فنون

سيدني بواتييه.. أول شخص من بشرة سوداء يفوز بأوسكار وأفضل نجم شباك في أميركا أواخر الستينيات

لم يكن من المتوقع أن يبقى سيدني بواتييه على قيد الحياة، بسبب ولادته مبكرا بـ3 أشهر. وبعد أن اشترى والده نعشا له، قالت إحدى العرّافات لوالدته “لا تقلقي، فسوف ينجو ابنك، ويمشي مع الملوك”، وفقا لما ذكره هو نفسه لـ”ليزلي ستال” مراسلة “سي بي إس نيوز” (CBS news) عام 2013.

وُلد بواتييه في ميامي بولاية فلوريدا -بعد 7 أطفال- في 20 فبراير/شباط عام 1927، حيث كان والده من مزارعي الطماطم الذين يتاجرون بين فلوريدا وجزر البهاما.

والسير سيدني بواتييه هو أسطورة هوليود، ونجم السينما الأميركية الأفريقية الذي فجّر ثورة سينمائية ناعمة في وجه العنصرية المستحكمة في أميركا، بدأها عام 1949، وهو لم يزل بعد في الـ22 من عمره، وقال آمون وارمان المحرر بمجلة “إمباير” لموقع “بي بي سي” (BBC) إن بواتييه “تصدى للعنصرية بشكل مباشر”، كما قال الناقد بيتر برادشو إن بواتييه “ساهم في إحداث ثورة بهدوء”.

وبعد مسيرة استمرت 71 عاما وإنجاب 6 أبناء و8 أحفاد و3 من أحفاد الأحفاد، توفي سيدني بواتييه في منزله بمدينة لوس انجلوس في السادس من يناير/كانون الثاني الماضي، عن عمر يناهز 94 عاما.

تكريس الاحترام

سيدني بواتييه ” النجم السينمائي بالفطرة، الوسيم للغاية، حسن الكلام، وصاحب الصوت الجميل والرخيم”، كما يقول برادشو.

جعلته صورته الأنيقة وشخصياته النموذجية الفخورة والأخلاقية على الشاشة يصعد إلى القمة ويصبح أول نجم سينمائي أسود في هوليود، يُصر منذ البداية على أن يصور السود رجالا منتصبين ومتعلمين جيدا، وغالبا ما يكونون أقوى في الشخصية من الأشخاص البيض من حولهم. لذا قال للمراسلة ليزلي ستال “مسيرتي المهنية، تشهد أنني لم ألعب دور شخص غير أخلاقي أبدا”.

ساهمت أدواره الراقية في إقناع الجماهير في خمسينيات وستينيات القرن الماضي أن السود ليسوا خدما فقط، بل يمكنهم أن يكونوا أيضا أطباء ومعلمين ومحققين.

ففي عام 1967 وحده، لعب دور محقق جرائم القتل في فيلادلفيا (فيرغيل تيبس)، المُكلف بمساعدة قائد شرطة بلدة صغيرة في ميسيسيبي، لحل لغز جريمة قتل، في فيلم “حرارة الليل” (In the Heat of the Night) المأخوذ عن رواية بوليسية لجون بول، والحائز على 5 جوائز الأوسكار.

أيضا، قدم شخصية طبيب شاب يهزم والديّ خطيبته البيضاء، الأم المتعصبة (كاثرين هيبورن )، والأب المعروف بأنه أحد دعاة الليبرالية (سبنسر تريسي)، في فيلم “خمن من القادم إلى العشاء” (Guess Who’s Coming to Dinner)، الفائز بجائزتي أوسكار.

كما لعب دور المهندس الشاب مارك ثاكيراي، الذي اضطر لتدريس فصل غير منضبط، ونجح في إجبار التلاميذ على تعلم الاحترام في فيلم “إلى سيدي مع الحب” (To Sir, with Love).

أسرع وأشهر صفعة في تاريخ السينما

أصبح بواتييه أسطورة ألهمت الجماهير، من خلال أدوار البطولة التي لعبها في أكثر من 50 فيلما، بالإضافة إلى حياته التي كانت عبارة عن سلسلة من “الأوائل”. ففي عام 1959، كان أول رجل أسود يُرشح لجائزة الأوسكار كأفضل ممثل عن دوره كسجين هارب، في فيلم ” المتحدون” (The Defiant Ones)، الذي حصل على 9 ترشيحات لجائزة الأوسكار.

