فنون

مزّقت صورة البابا ورفضت النشيد الوطني الأميركي.. وثائقي عن أيقونة التمرد شينيارد أوكونور

أثارت شينيارد أوكونور الجدل بعد ترسيمها كاهنة بإحدى الكنائس الأيرلندية عام 1999، ثم اعتناقها الإسلام عام 2018، ثم عودتها إلى المسرح الأميركي وهي مفعمة بالحيوية والثقة بصوتها القوي عام 2020، وقد نشرت مذكراتها التي أصبحت الأكثر مبيعا العام الماضي.

يتناول الفيلم الوثائقي “لا شيء يقارن” (Nothing Compares) قصة نفي المطربة وكاتبة الأغاني الأيرلندية شينيارد أوكونور من عالم الموسيقى بعد بلوغها ذروة الشهرة.

بدأ عرض الفيلم الذي يمتد إلى 97 دقيقة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2022، بعدما حظي بالعرض العالمي الأول في مهرجان صندانس السينمائي 2022. وحصد 6 جوائز، ورُشح لـ 18 جائزة أخرى، حتى الآن. ووصفته شبكة “شو تايم” (ShowTime) الأميركية على صفحتها بأنه “اكتشاف لصعود أوكونور وسقوطها، وتأثيرها الكاسح كواحدة من ألمع نجوم الموسيقى، منذ الـ 20 من عمرها”.

اجتاحت أوكونور عالم الغناء ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي بصوتها الفريد وطبعها الناري ورأسها الحليق، خصوصا بعد صدور أغنيتها الشهيرة “لا شيء يقارن بك” (Nothing Compares 2 U) التي اختيرت كأفضل أغنية فردية بالعالم، وأذهلت النقاد، وفجّرت المشهد الموسيقي العالمي، وتم بيع أكثر من 7 ملايين نسخة، وشاهدها نحو 350 مليون مشاهد على موقع “يوتيوب”.

وقالت عنها الناقدة والمؤلفة الأميركية نيل مينو “هذه الأغنية كانت تجري في دمنا”. ورغم ذلك، كانت أولى مفاجآت هذا الفيلم أنه لم يتضمن عرض الأغنية التي منحته عنوانه لأن ورثة المؤلف رفضوا منح الإذن بذلك.

الأيرلندية أوكونور.. شخصية لامعة

“إنها شخصية لامعة ترفض الانصياع” بهذه العبارة وصف الناقد المخضرم بيتر برادشو نجمة الثمانينيات أوكونور تعليقاً على تحوّلها الجريء إلى الإسلام، معتبراً أنه “دليل قوي على شخص لامع يرفض الانصياع”.

وأضاف أننا بصدد فيلم وثائقي “يحتفي بأسطورة غنائية، وصاحبة موهبة فذة، اختارت أن تسبق عصرها، بأسلوبها الصادم، كمُنشقة ترفض الصمت، وتتحمل ثمن مجاهرتها بآرائها السياسية، ودفاعها عن قضايا أصبحت شائعة بعد تصديها لها”.

امتلكت أوكونور كل شيء، وحققت نجاحاً ساحقاً “لكنها ألقت بكل ذلك بعيداً، وأصبحت منبوذة، لتحدثها علناً في أمور لم يجرؤ عليها أحد” بحسب برادشو الذي لا يخفي إعجابه باستمرارها، رغم كل شيء في صنع الموسيقى “كدليل على شجاعتها وصلابتها”.

لكن هذا لم يمنع أن أوكونور (56 عاما) أصبحت شخصية احتجاجية عالمية “باقتحامها قضايا مثيرة للجدل نقلتها من النجومية إلى النبذ” وفقاً لشبكة “شو تايم”.

فقد فَجّرت غضباً عارماً بالولايات المتحدة، بعد رفضها عزف النشيد الوطني، قبل حفل لها في نيوجيرسي عام 1990 مما جعل المغني فرانك سيناترا “يتنمر عليها ويسخر من رأسها الحليق، ويهددها بالركل”.

