اقتصاد

الإجراءات الأميركية لمواجهة الركود الاقتصادي

يحاول مجلس الاحتياطي الفدرالي تهدئة الاقتصاد، ورفع أسعار الفائدة بمقدار 0.75 نقطة مئوية في يونيو/حزيران، في أكبر زيادة منذ 1994، وذلك للتصدي للتضخم المستمر في الارتفاع، في حين تعهد جيروم باول رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي بمحاولة هندسة “هبوط سهل”؛ ينخفض فيه الطلب، وتنخفض الأسعار، من دون دفع الاقتصاد إلى الركود وطرد مئات آلاف الأميركيين من وظائفهم.

وفي تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” (New York Times)، قالت الكاتبة برايس كوفيرت إن المشكلة تكمن في أن الاحتياطي الفدرالي ليس لديه سجل جيد في تنفيذ تلك الحيلة بالذات؛ فقد انتهت كل محاولة أخرى تقريبا منذ الخمسينيات لخفض التضخم عن طريق تشديد السياسة النقدية إلى انكماش اقتصادي، كما اعترف باول بنفسه أمام الكونغرس أواخر الشهر الماضي، بأن الركود كان “محتملا بالتأكيد”.

وتضيف الكاتبة أن  ويندي إدلبرغ، مديرة مشروع “هاملتون” في معهد “بروكينغز”، أخبرتها أن “الاقتصاد المتباطئ دائما معرض لخطر الدخول في ركود، ومن الصعب على الاقتصاد أن يتباطأ بسلاسة ومن دون عواقب”.

وتؤكد الكاتبة أنه حتى لو استطاع بنك الاحتياطي الفدرالي تنفيذ تلك الحيلة، فهناك كثير من المخاطر الاقتصادية الأخرى التي تهدد بإرسالنا إلى الركود؛ حيث تنبع الزيادة في الإنفاق التي غذت النمو الاقتصادي السريع بعد الإغلاق الأولي للوباء من الطلب المكبوت الناجم عن الجمع بين بقاء الأميركيين في منازلهم وتلقي المساعدة المالية من الحكومة الفدرالية، لكن كلا الدافعين يتباطأ، ومن المرجح أن يتباطأ الإنفاق الاستهلاكي معهما أيضا؛ كما حدث بالفعل في الإنفاق التقديري استجابة للتضخم، فضلا عن المخاطر التي تشكلها الحرب في أوكرانيا وتقلبات سلسلة التوريد المستمرة.

وبالنظر إلى كل الحقائق، فمن المحتمل تماما إن لم يكن مؤكدا -وفقا للكاتبة- أن البلاد تتجه نحو انكماش اقتصادي في المستقبل القريب، وهذا يجعل الوقت مناسبا الآن للاستعداد حتى يعاني أقل عدد ممكن من الأميركيين، وهناك العديد من الأمور التي يمكن للمشرعين القيام بها إذا كان لديهم الإرادة السياسية للعمل.

التأمين ضد البطالة

ومن المرجح أن يكون البرنامج الأكثر حاجة إلى التغييرات هو التأمين ضد البطالة؛ حيث عمل الكونغرس على دعم البرنامج في الأيام الأولى للوباء، وأدى ذلك إلى توسيع بؤرة الأشخاص المستفيدين من المزايا مثل عمال المطاعم والعاملين في الوظائف المؤقتة، وإضافة أسابيع من المزايا وزيادتها بمقدار 600 دولار في الأسبوع، ومن دون إجراءات الطوارئ هذه كان من المرجح أن يحصل العديد من الأميركيين على أجر ضئيل جدا مقابل عدد ضئيل من الأسابيع، أو أنهم لن يتمكنوا من استحقاق التأمين على الإطلاق.

وتكمن المشكلة الكبرى في مسألة البطالة -حسب الكاتبة- في أنها ليست برنامجا متماسكا حقا، ولكنها عبارة عن 53 برنامجا مختلفا يختلف من ولاية إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى؛ إذ تضع الولايات قواعدها الخاصة لمن يستحق الالتحاق بالبرنامج وحجم الفوائد ومدة استمرارها.

