناد صحيح عن عطية القرظي قال :( عرضنا على النبي r - أي اليهود - يوم قريظة فكان من أنبت قتل ، ومن لم ينبت خلي سبيله ، فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي )[8] فقد جعل النبي r نبات الشعر الخشن حول القبل جعله علامة من علامات البلوغ ، وذلك لأن الصبي لا يقتل كما تقدم في كتاب الجهاد ، وهنا لم يقتلوا فدل على أنهم غير بالغين ، وشعر العانة يكون خشنا ، وأما غير الخشن فإنه قد ينبت للطفل .
قوله [ أو أنزل ] إجماعا ، فإذا أنزل فبالإجماع يثبت له البلوغ ، قال تعالى ] وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم[ أي الاحتلام ، فهذا دليل من القرآن ، وقد أجمع أهل العلم على ذلك وأن من أنزل وإن كان ابن عشر سنين وهو السن الأدنى للبلوغ عند الحنابلة ، وعند الشافعية والمالكية السن الأدنى للبلوغ في الذكر تسع سنين قمرية وهو اصح ، فالبلوغ يكون بأحد هذه العلامات الثلاث ، ولا يشترط اجتماعها ، ولا - كما يظن بعض الناس - أنه لا بلوغ إلا إذا تم خمس عشرة سنة ، بل البلوغ يكون بأحد هذه العلامات الثلاثة ، وهذه العلامات يشترك فيها الذكور والإناث.
قوله [ أو عقل مجنون ورشد ] إذن إذا تم للصبي خمس عشرة سنة أو نبت شعر عانته أو أنزل أو عقل مجنون ، فإذا عاد المجنون إلى علقه ورشدا، أي رشدا جميعا ، أي عقل هذا وبلغ هذا وثبت لهما الرشد ، لقول الله تعالى ] وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم [ فاشترط الرشد مع البلوغ ، فإذا بلغ الصغير ورشد ، وعقل المجنون ورشد فحينئذ يزول حجرهم .
قوله [ أو رشد سفيه زال حجرهم ] أي بلغ ولم يرشد ثم رشد ، فحينئذ يزول حجرهم ، للآية الكريم المتقدمة ] فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم[.
قوله [ بلا قضاء ] فلا يشترط أن يحكم القاضي بأنهم قد رفع عنهم الحجر بل يرتفع عنهم تلقائيا ، فلا ينتظر فيهم حكم الحاكم ، وذلك لإطلاق الآية الكريمة المتقدمة ، فإن الله تعالى قال ] فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم[ ولم يقيد الله عز وجل الدفع بحكم الحاكم ، بل أمر الأولياء بأن يدفعوا إليهم أموالهم بمجرد ما يزول عنهم الحجر 0 فان قيل : إن معرفة البلوغ والرشد تحتاج إلى اجتهاد ، فكان هذا إلى نظر الحاكم ، فالجواب أن يقال : إن معرفة البلوغ والرشد من الأمور المشهور والمعروفة عند الناس ، والأولياء الذي خولهم الله حفظ أموال من تحت أيديهم يعرفون مثل هذه الأمور ، وثانيا : إن الله تعالى قد خول الأولياء فقال ] فإن آنستم [ وقال ] فادفعوا إليهم[ فهي مسؤولية الأولياء لا مسؤولية الحاكم . أما إذا كان الشخص رشيدا فأصيب بالسفه فحكم الحاكم بحجره لسفهه ، فالمشهور من المذهب أن هذا الحجر لا يزول إلا بحكم الحاكم، وذلك لأنه قد ثبت بحكمه فلا يزول إلا بحكمه ، وقال أبو الخطاب من الحنابلة بل يزول من غير حكمه لزوال علته ، والأول أولى احتياطا للمال أولا ، وثانيا : أن هذا الأمر قد يتعجل فيه ويسارع فيه فكان مرجع ذلك إلى الحاكم ، ولأنه أيضا قد يقع منه بعض التصرفات المالية وقد حكم الحاكم بالحجر عليه فيقع نزاع وخصومة ، فالأولى أنه حيث ثبت بحكم الحاكم فلا يرتفع إلا بحكم الحاكم وهو المشهور في مذهب الحنابلة.
