اقتصاد

خصصت له نصف ميزانيتها.. لماذا تعوّل مصر على الاقتصاد الأخضر؟

القاهرة بخطى متسارعة تتجه مصر نحو الاقتصاد الأخضر، بعد أن خصصت له نصف ميزانية العام المالي 2024-2025، مما يطرح تساؤلات عن طبيعة هذا الاقتصاد، وحقيقة هذا التوجه، وأثره على مصر، وفرص نجاحه، إضافة إلى حجم ما أنجزته مصر وما تستهدفه مستقبلا.

والاقتصاد الأخضر يعرّف بأنه اقتصاد يهدف إلى تحسين الرفاه البشري والإنصاف الاجتماعي، ويتميز بأنه اقتصاد مبني على الحد الأدنى من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والتلوث بصفة عامة، إلى جانب دعم كبير لنمو العمالة والدخل وتحقيق التكامل بين الأبعاد الأربعة للتنمية المستدامة: البيئية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، وبذلك يختلف الاقتصاد الأخضر عن الاقتصاد الأحفوري الذي يُعرف بـ”الاقتصاد البُنّي”.

وتعتمد الإستراتيجية المصرية في الاقتصاد الأخضر على خطط تدشين عدد من المشروعات الضخمة في ما يتعلق بمجال الطاقة المتجددة.

يأتي ذلك في وقت من المقرر أن تستضيف فيه مصر “مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ” (COP27)، في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل بمدينة شرم الشيخ، التي تعدها الحكومة المصرية أول مدينة مصرية تتحول بالكامل إلى مدينة خضراء.

ورغم الحديث الدولي والمحلي المبشر عن الاقتصاد الأخضر أو نتائجه، ثمة تحديات تواجه مصر في مرحلة التحول إليه، أبرزها التكلفة العالية والتخطيط الجيد وافتقار بعض المناطق إلى الخدمات الصحية والمياه النظيفة، كما أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر قد يرغم الدولة على التخلي عن أنشطة اقتصادية مرتفعة العائد لكنها تضر بالبيئة، وفق دراسات بحثية ومتخصصين.

ويتفق خبراء الاقتصاد على أن مسألة تحول مصر للاقتصاد الأخضر لا تزال في بدايتها، ولم تصل بعد إلى مرحلة شاملة، وإن كانت فرص نجاحه كبيرة في ظل الانتقال إلى التخطيط الراهن، أو تدشين مشاريع عملاقة على غرار العاصمة الإدارية الجديدة (حوالي 60 كيلومترا شرق القاهرة).

فرص النجاح

يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر توجه عالمي، وقد وضعت مصر إستراتيجية للتوجه نحوه تشمل عدة نقاط، أهمها مراعاة البعد البيئي في 50% من المشروعات التي سيتم تنفيذها خلال الفترة القادمة.

وفي تصريحات للجزيرة نت، أشار عبد المطلب إلى إعلان الحكومة المصرية أن لديها نحو 691 مشروعا بتكلفة كلية تبلغ نحو 447.3 مليار جنيه في مجال الاقتصاد الأخضر، تشمل مجالات الطاقة والكهرباء والنقل والإسكان.

لكن الخبير الاقتصادي يعتقد أن مسألة التحول للاقتصاد الأخضر في مصر ما زالت حتى الآن في البدايات، ولم تصل بعد إلى خطة شاملة، أما عن فرص نجاح الاقتصاد الأخضر بمصر، فأكد أنها كبيرة جدا، خاصة في ظل الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة.

ولفت عبد المطلب إلى أن هناك تقارير واردة عن نظم العمل في العاصمة الإدارية تشير إلى أنها تشترط استيفاء المعايير العالمية للحفاظ على البيئة والحد من انبعاثات الكربون، واستخدام الطاقة النظيفة، سواء باستخدام الطاقة المتجددة، أو حتى الهيدروجين الأخضر في مشروعاتها كافة.

وحول دوافع مصر إلى التحول نحو الاقتصاد الأخضر، قال الخبير الاقتصادي إن مصر تعول عليه لأنه يقلل التلوث، ويقلل تكاليف الإنتاج، ويساعد على زيادة استغلال الموارد بشكل أفضل وأكثر استدامة.

ويتفق الصحفي المتخصص في الشؤون الاقتصادية، إبراهيم الطاهر، مع عبد المطلب في أن مصر كانت لها ريادة عربية وشرق أوسطية في الدخول إلى هذا المجال، خاصة بعد إصدار سندات خضراء لأول مرة في الشرق الأوسط وأفريقيا، أواخر عام 2020.

والسندات الخضراء عبارة عن سندات تهدف إلى توفير التمويل للمشروعات الصديقة للبيئة، وخفض تكلفة التمويل على الأوراق الحكومية، وتشجيع الاستثمارات النظيفة بالمنطقة، وبدأ ظهورها عالميًا عام 2008.

