فنون

فيلم “أثينا”.. الوجه المظلم لباريس “عاصمة النور”

عرضت منصة نتفليكس مؤخرًا الفيلم الفرنسي “أثينا” (Athena) من إخراج رومان غافراس، الذي كان أحد أفلام المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي الدولي.

فاز الفيلم بجائزتين من البندقية: “آرك سينما جيوفاني” (Arca Cinema Giovani Award) واليونيسيف، ونال إعجاب النقاد بمعدل 82% على موقع “الطماطم الفاسدة”.

يناقش فيلم “أثينا” قضية مهمة يتناساها كثيرون عندما يتحدثون عن جمال باريس عاصمة النور الفرنسية، وهي أزمة العنصرية ضد الملونين عموما والمسلمين خاصة.

الوجه المظلم لباريس

من الناحية السينمائية، التزم فيلم “أثينا” بالقواعد الثلاث التي كتب عنها أرسطو في كتابه “فن الشعر”؛ وهي وحدة المكان، والزمان، والموضوع، وافترض أنها المحددات الثلاثة التي تحكم أي عمل مسرحي. وتدور الأحداث خلال عدة ساعات من يوم واحد فقط، وجغرافيته تشمل حي “أثينا” الخيالي في باريس، ولا يتناول بشكل أساسي سوى حدث واحد، وهو “الحرب الأهلية” الدائرة بين أهل أثينا والشرطة الفرنسية.

تبدأ أحداث الفيلم بالمؤتمر الصحفي الذي تلا مقتل مراهق فرنسي من أصل عربي يدعى “إيدير”، وانتشار فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر أن القتلة عناصر في الشرطة الفرنسية.

يحاول المؤتمر تقليل حالة التوتر بين الحضور، لكن الغضب يتصاعد سريعا ليخرج من عقاله، ويعتدي أخو القتيل “كريم” -الذي أقدم مع مجموعة من شباب حي “أثينا”- على الشرطة، واستولى على أسلحتهم، ويعود ليتحصن بمنازل المنطقة، ويشعل “حربًا أهلية”، لا تلبث أن تنتقل إلى مناطق أخرى، وتتحول إلى ثورة ضد العنصرية على أصحاب الأصول العربية والمسلمين والملونين في باريس وغيرها من المدن.

يتضح سريعًا أن هناك صراعا داخليا؛ فبالإضافة إلى الحرب بين الثوار والشرطة، يتبيّن أن عائلة القتيل تتكون من 4 أخوات: الأصغر المتوفى إيدير، ثم كريم الثائر، و”عبدل؛ بطل الجيش الفرنسي الذي يفخر به بعض أهله، في حين يشعر آخرون بالخيانة لهذه العلاقة مع “العدو”. أما الأخ الأخير فهو تاجر مخدرات متواطئ مع أي شخص يكسب عبره المال.

يصبح الأخوان عبدل وكريم على جانبين متضادين من خط النار؛ فكريم لن يقبل سوى الثأر وتسليم ضباط الشرطة الذين قتلوا أخيه، في حين يؤمن الآخر بسردية الشرطة التي تفترض أن الحادث تم على يد مجموعة يمينية متطرفة تهدف إلى إثارة البلبلة وتعادي من الأساس المهاجرين حتى من الأجيال الثالثة والرابعة الذين ولدوا وعاشوا على أرض فرنسا طوال حياتهم وحياة أجدادهم بوصفهم “آخر” يسرق قوتهم.

غضب مغاربي من فيلم “أثينا”

فيلم “أثينا” أثار موجة غضب على منصات التواصل الاجتماعي الفرنسية، بسبب ما عدّه كثيرون مسيئًا لجاليات دول المغرب العربي، إذ اتهم البعض صناعه بتعزيز الصور النمطية التي ارتبطت بالجالية العربية عامة وجالية المغرب العربي في فرنسا خاصة، ويسعى لتقديمهم على أنهم أشخاص لا يعرفون سوى العنف والصراع والتمرد على الجهات الرسمية.

وامتدت الانتقادات إلى تيار اليمين الفرنسي الذي يرى أنه يسيء إلى الشرطة، ويحرض ضدها ويخدم أيضا أطروحة “الشرطة تقتل” التي يروج لها اليسار، على حد زعمه.