قوله [ وتزيد الجارية البلوغ بالحيض وإن حملت حكم ببلوغها ] فالحيض علامة على بلوغ المرأة بلا نزاع ، وقد قال النبي r :( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )[9] فالحائض بالغ ، وإن كانت بنت تسع سنين ، وكذلك الحمل بلوغ ، لأنه لا حمل إلا بماء ، ولا ماء إلا بإنزال ، فإذا حملت المرأة فهذا دليل على أنها قد أنزلت وأن لها ماء إذ لا حمل إلا بماء كما تقدم . ولا يعتبر في البلوغ غلظ الصوت ونهود الثدي ونحو ذلك لأنها قد تحصل للصغير
قال : [ ولا ينفك الحجر قبل شروطه ] فلا ينفك الحجر عن الصبي حتى يبلغ ويرشد ، ولا ينفك عن السفيه حتى يرد ، ولا ينفك عن المجنون حتى يعقل ويرشد ، فلا ينفك عنهم قبل الشروط ، وإن أصبح الصبي شيخا وإن تزوجت المرأة ، فلا ينفك الحجر قبل رشده لقوله تعالى : ) فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ( .
قوله : [ والرشد الصلاح في المال ] هذا هو الرشد ، قال تعالى : ) فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ( والصلاح في المال ضد الفساد فيه ، والفساد هو السفه والتبذير فيما لا فائدة فيه في دين ولا دنيا ، وأولى منه أن يذره فيما هو حرام من شرب خمر أو غنا أو مجون أو نحو ذلك ، وقال الشافعية : وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة : الرشد هو الصلاح في المال والصلاح في الدين ، وعليه فالفاسق وإن كان رشيداً في تصرفه في ماله فإنه يحجر عليه ، قالوا : لأن الفاسق غير ثقة في تصرفه في ماله ، والراجح هو القول الأول ، فالفاسق غير محجور عليه ، مادام راشداً في تصرفاته المالية ، وذلك لأنه لا تلازم بين الفسق والسفه في المال ، فإن الفاسق ثقة في تصرفاته المالية لما في ذلك من حظ نفسه ، نعم إذا تصرف في ماله تصرفا يقتضي سفها فهذا يدل على أنه غير راشد في تصرفاته المالية ، كأن يتصرف في ماله بمقتضى فسقه تصرفات فيها تبذير في ماله ، لكن إن كان راشدا في تصرفاته المالية فلا وجه للحجر عليه، ثم إنهم يقولون إن أعطى ماله وهو عدل رشيد في التصرف في ماله ثم طرأ عليه الفسق فلا يحجر عليه ، بخلاف ما إذا طرأ عليه تغير في التصرفات المالية بأن أصبح غير رشيد فإنه يحجر عليه ، ففرقوا بينهما ، فالراجح ما ذهب إليه الحنابلة من أن الرشد هو الصلاح في المال .
قوله : [ بأن يتصرف مراراً فلا يغبن غالبا ] وذلك بأن يعطى مالا ويقال له : بع أو أشتر أو غير ذلك مما هو لائق ، ثم يكرر هذا مراراً حتى يتبين أنه لا يغبن في الغالب ، لكن إن وقع منه غبن أحيانا فلا بأس به ، فإن هذا يقع للراشد في تصرفاته فقد يغبن أحياناً ، ومرجع ذلك إلى العرف ، فإذا كان لا يغبن غالباً فإنه لا يحجر عليه ، وليس أيضاً أي غبن ، بل المراد الغبن الفاحش ، أما لو غبن غير فاحش فهذا غير مؤثر ، فإن الرشيد لا يسلم من الغبن اليسير ، كأن يشتري الشيء الذي يساوي مائة وعشرة يشتريه بمائة وعشرين .
