اقتصاد

أمام الجفاف.. الأردن يشتري كميات مياه مضاعفة من إسرائيل

عمان- للعام الثاني على التوالي تجف مياه سد الموجب جنوبي الأردن، مما أدى إلى شح بمياه الشرب في المحافظات الجنوبية وذبول المزروعات المروية من مياهه وتصحر الأراضي الخضراء من حوله وهجرة المزارعين أراضيهم.

ورغم غزارة الهطول المطري خلال موسم الشتاء الماضي في الأردن فإن السدود بالمناطق الجنوبية لم تسجل كميات تخزين تذكر، فعاد جفاف السدود ليضرب المحافظات الجنوبية، خاصة سدود التنور والموجب ووادي شعيب بالوسط، وسد الوالة المعرض للجفاف خلال الصيف الحالي.

وبحسب أرقام وزارة المياه، فإن كميات المياه المخزنة في سد الموجب بنهاية الموسم المطري لمارس/آذار الماضي بلغت 800 ألف متر مكعب من كامل طاقته التخزينية البالغة 25 مليون متر مكعب.

وسجلت كميات المياه حتى الأسبوع الماضي 350 ألف متر مكعب، وعلى إثر ذلك قامت كوادر الوزارة بإيقاف سحب المياه من السد والمخصصة لغايات الشرب، وتزويد الكميات المتبقية للمزارعين وشركة البوتاس العربية للصناعة.

وأمام حالة الجفاف ونقص مياه الشرب تقوم السلطات الأردنية -بحسب وزارة المياه الأردنية- بشراء كميات مياه مضاعفة من الجانب الإسرائيلي بواقع 50 مليون متر مكعب، علما أن اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية خصصت للأردن 50 مليون متر مكعب من مياه نهري اليرموك والأردن يزودها الجانب الإسرائيلي من بحيرة طبريا للمملكة وفق خطط متفق عليها مسبقا.

بانتظار السجن

وعلى أطراف السد الجافة يتنقل المزارع الأربعيني محمد زريقات بين مزروعاته الصيفية والتي تشمل حقول البندورة والشمام والبطيخ والتي جفت بسبب ندرة السقاية ونخرتها الآفات بعد توقفه عن رشها والعناية بها.

مزارعون يتفقدون خسائرهم (الجزيرة)

يقول زريقات للجزيرة نت “أزرع سنويا نحو 200 دونم (الدونم ألف متر مربع) بالمزروعات الحقلية، وليس لدي أي وظيفة أعيش منها وعائلتي سوى الزراعة، وإذا توقفت فسيتم سجني لعدم قدرتي على تسديد التزاماتي المالية لشركات التسويق الزراعي التي تزودنا بالمستلزمات الزراعية لحين القطاف”.

وأضاف أنه في عام 2019 تكبد خسائر بقيمة 34 ألف دينار (47 ألف دولار) نتيجة تدني أسعار الخضار لكثرة المعروض، والموسم الماضي 2021 تعرض لخسائر بـ10 آلاف دينار (14 ألف دولار) نتيجة جفاف السد، وفي هذا الموسم الخسائر لغاية اليوم لا تقل عن 30 ألف دينار (42 ألف دولار) في المزارع.

خسائر بالجملة

المزارع الستيني جمال السلايطة يعتني بمزارع للأشجار المثمرة، وتحوي تلك المزارع أشجار الجوافة والرمان والأعناب والكرز والليمون وغيرها، إضافة إلى زراعة نحو 80 دونما بالمزروعات الحقلية الموسمية، وتعرضت تلك المزروعات للجفاف ودخلت المواشي للرعاية فيها.

ويمسك السلايطة بيده كتابا موجها من وزير الزراعة خالد الحنيفات إلى وزير المياه والري محمد النجار يسمح بحفر بئر مياه ارتوازي لتغذية المزروعات، ويحمل الكتاب تاريخ 10 يناير/كانون الثاني 2022، “وبعد مضي 6 أشهر لم تحفر البئر وتركت الأشجار تجف وتساقطت ثمارها”، يقول السلايطة للجزيرة نت.

ناقل البحرين

المزارع الخمسيني عبد الله الرواحنة يكاد يكون أفضل حالا من سابقيه، فلم يزرع أرضه خلال العروة الزراعية الصيفية، وأبقاها فارغة ترعى فيها الماشية بعدما شاهد حالة الجفاف بمياه السد نهاية الموسم المطري.

يقول الرواحنة للجزيرة نت “توقفي عن الزراعة يكبدني خسائر بأكثر من 10 آلاف دينار (14 ألف دولار)، وهي ديون مستحقة من الدورات الزراعية السابقة، لكن زراعتي للعروة الصيفية مع هذا الجفاف ستزيد خسائري 20 ألف دينار (28 ألف دولار)، لذلك فضلت التوقف بانتظار الموسم المطري”.

ولمواجهة الجفاف ونقص مياه الشرب والزراعة وقع الأردن اتفاقا مع الجانب الإسرائيلي برعاية أميركية ودولية لتنفيذ مشروع ناقل البحرين عام 1998، بحيث يتم نقل مياه البحر الأحمر جنوبا باتجاه البحر الميت شمالا بواقع 270 كيلومترا، وذلك لتأمين مياه الشرب للمملكة والجانب الإسرائيلي وفلسطين والمحافظة على البحر الميت من الجفاف.

