فنون

الموسيقى التصويرية.. ألحان رسمت نصف الصورة السينمائية

لا يمكن اعتبار الموسيقى التصويرية في الأعمال السينمائية مجرد خلفية للمشاهد والأحداث الدرامية، لكنها انعكاس لحالة الممثل ومواكبة لحركاته وانفعالاته الداخلية المختلفة، وانكساراته.

فالمؤلف الموسيقي محكوم بالسيناريو وانفعالات الشخصيات المختلفة، مثل الأكشن والرومانسية والحزن والفرح وغيرها من المشاعر والأحداث المختلفة؛ لذا، فإن عنصر الموسيقى يشكل نصف الصورة السينمائية.

البداية

انتبه صناع السينما، في العشرينيات من القرن الماضي، لأهمية وقيمة الموسيقى التصويرية بعد مرحلة السينما الصامتة؛ فقرر صناع السينما إدخال الموسيقى لإضفاء مزيد من الحيوية على العمل، ومع التطور في صناعة السينما والدراما التلفزيونية، أصبحت الموسيقى جزءا أصيلا في نجاح أي عمل، حتى أن بعضهم استطاع أن يحقق في عالم الموسيقى الدرامية مكانة منافسة لنجاح الممثلين، وأصبحت موسيقاهم بطلا رئيسيا ومؤثرا في العمل، ومن هذه الأسماء الحديثة راجح داوود، وتامر كروان، وهشام نزيه، وخالد حماد، وعمرو إسماعيل، وياسر عبد الرحمن.

صدمة موسيقية

تجربة راجح داوود في عالم الموسيقى الدرامية، سواء في السينما أو التلفزيون، تعتبر من أهم تلك التجارب؛ فموسيقاه بطل رئيسي وهام في أعمال المخرج داوود عبد السيد، إذ انتقلت الصداقة بينهما في الواقع، إلى الشاشة، فقدما معًا العديد من الأفلام.

في فيلم “أرض الخوف”، اعتمد داوود على الآلات الوترية، التي عبرت بشكل مؤثر وحقيقي عن حالة القلق والترقب التي يعيشها البطل.

أما تجربته في “الكيت كات”، فيمكن أن يطلق عليها صدمة موسيقية، حين اختار الاعتماد على آلة الآرغن، إلى جانب العود في مشاهد الفيلم، الذي يدور في مكان شعبي، بجانب كونه عملا به كوميديا، فالطريقة الأسهل والمتوقعة هي أن يستخدم الموسيقى الشعبية، لكنه اختار أن يقدم جملا موسيقية أصبحت بطلا رئيسيا مع الأحداث، ومعبرة عن حالة الشجن التي يعيشها البطل.

وإلى جانب تجربة راجح مع داوود عبد السيد، فله تجارب أيضا لا يمكن إغفالها مع مخرجين، مثل مجدي أحمد علي، وإيناس الدغيدي، ومحمد القليوبي.

ويقول راجح داوود -في أحد لقاءاته- إنه في الموسيقى الدرامية يلتزم بالسيناريو والفكرة التي يطرحها العمل، بعكس مؤلفاته الموسيقية البحتة التي يلتزم فيها برؤيته وأفكاره فقط.

فهو يقرأ السيناريو أولا، ومن ثم يضع تصورا بشكل عام للموسيقى التي تتناسب مع حالة الفيلم.

التجريب وأسلوب غير تقليدي

الاعتماد على أسلوب موسيقي غير ثابت هو ما يميز هشام نزيه، الذي يسعى للتجريب طوال الوقت، ليس في نوعية الآلات الموسيقية المستخدمة فحسب، ولكن حتى في الانفعالات الموسيقية التي يقدمها في الأعمال التي يضع موسيقاها، واستطاع من خلالها أن يؤكد أهمية وقيمة الموسيقى التصويرية في العمل الفني.

لفت نزيه الأنظار منذ بدايته في الفيلم الرومانسي “السلم والثعبان”؛ حيث وظف موسيقى التانغو والجاز السيمفوني، وذلك لتواكب رقصة التانغو للبطلة في الفيلم، إلى جانب استخدامه للوتريات والغيتار وإيقاع الروك، من أجل التعبير عن انفعالات الممثلين.

إلا أن الخروج عن المألوف هو الهدف الذي يسعى إليه نزيه طوال الوقت؛ فهو لا يكتفي بمجرد تقديم موسيقى جيدة، لكنه يحاول أن يجد جملا موسيقية غير متوقعة، فشارك في أعمال متنوعة لا تسير على نمط سينمائي واحد، منها أعمال كوميدية ورومانسية، وحتى أفلام الأكشن.

