اقتصاد

موازنة لبنان 2022.. كيف يسد العجز المالي؟ وكيف ستتوفر الإيرادات؟

بيروت- بعد تأخر نحو 9 أشهر عن موعدها الدستوري، أقر لبنان أخيرا قانون موازنة 2022، وهي عمليا موازنة الربع المتبقي من العام، مما يُفقدها الجدية والجدوى وفق رأي خبراء، ويستندون إلى انتقاد صندوق النقد الدولي بدعوة النخبة الحاكمة إلى تركيز جهودها على إعداد وإقرار موازنة ذات مصداقية لعام 2023.

وعبّر رئيس بعثة الصندوق أرنستو راميريز ريغو أثناء زيارته بيروت الأسبوع الفائت عن استيائه، واصفا تقدم السلطات اللبنانية بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة منها بالبطيء للغاية.

مشهد “الإقرار”

وفي جلسة عامة خيّمت عليها المشاحنات والسجالات، أقر البرلمان اللبناني الاثنين موازنة عام 2022، بأكثرية 63 نائبا ومعارضة 37 وامتناع 6 نواب عن التصويت، بعد إحالة مشروعها من الحكومة اللبنانية منتصف فبراير/شباط الفائت.

وظهر العجز جليا بين قيمة النفقات التي حددتها الموازنة بـ40 تريليونا و873 مليار ليرة (نحو 1.2 مليار دولار وفق سعر الصرف بالسوق الموازي البالغ أكثر من 38 ألفا للدولار)، في حين بلغت قيمة الإيرادات 29 تريليونا و986 مليار ليرة (نحو 810 ملايين دولار)، أي أن العجز ناهز نحو 10 مليارات ليرة (نحو 390 مليون دولار).

ووسط ضبابية الأرقام، لم يحصل اللبنانيون على جواب شفاف لسؤالين: كيف سيمول العجز؟ وكيف ستتوفر الإيرادات؟

ولم يُنشر بعد نص الموازنة كاملا بالجريدة الرسمية، ويرجح خبراء أن يطول تفعيل الموازنة لأكثر من 3 أشهر، وتمتد للعام المقبل، لأن الحكومة ممثلة بوزارة المالية لم تنكب على وضع مشروع قانون موازنة 2023، علما أن الدستور اللبناني يلزم البرلمان بالبت في مشروع الموازنة لكل سنة حالية نهاية العقد العادي من السنة الفائتة.

وانشغل الرأي العام اللبناني بتحولين بارزين في هذه الموازنة، ولأول مرة بعد الانهيار التاريخي الذي يعصف بلبنان منذ نهاية 2019:

أولا: منح موظفي القطاع العام من مدنيين وعسكريين زيادة مؤقتة (لم تحدد زمنيا) على الراتب تساوي ضعفي الراتب الأساسي الشهري، بحد أدناه 5 ملايين ليرة (نحو 133 دولارا) بسقف أقصاه 12 مليون ليرة (نحو 324 دولارا).

ثانيا: رفع الدولار الجمركي تعزيزا للإيرادات 10 أضعاف؛ من 1500 ليرة وفق سعر الصرف الرسمي إلى 15 ألف ليرة، وهو أقل من نصف سعر صرف الدولار الفعلي بالسوق السوداء (نحو 38 ألفا).

والدولار الجمركي يقصد به كيفية احتساب الرسوم المفروضة على السلع والبضائع المستوردة، التي تحتسب وفقا لقيمة المستوردات والعملة المعتمدة في فاتورة استيرادها.

وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي علي نور الدين أن تصحيح الدولار الجمركي -وبحالة مثالية- يكون وفقا لسعر منصة “صيرفة” التي أنشأها المصرف المركزي (نحو 29 ألفا و800 ليرة للدولار)، ضمن مسار توحيد وتحرير سعر الصرف؛ ومن ثم يتوقع الخبير أن يعزز رفع الدولار الجمركي بيئة الاحتكار والمضاربات بين التجار والمستوردين، واستشراء فوضى الأسعار مقابل غياب الأجهزة الرقابية لحماية المستهلك.