لكن الجانب الإسرائيلي رفض تنفيذ المشروع المشترك، مما حدا بالأردن لتنفيذ مشروعه “الناقل الوطني” عبر تحلية مياه البحر الأحمر ونقلها للمحافظات الأردنية شمالا، ويتوقع أن يبدأ وصول المياه في عام 2027.

الغاز والمياه

بدوره، يرى الخبير المائي دريد المحاسنة أن الأردن كان عليه الضغط على الجانب الإسرائيلي لتنفيذ مشروع ناقل البحرين “الأحمر-الميت” قبل تنفيذه مشروع استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل، فالمياه ضرورية كضرورة الطاقة.

وأوضح المحاسنة أن “الأردن يحصل على حقوقه المائية من الجانب الإسرائيلي بحسب اتفاقية السلام من مياه نهر الأردن بواقع 50 مليون متر مكعب، وبسبب موجات الجفاف يشتري الأردن من إسرائيل 50 مليون متر مكعب إضافية”.

وتابع “يجب على الأردن الضغط أيضا على الجانب السوري، لتحصيل حقوقنا المائية المتفق عليها من حوض نهر اليرموك والمقدرة بـ400 مليون متر مكعب، وتم بناء سد الوحدة شمال المملكة لتخزين تلك الكميات، لكن الجانب السوري لا ينفذ الاتفاق، وبالتالي فالمخزن بسد الوحدة حاليا 16 مليون متر مكعب فقط”.

وتفتقر معظم سدود المملكة إلى مصادر التغذية من المياه السطحية باستثناء سدي الوحدة والملك طلال، إضافة إلى الانخفاض الكبير للتدفق المياه في نهر اليرموك بسبب توسع الجانب السوري بإقامة السدود هناك، وذلك بخلاف اتفاقه مع الأردن، إذ يقام حاليا 46 سدا على حوض نهر اليرموك، فيما كان الاتفاق سابقا بين البلدين على إقامة 28 سدا، وفق خبراء.

تخزين متواضع للسدود

وبلغة الأرقام بلغ مخزون ما جمعته السدود الأردنية الرئيسية الـ14 مع نهاية الموسم المطري في مارس/آذار الماضي بلغ 90 مليون متر مكعب، وبنسبة 33% من طاقتها التخزينية الكلية البالغة 280 مليون متر مكعب، بحسب وزارة المياه والري، في حين يتوفر حاليا بالسدود 74 مليون متر مكعب، وبنسبة 26%، وهي نسبة متدنية مع مقارنتها بالعام الماضي، إذ بلغت 75 مليون متر مكعب.

بدوره، أرجع عمر سلامة مساعد أمين عام وزارة المياه للإعلام حالة الجفاف في السدود الجنوبية إلى “تراجع الهطولات المطرية خلال الموسم الماضي بسبب التغيرات المناخية، وتذبذب توزيع هطول الأمطار على المناطق وتمركزها شمال المملكة، وارتفاع درجات الحرارة، وتباعد الهطولات زمنيا، والانخفاض الشديد على درجات الحرارة شتاء دون حدوث هطولات غزيرة متتابعة”.

وأضاف سلامة للجزيرة نت أن الهطول المطري كان “متواضعا في معظم المناطق باستثناء المنطقة الشمالية بنسبة 75%، فيما سجلت المناطق الجنوبية نسبة هطول بلغت 47% مع ارتفاع معدل التبخر فيها وعدم وصول هذه الهطولات للسدود”.

إعلان النوايا

سياسيا، يرى المحلل السياسي منذر الحوارات أن رفض إسرائيل تنفيذ مشروع ناقل البحرين “الأحمر- الميت” جاء لتنفيذها مشاريع إستراتيجية تقوي اقتصادها وترهن مستقبل المياه الأردنية بيدها، وظهر ذلك بوضوح بإعلان النوايا الموقع عليه العام الماضي بين الجانبين لتبادل الطاقة والمياه.

** داخلية** مخرج سد الموجب ويبدو الجفاف سيد الموقف. الجزيرة . جولة على سد الموجب جنوب الأردن محافظة الكرك
مخرج سد الموجب ويبدو الجفاف سيد الموقف (الجزيرة)

وتابع الحوارات أن أزمات الأردن مع المياه والتغير المناخي والطاقة ليست وليدة اليوم، بل هي من عقود، لكن غياب المشاريع الإستراتيجية الوطنية وتلكؤ الحكومات المتتابعة في الوقوف أمام مسؤولياتها لمعالجة تلك المشكلات يجعلان الأردن يلجأ إلى الكيان الصهيوني لحل مشكلاته.

ويعبر الحوارات عن “أسفه للاعتماد على الاحتلال الإسرائيلي بعدة مجالات، أهمها الطاقة ومشاريع استيراد الغاز الطبيعي، والنقل عبر موانئ فلسطين المحتلة، والمياه بشراء كميات إضافية من حقوقنا المسروقة في نهري اليرموك والأردن، إضافة إلى الحديث عن اتفاقيات أمنية مشتركة”.

زر الذهاب إلى الأعلى