قوله : [ ولا يبذل ماله في حرام ] كالسكر ونحو ذلك فإذا كان تبذير المال في الأمور المباحة سفه ، فتبذيره في الأمور المحرمة أولى بالسفه ، كأن يبذر ماله في الفجور وشرب الخمور ونحو ذلك فلا شك أن هذا يحجر عليه ، ونظر في ذلك شيخنا الشيخ محمد لأن الناس يعتبرونه رشيداً وعليه عمل القضاة ، لكن إن كان سفيها في عرفهم كأصحاب المخدرات الذين لا يبالون في إنفاق أموالهم في المخدرات حجر عليهم ونحو ذلك .
قوله : [ أو في غير فائدة ] كذلك إذا كان يصرف ماله في غير فائدة قالوا : كأن يشتري نفطا فيحرقه للتفرج عليه أو يحرق نقده عبثاً ، فهذا يدل على سوء تصرفه في المال ، فيقتضي حجرا عليه ، فإن كان تصرفه فيما ينفعه في الآخرة ولكنه يضر في الدنيا بمن يعول فكذلك يحجر عليه ، كأن ينفق أمواله في أوجه البر إنفاقا يضر بمن يعول ، وهذا يدل على سفه لأنه قد قدم ما هو مستحب على ما هو واجب ، ومثل ذلك إذا كان وحده فهو لا يعول أحداً ، ومع ذلك أنفق ماله وهو لا يثق بصبر نفسه ، وعدم تطرقه إلى ما لا يحل من سؤال ونحوه ، فكذلك يحجر عليه ، لأنه أدخل على نفسه الضرر بمثل هذا التصرف وهذا سفه قالوا لأن العرف يعد من صرف ماله في ذلك سفيها مبذرا . وأما الصدقة به فليست إسرافاً ولا تبذيراً لأنه لا تبذير ولا إسراف في الخير ، قال شيخ الإسلام الإسراف ما صرفه في المحرمات أو كان صرفه في المباح يضر بعياله أو كان وحده ولم يثق بإيمانه أو أسرف في مباح قدرا زائدا على المصلحة .
قوله : [ ولا يدفع إليه حتى يختبر ] لقوله تعالى : ) وابتلوا اليتامى ( أي اختبروهم ، وقد تقدمت طريقة الاختبار .
قوله : [ قبل بلوغه ] فهذا الاختبار يكون قبل البلوغ ، فمثلا : رجل عنده يتيم مقبل على البلوغ ، فيأمره ببعض التصرفات التي لا تضر بماله ، ويثبت بها معرفة رشده من سفهه ، وهذا حيث كان مميزا مراهقا ، أي يكون هذا قبيل البلوغ ، لأنه هو الذي يمكن أن يتعرف على مثل هذا فيه ، وليس المراد قبل البلوغ بوقت طويل أي بمجرد التمييز مثلا ، ولذا لو قال المؤلف : ( قبيل البلوغ ) لكان أولى ، فالمميز المراهق الذي يعرف المصالح والمفاسد وما يكون فيه صيانة لماله ونحو ذلك ، فهذا هو محل الاختبار ، ودليل كون الاختبار قبل البلوغ قوله تعالى : ) وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ( فسمى المبتلين : يتامى ، واليتيم هو غير البالغ ، فالبالغ لا يسمى يتيما ، ولأنه قال سبحانه : ) حتى إذا بلغوا النكاح ( فدل على أن هذا الاختبار يكون قبل بلوغهم .
قوله : [ بما يليق به ] لابد أن يكون هذا الاختبار بما يليق به ، فلا يختبر الأمير الذي قد ترك والده إرثا ، لا يختبره بأن ينظر بيعه وشراءه ، لأنه ليس من أهل التجارات ، وإنما يعطى شيئاً من المال وينظر في تصرفه فيه ، وابن التاجر ونحوه يعطي مالا ويؤمر فيه بيع أو شراء ليتعرف على ضبطه في شرائه ورشده فيه ، وهكذا .
