فنون

“الفلاش باك” لعبة الذاكرة في السينما.. لماذا يفضله المخرجون؟

جرت العادة عند كتابة رواية أو حكاية أن يخرج المؤلفُ القارئَ من الزمن الحالي وينتقل به إلى فترة زمنية سابقة، بحيث يكشف عن أحداث في الماضي من شأنها أن تعين القارئ على فهم القصة، أو ربما تزيدها تعقيدا وتشويقا.

يطلق على هذه التقنية اسم “فلاش باك” (FlashBack)، وتستخدم للرجوع إلى أحداث الماضي من أجل تفسير أحداث الحاضر في الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، مما يضفي على القصة مزيدا من العمق.

أصبحت مشاهد “الفلاش باك” عنصرا أساسيا في صناعة السينما، ولكن تلك التقنية لم تكن دائما بالأهمية نفسها، نحاول في هذا التقرير التعرف على أصل هذه التقنية، ونستكشف طريقة استخدامها في بعض الأفلام الشهيرة.

“الارتداد”

ظهرت تقنية الفلاش باك في السينما لأول مرة في أوائل القرن الـ20 عندما استخدمها المخرج الأميركي ديفيد غريفيث (1875-1948)، الذي يعد أحد رواد السينما الحديثة ومن أبرز مخرجيها.

استخدم غريفيث الفلاش باك في فيلمه “ولادة أمة” (The Birth Of Nation)، وهو فيلم صامت عرض لأول مرة في الولايات المتحدة عام 1915 عن رواية للكاتب الأميركي توماس فريدريك ديكسون بعنوان “رجل الجماعة”، نشرت عام 1905.

لم تعرف تلك التقنية في ذلك الوقت باسم الفلاش باك، بل عرفت باسم “الارتداد”، أي العودة إلى الوراء. مع مرور الوقت أصبحت مشاهد الفلاش باك تستخدم في العديد من الأفلام، وبعضها اعتمدت عليها في السرد الكامل للقصة، مثل فيلم “تيتانيك” الذي لا يمكن إدراك قصته الكبرى دون الفلاش باك.

يعتبر الفلاش باك في “تيتانيك” جزءا من جوهر الفيلم (مواقع التواصل الاجتماعي)

كيف نميز لقطات الفلاش باك؟

تظهر لقطات الفلاش باك في الأفلام بالأبيض والأسود أو بفلاتر تصوير تعطي إحساسا بالماضي، وتبدو معها المشاهد مختلفة عن باقي الفيلم، وقد يعتمد المخرج على الموسيقى مثل ما حصل في فيلم “الأيرلندي”، أو إجراء عمليات قطع في لحظات معينة لمساعدة الجمهور على معرفة أنهم يسافرون إلى الوراء.

ويعتبر الفلاش باك أقرب إلى الذاكرة التي نستعيد منها أحداثا مختلفة على مدار يومنا بدرجات متفاوتة من العمق.

تقنية غير ضرورية

على كاتب السيناريو معرفة تأثير لقطات الفلاش باك على قصته عند عرضها على الشاشة، وينبغي التفكير أثناء كتابة تلك اللقطات كيف ستظهر على الشاشة، سواء كانت ستقدم في السياق نفسه لباقي مشاهد الفيلم، أو ستكون مصحوبة بتغيير في لون أو شكل الشاشة، أو ببعض المؤثرات الصوتية والبصرية.

ولا يفضل استخدام الفلاش باك إذا كان السرد الخطي للأحداث كافيا لإخبار المتلقي بأحداث الماضي التي لا بد منها لفهم القصة.

أشهر الأفلام التي اعتمدت على الفلاش باك

العراب (الجزء الثاني) 1974

يعد فيلم “العراب” واحدا من أعظم الأفلام في تاريخ السينما، ويعتبر كثير من نقاد وجمهور السينما أن الجزء الثاني منه أفضل أفلام المجموعة، وهو يعتمد أساسا على الفلاش باك في صياغة القصة.

يركز الجزء الثاني من الفيلم على الأفعال الإجرامية لمايكب كورليوني (أدى دوره الممثل آل باتشينو)، وهو يشدد قبضته على العائلة. نصف الفيلم تقريبا عبارة عن لقطات فلاش باك تعود بالمشاهد إلى قصة صعود والد مايكب (فيتو كورليوني) -أدى دوره روبرت دي نيرو- المهاجر الإيطالي الذي سعى لصنع اسمه في أميركا، كما يستعيد الفيلم أيضا رحلة انتقام فيتو من أحد زعماء المافيا المحليين الذي تسبب في قتل عائلته في مسقط رأسه.

تظهر لقطات الفلاش باك الفارق بين رحلة صعود كل من الأب والابن، حيث يتضح تعاطف فيتو كورليوني مع العائلة والأصدقاء مع مسحة من الشعور بالعزة، على عكس مايكل الذي يظهر شخصية أكثر قسوة في إدارته لإمبراطورية العائلة، ليتضح الفارق بين الشخصيتين بسبب استخدام الفلاش باك في مكانه الصحيح.

فورست غامب (1994)

فيلم “فروست غامب” في مجمله انتقال بين مشهد فلاش باك وآخر، حيث يلعب توم هانكس دور رجل يعاني من التوحد. يبدأ الفيلم بمشهد جلوس فورست في محطة الحافلات، ويستعيد بعد ذلك العديد من الذكريات التي كانت نقاط تحول رئيسية في حياته.

فيلم “فورست غامب” في مجمله انتقال بين مشهد فلاش باك وآخر (مواقع التواصل الاجتماعي)

نادي القتال

في فيلم نادي القتال (Fight CLUB)، نجد أن المخرج استخدم الفلاش باك بطريقة خادعة للمشاهدين، إذ يكتشف المشاهد أن أحداث الفلاش باك كانت مجرد كذبة من خيال الراوي (إدوارد نورتون)، الذي لم يكن مع تايلر دوردن (براد بيت) كما تظهر الأحداث، بل كان مع نفسه فقط.

هنا يدرك المشاهد أنه تعرض لخدعة ذكية من راوي الأحداث الذي يعاني من حالة ذهان كامل، ويخترع صديقا وهميا.

زر الذهاب إلى الأعلى