اقتصاد

كيف يؤثر ملء سد النهضة على محصول الأرز الإستراتيجي في مصر؟

إثيوبيا تعتزم بدء الملء الثالث لسد النهضة الصيف المقبل بعد أن أعلنت نجاحها في اكتمال المرحلة الثانية من الملء في يوليو/تموز الماضي

القاهرة – يهدد استمرار إثيوبيا في عمليات ملء بحيرة سد النهضة بشكل أحادي زراعة بعض المحاصيل الإستراتيجية في مصر، ومن بينها الأرز الذي تقلصت مساحات زراعته عدة مرات بقرارات حكومية متتالية، ووصلت إلى نحو 725 ألف فدان انخفاضا من مليونين و200 ألف فدان عام 2009.

وتعتزم إثيوبيا بدء الملء الثالث الصيف المقبل بعد أن أعلنت نجاحها في اكتمال المرحلة الثانية من الملء في يوليو/تموز الماضي، والتي كان مخططا لها بـ13.5 مليار متر مكعب من المياه من أجل الوصول إلى السعة التخزينية الكاملة لبحيرة السد، والتي تقترب من 74 مليار متر مكعب (تقارب حصتي مصر والسودان المقدرة بنحو 84 مليار متر مكعب).

وقررت الحكومة المصرية الأسبوع الماضي تحديد مساحة زراعة الأرز بـ742 ألفا و200 فدان -والذي يبدأ موسم زراعته في أبريل/نيسان المقبل، وهو أحد المحاصيل الشرهة للمياه- بـ742 ألف فدان، واستمرار حصره في 9 محافظات -معظمها في الدلتا (شمال القاهرة)- لمواجهة زيادة ملوحة المياه.

كما نص القرار -الذي بدأ تطبيقه لأول مرة عام 2018- على زراعة 200 ألف فدان بسلالات الأرز الموفرة للمياه، مثل الأرز الجاف، إلى جانب 150 ألف فدان تزرع بالمياه ذات الملوحة المرتفعة نسبيا في المحافظات المصرح لها بالدلتا.

حبس وغرامة للمخالفين

وتقول الحكومة المصرية إن تقليص مساحة زراعة الأرز يهدف إلى ترشيد استهلاك المياه، ومنذ عام 2016 بدأت في تطبيق نظام جديد للزراعة تضمن خفض المساحات في بعض المحافظات ومنعها تماما في محافظات أخرى، وتطبيق نظام الدورات الزراعية في محافظات ثالثة، وأخيرا فرض عقوبة على المخالفين تتضمن الغرامة والسجن.

وفي أبريل/نيسان 2018 وافق مجلس النواب على مشروع قانون يهدف إلى تقنين زراعة محاصيل معينة مثل الأرز لترشيد استهلاك المياه، بسبب معاناة البلاد من الفقر المائي، وهو الأمر الذي يتطلب الترشيد في زراعة تلك المحاصيل، ونص على عقوبة الحبس والغرامة المالية للفلاحين المخالفين.

وفي نهاية مارس/آذار 2021 أقر البرلمان مشروع قانون جديد للموارد المائية والري من شأنه أن يفرض عقوبات بالحبس على المزارعين غير الملتزمين بالمساحات المحددة لزراعة الأرز.

محصول إستراتيجي

واعتبر الأستاذ المساعد في مركز البحوث الزراعية المصرية سابقا عبد التواب بركات أن قرار تقليص زراعة الأرز إلى المساحة المعلنة يضر بالفلاح، لأنه يدر عائدا نقديا جيدا، لذلك فإن الفلاح هو من يتحمل آثار الفقر المائي وعجز الدولة في مسألة معالجة أزمة سد النهضة الذي أثر بالفعل على الزراعة في مصر.

وأكد بركات -في تصريحات للجزيرة نت- أن الأرز محصول إستراتيجي للمصريين بعد القمح مباشرة، وحققت مصر الاكتفاء الذاتي لسنوات طويلة، ويعتبر الأكثر جودة بين أصناف كثيرة من الأرز، ويحقق فدان الأرض إنتاجية عالية، ولكن الاتهامات باستهلاك كميات كبيرة من المياه لاحقت الأرز حتى تحولت البلاد إلى مستورد له في بعض الأوقات.

وإلى جانب أنه محصول إستراتيجي فهو محصول استصلاحي -بحسب بركات- قادر على غسل الأرض -خاصة في شمال الدلتا- من الأملاح الزائدة، والتي تواجه دخول مياه البحر بسبب تراجع منسوب نهر النيل، وفي ظل تعنت إثيوبيا فلن تجدي قرارات تقليص مساحات زراعة الأرز لأن الأزمة ستكون أكبر من ذلك بكثير.

وأشار الأكاديمي المصري والخبير الزراعي إلى أن القانون الجديد نص لأول مرة على حبس المزارع المخالف لقرار الحكومة الخاص بأماكن ومساحة الأرز، وذلك على الرغم من استنباط أصناف أرز في مركز البحوث الزراعية تستهلك كميات أقل من المياه وتمكث مدة أقصر (نحو 4 أشهر)، لذلك يجب عدم تعليق فشل التوصل إلى اتفاق في سد النهضة على عاتق الفلاحين.

من التصدير للاستيراد

مصر -التي احتلت المركز الـ11 بين الدول المصدر للأرز على مستوى العالم وفقا لأرقام المجلس التصديري للحاصلات الزراعية في يونيو/حزيران 2013- اضطرت إلى استيراد كميات منه عام 2018 لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

وتوقع تقرير لوزارة الزراعة الأميركية -بحسب مواقع محلية- أن يتراجع إنتاج مصر من محصول الأرز بنسبة تصل إلى 28% في الموسم 2021-2022 مقارنة بتقديرات الإنتاج الموسم الماضي، وينخفض الإنتاج إلى 3.19 ملايين طن مقابل 4.4 ملايين طن، في إطار جهود الحكومة المصرية لتوفير المياه.

ورغم تقليص مساحة زراعة محصول الأرز فإن نقيب الفلاحين الحاج حسين أبو صدام يرى أن المساحة تكفي الاستهلاك المحلي الذي يقدر بنحو 3.4 ملايين طن أرز أبيض سنويا، بمعدل استهلاك 40 كيلوغراما للفرد.

ويبلغ متوسط إنتاجية الفدان -بحسب تصريحات صحفية لأبو صدام- بحوالي 3.5 أطنان للفدان، مشيرا إلى أن زيادة المساحة المحددة بالمخالفة تؤدي إلى تدني أسعار الأرز من جهة وتهدر موارد مصر المائية من جهة أخرى.

نقص المياه وخطر تقليص الرقعة الزراعية

تقول دراسة أعدها أكاديميون في جامعات أميركية -بينهم الأكاديمي المصري في وكالة ناسا الأميركية الدكتور عصام حجي ونشرتها مؤخرا دورية “إنفيرومنتال ريسيرش ليترز” (Environmental Research Letters)- إن الرقعة الزراعية المصرية مهددة بالتراجع بنسبة مقلقة تصل إلى 72% في أحد أسوأ السيناريوهات.

وترى الدراسة أن موارد مصر المائية مهددة بالتراجع بمقدار 31 مليار متر مكعب سنويا، وهو ما يعادل أكثر من ضعف حصة مصر السنوية من مياه النيل والبالغة 55.5 مليار متر مكعب، وذلك في حال تمسكت إثيوبيا بالتعبئة السريعة لخزان السد الذي يستوعب 74 مليار متر مكعب، كما ترى الدراسة أن الخسارة قد تصل إلى 43 مليارا في حال تمت التعبئة في 3 سنوات فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى