فنون

سينما المرأة بالسعودية.. حضور لافت وسريع في صناعة ناشئة

الإشكاليات المجتمعية والتحديات الفنية التي تواجه “سينما المرأة” في السعودية كانت محور اللقاء الذي نظمته “هيئة الأفلام” التابعة لوزارة الثقافة السعودية مساء الثلاثاء الماضي بمشاركة العديد من الفنانات والمخرجات وصانعات الأفلام من السعودية وخارجها.

اللقاء الذي عقد افتراضيا بعنوان “سينما المرأة” سلط الضوء على حضور المرأة السعودية في السينما، وشهد نقاشا مطولا بين صناع الأفلام والمهتمين حول حضورها، وماذا قدمت وما الذي ينتظرها.

كما شهد اللقاء طرح الحلول والمقترحات الداعمة لحضور فاعل لسينما المرأة في المملكة، إلى جانب استعراض قصص نجاح صانعات الأفلام المحليات.

السينما السعودية ألقت الضوء على كثير من قضايا المجتمع (الصحافة السعودية)

وفي بداية اللقاء، أعلنت منى الصبان عضو الرابطة العربية للسينمائيين بالجامعة الأميركية والأستاذة بالمعهد العالي للسينما بمصر رفضها مصطلح “سينما المرأة”، قائلة إن هناك “سينما فقط” بشكل عام، مبينة أنه إذا كانت هناك سينما للمرأة فمن الطبيعي أن تكون هناك “سينما للرجل”.

وتؤكد أن السينما بمثابة مرآة للواقع وتقدم جميع الشرائح في المجتمع من دون تمييز، مشيرة إلى أن السبب الرئيسي في تراجع الأعمال السينمائية النسائية أو التي تهتم بالمرأة وقضاياها هو افتقار معظم الدول العربية -ومن بينها المملكة- للعنصر النسائي في كتابة السيناريو، الذي يعد العمود الفقري والأساس لأي عمل فني، سواء في السينما أو التلفزيون.

إطلاق العنان للمرأة

وتلفت الصبان الانتباه إلى أن المرأة هي الأقدر على التعبير بعمق عن مشاعرها وقضاياها، والأكثر معرفة بالمشكلات الاجتماعية والحياتية التي تواجهها والحلول المناسبة لها، مؤكدة ضرورة إفساح المجال للمرأة وإطلاق العنان لإبداعاتها، مع الأخذ في الاعتبار الاهتمام بالأجيال الجديدة من النساء عبر صقل مواهبهن وتعليمهن فنون السينما.

من جهتها، تقول السيناريست والكاتبة السعودية منال العويبيل إن المرأة السعودية حاضرة بقوة في العديد من الأعمال، سواء من خلال إنتاج أعمال فنية لصانعات أفلام سعوديات وما تشهده من مشاركة نسائية واسعة، أو من خلال مناقشة القضايا والمشكلات الخاصة بالمرأة السعودية في عدة أعمال سينمائية.

منى الصبان ترفض مصطلح سينما المرأة (الصحافة السعودية)
منى الصبان ترفض مصطلح سينما المرأة (الصحافة السعودية)

وأشارت إلى أن السنوات الأخيرة شهدت إقبالا متزايدا من صانعات الأفلام السعوديات على تقديم صور مؤثرة تلقي الضوء على واقع الحياة في المجتمع السعودي، بما يسهم في طرح الحلول للقضايا ذات الصلة بالمرأة.

وفي هذا الصدد، نوهت العويبيل بالفيلمين السعوديين “بلوغ” و”قوارير” اللذين تصديا للعديد من القضايا الخاصة بالمرأة، مشيرة إلى أن “بلوغ” يرصد 5 قصص تتعرض للعمق الإنساني، وتتناول قضايا نسائية مختلفة، وهو من إخراج 5 مخرجات سعوديات، هن: سارة مسفر، وفاطمة البنوي، وهند الفهاد، وجواهر العامري، ونور الأمير.

وأوضحت أن الفيلم يتيح لكل مخرجة عرض رؤيتها السينمائية بطريقتها الخاصة من خلال طرح أزمة أو قضية خاصة بالمرأة في المملكة، مؤكدة أن هذا التعاون بين المخرجات الخمس بمثابة مؤشر على إمكانية تقديم أعمال تعكس صورة حقيقية للمرأة في المجتمع السعودي.

