اقتصاد

لماذا يرفض الغرب استهداف قطاع الطاقة الروسي؟ وماذا عن أسعار النفط بعد عزل بنوك روسية عن نظام سويفت؟

فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤهما سلسلة عقوبات بهدف الإضرار بالاقتصاد والنظام المالي الروسيين، ودفع الرئيس فلاديمير بوتين ليعيد النظر في حرب بلاده على أوكرانيا، لكن اللافت أن هذه العقوبات لم تمسّ حتى الآن قطاعي النفط والغاز الروسيين رغم أهميتهما الكبرى لميزانية موسكو.

فرض عقوبات على قطاع الطاقة

واصلت حكومات دول العالم رفضها فرض عقوبات على قطاع الطاقة الروسي، لحماية الاقتصاد العالمي من التعرض لصدمة أكبر مع تشديدها السيطرة المالية على روسيا، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الألمانية.

وبينما تجاوز سعر النفط الأسبوع الماضي حاجز 100 دولار للبرميل لفترة وجيزة لأول مرة منذ عام 2014، وقفز سعر الغاز الطبيعي الأوروبي بنسبة 62%، توقفت هذه المكاسب جزئيا واتخذت اتجاها ارتداديا مع تجنب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على إمدادات الطاقة الروسية الضخمة في إطار العقوبات.

وعلى الرغم من أن بعض البنوك الروسية ستُستبعد من نظام “سويفت” المالي الذي يربط آلاف المؤسسات المصرفية في أنحاء العالم، نقلت وكالة بلومبيرغ للأنباء عن مسؤول قوله إن البيت الأبيض يدرس منح إعفاءات للمعاملات التي تشمل قطاع الطاقة.

لكن رويترز نقلت عن البيت الأبيض قوله إن فرض عقوبات على روسيا في مجال الطاقة مطروح على الطاولة.

وفي أوروبا قالت الحكومة الفرنسية أمس السبت إن وزراء الطاقة الأوروبيين سيعقدون اجتماعا طارئا في بروكسل يوم الاثنين بعد ارتفاع أسعار النفط والغاز في أعقاب حرب روسيا على أوكرانيا.

يأتي ذلك في وقت تعهدت فيه وكالة الطاقة الدولية بضمان أمن الطاقة العالمي، وقال مديرها فاتح بيرول إن الدول الأعضاء في الوكالة اتفقت على مواصلة العمل والتضامن لضمان أمن الطاقة العالمي.

من الخاسر من العقوبات على قطاع الطاقة الروسي؟

تقول مجلة “تايم” (Time) الأميركية إن أي إجراء يستهدف صادرات النفط والغاز الروسية التي شكلت العام الماضي 36% من الميزانية الوطنية كان غائبا عن النقاش العام حتى الآن.

وتبدو حتى الآن -تضيف المجلة- الدعوة لفرض قيود أو حظر على النفط والغاز الروسيين -التي رددها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الجمعة الماضية ودعا إليها مسؤولون أوكرانيون آخرون- بعيدة كل البعد عن نطاق الاحتمال.

وتذكر المجلة أن أي حظر غربي على قطاع الطاقة الروسي سيكون بالفعل مؤلما لبوتين، لكنه لن يشعر بآثاره الكاملة إلا بعد سنوات، في حين سيكون لدى أوروبا وبقية العالم الكثير ليخسروه على المدى القصير.

المجلة قالت إن الاتحاد الأوروبي يعتمد في المتوسط على روسيا في توفير 35% من حاجاته من الغاز الطبيعي.

ولفتت المجلة إلى أن التوترات بشأن أوكرانيا أدت بالفعل إلى تفاقم أزمة أسعار الوقود في أوروبا، التي بدأت بالفعل منذ العام الماضي بسبب النقص الناجم عن خروج العالم من جائحة كورونا، مشيرة إلى أن كلفة ميغاوات ساعة من الغاز الطبيعي حاليا في أوروبا تقدّر بنحو 10 أضعاف ما كانت عليه الأوضاع قبل عام.

وحذرت المجلة -في تقرير لها- من أن فرض أي عقوبات على قطاع الطاقة الروسي سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار عالميا، في حين تسببت المخاوف من إمكانية ذلك فعليا في تأثير ملحوظ، فارتفعت أسعار الغاز الطبيعي الخميس بنسبة 51% في أوروبا، وبلغ النفط الخام -الذي تعدّ روسيا ثاني أكبر مصدر له في العالم- أعلى مستوى له في 7 سنوات عند 105 دولارات للبرميل.

وتؤكد “تايم” أنه على الرغم من ذلك فإن الخبراء لا يستبعدون إستراتيجية أكثر عدوانية ضد قطاع الطاقة الروسي من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لو استمرت الحرب على أوكرانيا.

وفي المدى المتوسط ​​على الأقل -تقول المجلة- تشكل حرب روسيا على أوكرانيا نقطة تحول في صادرات روسيا من النفط والغاز حيث أعلن مسؤولون بالاتحاد الأوروبي أنهم سيكشفون النقاب في الثاني من مارس/آذار المقبل عن إستراتيجية لتقليل الاعتماد على الطاقة الروسية بأسرع وقت ممكن، بما في ذلك هدف تقليل استخدام الوقود الأحفوري بنسبة 40% بحلول عام 2030.