ففي ولاية مسيسيبي على سبيل المثال تبلغ المزايا القصوى 235 دولارا في الأسبوع، مقارنة بـ 974 دولارا في ماساشوستس، ولهذا يجب على الكونغرس وضع معيار قوي لجميع تلك القواعد؛ فقد اعتادت جميع الولايات تقديم تعويض لمدة 26 أسبوعا على الأقل ويمكن زيادتها، ومن المهم أن ترتفع المزايا كما ترتفع الأجور أو ستفشل في تقديم فجوة مؤقتة كافية لمنع العمال من الانزلاق إلى الفقر المدقع بعد فقدان وظائفهم.

وتبيّن الكاتبة أهمية تعديل مثل هذه التغييرات قبل الركود حتى يتمكن البرنامج من “حمايتنا من الكوارث المالية، لكن الناس يفقدون وظائفهم طوال الوقت حتى في الاقتصاد الديناميكي، ويحتاجون إلى خط أساس من الدعم يلجؤون إليه حتى يقفوا على أقدامهم مرة أخرى”.

تمويل النظام

ويتعين على الحكومة الفدرالية أيضا التدخل وتمويل النظام بشكل أفضل. وفي الوقت الحالي، الأمر متروك للولايات لرفع الضرائب بشكل كاف عن أصحاب العمل في أوقات اليسر لضمان تمويل كافٍ في أوقات العسر، ولكن غالبًا ما يكون هذا أمرا صعبًا؛ إذ يضع هذا العمال في مواجهة أرباب العمل وضرائبهم، وغالبا ما يستجيب المشرعون بخفض الضرائب والفشل في تحديث صناديق البطالة قبل التراجع التالي.

وتنقل الكاتبة عن الدكتور إديلبيرغ قوله “هذا يجعلهم يحجمون عن كونهم أكثر سخاء عندما يحتاج الاقتصاد إلى سخاء نظام التأمين ضد البطالة”.

وتوضح الكاتبة أنه رغم دعم الحكومة الفدرالية للبرنامج فإنه يتعين على الولايات سداد الأموال، وذلك يقودها إلى الاختيار بين زيادة الضرائب أو خفض المزايا وغالبًا ما يتم اختيار خفض المزايا، فإذا تحملت الحكومة الفدرالية مزيدا من المسؤولية عن التمويل فستتواءم الحوافز نحو نظام كافٍ لدعم الناس في جميع الظروف.

وأفادت الكاتبة بأن مزيدا من الأموال الفدرالية يمكن أن تساعد الولايات أيضا على تحسين أنظمة التكنولوجيا القديمة، التي استمرت في الانهيار منذ بداية الجائحة، فحتى التغييرات الصغيرة مثل ضمان عمل مواقع التطبيق على الهواتف المحمولة أو وجود طرق أسهل للعمال لإعادة ضبط الرقم السري يمكن أن تجعل النظام أكثر يسرا، بخاصة عندما يحتاج آلاف الأشخاص إلى استعماله في الوقت نفسه.

وهناك إجراء طارئ آخر اتخذه الكونغرس في وقت مبكر من الوباء يتمثل في توسيع الأهلية للحصول على ائتمانات ضريبية لجعل التأمين الصحي المتاح في تبادلات قانون الرعاية الصحية الأميركي أيسر تكلفة؛ حيث توقف برنامج “ميديكايد” وبرنامج التأمين الصحي للأطفال عن طرد الناس بسبب تقلبات الدخل والظروف الشخصية، وذلك أسهم في زيادة بنسبة 23% في التسجيل في كليهما بعد عامين من التراجع.

وفي حال توسيع نطاق هذه الجهود وضمان الحكومة إمكانية حصول الناس على “ميديكايد” في الولايات التي رفضت توسيعها، سيتمكن عدد أكبر من الناس من الوصول إلى الرعاية الصحية عند وقوع كارثة اقتصادية.

