ثقافة

ألّف 300 كتاب وزار 160 دولة.. وفاة الرحالة السعودي محمد ناصر العبودي

من الصعب أن يتجاوز فن “كتابة الرحلة” والرحّالة العرب الشيخ محمد ناصر العبودي الذي شُيع جثمانه في الرياض السبت بحضور جمع غفير من محبيه وتلاميذه.

عاش الراحل زهاء 95 عاما، ألّف خلالها ما يزيد على 300 كتاب، وسافر إلى أكثر من 160 دولة، وحصد عشرات الجوائز، كان من أهمها “شخصية العام” من وزارة الثقافة السعودية العام الماضي.

إلى جانب المناصب الرسمية التي شغلها في بلاده، ومنها إدارته الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (1960)، المعروفة باستقطاب الطلاب المسلمين من جميع أنحاء العالم، عُرف عن الراحل اطلاعه الواسع على ثقافات الشرق والغرب، ورغبته العميقة في تجسير الهوة بين جهات العالم الأربع؛ فهو من أوائل من شد الرحال، من مثقفي الجزيرة العربية، إلى أفريقيا حيث وضع كتابه الأول “في أفريقيا الخضراء” (1966).

وفي هذا الكتاب دوّن الراحل حال القارة السمراء، وعرّف بمسلميها ومسؤوليها، في جولة امتزج فيها الشخصي بالمعرفي، خاصةً أن الشيخ كان من المحافظين على كتابة يومياته، في أي أرضٍ حطّ فيها، إذ يرى القارئ تفاصيل دقيقة في ثنايا كُتبه، قلّ أن يعيرها الرحالة انتباها.

كما أن اتقاد ذهنه، وقد جاوز الـ90 من عمره، مما لاحظه بعض زواره قبل وفاته ببضع سنوات، ومنهم الشيخ محمد المهنا الذي كتب في مناقب الراحل “زرته في بيته بالرياض وقد جاوز الـ90، وسمعت منه قصصا وأخبارا عمرها 70 سنة، ذكرها بطريقة تفصيلية مذهِلة تدلّ على ما تميّز به من سيلان الذهن وقوة الذاكرة”.

قوة الذاكرة التي ظل يتمتع بها الشيخ إلى وقت متقدم من عمره، يعزوها الشيخ، كما قال في أحد لقاءاته العامة، إلى “اجتناب السهر والحرص على تقييد كل ما يمرّ بي في النهار أثناء أسفاري”.

وفي السياق ذاته، نشر المدوّن سليمان العبودي على حسابه في “تويتر” صورة للشيخ وهو جالس إلى طاولته يكتب، وقد تقدم في السن، وعلّق عليها قائلا “كان جبلا في الصبر وقوة الجلد، وإمامًا في الدأب ووضوح الغاية، لا تكاد تقع العين على مثله في الحفاظ على الوقت، بلغ قرابة الـ100 عام وإذا جالسته أخذتك الدهشة من شباب همته وجمال عبارته، وكأنما ألقي في صدره همة جيل كامل!”.

بدوره، أشار الكاتب محمد المشوح، أحد تلاميذ العبودي، في رثاء شيخه إلى أن الراحل “توارى عن الدنيا ومباهجها والإعلام ومفاتنه، لكنّه ركز على الخالد الباقي وهو العلم (…) فهو الذي بدأ حياته العملية “قيّم مكتبة”، وكانت هذه هي الشرارة الأولى لتعلقه بالمكتبة والمكتبات”.

كان في ألبانيا والجنوب الأميركي

من أبرز مؤلفات الشيخ كتابه عن ألبانيا التي سافر إليها بعد سقوط الشيوعية (1990)، ليكون وثيقةً مهمةً عن أحوال سكانها بعد عقودٍ لم يعرف فيها مسلموها شيئا كثيرا عن دينهم، وهم الذي عرفوا المرحلة الأولى مما أسماه “الاستبداد” حين انفصلت ألبانيا عن الدولة العثمانية عام 1913، ثم عايشوا المرحلة الثانية مع تولي الشيوعيين مقاليد السلطة في تيرانا عام 1946.

أما كتابه عن “جنوب أميركا” (1987)، ورحلاته في الأرجنتين وتشيلي، فكان مما عرّف القارئ العربي باستخدام سكان “بوينس آيرس” المكثف لأفعل التفضيل عند الحديث عن مدينتهم، ففيها أطول شوارع العالم وأعرضها؛ وتقع مدينتهم على نهر”لابلاتا” أعرض الأنهار حول العالم.

الأجنحة إلى الصين

أما الصين التي حُثّ على طلب العلم إليها، فقد وضع الشيخ العبودي مشاهداته فيها، في كتابٍ أسماه “داخل أسوار الصين” (1992)، استعرض فيه تاريخ البلاد وجغرافيتها وأحوال الطوائف الدينية فيها، وتاريخ المسلمين وحاضرهم، في كتاب لم تتجاوز صفحاته الـ100 صفحة، لكنّه غزير بالأمثلة التي تُظهر بعضها صعوبة تنشئة الأسر المُسلمة لأطفالها في الصين الشيوعية آنذاك “رغم قلة الوسائل، وعنف الهجمة الإلحادية” (ص86).

اللغة والتراجم والأنساب

لم يقتصر اهتمام الشيخ العبودي على تأليف كتب الرحلات، بل تعداه إلى الكتابة في اللغة العربية ولهجاتها، والتراجم والأنساب؛ ومن أبرز كتبه في هذه الحقول “معجم بلاد القصيم” (1990)، و”كلمات عربية لم تسجلها المعاجم” (2000)، و”الكناية والمجاز في اللغة العامية” (2003)، أما سِفره الذي اشتمل على 23 مجلدا، فهو عن أُسر مدينته، بريدة، التي ولد فيها عام 1926، وتلقى تعليمه الأولي في كتاتيبها، وسمع فيها من والده ناصر العبودي قصص العرب وأشعارهم، فصيحها وعاميها، وهو ما نرى أثره جليا في هذا الكتاب الذي حرص فيه، كما جاء في مقدمته، على “تسجيل أشعار المترجمين، وإن كان بعضها ليس من الجودة بالمكان الذي أراه (…)، فتسجيل الأشعار هنا مثل تسجيل الأخبار التي قد يوافق المرء على ما سجله منها، وربما لا يوافق”.

كانت العاصمة السعودية، التي تبعد عن مسقط رأسه أكثر من 350 كيلومترا، هي محطته الأخيرة، إذ توفي الجمعة وصلي عليه السبت في أحد مساجدها، ثم ووري الثرى في مقبرةٍ تقع شمالي الرياض.

زر الذهاب إلى الأعلى