وكانت الولايات المتحدة وأوروبا الشرقية حذرتا مرارًا وتكرارًا من أنّ الكرملين لن يتردد في استخدام إمداداته من الغاز لشن حرب جيوسياسية ردًّا على العقوبات الغربية.

وفي حين تم تعليق مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي (نورد ستريم 2)، لا تزال شركات الطاقة الأوروبية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسوق الروسية، حيث تشارك شركات مثل “بي بي” (BP) و”رويال داتش شيل” ( Royal Dutch Shell) و”توتال إينجيريز” (TotalEnergies) في مشاريع تنقيب عن النفط وإنتاجه بمليارات الدولارات، حسب ما نقلت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية.

وحذرت المجلة من أن استمرار الاعتماد على الغاز الروسي يُنذِر -حسب خبراء- بأن أوروبا ستتحمل العبء الأكبر من أزمة الإمدادات.

عزل روسيا عن نظام سويفت ينذر بارتفاع أسعار النفط

في خضم ذلك، نقلت رويترز عن محللين قولهم إن القرار الذي اتخذه الحلفاء الغربيون أمس السبت بعزل بعض البنوك الروسية عن نظام المدفوعات سويفت من المرجح أن يرفع أسعار النفط أكثر بكثير من 100 دولار للبرميل مع ارتفاع مخاطر تداول النفط الروسي.

وقال تجار ومحللون إن الصادرات الروسية من جميع السلع، من النفط والمعادن إلى الحبوب، ستتأثر بشدة بالعقوبات الغربية الجديدة.

وأفاد ما لا يقل عن 10 تجار نفط وسلع، تحدثوا لرويترز، بأن تدفق السلع الروسية إلى الغرب سيتعطل بشدة أو سيتوقف أياما إن لم يكن أسابيع حتى تتضح بجلاء حالات الإعفاء.

وتهدف الإجراءات، التي تشمل قيودا على الاحتياطيات الدولية للبنك المركزي الروسي، إلى منع الرئيس فلاديمير بوتين من استخدام 630 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية في حربه ضد أوكرانيا والحفاظ على قيمة عملة الروبل الآخذة في التراجع.

وقال جيوفاني ستونوفو المحلل لدى “يو بي إس”، في إشارة إلى عزل روسيا عن نظام سويفت، “زاد خطر حدوث اضطرابات بشكل لاإرادي في إمدادات النفط في أعقاب الإعلانات الأحدث”.

وأضاف “بالنظر إلى انخفاض المخزونات وتضاؤل ​​الطاقة الفائضة، من المرجح أن تتفاعل أسعار النفط بطريقة حساسة وتصبح أعلى”.

من جهته، يقول الخبير النفطي القطري محمد يعقوب السيد -للجزيرة نت- إن أي استهداف لقطاع النفط و الغاز الروسيين سيتسبب في أزمة عالمية كبرى، ويحدث ارتباكا على صعيد الإمدادات، بخاصة أن روسيا من أكبر المنتجين في العالم، وعضو مؤسس لمجموعة “أوبك بلس”.

ويضيف أن الخوف من انحسار الإمدادات الروسية يجعل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وحلفاءهما يترددون في فرض عقوبات على قطاع الطاقة الروسي، مشيرا إلى أن العقوبات من هذا النوع ستدفع الأسعار نحو الأعلى وتزيد “الطينة بلة”.
وتوقع الخبير النفطي القطري أن تعود أسعار النفط للارتفاع من جديد في أعقاب عزل بنوك روسية من نظام سويفت العالمي.

وقال إن نحو 40% من المعاملات الروسية تُنفّذ عبر هذا النظام، وذلك سيعرض طيفا كبيرا من معاملاتها الخارجية للتوقف أو الاهتزاز.

أما الخبير النفطي الكويتي الدكتور أحمد بدر الكوح فأشار إلى أن السبب الرئيس الذي يجعل أوروبا والغرب عموما في حالة تريث في فرض عقوبات على قطاع النفط والغاز الروسيين يكمن في أن أوروبا بحاجة ماسة إلى الغاز الروسي على وجه التحديد.

وأكد في تصريح للجزيرة نت أن أوروبا لا تزال بحاجة إلى الإمدادات الروسية، وأن تعويض الغاز الروسي بآخر من دول أخرى يبقى صعب المنال.

وقال “لا يمكن تعويض الغاز الروسي على نحو سريع، ولا يمكن إيجاد بديل له، وهذا سبب أثر على رد فعل أوروبا إزاء قطاع الطاقة الروسي”.

لكنه أشار إلى أن شركة “بي بي” النفطية البريطانية أعلنت -اليوم الأحد- انسحابها من رأس مال شركة “روسنيفت” الروسية العملاقة البالغة حصتها فيها 19.75%، ووصف هذه الخطوة بأنها مهمة ومؤثرة في الاقتصاد الروسي.

وبشأن توقعاته لأسعار النفط، أضاف الخبير النفطي الكويتي أن أي عقوبات سيتخذها الغرب سيكون لها تأثير على أسعار النفط؛ ليس من واقع التأثير الفعلي على الإنتاج والاستهلاك لكن من جهة توقعات المستثمرين والأسواق إزاء إمكانية انقطاع إمدادات كبيرة عن سوق النفط.

المصدر : الجزيرة + تايم + فورين بوليسي + وكالات

زر الذهاب إلى الأعلى