وكان أول رجل أسود يُقبّل امرأة بيضاء في تاريخ السينما، في فيلم “رقعة زرقاء”(A Patch of Blue) عام 1965. وعندما فاز بجائزتي أوسكار وغولدن غلوب لأفضل ممثل، عن دوره في فيلم “زنابق الحقل” (Lilies of the Field) عام 1964، لم يكن فقط أول ممثل أسود يحصل عليها، بل ظل الوحيد الذي اقتنصها حتى عام 2002.

وكان أول رجل أسود يصفع رجل إقطاعي أبيض، في فيلم “حرارة الليل”، وقد حكي للمراسلة ستال عن ملابسات هذه الصفعة، فذكر أنه قبل قيامه بأداء الدور، طلب من الشركة المنتجة تغيير المشهد في العقد، قائلا “إذا صفعني، فسوف أصفعه فورا”. مُعتبرا أنها “واحدة من تلك اللحظات العظيمة في الفيلم، عندما تقوم بصفع أحد الأشخاص المتعالين، كما صفعك”، ويعلل بواتييه هذا بقوله “كنت أعلم أنني سأُهين كل شخص أسود في العالم، لو لم أفعل”.

 

من غسيل الأطباق إلى العالمية

عاش بواتييه حتى سن 15 عاما مع عائلته في موطنهم الأصلي، جزر البهاما، لكن ولادته المبكرة أثناء زيارتهم لميامي، منحته الجنسية الأميركية تلقائيا. وفي الـ16 من عمره، توجه إلى نيويورك بحثا عن فرصة في التمثيل، رغم أنه لم ينتظم سوى سنتين في الدراسة.

وبعد التجربة الكارثية التي تعرض لها على “مسرح الزنوج الأميركي” (American Negro Theatre)، لعدم استطاعته قراءة النص، التحق بالجيش لفترة قصيرة، ثم قرر أن يغسل الأطباق في مطعم، تعرف فيه على نادل يهودي قام بمساعدته في التدريس، حتى نجح في تجربة أداء مسرح الزنوج الأميركي.

وفي عام 1950، لعب أول أدوار البطولة في فيلم “لا مفر” (No Way Out)، كطبيب يواجه عنصرية من سجين، وبحلول عام 1967، كان من بين أفضل 10 نجوم شباك في هوليود، ومن أفضل 10 رجال في تلك السنة.

وفي السبعينيات، أخرج أفلام مثل “أبتاون ساترداي نايت” (Uptown Saturday Night) 1974، و”ستير كريزي” (Stir Crazy) 1980. أما في أواخر الثمانينيات، وأوائل التسعينات، فقام ببطولة فيلم “شوت تو كيل” (Shoot to Kill) 1988، وشارك النجم روبريت ريدفورد بطولة فيلم”سنيكرز” (Sneakers) 1992.

وفي عام 1997، قدم فيلما تلفزيونيا عن حياة نيلسون مانديلا. ثم تفرغ للتأليف، وكتب سيرة ذاتية صدرت في عام 2000، بعنوان “مقياس الرجل: سيرة ذاتية روحية”، استعرض فيها تفاصيل تجاربه كممثل خلال حقبة الحقوق المدنية، وصَدّرها بقوله “كنت أحد الممثلين الشباب السود الذين أصبحوا غير مرغوب فيهم، واتُهمت بكوني من مثيري الشغب”.

شخص جيد

مُنح سيدني بواتييه وسام الفروسية من قبل الملكة إليزابيث الثانية في عام 1974. وفي عام 1995 حصل على مرتبة الشرف من مركز كينيدي. وفي عام 1999 احتل المرتبة 22 بين الممثلين الذكور في قائمة معهد الفيلم الأميركي. وفي عام 2002 حصل على جائزة الأوسكار الفخرية، تقديرا لإنجازاته الرائعة “كفنان وكإنسان”.

وإلى جانب ريادته السينمائية، ظل بواتييه سفيرا لبلده الأصلي جزر البهاما في اليابان لـ10 سنوات (1997 – 2007)، وكان في نفس الوقت سفيرا لجزر البهاما لدى اليونسكو. وفي عام 2009 حصل على وسام الحرية الرئاسي، وهو أعلى وسام مدني في الولايات المتحدة.

ومن جهته أشاد الرئيس جو بايدن بسيدني بواتييه في بيان صادر عن البيت الأبيض، وصفه فيه بأنه “ممثل وداعية متفرد في جيله الذي قدم الكثير من الكرامة والقوة والقيمة التي غيرت العالم داخل وخارج الشاشة”. ويأتي هذا في أعقاب إشادة باراك أوباما وبيل كلينتون وهيلاري كلينتون ببواتييه، الذي سألته المراسلة ليزلي ستال، قائلة من أنت؟، فابتسم قائلا “أنا شخص جيد”.

زر الذهاب إلى الأعلى