اقتصاد

غلاء وانقطاع الأدوية في مناطق سيطرة النظام.. كيف يحصل السوريون على دوائهم؟

تشهد أسعار الأصناف الدوائية في مناطق سيطرة النظام ارتفاعا كبيرا وبوتيرة متسارعة بلغت ذروتها في الأيام القليلة الماضية، تزامنا مع تدني سعر صرف الليرة مقابل العملات الأجنبية وانقطاع مئات الأصناف الدوائية من الصيدليات في البلاد.

وقد رفعت وزارة الصحة في حكومة النظام السوري التسعيرة المعتمدة للعديد من الأصناف الدوائية يوم 22 فبراير/شباط الماضي، لتغطي الكلفة التشغيلية لبعض تلك الأصناف، ولتوفير الأدوية الضرورية في الأسواق المحلية بحسب مديرية الشؤون الصيدلانية في الوزارة.

في حين جددت شركات ومعامل الأدوية مطالباتها برفع الأسعار لتغطي كلفة تشغيلها؛ إذ طالب زياد أوبري المدير التنفيذي لشركة أوبري للصناعات الدوائية في مناطق النظام، وزارة الصحة عبر أثير إذاعة محلية يوم 26 فبراير/شباط الماضي برفع الأسعار لتتوافق مع معطيات العام الحالي، مشيرا إلى أن الأسعار لا تزال مبنية على معطيات عام 2021.

ورغم الإجراءات التي اتخذتها الوزارة، فإن الصيدليات لا تزال تعاني من شح مستمر في مختلف الأدوية منذ أعوام، وهو ما أدى إلى انتعاش السوق السوداء لبيع الأدوية المهربة أو المخزنة في دمشق وريفها؛ حيث تباع الأدوية بأسعار مضاعفة، مما ينعكس بشكل سلبي على المرضى من الشرائح الأكثر فقرا أو الذين يعانون من أمراض مزمنة.

تحديات الحصول على الدواء

يعاني وئام (4 أعوام) من نوبات ربو حادة مما يضطر والديه لإعطائه حقنة شرجية من دواء”بوديسونايد” (Budesonide) مرتين خلال اليوم، وهو دواء وصفه الطبيب لحالة وئام بما يتناسب مع عمره وطبيعة المرض، كما أوضح والده.

يقول تميم (والد وئام) للجزيرة نت “أبحث عن هذا الدواء منذ أسبوع، ذهبت إلى أكثر من 50 صيدلية في دمشق، ونشرت عشرات المنشورات على مجموعات خاصة لتأمين الأدوية على فيسبوك في سوريا. إلى أن تواصل معي فاعل خير البارحة وأخبرني أن بإمكاني الحصول على علبة مقابل 76 ألف ليرة (30 دولار أميركيا)”.

موظفة تحضر طلبية دواء في صيدلية تديرها منظمة نقابة الأطباء السوريين الأحرار بالغوطة الشرقية عام 2016 (الفرنسية)

اضطر والد وئام لشراء الدواء بثلاثة أضعاف سعره في السوق بعد أن فقد الأمل في العثور عليه في الصيدليات، وعن ذلك يقول تميم “أشعر بضيق بالتأكيد لأني اشتريت الدواء بأضعاف سعره في السوق، ولكني في النهاية ممتن لأن أحدهم تمكّن من تأمين الدواء لي، حيث لم ينفع البديل الذي وصفه الطبيب لحالة ابني المرضية”.

أما جلنار (30 عاما) فبدأت معاناتها في تأمين الدواء مع بداية أزمة انقطاع الدواء في سوريا قبل عامين، فلم تعد تجد في الصيدليات دواء “بلاكونيل” (هيدروكسي كلوركين) لوالدتها المسنة المصابة بداء الذئبة الحمامية (من أمراض المناعة الذاتية) حيث انقطع الدواء لخمسة أشهر، ولما توفر في الأسواق مجددا كان ثمنه قد تضاعف، وتقول جلنار “كنت في السنوات الماضية أشتري لوالدتي العقار الأجنبي، أما اليوم فبلغ سعر العقار الوطني منه 35 ألف ليرة (14 دولارا أميركيا)، وبما أن والدتي تحتاج لعلبتين شهريا يصبح المبلغ 70 ألف ليرة، أي ما يعادل 3 أرباع مرتبي الشهري”.

ومع أن تأمين الدواء لوالدة جلنار أمر لا بد منه، غير أنه في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة “صرنا نضطر لشراء الدواء بالمظروف، وأحيانا نقطع العلاج عن والدتي أسبوعا أو اثنين ريثما أستطيع وشقيقتي تأمين ثمن المظروف الواحد منه”، بحسب جلنار.

وارتفعت أسعار الدواء في سوريا منذ مطلع الشهر الجاري بنسب كبيرة تتراوح بين 30% و40% للعديد من الأصناف الدوائية، حيث بلغ سعر دواء “السيتامول” ألفي ليرة، وارتفع سعر دواء الالتهاب “سيفيكسيم” من 2900 إلى 4500 ليرة، في حين ارتفع سعر دواء “الإزيترومايسين” من 1600 إلى 2900 (الدولار يساوي نحو 2512 ليرة سورية).

وتضاف أزمة غلاء وفقدان الأصناف الدوائية إلى كثير الأزمات التي يعاني منها السوريون، حيث يعاني 12.4 مليونا من انعدام الأمن الغذائي، في حين يرزح 90% من السوريين تحت خط الفقر، بحسب تقارير لمنظمة الأمم المتحدة.

