فنون

بين اللعنات والآهات.. مخاطر الإساءة للأطفال في لوحات

كان الرسّام الإيطالي جيوفاني براغولين (1911-1981) يعمل في مرسمه في وقت متأخر من الليل حين سمع نحيب طفل صغير رآه يجلس تحت نافذته حين أطل برأسه من الشباك. أخذ براغولين الطفل لمرسمه وحاول تهدئته لكن من دون جدوى.

ظل الطفل يذرف الدموع من دون أن تنبث شفتيه بكلمة واحدة. وجه الطفل الحزين حفّز براغولين لرسم بورتريه للصغير الذي غادر المرسم بمجرد أن انتهى الرسام ومضى يومذاك وبراغولين يتبعه حتى غاب عن النظر وكأنه كان يعرف أين يذهب. الأمر لم ينته بذهاب الطفل. لم تكن تلك نهاية قصة غريبة، بل بدايتها.

عاد الصبي مرة أخرى بعد عدة أيام يبكي أسفل مرسم براغولين في وقت متأخر من الليل. دعاه براغولين لمرسمه وحاول أن يفهم منه سبب بكائه أو أين ذهب أهله، لكن بلا جدوى، كان الطفل يذرف الدمع من دون أن ينطق بكلمة. يجلس باكيا فيرسم له براغولين صورة جديدة.

ويمضي الصغير بعد أن ينتهي الرسّام وكأنه يعرف أين يذهب. وهكذا، يعود الطفل من آن لآخر ويرسم براغولين العديد من النسخ بزوايا مختلفة على خلفيات متعددة ويبيعها بعد أن لقت استحسان الجمهور. وقد عرفت تلك السلسلة من اللوحات باسم “الطفل الباكي” (The Crying Boy)، وانتشرت الصور في كل مكان تقريبا، انتشار النار في الهشيم. إلا أن ما خفي كان أعظم.

لوحة الطفل الباكي (مواقع التواصل)

لعنة الطفل الباكي

ظهر كاهن في مرسم براغولين ذات يوم بعد أن وقعت في يده إحدى النسخ، وأخبره أن هذا الطفل اسمه دون بونيللو وأنه أينما يظهر يشب حريق هائل في أثره، وأن براغولين عليه أن يتخلص من كافة اللوحات التي رسمها له وألا يسمح له بدخول مرسمه مرة أخرى. فقد توفي والدا الطفل إثر حريق هائل شب في منزلهم. وعندما انتقل الطفل لدار أيتام شب فيها حريق هائل ومات معظم الأطفال.

لم تمض سوى أشهر معدودات حتى شب في مرسم براغولين حريق هائل وألقى الرسام باللوم على الطفل الذي صارت الشرطة تبحث عنه في كل مكان بسبب “اللعنة” التي تلاحقه. ففي تلك الفترة احترقت العديد من الأماكن والمنازل التي كانت تضم لوحة الطفل الباكي ولم يعثر للطفل على أدنى أثر.

هناك قصص متواترة تزعم أن الطفل مات في حريق دار الأيتام التي كانت تأويه مع بقية الأطفال، وأن الدار تم قصفها فيما كان يُقصف في الحرب العالمية الثانية، وأن وفاة أبوي الطفل محترقين أمام عينيه ثم موته محترقا هو ما جعل روحه عالقة بين عالمين لتحدث كل هذا الصخب.

في الرابع من سبتمبر/أيلول 1985، نشرت صحيفة “ذا صن” (The Sun) البريطانية تقريرا عن “لعنة لوحة الصبي الباكي”، التي تتسبب في حرائق أينما وجدت. واستشهدت الصحيفة بتصريح أحد رجال الإطفاء الذي أكد أن اللوحة كانت موجودة في بيوت عدة اندلعت فيها الحرائق بشكل تلقائي حول المملكة المتحدة. وأن تلك اللوحة وأي من نُسخها كانت تنجو سالمة دون أي ضرر في كافة البيوت المحترقة التي احتوت عليها.

“هذه اللوحات ظهرت في ظروف غامضة سالمة في الحرائق في جميع أنحاء المملكة المتحدة”. (الاقتباس من “ذا صن”).

من اللعنة إلى التنمر

قدمت الرسّامة السويدية فاني برات (1861-1940) في لوحتها “التنمر” (Teasing) المرسومة عام 1885، طفلة تتعرض للسخرية من قِبل أقرانها وهي تُخفي وجهها بكلتا يديها وتبكي. وكعادة برات، تظهر لوحتها وعيا بالاختلافات الطبقية بالإضافة إلى التأثيرات بعيدة المدى لما يتعرض له الأطفال من صدمات نفسية في الطفولة.

تظهر الطفلة الباكية بأسمال بالية والأربع أطفال الآخرون يبدون أوفر حظا على ما يبدو. الطفلة كذلك هي الأصغر والأقصر من حيث الحجم؛ وهو ما يعطي انطباعا بأنها مستضعفة ومعرضة للأذى بشكل أكبر من غيرها من الأطفال. كذلك يتم التنمر على الطفلة في مساحة مفتوحة خارج المنزل، الذي عادة ما يظهر في بقية لوحات برات كمساحة هادئة وآمنة ينعم فيها الأطفال بالحرية وهم يلعبون حول النوافذ.

كانت أعمال برات الفنية محبوبة للغاية خلال حياتها، وفي نهاية حياتها وصفها نقاد الفن والصحفيون بأنها مصورة مهمة بشكل خاص لبيئات الطبقة المتوسطة اليومية.

اللوحة مرسومة بأسلوب انطباعي في نهاية القرن الـ19، حيث كانت الانطباعية الجديدة رائدة وفي تقدم وانتشار على يد رائدها الرسام الفرنسي كلود مونيه. وتتميز الانطباعية بضربات حادة ومتقطعة للفرشاة. كأنها لطخات لونية مجمعة في اللوحة. وتدور معظم مواضيعها في الشمس وتأثير الظل والنور على الأشكال والأحجام.

لوحة “التنمر” للرسامة السويدية فاني برات (مواقع التواصل)

أطفال الشوارع

تصوير معاناة الأطفال لم يقتصر على الموت المأساوي أو التنمر. فقد قدم الرسام الإنجليزي أوغسطس إدوارد مولريدي (1844 – 1904) في لوحته “استراحة على جسر لندن” (A Recess on a London Bridge) المرسومة عام 1879؛ مشهدا لطفل مُشرد غفا على الجسر ربما بدافع الإرهاق.

الطفل في اللوحة يرتدي ثيابا رثة. البنطال ممزق تماما عند الركبتين، ولا حذاء يستر قدميه، ومن الوسخ البادي عليهما يبدو أنه كان يسير من دون حذاء منذ وقت طويل.

هذا الطفل ليس الوحيد الذي صوّره مولريدي، فمعظم لوحاته تتبع حكايا أطفال مشردين في شوارع لندن بثياب رثة وحفاة يبيعون الزهور أو يتوسلون المال. وقد تمحور فنه بشكل عام على القضايا الاجتماعية ومعاناة الفقراء خاصة الأطفال. اللوحات مرسومة على المذهب الواقعي، أي أنه نقل تلك المشاهد كما رآها بالعين.

زر الذهاب إلى الأعلى