قوله : [ ووليهم حال الحجر الأب ] فالأب هو الولي ، وذلك لكمال شفقته وحرصه على صيانة مال ابنه والحفاظ على مصلحته ويشترط كونه رشيدا ولو مستور الحال لم يعلم فسقه ، وهل للجد ولاية ؟ المشهور من المذهب أنه لا ولاية له ، وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي أن الجد له ولاية ، وهذا أصح ، لقوله تعالى : ) واتبعت ملة آبائي إبراهيم ( الآية ، فسمى الله الجد أبا ولقول أبي بكر – رضي الله عنه - : " الجد أب " ([10]) ولما له من النصيب الكبير الذي يقارب ما للأب من الشفقة والحرص على مصلحة ابن ابنه ، فالجد على الراجح يكون وليا ، واختار شيخ الإسلام رحمه الله أن سائر العصبة أولياء ، فيقدم أقربهم له ، لما لهم من الولاية التي اقتضت الإرث في الشرع ، فكانوا أولياءه في ماله ، ولما لهم من الحرص على مصلحته لوجود هذه العصوبة بينهم وبينه . وذكر القاضي أن للأم ولاية .
قوله : [ ثم وصية ] أي ثم وصية الأب ، أي نائبة بعد الممات ، الوكيل يكون في الحياة ، والوصي بعد الممات ، فإذا توفي الأب وأوصى لفلان من الناس بالولاية على ابنه فهو أولى من غيره ، وهل يقدم عليه الجد وسائر العصبة على القول بولايتهم ؟ وصوب صاحب الإنصاف على الوصي ، وقيل يقدم الوصي وهو أظهر ؛ لأن الوصي نائب الأب فقام مقام الوكيل ، فكما أن الوكيل هو النائب عن الأب وهو أولى من الجد وغيره في الولاية ، فكذلك بعد الممات فهو النائب عن الأب ولأن كمال شفقة الأب لا يشبهها شيء ، واختياره لهذا الوصي يدل على أن هذا الوصي أكمل شفقة من سواه في نظر الأب .
قوله : [ ثم الحاكم ] أي القاضي ، وذلك لما له من الولاية العامة ، فالحاكم له الولاية العامة والقاضي نائب عن الإمام الأعظم فإن لم يكن ثمت قاضي شرعي فيقوم أمين مقامه . إذن الأولى بالولاية الأب فالوصي فالجد فالعصبة أقربهم فأقربهم ثم الحاكم فإن لم يكن قام مقامه أمين يحفظ عليه ماله .
قوله : [ ولا يتصرف لأحدهم وليه إلا بالأحظ ] فلا يتصرف الولي إلا بالأحظ والأصلح ، لقوله تعالى : ) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ( فإذا كان يريد أن يبيع له عقارا فلا يتعجل في بيعه ، بل يتريث حتى يكون ذلك أحظ له ، وعليه فلا يحل له أن يعتق من ماله ولا أن يهب ولا أن يهدي ، ولا أن يحابي كأن تكون هذه الأرض تساوي مائة ألف فيشتريها من صديقه بمائة وعشرة آلاف لليتيم ، فهذا لا يجوز ، وإن تصرف بمثل هذه التصرفات فهو ضامن لأنه متعد ، فالأمين يضمن بالتعدي أو بالتفريط ، أما إذا غبن في شراء شيء غبنا يسيرا يقع مثله فهذا لا يؤثر . والمذهب له شراء الأضحية للموسر نص عليه ، وعنه لا يجوز والأظهر الجواز إن كان يعقل الأضحية ويفرح بها وينكسر قلبه بتركها وإلا فلا يجوز وبه جمع الموفق بين الروايتين، والمذهب يحرم الصدقة بشيء منها وقال في الإنصاف لو قيل يجوز الصدقة بما جرت العادة بالصدقة به لكان متجها . قال الحنابلة : وللولي أن يأذن للصغيرة أن تلعب باللعب غير المصورة وشرؤها لها بمالها وله أن يأذن بالصدقة بالشيء اليسير .
