فنون

رحيل الفنان فتح الله المغاري.. مبدع الروائع الغنائية وأحد مؤسسي الموسيقى المغربية

عندما أعلن الملك المغربي الراحل الحسن الثاني عن إطلاق مسيرة خضراء نحو الصحراء في خطاب رسمي منتصف سبعينيات القرن الماضي، اشتعل الفنان المغربي فتح الله المغاري حماسا ووطنية ولم يجد نفسه إلا وهو ينهي قصيدة زجلية أفضى فيها بما اعتراه من مشاعر واعتزاز.

ولم يمر سوى يوم واحد على كتابته تلك الكلمات لتبث أغنية على أثير الإذاعة والتلفزيون بأصوات ثلة من المغنيين المغاربة المعروفين حينها، وكانت من تلحين الملحن عبد الله عصامي وتوزيع مدير الجوق الملكي عبد السلام خشان، وأصبحت من أشهر الأغاني الوطنية.

ورغم مرور عقود على صدور أغنية “نداء الحسن”، ما زالت حاضرة في الوجدان المغربي وفي المناسبات الوطنية، وتحولت إلى ما يشبه النشيد الوطني ولم تستطع أي من الأغاني إزاحتها عن عرش الأغاني الوطنية.

ولم تكن هذه الأغنية الوحيدة التي تركت أثرا في الوجدان المغربي، بل هناك أغان أخرى للمغاري الذي وافته المنية أمس السبت في الرباط، تاركا بصمة في المجال الفني سواء بكتابة القصيدة أو تلحينها أو غنائها.

ويعتبر المغاري أحد رواد الأغنية المغربية وأعمدتها الذين ساهموا في تقديم أغاني ما زالت إلى اليوم تتردد على الألسنة وحاضرة في الحفلات والمناسبات والمهرجانات.

تأثر بالأسرة والموسيقى الأندلسية

ولد الفنان فتح الله المغاري في مدينة فاس عام 1940، ونشأ في أحضان أسرة موسيقية وكان لبيئته الأسرية ومحيطه الذي يتميز بالارتباط بالموسيقى الأندلسية والصوفية أثر في تكوينه الفني.

بعد حصوله على شهادة الباكالوريا، عمل موظفا في المكتب الوطني للأبحاث المنجمية، غير أن وظيفته لم تنل من موهبته وعشقه للغناء، فانطلق في سمائه مبدعا أروع الأغاني الأصيلة.

وتعد أغنيته “كأس البلار” التي كتب كلماتها ولحنها في ستينيات القرن الماضي بدايته الحقيقية في عالم الغناء، إذ أثبت بفضلها موهبته وسط كبار الفنانين.

وغنى العديد من المطربين من كلمات وألحان الراحل، منهم مطربون يصنفون ضمن عمالقة الأغنية المغربية الأصيلة مثل لطيفة رأفت التي غنت له أغنية “مغيارة”، والمطرب عبد الهادي بلخياط الذي أدى من كلماته أغنية “في قلبي جرح قديم”، وهي الأغنية التي حظيت بإعجاب المطرب الراحل عبد الحليم حافظ بعد استماعه إليها خلال إحدى زياراته للمغرب.

كبار رواد الموسيقى

ووصف الموسيقار “نعمان لحلو” الراحل بأنه “أحد أعمدة الفعل الثقافي الموسيقي الغنائي ومن كبار رواد الموسيقى في المغرب”.

وأضاف -في اتصال مع الجزيرة نت- أنه “كان شاعرا عاميا موغلا في الهوية المغربية وأسس في وقت من الأوقات الخزانة الفنية المغربية، حيث كانت ثلث الأغاني المغربية من كلماته وألحانه وغنائه، وهو نجم ظل محتفظا بحضوره ونجوميته عبر عدة أجيال. اليوم فقدنا شمعة من الشموع التي كانت تضيء سماء الفن الموسيقي المغربي الأصيل”.

وقال لحلو إن الراحل كان مميزا في غنائه وألحانه وشعره، معتبرا أنه لم يكن يشبه شخصا آخر، بل ظل مميزا وحفر اسمه في الوجدان المغربي وفي التراث اللامادي، “لأنه أسس اللبنة الأولى مع مجموعة من الرواد للفعل الثقافي الغنائي المغربي المعاصر” وفق تعبيره.

وتميزت إبداعات فتح الله المغاري بالبساطة، فكانت أغانيه سواء تلك التي كتب شعرها أو لحنها أو غناها تجد انتشارا في جميع الأوساط الاجتماعية، ولم يكن الاستماع إليها محصورا بأبناء جيله بل تذوقتها الأجيال اللاحقة أيضا.

يقول نعمان لحلو “أصعب شيء في عملية الإبداع أن تقول ما تود قوله مغلفا برداء البساطة. كيف تختزل عدة أفكار وتعطيها في جمل بسيطة تصل للمتلقي. وأن تخاطب الناس بلغة عميقة لكنها بسيطة”.

وأضاف “عملية التغليف برداء البساطة وعملية الاختزال أصعب شيء في الإبداع الغنائي، وهذا ما ميز أعمال الأستاذ فتح الله المغاري، رحل عنا جسدا وستبقى سيرته باعتباره رائدا من رواد الفعل الثقافي الغنائي المغربي في التاريخ المعاصر”.

نجوم ينعون المغاري

 وقد نعته المطربة لطيفة رأفت -وهي من أبرز نجوم الغناء بالمغرب- في تدوينة مؤثرة قالت فيها “إنا لله وإنا إليه راجعون، وداعا أيها الفنان، وداعا أيها الأب الروحي”.

 

وكتب الممثل رشيد الوالي “إنا لله وإنا إليه راجعون، ربما أبناؤنا لا يعرفون هذا الفنان”

زر الذهاب إلى الأعلى