ومن الإجراءات الأخرى التي أقرتها الموازنة:

  • رفع الضريبة من 7 إلى 10% على مجمل فوائد وإيرادات الحسابات المصرفية وشهادات الإيداع.
  • فرض رسم جمركي جديد بنسبة 10% على السلع والبضائع المستوردة ولها مثيل يصنع في لبنان، وعلى السلع والبضائع المصنفة سلعا وبضائع فاخرة. ورغم أهمية هذا القرار بتشجيع الصناعة المحلية يخشى خبراء من أن يكون ذلك حافزا لرفع التجار الأسعار على مختلف السلع، في ظل غياب الأجهزة الرقابية.
  • رفع رسوم استيفاء جوازات السفر من 600 ألف ليرة لمليون ليرة (نحو 27 دولارا) لـ5 سنوات، ومن مليون و200 ألف ليرة لـ10 سنوات إلى 2 مليون (نحو 54 دولارا).
  • خفض رسوم تسجيل العقار من 5 إلى 3% بالنسبة للبنانيين، و5% لغير اللبنانيين.

التضخم وزيادة الرواتب

وتأتي زيادة الرواتب لعشرات آلاف موظفي الدولة، بعدما سحق انهيار الليرة قيمة رواتبهم، ودفعتهم من الطبقة الوسطى إلى ما دون خط الفقر المتمادي على نحو 80% من السكان.

ويوجد في لبنان 93 مؤسسة عامة، من ضمنها المستشفيات الحكومية، إلى جانب 22 وزارة رئيسية، ويعمل نحو 210 آلاف عامل مدني بين موظف ومتعاقد وأجير بالقطاع العام، بينما تبلغ القوى الأمنية والعسكرية 120 ألف عنصر، موزعين على الجيش والأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة، مما يعني أن زيادة رواتبهم لضعفين -ولو استثنائيا- سيكبد خزينة الدولة كثيرا من الأعباء.

وهنا، يرى الخبير المالي والضرائبي المحامي كريم ضاهر أن هذه الزيادات للرواتب بالليرة للموظفين، وحتى لو تم استيفاؤها كنفقات من إيرادات الدولار الجمركي ستؤدي تلقائيا إلى تضخم الكتلة النقدية، ويقول للجزيرة نت إن “ما ستعطيه الدولة للموظفين بيد ستأخذ أضعافه باليد الأخرى، لأنها زيادة بلا إجراءات إصلاحية ولا تعزز القدرة الشرائية للموظفين، بل تضعفها مع مواصلة انهيار الليرة ودولرة الأسعار التي تسيطر على السوق”.

الإيرادات والنفقات

ويعتقد علي نور الدين أن إعادة التوازن لدخل الموظفين لن يتحقق إن لم يلامس سعر صرف الدولار بالسوق الموازي، وهذا يكون ضمن مسار “سعر صرف عائم وموحد معتمد بالموازنة”.

ويجد الخبير أن مصادر إيرادات الموازنة غير واقعية وغير واضحة، وهي تكرار لنهج الموازنات المعتمدة لبنانيا منذ 1993، وترتكز على ثلاثية: الرواتب وسلفة الكهرباء والفائدة، وذلك مقابل “صفر إنفاق استثماري، وبلا هوية اقتصادية، من جهة تفرض الرسوم والضرائب وتزيد النفقات بلا هيكلة، ومن جهة تعزز اللاعدالة الضريبية، ولا ترصد نفقاتها تحسين الخدمات العامة ولا تدعم الصناديق الضامنة صحيا واجتماعيا، ولا تؤهل البنى التحتية المتهالكة”.

وفي السياق، يتفق كريم ضاهر مع منير راشد رئيس الجمعية الاقتصادية اللبنانية والخبير السابق لدى صندوق النقد الدولي في أن الموازنة تعتريها فجوات كبيرة، وتفتقر للطابع الإصلاحي.