قوله : [ ويتجر له مجانا ] فإذا أراد أن يبيع ويشتري له بهذا المال ، فإنه يبيع ويشتري مجانا ، فليس له أن يأخذ على التجارة له شيئاً وهذا هو المشهور من المذهب ، قالوا : لأنه لا يحل أن يعقد لنفسه ، فهو عندما يعقد العقد التجاري بينه وبين اليتيم إنما يعقد لنفسه ولا يحل هذا ، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول لبعض الحنابلة أنه الأجرة على ذلك ، وهذا القول هو الراجح ، وذلك لأن هذا التصرف التجاري خارج عن حفظ المال ، وصيانته والإنفاق على اليتيم ، وقد قال تعالى : ) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ( وهذا قربنا لمال اليتيم بالتي هي أحسن فلا مانع منه ، وأما قولهم إنه ولي فلا يعقد لنفسه فلا دليل على هذا ولا مانع شرعي يقتضي ألا يعقد لنفسه ، بل لو كان هذا العقد لنفسه هو الأصلح فهو الأولى به ، فلو أنه مثلا أراد أن يبيع أرضا لموليه فوقف السوم على مائة ألف ، وكان أحظ له لكنه يرغب بها ، فزاد شيئا من المال فاشتراها منه فلا يظهر أن هناك مانع لأن هذا من قربان مال اليتيم بالتي هي أحسن .
قوله : [ وله دفع ماله مضاربة بجزء معلوم من الربح ] فله أن يتفق مع رجل آخر على أن يتاجر بمال اليتيم بجزء معلوم الربح ، إما النصف أو الربع أو غير ذلك مما يكون فيه مصلحة لليتيم ، فهذا جائز لأنه قائم على مصلحته ونائب عنه في التصرف فجاز أن يعقد له مثل هذا العقد ، والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن المسألة التي قبلها هو الذي يتاجر بالمال بنفسه ، وأما هنا فهو يعقد لغيره ، فالمتاجر غيره وهو يعقد لهذا الغير ، وكلاهما جائز كما تقدم.
قوله [ ويأكل الولي الفقير من مال موليه الأقل من كفايته أو أجرته مجانا ] لقول الله تعالى ] ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف [ فله أن يأكل من مال يتيمه ، قالوا : وقدره الأقل من كفايته وأجرته مجانا ، فيقال : قدر أجرتك بالمعروف لو أننا أردنا أن نعطيك أجرة على هذه الولاية ، فقال : كل شهر ألف ريال ، هذه الأجرة على حفظ المال وصيانته ، وهذا يرجع إلى كثرة المال وقلته وما فيه من تجارات ونحو ذلك ، ويقال له بعد ذلك : ما كفايتك ؟ فإن قال : ألفا ريال ، فيقال له : خذ ألف ريال لأنه الأقل ، وإن قال الأجرة خمسة آلاف ، وكفايتي ألفا ريال ، فيقال : خذ ألفي ريال ، إذن يأخذ الأقل من كفايته وأجرته ، قالوا : لأنه إنما يأخذ المال بهما ، فاشترط اجتماعهما ولا يجتمعان إلا في الأقل ، فهو يأخذ المال لأجرة عمله ، ويأخذ المال لحاجته وكفايته ، فيجتمعان في الأقل لا في الأكثر ، والذي يظهر وقد نص عليه الإمام أحمد في رواية حنبل وهو صريح قول بعض الحنابلة أنه يأكل بالمعروف ، وهو ظاهر الآية الكريمة ، وعليه فلو كانت أجرته أقل أو أكثر والذي يكفيه بالمعروف هو كذا ، فإنه يأكل بالمعروف سواء كان ما يأكله أكثر من أجرته أو أقل ، ولأن المسألة ليست إجارة ، بل هي ولاية فيها معنى الأمانة ، وهو لا يأخذ عليها مع غناه ، بل يأخذ مع فقره ، فجاز له الأكل بالمعروف وإن كانت أجرته أقل ، وذلك للآية الكريمة المتقدمة ، ولما ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إني فقير وإن لي يتيما ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :( كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر - أي متعجل ، فتتعجل بالأكل قبل كبر اليتيم - ولا متأثل )[11] وظاهره أنه يأكل ما يكفيه مطلقا سواء كان ذلك أقل من أجرته أو أكثر منها .
