اقتصاد

قمح السودان.. كساد المحصول وصعوبات عديدة أمام مزارعيه

يغطي الإنتاج المحلي من القمح في السودان حوالي 12 إلى 17% فقط من احتياجات السوق المحلية.

الخرطوم – بوقت يبحث فيه كثير من دول العالم عن تأمين استيراد حصص إضافية من القمح تجنبا لتأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية، يشكو مزارعو مشروع الجزيرة وسط السودان من كساد المحصول في مخازنهم غير المهيأة، جراء تأخر الحكومة عن شراء كامل حصتهم من المحصول كما كان يحدث في سنوات سابقة.

وأقرت الحكومة في وقت سابق سعرا تشجيعيا لتحفيز المزارعين على بيع محصول القمح لصالح المخزون الإستراتيجي، بواقع 43 ألف جنيه (75.9 دولارا) للشوال زنة 100 كيلوغرام.

ويستهلك السودان وفقا لتقارير رسمية حوالي مليون طن من القمح سنويا، يأتي معظمها من دول البحر الأسود وروسيا، فيما يغطي الإنتاج المحلي حوالي 12 إلى 17% فقط من احتياجات السوق المحلية.

مشروع الجزيرة

ورسم المزارع أحمد المصطفى إبراهيم صورة قاتمة عن محصول القمح بمشروع “الجزيرة والمناقل” الذي يعد أحد أكبر مشاريع الري الانسيابي في القارة الأفريقية، وتأسس عام 1925 بهدف تزويد مصانع النسيج البريطانية بالقطن.

وقال المصطفى للجزيرة نت إن الموسم الماضي هو الأسوأ على الإطلاق، وشهد سلسلة من الصعوبات التي جابهت المزارعين، بداية بمشكلات الري والعطش التي أخرجت كثيرا من الأراضي من دائرة الإنتاج، وارتفاع مدخلات الإنتاج، وتأخر وصول الأسمدة التي يتعهد بتوفيرها البنك الزراعي؛ الأمر الذي أدى إلى انخفاض كبير في الإنتاجية (متوسط 6 شوالات للفدان)، واضطرارهم لتخزين المحصول في ظروف وبيئات غير مجهزة؛ وصولا إلى ضعف السعر التركيزي الذي وضعته الدولة لشراء المحصول، وكذلك تحمل المزارع عبء ترحيل المحصول إلى نقاط تسليم بعيدة حددها البنك الزراعي، مما يعني تراجع السعر المحدد بشكل عملي من 43 ألف جنيه إلى 33 ألفا.

وقد توقع المصطفى أن ينأى المزارعون عن زراعة القمح مستقبلا، مخافة تكبدهم خسائر فادحة.

وتأتي هذه المخاوف بالتزامن مع تحذيرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من خطر الجوع الذي يتهدد 18 مليون سوداني (من جملة 40 مليون نسمة) بحلول سبتمبر/أيلول المقبل.

مخاطر الأمن الغذائي

وقال زين العابدين برقاوي المتحدث باسم تحالف مزارعي مشروع “الجزيرة والمناقل”، إن السلطات اكتفت بشراء حوالي 15% من إنتاجية القمح بالمشروع، بما يعادل حجم المبالغ التي استدانها المزارعون من البنك الزراعي لتمويل الموسم الشتوي المنصرم مقابل الامتناع عن شراء فائض القمح لدى المزارعين.

ويعاني السودان من صعوبات اقتصادية وارتفاع في معدلات التضخم الذي سجل 192.21% خلال يونيو/حزيران الماضي، وذلك وفقا لإحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء.

وحذر برقاوي -في حديثه مع الجزيرة نت- من مخاطر كبيرة على الأمن الغذائي جراء ما وصفه بعزوف السلطات عن شراء القمح المحلي في ظل وجود شبكات تعمل على شراء القمح من المزارعين بأسعار زهيدة (نحو 28 ألف جنيه للشوال) مع تصدير وبيع جزء منه بالعملة السودانية بكل من مصر وإثيوبيا، ما يحول دون دخول مبالغ كبيرة بالعملات الصعبة إلى الخزينة العامة.

وأضاف أنه في حال استمرار الأوضاع القائمة وتواصل الحرب الروسية الأوكرانية، ستضطر الدولة في نهاية المطاف لاستيراد القمح من الخارج بأثمان باهظة لتغطية الاحتياجات المحلية.

وكان موجز التجارة الخارجية الصادر عن بنك السودان المركزي خلال الربع الأول من العام الحالي، أبان عن ارتفاع أسعار الواردات إلى 893 مليون دولار، بواقع 327 مليون دولار للقمح، و39 مليون دولار لطحين القمح.

رأي مختص

ويلخص حسين سعد الصحفي المتخصص في شؤون مشروع “الجزيرة والمناقل” مشكلة المشروع في غياب الرؤية الإدارية والسياسية والاقتصادية.

ويقول للجزيرة نت إن استيلاء الجيش على السلطة في 25 أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي أنتج أوضاعا معقدة ذات أثر كبير على المشروع، إذ حدثت اختلالات وتغييرات كبيرة في طاقم الإدارة، علاوة على عدم مراعاة الأوضاع المعيشية للمزارعين نتيجة لتراجع قيمة الجنيه مقابل سلة العملات الأجنبية.

وأضاف أن كل تلك العوامل أدت إلى تراجع إنتاجية القمح وإعسار المزارعين، وسط مخاوف من هجرهم للزراعة والتوجه إلى ممارسة مهن طفيلية وذات عائد سريع.

الحكومة أقرت سعرا تشجيعيا لتحفيز المزارعين على بيع محصول القمح لصالح المخزون الإستراتيجي (الجزيرة)

حلول

وبعد تأخر السلطات في شراء القمح المحلي، قال زين العابدين برقاوي إنهم شرعوا في خفض الاعتمادية على الدولة وتكوين جمعيات تعاونية غير ربحية تهدف إلى توفير المدخلات والآليات، بالاستفادة من الامتيازات الواردة في القانون فيما يخص الإعفاءات من الضرائب والرسوم الجمركية.

أما الحل الحكومي، فما يزال يتمثل في شراء القمح المحلي المنتج في الموسم الشتوي ولو بعد حين، وظهر ذلك في تصريحات صحفية لوزير الزراعة والموارد الطبيعية المكلف أبو بكر البشري، دعا خلالها منتجي القمح إلى التحلي بالصبر إلى حين توفير الأموال.

زر الذهاب إلى الأعلى