فنون

في ظاهرها عاطفي في باطنها سياسي.. تعرف على القصص وراء الأغنيات

ترتبط كثير من الأغنيات العربية التي نسمعها مع حالة شعورية تضفيها إلى نفوسنا، أغنيات رومانسية وعاطفية تثير الشجون وأخرى تثير الحماسة، وثالثة تجتر ذكرياتنا معها، فيما يمكن إيجازه في عبارة “علاقة العمل الفني بالجمهور” والتي تتشكل بمعزل عن مبدعي الأغنية أو علاقتهم معها.

فحين تصل إلى آذاننا تصبح ملكا لنا نصنع معها شعورا جديدا يختلف عن الحالة الشعورية التي صاحبت كاتبها أو ملحنها أو حتى مطربها.

وكثير من الأغنيات العربية التي اعتدنا سماعها أو أحببنا الحالة التي تصاحبنا حين نستمع إليها ربما كتبت في ظروف أخرى أو تحمل قصصا لا نعرفها، ربما تعطي لأغنياتنا المفضلة بعدًا آخر غير ما اعتدنا.

في هذا التقرير نستعرض قصص بعض الأغنيات التي بالتأكيد استمتعت بها يوما ما.

قولوا لعين الشمس

في 20 فبراير/شباط عام 1910، تعقب شاب مصري اسمه إبراهيم الوردانى رئيس الوزراء المصري آنذاك بطرس غالي باشا، وأفرغ فيه رصاصات مسدسه وأرداه قتيلا، بعد عدة قرارات صادق عليها بطرس غالي، أججت غضب المصريين تجاهه في ذلك الحين، واعتبروه محابيا للإنجليز، منها مصادقته على أحكام محكمة دنشواي بإعدام 6 فلاحين مصريين وقانون المطبوعات، واتفاقية الحكم الثنائي الإنجليزي المصري للسودان.

بعد نحو 3 أشهر من اغتيال بطرس غالي، أصدرت محكمة الجنايات حكمها بالإعدام على الورداني، وفي صباح يوم 28 يونيو/حزيران 1910 تم تنفيذ حكم الإعدام فيه. لتحتشد الجماهير المصرية، معلنة غضبها ورفضها لهذا الحكم الجائر، وكان يوما حزينا من أيام صيف يونيو/حزيران الحارق، وحينها عبّر المصريون عن حزنهم بترديد أهزوجة “قولوا لعين الشمس ما تحماشي.. لأحسن غزال البر صابح ماشي”.

ومنذ ذلك الحين صارت الأغنية ملازمة لوداع الأعزاء، حتى أن بيرم التونسي استخدمها في واحدة من قصائده حين نفى الإنجليز الزعيم سعد زغلول بقوله “قولوا لعين الشمس ما تحماشي.. لأحسن رئيس الوفد صابح ماشي”.

وبعد مرور أعوام استعان الشاعر مجدي نجيب بتلك اللازمة لكتابة كلمات الأغنية ولحنها بليغ حمدي وغنتها شادية في “قولوا لعين الشمس ما تحماشي لأحسن حبيب القلب صابح ماشي”.

“شبابيك” من المعتقل إلى الدنيا

ومن كلمات الشاعر مجدي نجيب، تأتي أغنية أخرى أحبها كثيرون وارتبطوا معها بعلاقات خاصة، وهي أغنية “شبابيك” لمحمد منير، التي كتبها نجيب حول فترة اعتقاله، وتحدث فيها عن اشتياقه للحياة خارج السجن، وخوفه على الوطن الذي لا يراه إلا من خلف الشبابيك، وعن حبه للرئيس المصري جمال عبدالناصر وكيف انتهى هذا الحب في المعتقل “واللي كان خايف عليك انتهى من بين إيديك”.

وحتى حياته بعد الخروج من المعتقل ومواجهة الحياة بلا فرصة للعمل وكسب العيش بسبب خلفيته السياسية، واكتسبت هذه الأغنية أبعادا ومعاني أخرى حين غناها محمد منير عام 1981.

في فلسطين.. “شجر اللمون دبلان على أرضه”

أغنية أخرى لمحمد منير وتحمل معاني أخرى غير الظاهرة منها، فرغم غناء محمد منير الصريح نصرة للقضية الفلسطينية في أغنيات مثل “القدس” من كلمات مجدي نجيب وألحان هاني شنودة، وفي أغنية “العمّارة” من كلمات كريم العراقي وألحان جعفر حسن، فإنه في أغنية “شجر اللمون” للشاعر عبدالرحيم منصور، يمكن تأويل الأغنية لأكثر من معنى غير أن ما قصده منصور كان التساؤل حول طول أزمة القضية الفلسطينية، “كام عام ومواسم عدوا، وشجر اللمون دبلان (الليمون ذابل) على أرضه؟” إذ تشتهر فلسطين بشجر الليمون والزيتون لكن الليمون تحديدًا شجرة مخضرّة أغلب أوقات العام، ومن الصعب ذبولها لكنه “ذابل هناك على أرضه في فلسطين”.

يا بلح زغلول يا حلاوتك يا بلح

بعد اندلاع ثورة 1919، وبسبب قوة تأثيرها في الجمهور، اشتدت هتافات الشعب المصري لصالح الزعيم سعد زغلول، بـ”سعد سعد يحيا سعد” في أنحاء المملكة المصرية حينها.

كان الوضع مهددا للإنجليز في مصر، حينها لم يجد القائد العام البريطاني غير إعلان الأحكام العرفية والتي جاءت على قدر عالٍ من الغرابة، فقد أصدر قرارا عسكريا غريبا بالحبس 6 أشهر مع الشغل لكل من يذكر اسم الزعيم “سعد زغلول” أو يهتف به.

حينها كان الملحن سيد درويش شابا ظريفا ومعارضا للوجود الإنجليزي في مصر، فتعاون مع زميله وصديقه بديع خيري الذي كتب له أغنية “يا بلح زغلول” ليلحنها وتغنيها نعيمة المصرية.

تلك الأغنية حملت في طياتها معاني سياسية مقاومة بكلمات بسيطة “يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح، يا بلح زغلول يا زرع بلدي عليك يا وعدي يابخت سعدي، زغلول يا بلح يا بلح زغلول”، والتي كانت سببا في انتشارها بين فئات الشعب المصري يتغنى بها في كل الشوارع، بدلًا عن الهتاف الذي كان من شأنه أن يجلب عليهم عقوبة السجن، وبها كان يتصدى للمستعمر البريطاني وقراراته العسكرية الغريبة.

زر الذهاب إلى الأعلى