قوله [ ويقبل قول الولي والحاكم بعد فك الحجر في النفقة والضرورة والغبطة والتلف ودفع المال ] يقبل قول الولي أبا كان أو وصيا ، والحاكم بعد فك الحجر في النفقة والضرورة والغبطة والتلف ودفع المال ، فإذا اختلف الولي والمولي - أي المحجور عليه - فالقول قول الولي أو الحاكم ، فإذا اختلفا في النفقة في قدرها ، فقال الولي : أنفقت عليه في هذه السنوات التي قد حجر عليه فيها ألف درهم ، وقال المولي المحجور عليه بل لم ينفق علي إلا خمسمائة ، فالقول قول الولي فيحلف أنه أنفق عليه كذا وكذا ، إلا أن يأتي المحجور عليه ببينة تدل على صدق قوله ، أو أن يكون الظاهر يخالف قول الولي كأن يدعي إنفاقا زائدا لا يتحمله الواقع فحينئذ يكون الظاهر موافقا لقول المحجور عليه 0 كذلك إذا اختلفا في الضرورة ، فمثلا باع الولي عقارا للضرورة ، وادعى المحجور عليه بعد فك الحجر أنه قد باعه لغير ضرورة وقال الولي بل بعته لضرورة فقد احتاج لبيع هذا العقار لأجل الكسوة ونحوها ، فالقول قول الولي لأنه أمين . كذلك إذا اختلفا في الغبطة ، وهي المصلحة ، فمثلا باع الولي عقارا وادعى أنه باعه لمصلحة ، وخالفه المولى فقال : بل لا مصلحة ، ولا غبطة ، فحينئذ القول قول الولي لأنه أمين ، والمشهور من المذهب أن بيع الغبطة هو البيع الذي فيه مصلحة ، وقال بعض الحنابلة وهو أحد الوجهين في المذهب : بيع الغبطة أن يزيد الثمن على المثل الثلث فأكثر ، كان يكون شيئا يستحق مائة ألف فيبيعه بمائة وأربعين ألفا ، وقال القاضي من الحنابلة : بيع الغبطة ما فيه زيادة ظاهرة سواء كانت الثلث أو أقل ، والصحيح أن بيع الغبطة ما فيه مصلحة سواء كانت زيادة ظاهرة أو غير ظاهرة ، لعموم قول الله تعالى ] ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن [ وبيع شيء من عقاره فيه مصلحة له من قربان مال اليتيم بالتي هي أحسن ، فهو جائز ، وهو المشهور من المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. وكذلك التلف ، فإذا ادعى الولي أن المال قد تلف عنده ، وأنكره هذا المولي وقال بل هو قد أتلفه أو قد غيبه وجحده أو نحو ذلك ، فحينئذ القول قول الولي لأنه أمين ، وهذا كما تقدم ما لم تكن قرائن تخالف قول الولي . وكذلك إذا اختلفا في دفع المال ، فقال الولي : أعطيته المال عندما بلغ رشده ، وقال المولي : لم يعطني شيئا ، ولا بينة فالقول قول الولي لأنه أمين ، وقال ابن رجب في القواعد :" ويحتمل أن يكون القول قول المحجور عليه ما لم يكن هناك بينة " ، وقواه صاحب الإنصاف ، وهو الذي يظهر ، وذلك لأن الأصل عدم الدفع فالأصل هو بقاء المال عند الولي وحيث ادعى الدفع فهو ادعاء لنقل المال من يده إلى يد موليه ، فإذا لم يكن له بينة فالأصل هو البقاء ، ويده يد أمانة في مدة مكث المال عنده ، وعليه فالذي يظهر أن القول قول المولي ، لأن الأصل هو بقاء المال ، لكن إن أشهد على دفع المال للمولي فإنه يقبل قول الولي للبينة ، فإن لم يأت ببينة فيلزمه أي الولي أن يدفع المال إلى المولي في الظاهر ، وإن كان في الباطن قد دفعه . هذا - أي ما ذكره الحنابلة في هذه المسائل كلها - حيث كان الولي متبرعا ، وأما إذا كان الولي غير متبرع بل يأخذ مقابل ولايته أجرة ، كأن