ومن أبرز أعماله أفلام “إكس لارج” و”سهر الليالي” و”بلبل حيران” و”إبراهيم الأبيض” و”الفيل الأزرق”.

وفي الدراما التلفزيونية، قدم نزيه تجربة ثرية في مسلسل “السبع وصايا”، حين قرر دمج موسيقى الروك بالصوفية، كنوع من التجربة الموسيقية والجرأة في الوقت نفسه، وقد استطاع توظيفها لخدمة المشاهد، حين اعتمد على شعر صوفي لمحيي الدين بن عربي عن الخطيئة، في حين تدور قصة المسلسل عن أشقاء يرتكبون جريمة تخالف الإنسانية.

في “العهد”، يسعى الأبطال للحصول على قوى خارقة، والعمل الذي يدور في عصر مجهول، وتحمل أحداثه بعض الفانتازيا، فقرر نزيه أن يزيد من الحالة الغرائبية للعمل، بالاعتماد على ترنيمة قبطية غير معتادة، مصحوبة بأداء كورالي يتناسب مع الأحداث.

جوهر الدراما

الاهتمام بجوهر الدراما في الأحداث، والقدرة على التعبير عن المشاعر المختلفة، والتأثر بتفاصيل العمل، جعلت تامر كروان واحدا من أهم الموسيقيين على الساحة، فهو صاحب الموسيقى الملحمية في “الاختيار” التي اعتمد فيها على أوركسترا كاملة، ليترجم مشاعر الشخصيات، المتضادة بين الوفاء والبطولة والخيانة، فقدم جملا موسيقية تخص شخصية منسي، وأخرى تعبر عن الشخصية الإرهابية في المسلسل، عشماوي.

ويعتبر الاعتماد على آلة البيانو أهم ما يميز موسيقى كروان في أغلب أعماله، وهو سر تميزه في مسلسل “واحة الغروب” الذي تُعَد موسيقاه واحدا من أبطال العمل.

وفي مسلسل “بـ100 وش”، مزج موسيقى الجاز بالموسيقى الشرقية، مستخدما آلات مثل الساكسفون والغيتار والدرامز، للتعبير عن روح المغامرة التي يعيشها الأبطال، وقبلها بسنوات، استطاع أن يترجم تاريخ مصر بشكل موسيقي في تجربة “بنت اسمها ذات”.

وأعمال متنوعة بين الدرامية التلفزيونية والسينمائية قدمها كروان خلال مشوار فني بدأه قبل سنوات طويلة، ومن أعماله مسلسل “موسى” و”بالحجم العائلي” و”اختفاء” و”ونحب تاني ليه”.

تجربة أصيلة

استطاع ياسر عبد الرحمن بموسيقاه أن يترجم المشاعر التي يعيشها أبطال الأعمال السينمائية والدراما التلفزيونية التي قام بتأليف موسيقاها، ليشكل حالة خاصة لا تشبه أي موسيقي آخر، حتى أنه لم يتأثر بتجربة عمر خيرت، الذي عمل عازفا في فرقته لفترة.

وعلى الرغم من التطور التكنولوجي، إلا أنه لا يلجأ إلى استخدام التكنولوجيا إلا نادرا، لتشكل حالة صدق مع مضمون الموسيقى التي يقدمها.

فموسيقى “الضوء الشارد” جزء أصيل من نجاح المسلسل، واعتمد فيها على آلات النفخ النحاسية والربابة والوتريات لتتناسب مع أحداث العمل الذي يدور في قلب الصعيد.

ودائما يسعى عبد الرحمن لاكتشاف وتقديم الآلات الموسيقية الشعبية بشكل مختلف في أعماله، مثل تقديم آلة الأرغول في “الفرار من الحب”، وآلة العفاطة في “الليل وآخره”، أما في مسلسل “المرسى والبحار”، فلجأ إلى آلات الأوكورديون والهرمونيكا والصفارة، ووظفها لتناسب حياة البحارة، وفي فيلم “المواطن مصري” استطاع ياسر عبد الرحمن أن يعبر عن التناقض بين حال الحزن والقهر، وبين حالة التسلط والجبروت.

ومن تجاربه الهامة والمؤثرة أيضا موسيقى أفلام “أيام السادات” و”ناصر 56″ و”عرق البلح”، ومسلسلات “المال والبنون” و”الوسية” و”الليل وآخره” و”أستاذ ورئيس قسم”.

زر الذهاب إلى الأعلى