اقتصاد

ماذا وراء تكرار السيسي دعوة المصريين لوضع مدخراتهم في البنوك؟

القاهرة- جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعوته لمواطنيه بإيداع أموالهم في البنوك، والاستفادة من أرباحها، بدلا من وضعها في بناء عقارات أو وحدات سكنية غير مطابقة لاشتراطات البناء، ولا يسكنها أحد.

وانتقد السيسي، خلال افتتاح بعض مشروعات الإسكان والطرق بمدينة 6 أكتوبر غرب القاهرة، الأربعاء، ظاهرة البناء غير المخطط للعقارات على الطريق الدائري، ومعظمها غير مأهول، مطالبا بتغيير ثقافة البناء المنتشرة دون داع لدى المواطنين، ودعا إلى ترك عملية البناء للدولة.

وأكد أن الدولة “قادرة على تلبية مطالب المواطنين ولكن في المقابل نطالبكم بعدم وضع أموالكم في أشياء غير مجدية”، لافتا إلى أن “الحكومة على مدار 7 سنوات توفر وحدات إسكان اجتماعي، وقادرون على بناء مليون وحدة، وهناك مبادرة من البنك المركزي لتمويل تلك الوحدات بأسعار فائدة منخفضة”.

وكان الرئيس السيسي أطلق الدعوة ذاتها، لأول مرة، قبل 3 أشهر، حيث دعا على هامش احتفالية أقامها بمدينة أسوان الجديدة (جنوب)، مواطنيه إلى وضع أموالهم في البنوك بدلا من الاستثمار في قطاع العقارات، وأثارت وقتها جدلا، ما بين مؤيد لها باعتبارها الأوفق لمصالح الأفراد والبلاد، وآخرين يرونها تأتي في إطار مساعي حصر قطاع العقارات على مؤسسات الدولة.

واستجابة لدعوة السيسي، طالب نواب بلجنة الإسكان بمجلس النواب، بضرورة إجراء تعديل تشريعي للحد من البناء في القاهرة بدعوى حل أزمة السكن وبناء الدولة للعديد من مشروعات الإسكان الاجتماعي لمحدودي الدخل ومتوسطي الدخل، فضلا عن إزالة المناطق العشوائية ونقل سكانها إلى أماكن جديدة.

وأعادت دعوة السيسي للاستثمار في البنوك وليس العقارات التساؤلات حول الهدف من ترك المجال للدولة، هل من أجل تنظيم البناء وتوفيره بعد عقود من البناء العشوائي؟ أو هو مزيد من احتكار الدولة للنشاط الاقتصادي؟ وما حقيقة أن الدولة قد حلت مشكلة الإسكان رغم كونها إحدى المشكلات المستعصية في البلاد؟ وماذا عن توفيره في المدن الصغيرة والريف بالدلتا والصعيد؟ وهل عوائد البنوك أفضل للمصريين فعلا من الاستثمار في العقارات؟

ونفى السيسي في دعوته الأولى أن يكون هدف الدولة هو المنافسة قائلا “الدولة تدخلت في مجال الإسكان ليس بغرض المنافسة، أو الوقوف ضد أحد، ولكن لوقف القبح، والبناء العشوائي” مشيرا إلى أن “وقف البناء داخل الدولة سيكون على مراحل، ولن نسمح لأحد -باستثناء الدولة- بالبناء في مشاريع الإسكان لمدة 10 سنوات من الآن، لحين وضع آليات منضبطة بشأن التراخيص وخلافه”.

وفي دعوته الثانية، أكد السيسي أن الدولة قادرة على توفير الوحدات السكنية للمواطنين، وأنها قادرة على بناء مليون وحدة سكنية، مشيرا إلى أن “موضوع الإسكان كفكرة ترسخت في نفوسنا منذ فترة طويلة أنه لا يوجد حل لها، وتم حلها”، على حد قوله.

