اقتصاد

سلاح الردع الغربي.. هل تقف العقوبات الاقتصادية حائط صد بين روسيا وأوكرانيا؟

لندن- منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، يلوح الغرب عموما والولايات المتحدة بعقوبات غير مسبوقة ومدمرة للاقتصاد الروسي، إن قرر الرئيس فلاديمير بوتين غزو أوكرانيا، مما يفتح مواجهة بين سلاحين قويين بيد الطرفين: “الغاز الروسي” و”العقوبات الغربية”.

ومباشرة بعد إعلان روسيا الاعتراف باستقلال إقليمي دونيتسك ولوغانسك عن أوكرانيا، أعلنت كل من بريطانيا والولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية على شخصيات ومؤسسات روسية، فضلا عن إعلان ألمانيا تعليقها خط غاز “نورد ستريم 2” (Nord Stream 2).

ويفتح سلاح العقوبات كثيرا من الجدل حول نجاعته وقدرته على دفع روسيا لتغيير سياستها في التعامل مع الملف الأوكراني.

عقوبات محدودة

كانت بريطانيا أول دولة تعلن عقوبات ضد شخصيات ومؤسسات روسية، فأقر رئيس الوزراء البريطاني العقوبات على 5 مؤسسات مالية روسية من بينها مؤسسات بنكية، وكذلك على 3 مليارديرات روس مع منعهم من السفر إلى بريطانيا.

في المقابل، أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن عقوبات الحظر على “البنك الروسي للتنمية” (VEB)، والبنك العسكري الروسي، وعقوبات على ديون روسيا السيادية، مما يمنع عنها الوصول للتمويل الغربي.

في حين اكتفت ألمانيا بإعلان تعليق العمل في خط “نورد ستريم2” للغاز، مع التلويح بإيقافه تماما في حال قامت روسيا بغزو أوكرانيا.

وتقوم فلسفة هذا النوع من العقوبات على إلحاق الضرر بشخصيات ومؤسسات لها علاقة بالرئيس الروسي أو بحكومته، من دون الوصول للتأثير على بنية الاقتصاد الروسي.

تأثير محدود

يعلم الغرب -كما تعلم موسكو- أن هذه النوعية من العقوبات يكون لها تأثير محدود على الاقتصاد الروسي، لأنها لا تضرب العصب الأساسي للاقتصاد، وهذا راجع لعدة أسباب؛ أولها أن سياسة الولايات المتحدة هي التدرج في فرض العقوبات، لأن موسكو لم تتجاوز الخط الأحمر وهو غزو أوكرانيا.

أما السبب الثاني، فهو علم الولايات المتحدة أنها لا تتحرك لوحدها وأن عليها أن تأخذ بعين الاعتبار الاتحاد الأوروبي، الذي يرتبط بشكل أساسي بروسيا، أو بالأحرى بالغاز الروسي، ولا تريد واشنطن إلحاق أضرار كبيرة بالحلفاء الأوروبيين تجعلهم يترددون في أي خطوة تصعيدية ضد روسيا.

أما السبب الثالث، فهو أن الاقتصاد الروسي يعتمد في مداخيله على النفط والغاز بنسبة 45%، وأي عقوبات على هذا القطاع ستكون لها عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي، وليس روسيا فحسب.

وفي مقال مطول بمجلة “بوليتيكو” (Politico) للمختصين في السياسة الخارجية الأميركية، يعترف كل من إدوارد فيشمان وكريس ميلر بأن هذه النوعية من العقوبات فشلت في “إيقاف المغامرات الروسية”.

عقوبات مدمرة

لطالما ردد الرئيس الأميركي جو بايدن عبارة “عقوبات مدمرة للاقتصاد الروسي”، وهو بذلك يشير إلى عدد من الأوراق، التي في يد واشنطن، القادرة على إلحاق أضرار كبيرة بروسيا، بل وعزلها عن الاقتصاد العالمي.

من بين هذه العقوبات استبعاد روسيا من جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك “سويفت” (SWIFT) التي تضم أكثر من 209 دول و10 آلاف مؤسسة مالية عبر العالم.

وفي حال إقرار هذه الخطوة، فسيكون من الصعب على الشركات والمؤسسات المالية الروسية القيام بأي معاملات مالية على الصعيد الدولي، لكنه في المقابل سيكون له تأثير على دول مثل ألمانيا المرتبطة بمبادلات مالية ضخمة مع روسيا.

وتحتفظ الولايات المتحدة بهذه الورقة للسيناريو الأسوأ، وهو غزو روسيا لأوكرانيا، ولا يبدو أنها قد تلجأ لها بعد الاعتراف الروسي بالإقليمين الأوكرانيين.

استهداف البنوك

يمكن للولايات المتحدة أن تقوم بوضع المؤسسات البنكية الروسية الكبرى على القائمة السوداء، وهو ما يجعل من المستحيل التعامل معها في أي رقعة في العالم، باستثناء دول قليلة.

هذه الخطوة أيضا سيكون لها تأثير على الداخل الروسي، وسيدفع الحكومة للتدخل لإنقاذ مؤسساتها البنكية، لكن في المقابل ستتأثر الاستثمارات الغربية، والأموال الغربية الموجودة في هذه البنوك.

ويبدو أن روسيا تتوقع فرض عقوبات من هذا النوع في أي وقت؛ لهذا فقد قام البنك المركزي بتخزين أكثر من 630 مليار دولار، بغرض حماية الاقتصاد من أي صدمة عنيفة.

سلاح الدولار

كشف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أن بلاده قد تذهب -رفقة الولايات المتحدة- أبعد بكثير في فرض العقوبات، خاصة عن طريق منع روسيا من الحصول على الدولار أو الجنيه الإسترليني، في حال ما قررت موسكو غزو أوكرانيا.

ومن شأن منع روسيا من الوصول للدولار أن يفرض عليها حصارا اقتصاديا خانقا؛ ذلك أن أي مؤسسة في العالم تسمح لروسيا بالتعامل بالدولار ستطالها العقوبات.

وهذا يعني أن روسيا ستجد مصاعب كبيرة جدا في بيع نفطها وغازها لدول العالم، ذلك أن العملة المعتمدة في المبادلات الطاقية هي الدولار، وفي حال افتقد العالم الغاز والنفط الروسيين، فالأكيد أن سوق الطاقة سيشهد صدمة غير مسبوقة.

أما من جهة بريطانيا، فمنعها روسيا من الوصول للجنيه الإسترليني يعني أيضا منعها من الوصول للحي المالي في لندن، الذي يعتبر المركز المالي الأكبر في العالم، خاصة أن لندن هي الوجهة المفضلة لرؤوس الأموال الروسية، وللأغنياء الروس.

لكن واشنطن ولندن يتعاملان بحذر مع أي عقوبة يتم فرضها على روسيا، لأنها في المقابل ستشكل ضررا على اقتصاد كثير من الدول الغربية.

زر الذهاب إلى الأعلى