ورغم الحديث المبشر عن الاقتصاد الأزرق أو نتائجه، رأى الطاهر -في تصريحات تلفزيونية سابقة- أن الطريق لا يزال طويلا خاصة لدولة مثل مصر، موضحًا أن حجم تلوث الهواء في القاهرة الكبرى على سبيل المثال يكلف الحكومة 47 مليار جنيه سنويا، وفق دراسة سابقة للبنك الدولي.

كما أن مصر في الوقت الحالي، وفق الطاهر، تعتمد بنسبة تزيد على 96% على الوقود الأحفوري، في حين أن نسبة اعتمادها على الطاقة المتجددة لا تتخطى 4%، وإن كانت الحكومة تسعى إلى زيادتها.

وشدد على أن الوصول إلى هذه المشاريع ليس سهلا، لأنه سيؤثر على صناعات كبيرة تعتمد حاليًا على الطاقة التقليدية، بما قد يسفر عن خسائر كبيرة خاصة في العمالة، كما يعزف كثير من المستثمرين عن دخول مجال الشركات الخضراء.

“خضرنة” الاقتصاد

وتعول مصر على المؤتمر الأممي لتغير المناخ، الذي تستضيفه أواخر العام الجاري، في تعزيز جهودها في تنفيذ إستراتيجية “مصر للتنمية المستدامة 2030″، إذ إن البعد البيئي يعد بعدا رئيسيا للإستراتيجية، بالتوازي مع مساعي مصر وجهودها للتعافي الأخضر.

وفي مايو/أيار الماضي، أطلقت القاهرة “الإستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر 2050” التي تصل تكلفتها الإجمالية إلى 324 مليار دولار.

وكانت مصر قد خصصت، وفق تقارير حكومية، نحو 15% من نفقات الموازنة العامة للدولة للعام المالي الحالي 2021-2022 لهذا الشأن، وزادت النسبة في مشروع موازنة العام المالي الجديد 2022-2023 إلى نحو 30% لدعم مشروعات “الاقتصاد الأخضر”، بما يعادل نحو 336 مليار جنيه، كما خصصت نصف ميزانية 2024-2025 للأمر ذاته.

كما أن مصر تعد أول دولة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُصدر السندات الخضراء السيادية بالأسواق العالمية، بقيمة 750 مليون دولار لأجل 5 سنوات.

وفي مقابلة مع وكالة “أسوشيتد برس” (AP) الأميركية، دعا وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى تنفيذ الالتزامات والتعهدات الدولية السابقة في جميع قطاعات جدول أعمال تغير المناخ، سواء كان ذلك في التكيف أو التخفيف أو التمويل، أو تعويض الخسائر والأضرار التي تعود إلى عصور ما قبل الصناعة.

وكان البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية -الذي مقرّه المملكة المتحدة- أقر إستراتيجية قُطرية لدعم البرنامج المصري للإصلاح والاقتصاد الأخضر، وهذه الإستراتيجية ذات السنوات الخمس بين البنك ومصر، بدءا من العام الجاري 2022 حتى عام 2027، ترتكز على عدّة محاور، أبرزها التحول الأخضر على الصعيد الاقتصادي.

وفى مجال إنتاج الهيدروجين الأخضر (مصدر للطاقة النظيفة)، عقدت الحكومة المصرية اتفاقية لإنتاجه في مصر، ليكون مادة وسيطة لإنتاج الأمونيا الخضراء، وبالشراكة بين كل من صندوق مصر السيادي وشركات نرويجية وهولندية وإماراتية.

وبدأت مصر في التوجه نحو الاهتمام بهذا النوع من الاقتصاد بوصفه أحد السبل الرئيسية في خطط التنمية الشاملة، وفق تقرير حكومي صدر أواخر عام 2020، وسلط الضوء على توجهات الدولة نحو مشروعات الاقتصاد الأخضر، التي تقوم على 6 قطاعات رئيسية: إدارة المياه، والطاقة المتجددة، وإدارة الأراضي، والنقل المستدام، وإدارة النفايات، والمباني الخضراء.

ومن أبرز المشروعات الخضراء المنفذة والجاري تنفيذها:

  • مشروع مجمع بنبان للطاقة الشمسية بمحافظة أسوان (جنوب).
  • مشروع توليد الكهرباء بتكنولوجيا الضخ والتخزين بجبل عتاقة في محافظة السويس (شمال شرق).
  • مشروع محطة توليد الكهرباء من طاقة الرياح في خليج السويس.
  • مشروع القطار الكهربائي الذي يستهدف نحو 500 ألف راكب يوميا.
  • مشروع خطي “مونوريل” العاصمة الإدارية ومدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة) الذي يستهدف نحو 650 ألف راكب يوميا.
  • زيادة عدد السيارات المحولة للعمل بالغاز الطبيعي بنسبة 44.9%، لتصل إلى 325 ألف سيارة عام 2020، مقارنة بـ224.3 ألف سيارة عام 2016.
  • محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر بمحافظة الشرقية (شمال).
  • محطة تحلية مياه البحر بمدينة العلمين (شمال غرب).
زر الذهاب إلى الأعلى