وأضافت الكاتبة أن هناك أيضا أشكال دعم للدخل، مثل الائتمان الضريبي للأطفال الذي أصبح العام الماضي متاحا لجميع العائلات من خلال إرسال مدفوعات شهرية بناء على أعمار أطفالهم.

وساعدت هذه المدفوعات في الحد من الفقر وعدم الاستقرار المالي، وانتهت صلاحية هذا الدعم في نهاية العام الماضي، ولكن لو مدّدت بشكل دائم لتمكن الناس من إنقاذ عائلاتهم من الفقر، ولو كان هناك برنامج راسخ يقوم بالفعل بتسجيل المؤهلين لسهل ذلك على الكونغرس إرسال مزيد من الأموال إليهم في حالة الركود.

ويتمثل أحد التغييرات الشاملة المهمة في تكليف بعض هذه البرامج بالاستجابة تلقائيا للظروف الاقتصادية المتغيرة، إذ إن تحويل هذه البرامج إلى ما يسمى بعوامل الاستقرار التلقائية التي تعمل بأقصى قوة عندما يكون الاقتصاد ثابتا من دون اتخاذ الكونغرس أي إجراء من شأنه أن يضمن توفير شبكة أمان قوية لحماية الجميع بغض النظر عن الوضع السياسي الشامل.

على الحكومة الفدرالية أيضا التدخل وتمويل النظام بشكل أفضل لمواجهة الركود القادم (غيتي)

برامج المساعدات

وذكرت الكاتبة أن برنامج المساعدة الغذائية التكميلية يمثل استحقاقا، أي إنه كلما زاد عدد الأشخاص الذين يواجهون صعوبات مالية وأصبحوا مؤهلين لهذا البرنامج تزيد الحكومة الفدرالية من إنفاقها للتأكد من حصولهم على الفوائد.

فعلى سبيل المثال؛ على عكس برنامج المساعدة المؤقتة الممنوحة بشكل صارم للأسر المحتاجة، يعمل برنامج المساعدة الغذائية التكميلية بسرعة وقوة في حالة الانكماش.

ومع ذلك، خلال كل من الركود العظيم والوباء، تعين على الكونغرس أن يعمل على زيادة قسائم الطعام لمحاربة مثل هذه الخسائر الفادحة في الدخل، وبدلا من ذلك يمكن أن يصبح الأمر إلزاميًّا؛ فمع ارتفاع معدل البطالة يمكن أن تزيد فوائد برنامج المساعدة الغذائية التكميلية تلقائيا بنقاط مئوية معينة، كما يمكن أيضًا تخفيف قيود الأهلية تلقائيا للحرص على توفير التغذية للأسر التي فقدت دخلها فجأة أثناء اعتماد التحفيز السريع في الاقتصاد.

فضلا عن ذلك -كما تبين الكاتبة- فيمكن أن يساعد التأمين ضد البطالة الأسر بشكل تلقائي لمدة أسابيع مع ارتفاع معدلات البطالة، إذ يحتوي البرنامج بالفعل على مزايا كبيرة من المفترض أن تقدم عند بلوغ البطالة مستويات معينة في كل ولاية، ولكن هذه المستويات عادة ما تكون مرتفعة جدا بحيث نادرا ما يتم الوفاء بها.

إضافة إلى ذلك، يمكن أن يتلقى برنامج مساعدة الإيجار تدفقا من التمويل في حال واجه المستأجرون خطر الإخلاء الجماعي كما يمكن إرسال مزيد من التمويل الفدرالي لتوفير المساعدة المؤقتة للأسر المحتاجة بصورة تلقائية إلى الولايات حتى تتمكن من مساعدة مزيد من الأشخاص، لكن الأهم هو أن تطبّق هذه الإجراءات الآن وليس عند حدوث انهيار اقتصادي ملحمي.

وتختتم الكاتبة أنه “بمجرد أن تمر الأزمة؛ من الصعب دفع المشرعين إلى تركيز اهتمامهم المحدود على إصلاح الأنظمة لتكون جاهزة للأزمة التالية”.

زر الذهاب إلى الأعلى