وفي ما يتعلق بفيلم “قوارير”، فترى العويبيل أنه يشبه فيلم “بلوغ” في عدد مخرجاته السعوديات، ويطرح 5 قصص لبطلات يخاطرن بحياتهن في مواجهة التحديات التي تواجههن في مجتمعهن المحافظ، مشيرة إلى أن تسمية العمل بهذا الاسم بمثابة استعارة عربية للمرأة من منظور اجتماعي، حيث يشير إلى ضعفها وقابليتها للكسر بسبب مشاعرها وحنانها وقوتها أيضا.

سينما الإنسان فقط

وأكدت السيناريست السعودية أن 90% ممن عملوا في “بلوغ” و”قوارير” من النساء، وهو ما يعطي مثالا جيدا لتمكين المرأة في المملكة.

أما المخرجة السعودية هند الفهاد فترى أن السينما هي سينما الإنسان بالدرجة الأولى، وبالتالي الأولوية هي عرض وطرح حكايات هذا الإنسان بشكل عام ورحلته في العمل السينمائي من خلال ترجمة مشاعره وتقديمها للمشاهد.

وتشير إلى أنها ترفض حصرها في أعمال أو أفلام تهتم فقط بقضايا المرأة رغم أهميتها، معتبرة أنه ليس من المقبول أن تكتب المرأة عن قضايا خاصة بها فحسب.

هند الفهاد ترى أن السينما يجب أن تركز على الإنسان بشكل عام (الصحافة السعودية)
هند الفهاد ترى أن السينما يجب أن تركز على الإنسان بشكل عام (الصحافة السعودية)

وتنبه إلى أن السينما السعودية واجهت إشكالا كبيرا، وهي أنها ظلت غائبة 40 عاما ولم تتفاعل مع من حولها، فضلا عن أن المرأة السعودية أهملت قضاياها بسبب حقبة معينة لها ظروفها واعتباراتها.

وتؤكد الفهاد أنه يجب الانتصار للقصص والقضايا الإنسانية التي تمس الناس بشكل عام سواء كانت نسائية أو لا، مشيرة إلى أن الكثير من الرجال لديهم القدرة على التعبير عن مشكلات النساء بشكل دقيق.

جرأة الطرح

بدوره، يقول المخرج والممثل السعودي حسن العسيري إنه من خلال تجاربه الإخراجية يؤكد أن وجود المرأة كاتبة ومخرجة أمر مهم جدا -وتحديدا في السعودية- إذ تمتلك الكثير من التفاصيل حتى لو كان العمل للرجل.

وقال إنه أنتج وقدم مجموعة من الأعمال التلفزيونية في أعوام 2011، و2014 ، و2016، حملت عنوان “الساكنات في قلوبنا”، وكان الاتفاق حينها على 6 أفلام تلفزيونية، لكن بعد مرور 5 سنوات تم تقديم 54 فيلما تلفزيونيا بسبب النجاح منقطع النظير لهذه السلسلة التي كانت تحمل رؤية واقعية يبرز في مجملها عنصر التشويق الذي يطرح المرأة كمحور رئيسي في أحداثها.

حسين العسيري قدم مجموعة أفلام تلفزيونية عن المرأة (الصحافة السعودية)
حسن العسيري قدم مجموعة من الأفلام التلفزيونية عن المرأة (الصحافة السعودية)

ويرى العسيري أنه أراد من خلال هذه الأفلام التي عرضتها قنوات “إم بي سي” (MBC) تسليط الضوء على العنف والاضطهاد والممارسات السلبية التي تتعرض لها المرأة في المجتمع، بالإضافة إلى مناقشة قضايا حياتية متعددة محورها الرئيسي المرأة، مثل غلاء المهور، والعلاقات الاجتماعية الشائكة، وغيرها من القضايا المختلفة، مشيرا إلى أن نجاح هذه السلسلة يرجع إلى طرح هذه القضايا التي يتعامل معها المجتمع كـ”محرمات” لا يمكن الاقتراب منها.

أما الناقدة السينمائية السعودية مها سلطان فتقول إن صناعة الأفلام في المملكة “ناشئة ولكنها سريعة وهذا أمر رائع للغاية”، مشيرة إلى وجود نساء يعملن في المجال، على الرغم من حداثة عمر التجربة السينمائية.

واتفق المشاركون في ختام اللقاء على أن مصطلح “سينما المرأة” ليس الهدف منه الانحياز للمرأة بحد ذاتها، أو تمكين المرأة من الانتصار على الرجل بسبب جنسها، ولكن الهدف هو البحث عن سينما جيدة، مشددين على أنه إذا كان النص (السيناريو) واقعيا ومنطقيا والفيلم جيدا -سواء كان من تقديم رجل أو امرأة- فليست هناك مشكلة، وإنما السؤال هو: كيف تُقدم الفكرة؟

زر الذهاب إلى الأعلى