وكانت أوكونور أثارت الجدل بعد تعميدها كاهنة في إحدى الكنائس الأيرلندية عام 1999، ثم اعتناقها الإسلام عام 2018، ثم عودتها إلى المسرح الأميركي، وهي مفعمة بالحيوية والثقة في صوتها القوي عام 2020؛ ونشر مذكراتها التي أصبحت الأكثر مبيعاً العام الماضي، وانتهاء بالانتحار الصادم لابنها شين (17 عاماً) مطلع العام الحالي.

ورغم أن مشوار أوكونور كان حافلاً بالإثارة، لاحظ الناقد ستيف بوند أن الفيلم الوثائقي ركز على جزء منه فقط، وهو فترة مدتها 6 سنوات من 1987 إلى 1993 “وأهمل الشوط الأخير من تجربتها، مع أنه لا يقل أهمية وفضولاً”.

صعود صاروخي وسقوط مأساوي

قبل 15 عاماً وتحديداً في أكتوبر/تشرين الأول 1992، جابت شاحنة ميدان “تايمز سكوير” وسط نيويورك، محطمة أسطوانات أغاني أوكونور. بينما كان المتفرجون يهتفون، والصحافيون يصوّرون الاحتجاج الجماهيري الغاضب على تمزيقها صورة البابا.

واليوم “يحمل المبنى المُطل على تلك الساحة صورة ضخمة لرأس أوكونور الحليق، وهي تُحدّق بعينيها الواسعتين في أنحاء المدينة التي تُعد جزءاً من بلد شَوّهها، وسخر منها، وحظرها” كما تقول الكاتبة الصحفية سلفيا باترسون.

وتضيف أنه بعد مرور 30 عاماً على تلك الواقعة، وفي أكتوبر/ تشرين الأول أيضاً، أصدرت المخرجة الأيرلندية كاثرين فيرغسون فيلماً وثائقياً “ظل فكرة تتشكل في ذهنها، منذ أوائل التسعينيات، قبل أن تتحول إلى قصة انطباعية مبنية بشكل جميل، بعد مقابلة جمعت بينها وبين أوكونور في دبلن أواخر عام 2019، واستمرت يومين”.

تسرد فيرغسون “من خلال عدسة نسوية معاصرة” الجزء المتعلق بصعود نجم أوكونور، ونفيها من عالم الموسيقى، الفترة من 1987 حتى 1993، مدعومة بلقطات لا تُنسى لسلسلة من احتجاجاتها واقتحاماتها القضايا الساخنة، ولكن مع تفاصيل أقل عن سنواتها الأولى و”تجاهل للاضطرابات النفسية المستمرة التي عانتها، وانتحار ابنها مطلع هذا العام”.

فبعدما كانت تحتل أغلفة المجلات الموسيقية البريطانية، أصبحت منبوذة. وواجهت تهديدات بالقتل، وقاطعتها جائزة “غرامي” وجوائز موسيقية أخرى، وقوبلت بصيحات غضب واستهجان في الاحتفال بالذكرى الثلاثين للمغني بوب ديلان، كما تم وقف بث أغانيها بعدما كانت تُذاع بالولايات المتحدة “مرة أو مرتين يومياً”.

نهاية مُبهجة

نحن أمام “فيلم وثائقي ذكي وعاطفي، يستعرض جزءاً من حياة فنانة غير مطيعة، تجرأت على الخروج عن الخط، ودفعت ثمناً باهظاً من حياتها المهنية والشخصية” كما تقول الناقدة ليا غرينبلات.

وهو ما ذهب إليه الناقد ستيف بوند، بقوله “إنه فيلم قوي، يستكشف جذور مغنية أيرلندية لامعة، ولكنها مضطربة في الوقت نفسه”.

ولكنه تجاوز الكثير من الارتفاعات والانخفاضات التي عاشتها أوكونور خلال العقدين الماضيين، ليقفز بنا نحو “نهاية مُبهجة نوعاً ما، تقدم لها حجة مقنعة، كفنانة رائعة، مدمرة لذاتها لكنها لا تقهر، وترسم لها صورة إنسانة تسترد اعتبارها الآن، على خلفية ما عانته في طفولتها الوحشية من عائلتها.. ليفسّر لنا لماذا وكيف انتهت بها الأمور إلى ما آلت إليه اليوم”.

زر الذهاب إلى الأعلى