يضع الوالد وصيا لولده مقابل أجرة من المال يأخذها ، فحينئذ ليس القول قول الولي في المشهور من المذهب ، وذلك لأنه منتفع ، فيده ليست يد حفظ وصيانة فحسب ، بل يد انتفاع ، وحيث كان الأمر كذلك فالقول قول المولي ، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في الكلام على الوديعة إن شاء الله . قوله [ وما استدان العبد لزم سيده إن أذن له وإلا ففي رقبته كاستيداعه وأرش جنايته وقيمة متلفه ] إذا استدان العبد ، فإنه يلزم الدين سيده إن أذن له ، لأنه غر الناس بإذنه ، وأما إن لم يأذن له سيده فإنه يتعلق الدين في رقبة العبد، وحينئذ يقال للسيد اختر أحد أمرين : إما أن تسلم العبد للدائن ، وإما أن تفديه ، والفداء يكون بأقل الأمرين ، إما بقدر الدين، وإما بقدر القيمة ، مثال هذا : استدان عبد بلا إذن من سيده مائة ألف ، فيقال للسيد : إما أن تسلم العبد وإما أن تفديه ، وطريقه الفداء فننظر ما يستحق العبد ، فإذا وجدنا أن قيمته عشرة آلاف مثلا وعليه دين قدره أحد عشر ألفا ، فنقول : تعطي الدائن عشرة آلاف وتحرر عبدك من الدين ، فتختار أقل القيمتين ، وذلك لأن المال متعلق برقبته فلم يلزم سيده بأكثر من ذلك ، وظاهر ذلك علم المتعامل أم لم يعلم ، وعن الإمام أحمد أنه معامله إذا علم فلا يتعلق الحق برقبة العبد ، وذلك لأنه دخل على بصيرة ، وهذا هو الظاهر ، وذلك لأن العبد لا يصح تصرفه في المال ، فإذا دخل معامله معه على بصيرة من أمره فقد غرر بنفسه فلم يتعلق ذلك في رقبة العبد .
وقوله [ كاستيداعه ] إذا وضع عند عبد وديعة فأتلفها فإن الحق يتعلق برقة العبد ، فيقال للسيد إما أن تسلمه ، وإما أن تفديه ، فلو فرض أن الأمانة تساوي ثلاثين ألفا ، وأن العبد يساوي أربعين ألفا ، فإن السيد حينئذ يدفع له ثلاثين ألفا لأنها هي الأقل .
قوله [ وأرش جناية ] إذا اعتدى العبد وجنى ، فتتعلق الجناية في رقبته ، فإما أن يسلمه إلى المجني عليه ، وإما أن يفديه السيد ، وطريقة الفداء ، مثلا وجدنا الجانية تساوي عشرة آلاف ، والعبد يساوي خمسة آلاف ، فيعطون خمسة آلاف ، فلا يلزم السيد بشيء زائد .
قوله [ وقيمة متلف ] إذا أتلف العبد شيئا ، فإن الحق يتعلق في رقبته ، فإما أن يسلم السيد العبد ، وإما أن يفديه بأقل الأمرين كما تقدم.
وهنا مسائل متعلقة بالحجر : المسألة الأولى : أن لولي الصبي ونحوه أن يأذن له بالتصرف بما جرت به العادة من صدقة يسيرة كأن يتصدق بالدرهم والدرهمين ونحو ذلك ، وكأن يشتري الطفل شيئا من اللعب ونحوهما من أمور اللهو فهذه قد جرت بها العادة فيسمح بمثلها . المسألة الثانية : أن للزوجة أن تنفق من بيت زوجها ما جرت به العادة بالسماح بمثله بلا إذن ، لقول النبي r في الصحيحين: (إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة فلها أجرها بما أنفقت وللزوج أجره بما كسب وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا )[12] ولأن جريان العادة بمثل ذلك يجري مجرى الإذن إلا أن يمنعها أو يكون الزوج بخيلا فتشك في رضاه فلا يجوز .
والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم |
|
|
|
حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved info@al-zad.net ![]() |