عندما تتحدث الكاميرا

بالعودة إلى الرؤية السينمائية لفيلم “أثينا”، فقد شارك في كتابة السيناريو المخرج والمؤلف “لادج لي” الذي صنع اسمه بفيلم واحد فقط بعنوان “البؤساء” (Les Misérables)، وبمقارنة سريعة بين الفيلمين نكتشف أن بصمة “لي” في فيلم “أثينا” ربما تكون أقوى حتى من المخرج الفعلي؛ فكلا العملين دارت أحداثهما في النطاق نفسه والتسلسل ذاته تقريبًا، حادثة ضد فرنسي من أصل غير أوروبي والجاني المشتبه فيه هو الشرطة، مما يؤدي إلى تصاعد موجات من العنف السريع، وحرب أشبه ما تكون بحرب العصابات، وتضع شخصيات الفيلم تحت ضغط يجعلهم يعيدون اكتشاف ذواتهم وانتماءاتهم الحقيقية.

فالشرطي الأسمر من فيلم “البؤساء” الذي ظل يحارب المتمردين طوال العمل، نكتشف مع الخاتمة أنه مسلم، أي أنه كان يحارب ضد أبناء دينه وعرقه، ربما لأن مبادئه تميل مع الفئة التي يمثلها عمله. أما في “أثينا” فيمر عبدل (بطل الجيش الذي تقلد الأوسمة بسبب شجاعته) بالصراع ذاته، ويظل طوال الأحداث في جانب الشرطة، ولكن يراوده الشك، هل قام بالفعل الصحيح؟

أما المخرج “رومان غافراس” فظهرت بصمته بشكل أكبر في جانبين أساسيين: الأول هو العنف الذي ساد الفيلم، وهي السمة الغالبة على أعماله السابقة حتى الفيديوهات الغنائية التي أخرجها لمشاهير مثل “كانييه ويست”. أما الأثر الثاني فبرز في استخدامه المتميز للمونتاج وحركة الكاميرا. في المعتاد -خاصة في أفلام الحركة- تكثر القطعات المونتاجية، لأنها من جانب تزيد سرعة الأحداث والزخم الخاص بها، ومن الناحية الثانية تكون أسهل في عملية التصوير؛ فبدلًا من التصوير عدة دقائق، يتم تقطيع المشهد الواحد عشرات اللقطات القصيرة التي يسهل التدرب عليها.

لكن “رومان غافراس” اختار الاستغناء عن قطعات المونتاج المتكررة بحركة الكاميرا التي تتبع الحدث دقائق طويلة. ويسهم هذا الأسلوب في التماهي أكثر مع الشخصيات والأحداث، الأمر الذي يزيد التوتر في فيلم مليء بالعنف مثل هذا، لكن في الوقت ذاته له جمالياته المختلفة؛ فمشهد دخول عبدل منزل والدته للمرة الأولى يبدأ بتتبعه من ظهره وهو بين الحشود، بعدها يتغير الجو المحيط به لأشخاص يربتون على أكتافه، فيعلم المشاهد أن الشخصية تغير حالها من ضابط في الجيش لابن لإحدى العائلات المسلمة التي تواسي بعضها البعض على مصابها، وما أن يدخل الشقة تلبسه أمه جلبابا أبيض، ليتخلى عن رمز انتمائه للجانب الآخر المعادي، ويثبت مكانه الحقيقي بين أهله، وتظل الكاميرا تتبعه خلال لقائه العاصف مع أخته التي تتهمه بالخيانة، ثم محاولته المساعدة في إجلاء باقي السكان من المجمع السكني الذي تشتعل الحرب على حدوده.

في لقطة طويلة واحدة استطاع المخرج ليس فقط نقل الحالة الشعورية المتقلبة لشخصية الفيلم الرئيسية، بل يعرفنا عليها بالكامل، من الخارج والداخل، سواء علاقتها مع الآخرين، أو شكوكها الذاتية وأزمتها الوجودية.

يعيب فيلم “أثينا” لقطة النهاية التي وضع فيها صناعه إجابة على كل الأسئلة؛ بما لا يدع أي مجال للتأويل من المشاهد، ولكن العمل في النهاية يعد تجربة مهمة لإلقاء الضوء على الوجه الآخر لباريس، الذي ربما يكون مظلما أكثر من أشد كوابيسنا وحشية.

زر الذهاب إلى الأعلى