ولعل هذا يفسر سبب استمرار وقف البناء في المحافظات المصرية كافة، باستثناء المدن الجديدة، رغم بدء تطبيق اشتراطات البناء الجديدة ومنظومة التراخيص الجديدة على المدن منذ يوليو/تموز 2021 بعد إيقاف البناء في منتصف عام 2020 بشكل نهائي.

وفي مايو/أيار 2020، أصدرت وزارة التنمية المحلية قرارا بإيقاف إصدار تراخيص أعمال بناء المساكن الخاصة أو توسعتها أو تعليتها أو تعديلها أو تدعيمها، مع إيقاف أعمال البناء الجاري تنفيذها بمحافظة القاهرة الكبرى والإسكندرية وعواصم المحافظات والمدن الكبرى.

القرار جاء بطلب من الرئيس السيسي خلال افتتاحه أحد المشاريع القومية، والذي طالب أيضا الشرطة بإلقاء القبض على مخالفي البناء وعدم الاكتفاء بتحرير مخالفات ضدهم، وذلك في محاولة لوقف البناء العشوائي، والالتزام بخطة الدولة التنموية.

ما سر وقف البناء؟

وعزا أعضاء بالبرلمان وقف البناء رغم صدور الاشتراطات الجديدة إلى كثرة البنود التعجيزية والمجحفة والتي يصعب تنفيذها على أرض الواقع، وطالبوا بضرورة تشكيل لجنة لإعادة النظر في اشتراطات البناء الجديدة، ومدى تأثيرها على عملية الإنشاءات في ظل عزوف المواطنين عن التقدم لإصدار التراخيص وفقا لهذه الاشتراطات.

وبعد نحو 3 أشهر من صدور القرار حمل عدد من النواب هموم وشكاوى المواطنين وتقدم النائب أحمد عواجة، بطلب إحاطة ضد وزيري التنمية المحلية والإسكان، بشأن إعادة النظر في اشتراطات البناء الجديدة للمدن، مطالبا بضرورة تشكيل لجنة لإعادة تقييمها ومدى تأثيرها على عملية الإنشاءات.

وأكد عواجة حينها، في تصريحات صحفية، أنه بعد مرور 3 أشهر على صدور تطبيق اشتراطات البناء لم يتقدم أحد على مستوى الجمهورية إلا بنسبة لا تتعدى 1%، وهذا يدل على صعوبة اتباع هذه الاشتراطات في البناء، وعزوف المواطنين عن إصدار الرخص الجديدة بهذه الاشتراطات.

وبدأت المحافظات المصرية منذ 4 يوليو/تموز 2021 في تطبيق اشتراطات البناء الجديدة ومنظومة التراخيص الجديدة في جميع المراكز والمدن، وذلك وفقا لقرار مجلس الوزراء الصادر في أبريل/نيسان من العام نفسه.

العقارات أم البنوك؟

وفي محاولة لتشجيع المواطنين على شراء وحدات سكنية كاملة التشطيب وفقا للمعايير الجديدة، طرح البنك المركزي مبادرة التمويل العقاري بفائدة 3% أو 8%، لكل من محدودي الدخل ومتوسطي الدخل، وأصحاب المعاشات، لكن معظم الشروط تتفق مع مشروعات الإسكان التي تبنيها الدولة من أجل قصر المبادرة على تلك المشروعات وليس غيرها، وفي حال الرغبة في شراء وحدة من خارج مشروعات الحكومة اشترطت المبادرة شروطا اعتبرها البعض تعجيزية، مثل أن تكون الوحدة كاملة التشطيب، وأن يكون العقار مرخصا، وكذلك أن تكون الأرض المقام عليها العقار مسجلة، وأن تكون الشقة مسجلة أو قابلة للتسجيل.