الدواء السياحي

إلى جانب غلاء وانقطاع الأصناف الدوائية بشكل مستمر، تنتعش ظاهرة بيع الدواء في السوق السوداء بأسعار مضاعفة في دمشق وريفها وسائر مناطق سيطرة النظام، وهو ما يفاقم من معاناة المرضى الذين يضطرون أحيانا للانتظار أسابيع حتى يتمكنوا من الحصول على دوائهم وبسعر مضاعف.

تقول سمر (38 عاما)، صيدلانية في ريف دمشق وموظفة سابقة بإحدى شركات الدواء، للجزيرة نت “لا حل أمام المريض سوى الرضوخ للأمر الواقع وشراء ما يعرف بالدواء السياحي، الذي يهرب عبر الحدود السورية بعيدا عن رقابة وزارة الصحة أو الذي تنتجه بعض المعامل والشركات وتمرره إلى سماسرة الدواء ليبيعوه بالأسعار التي تغطي كلفة الإنتاج الفعلية، وكل زيادة في سعر هذه الأدوية ستكون من رقبة المريض”.

وعن سبب انتعاش سوق الدواء السياحي تقول سمر “حاولت وزارة الصحة محاكاة الواقع ورفع أسعار بعض المنتجات الطبية والأدوية، ولكن بقيت تلك الأسعار بعيدة عن واقع كلفة الإنتاج، وهو ما دفع أصحاب المعامل والشركات إلى التوقف عن إنتاج بعض الزمر أو تصدير الأصناف التي لم تتوافق كلفة إنتاجها مع تسعيرة الوزارة إلى دول الجوار قبل ارتواء السوق السورية منها”.

وتضيف سمر “ترتبط ظاهرة الدواء السياحي أساسا بانقطاع الأدوية من السوق، وتنقطع الأدوية نتيجة صعوبة استيراد المواد الأولية ومواد المسوغات، إضافة إلى صعوبة تأمين القطع الأجنبي، والفجوة الكبيرة بين سعر صرفه في السوق والسعر النظامي الذي حدده البنك المركزي”.

وتتابع “وما حدث في السنوات السابقة هو استيراد المعامل المواد اللازمة بسعر صرف القطع الأجنبي بالسوق ثم إنتاج المنتجات الطبية وبيعها بسعر البنك المركزي، وهو ما أدى إلى تكبد أصحابها خسائر كبيرة، مما أدى إلى عزوفهم عن إنتاج الكثير من الأصناف الدوائية أو تخصيصها للتصدير”.

وبيّنت نقيبة الصيادلة وفاء كيشي عبر حوار إذاعي أن ارتفاع أسعار الدواء مؤخرا كان نتيجة لعدم توفر بعض الأصناف الدوائية الضرورية في السوق كالصادات الحيوية ومضادات التشنج وأدوية الصرع ومضادات الاختلاج، حيث توقفت المعامل عن إنتاجها بسبب الخسارات.

غير أن أدوية الصادات الحيوية وبعض أدوية الالتهاب عادت للتوفر في الصيدليات بعد قرار رفع أسعار الأدوية التي اتخذته وزارة الصحة في الـ22 من الشهر الماضي، بحسب صيادلة في دمشق.

حلول مبتكرة

وأمام واقع انقطاع مئات الأصناف الدوائية المهمة من السوق وغلاء أخرى يقوم نشطاء ومتطوعون سوريون بتأسيس صفحات على موقع فيسبوك لتأمين تلك الأدوية بأسعار مقبولة كصفحة “دواك عندي”، التي يقوم المريض بنشر صورة الدواء أو اسمه ويقوم متابعو الصفحة بإرشاده إلى مكان توفره، إضافة إلى المجموعات التي تنشط في هذا الإطار على تطبيق واتساب.

تقول حنان (25 عاما)، مديرة إحدى المجموعات التطوعية لتوفير الدواء في سوريا على تطبيق واتساب، للجزيرة نت “نحاول من خلال هذه المجموعة أن نبني شبكة تصل بين المريض ومن يملكون الدواء، كما نحاول أن نقدم نصيحة للمريض ليعرف السعر المنطقي لدوائه قبل أن يتورط ويشتريه بثمن باهظ”.

ومنذ بداية العام أنشأت حنان مع زملائها مجموعة جديدة يقومون من خلالها بوصل المرضى الأكثر فقرا بالأطباء المتطوعين لتقديم كشف أو إجراء عمليات أو تقديم أدوية بالمجان، وعن تلك المجموعة تقول “وصلتنا خلال الأشهر الماضية باستمرار على المجموعة الخاصة بتوفير الأدوية حالاتٌ حرجة بحاجة إلى علاج فوري أو أخرى لم تكن تملك ثمن الدواء وغيرها من الحالات الإنسانية، ولم نكن قادرين على فعل شيء، ومن هنا جاءت فكرة هذه المجموعة التي -والحمد لله- بدأت بوصل المرضى مع الكثير من الأطباء وفاعلي الخير في المجال الصحي”.

وتضيف “هناك شرائح في المجتمع السوري لا تملك ثمن ربطة الخبز فكيف لها أن تشتري دواء يبلغ ثمنه 20 إلى 30 ألف ليرة (5 إلى 8 دولارات) وعلى الجانب الآخر لا يزال هناك أناس بضمائر حية يريدون أن يقفوا إلى جانب هؤلاء، وكل ما نقوم به نحن لا يعدو أن يكون وصل الطرفين ببعضهما”.

وتستمر أزمة غلاء وانقطاع الدواء في سوريا منذ قرابة العامين، قامت خلالهما وزارة الصحة برفع أسعار الزمر الدوائية بشكل دوري كل 6 أشهر وبنسب متفاوتة طبقا لمطالبة شركات ومعامل تصنيع وتوزيع الأدوية في البلاد، لكن دون أن تتمكن من احتواء الأزمة التي لا تنفك تتفاقم.

زر الذهاب إلى الأعلى