وأبرز شوائبها -حسب راشد- أنها لا تشمل خدمة الدين الخارجي بالدولار، أي ديون سندات اليوروبوند، وتبلغ وحدها نحو 39 مليار دولار، وتخلف لبنان عن تسديد مستحقاتها منذ مارس/آذار 2020.

ويتساءل منير راشد: كيف تدبرت الدولة نفقات 9 أشهر مضت؟ وكيف وفرت إيراداتها ما دام مفعول الموازنة التي يجب أن تكون مستقبلية ستخدم نظريا 3 أشهر فقط.

ويعقب كريم ضاهر بأنه منذ 2005 يقر لبنان موازنات بمخالفة جسيمة للدستور، إذ يجب قانونيا أن يسبق إقرارها تصويت على “قطع الحساب للموازنة السابقة، ويضاف إليها تقرير ديوان المحاسبة، وهو ما يحدد مكامن الخلل والتجاوزات تحقيقا لواجب المحاسبة بالموازنة”.

صندوق النقد اتفق مبدئيا مع لبنان على خطة مساعدة بقيمة 3 مليارات دولار على 4 سنوات (غيتي)

صندوق النقد

في نيسان/أبريل 2022، أعلن صندوق النقد اتفاقا مبدئيا على مستوى الموظفين مع لبنان على خطة مساعدة بقيمة 3 مليارات دولار على 4 سنوات، لكنه ربط تطبيقها بتنفيذ حزمة إصلاحات معظم بنودها مدرجة بخطة التعافي التي أقرتها حكومة نجيب ميقاتي في مايو/أيار الماضي قبل أن تكون لتصريف الأعمال.

ومن الإصلاحات المطلوبة إقرار قانون “كابيتال كونترول”، وقانون موازنة 2022، وإقرار تشريعات تتعلق بإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتعديل السرية المصرفية، وإصلاح المؤسسات المملوكة للدولة وعلى رأسها قطاع الطاقة.

وشكليا، حقق لبنان مطلب صندوق النقد الدولي لجهة إقرار موازنة حسب منير راشد، وذكر بأن الصندوق لم يفرض خطيا ورسميا ما يجب أن تتضمنه الموازنة.

ويتساءل كريم ضاهر عن آلية تغطية الدولة عجزها ما دامت غير قادرة على الاستدانة داخليا وخارجيا، ويقول إن لبنان لا يضمن حصوله على 3 مليارات من صندوق النقد بعد الأجواء السلبية التي رشحت من وفده ببيروت الأسبوع الفائت.

ويذكر ضاهر بأن 3 مليارات هي جزء من 10 مليارات دولار يحتاجها لبنان لبدء التعافي، أي أن على الدولة توفير نحو 7 مليارات دولار، و”هذا شبه مستحيل في ظل منظومة الحكم القائمة والإفلات المستمر من المحاسبة”.

ويرى علي نور الدين أن المفاوضات مع صندوق النقد دخلت مسارا ضبابيا ومتعثرا بالمماطلة، ولا أحد من النخبة الحاكمة يقر بذلك.

ويسجل منير راشد ملاحظات على أداء صندوق النقد الدولي في لبنان، مبينا أنه لا يحاكي دوما بواقعية الوضع اللبناني، ويستغرب مثلا عدم مطالبته برفع السرية المصرفية عن حسابات كبار النافذين والسياسيين اللبنانيين بالمصارف الأجنبية، ما دام أنه يضع قضية المصارف والمودعين أولوية، و”هو يطالب بألا يقع عبء الخسائر على موارد القطاع العامة، مما يعني تحميل كلفتها بطريقة غير مباشرة للمواطن.

ولم تلحظ الموازنة خسائر القطاع المصرفي، ولا مسؤولية الدولة بإعادة هيكلة ديونها.

ومع ذلك، يدعو منير راشد لترقب موقف صندوق النقد الرسمي من الموازنة المقرّة، “رغم أن معظم المؤشرات لا تشير إلى اقتراب اتفاق الصندوق مع لبنان”.

زر الذهاب إلى الأعلى