يقول صاحب شركة مكة للتطوير العقاري بمدينة 6 أكتوبر غرب القاهرة، إن “التوجه العام هو الاستثمار في العقار وليس في البنوك، لأن أسعار العقار في زيادة مستمرة نتيجة زيادة الطلب السنوي عليها، في حين أن فوائد البنوك قليلة والبعض يراها غير جائزة شرعا، وربما تتناسب مع أصحاب المعاشات والمتقاعدين”.

واتفق المهندس محمد مندور مع ضرورة وضع حد للعشوائية في البناء دون واجهات حضارية ومساحات مطابقة لمواصفات الوحدات السكنية الصحية، مضيفا للجزيرة نت، أنه يجب تسجيلها بشكل رسمي وعدم ترك الأمر للنزاعات بين المقاول والمالك، ولكن يجب إعادة النظر في بنود شروط البناء الصعبة والمقيدة للبناء في العموم.

احتكار لا إعمار

وفي تعليقه على دعوة السيسي، قال عضو لجنة الإسكان بالبرلمان سابقا، عزب مصطفى، إن “دعوة السيسي غير صحيحة، لأن فوائد البنوك تتراجع وغير مستقرة وتتبخر بسبب ارتفاع التضخم”، مشيرا إلى أن “البنك المركزي أعلن، لأول مرة، تجاوز حجم الإيداعات 6 تريليونات جنيه (382 مليار دولار)”.

واعتبر، في تصريحات للجزيرة نت، أن الهدف هو إحكام سيطرة الدولة بما فيها الجيش على الاقتصاد واحتكار عملية البناء دون منافس وكذلك التخلص من الوحدات السكنية التي تم بناؤها ولم يتمكن من بيعها بسبب المغالاة في أسعارها، خاصة أنه لدينا 24 مدينة جديدة نسبة الإشغال بها ليست كبيرة، والأسعار لا تتناسب مع قدرات غالبية المواطنين.

ويتراوح سعر الوحدات السكنية، وفقا لإعلان الطرح الحكومي الجديد، لمحدودي الدخل كاملة التشطيب بنظام التقسيط ما بين 190 ألفا و350 ألف جنيه حتى مساحة 90 مترا، دون احتساب الفوائد، ويتراوح سعر الوحدات السكنية لمتوسطي الدخل ما بين 500 و1.5 مليون جنيه حتى مساحة 150 مترا كاملة التشطيب دون احتساب الفوائد.

وأكد عزب أن الدولة تسعى لتقديم نفسها كمقاول رئيسي من خلال شركات مقاولات تابعة لها، ويؤكد هذا وقف منح تراخيص البناء ووضع شروط تعجيزية، ولن تحل مشكلة الإسكان في مصر، لأن الحكومة تقوم بدور التاجر وتحقيق المكاسب دون مراعاة البعد الاجتماعي، مشيرا إلى أن الدولة لن تستطيع توفير وحدات سكنية تناسب النمط الريفي في الدلتا والصعيد والمدن الصغيرة بالمحافظات الذين يمثلون أكثر من نصف عدد السكان.

ما أهمية قطاع المقاولات؟

يعد قطاع المقاولات في مصر، التي يتجاوز عدد سكانها 103 ملايين نسمة، أحد أهم القطاعات الاقتصادية التي توفر فرص عمل واسعة، حيث يبلغ متوسط عدد العمالة الدائمة في القطاع نحو 3.5 ملايين عامل، و12 مليون عامل بشكل غير دائم.

وتبلغ الزيادة السكانية السنوية في مصر نحو 2 إلى 2.5 مليون نسمة سنويا يحتاجون من 500 إلى 600 ألف وحدة سكنية، بحسب وزير الإسكان عاصم الجزار، مؤكدا أن هناك زيادة في الطلب على الوحدات السكنية، ويسهم قطاع المقاولات بنحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء الذي يضم تحت مظلته أكثر من 30 ألف شركة، منها نحو 15% إلى 20% من شركات الدرجة الأولى التي تنفذ المشاريع الضخمة.

زر الذهاب إلى الأعلى