ثقافة

استشراف نظم الاستبداد والستار الحديدي.. كيف تنبأ الأديب الروسي زامياتين بإرهاب الدولة؟

تعد رواية “نحن” استشرافية ورائدة كان لها تأثير على كُتّاب مثل الإنجليزيين ألدوس هكسلي وجورج أورويل، اللذين ساهمت أعمالهما الأدبية في تشكيل فهمنا للقرن الـ20 وما بعده.

يعرف الصحفي الأديب الروسي يفغيني زامياتين (1884-1937) بروايات الخيال العلمي الديستوبي (الواقع المرير) التي تدور في المستقبل في دولة استبدادية لا تختلف كثيرا عن نظام الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي السابق الذي كان ناقما على سياساته، وحظرت هيئة الرقابة السوفياتية روايته، فهرّبها للخارج من أجل نشرها.

في مقال رأي نشرته مجلة “نيويوركر” (New Yorker) الأميركية، تطرقت الكاتبة ماشا غيسين إلى رواية “نحن” التي تقرأها كل عام مع طلابها.

وُلِد زامياتين في عام 1884، وكان ثوريًا بلشفيًا سُجن وأرسل إلى المنفى الداخلي في روسيا القيصرية، ثم عاش مدة في إنجلترا، وعاد قبل شهر واحد فقط من وصول البلاشفة إلى السلطة.

استشراف حكم الترهيب

بعد 3 سنوات، ألّف زامياتين هذه الرواية، وراجعها في عام 1921 أو 1922. وبحلول الوقت الذي أنهى فيه المسودة النهائية، كان البلاشفة قد فرضوا الرقابة وأنشؤوا الشرطة السرية، واستغرقوا بضع سنوات في بناء الاتحاد السوفياتي -الذي امتد على معظم الأراضي التابعة لما كان يُعرف بالإمبراطورية- ومصادرة معظم الممتلكات وبناء أول معسكر اعتقال، لكنهم احتاجوا وقتًا أطول لإرساء حكم الترهيب. في الأثناء، كان زامياتين قد ألّف بالفعل رواية تصف العديد من تفاصيل هذا الرعب وأنواعًا أخرى من الترهيب التي ظهرت لاحقًا في القرن الـ20.

ذكرت الكاتبة أن رواية “نحن” تعتبر رواية استشرافية ورائدة، كان لها تأثير على كُتّاب مثل الإنجليزييْن ألدوس هكسلي وجورج أورويل، اللذين ساهمت أعمالهما الأدبية بدورها في تشكيل فهمنا للقرن الـ20 وما بعده.

الستار الحديدي وناس بلا أسماء

ترسم رواية “نحن” دولة واحدة، ليس للناس أسماء تُميّزهم فيها، بل يعرّفون من خلال مجموعة من الأحرف والأرقام، مثل المعتقلين في المعسكرات النازية، ويرتدون زيًا موحدًا ويعتمدون قصّة الشعر ذاتها، ويتناولون طعاما مصنعا، ويعيشون في منازل متماثلة جدرانها شفافة. يحيا هؤلاء الناس وفقا لجدول زمني مركزي يعرض بطريقة عالية التقنية التوقيت المحدّد لكل نشاط حتى أكثرها حميمية، ويتحدثون لغة معكوسة ويطلق على الطاغية اسم “فاعل الخير”.

أشارت الكاتبة إلى أن الحياة الجماعية في هذه الرواية تتمحور حول الإعدام العلني الذي يتم تمجيده وإتقانه. لقد تخيل زامياتين هذه الفظائع قبل 20 عامًا من حدوثها في ألمانيا النازية حيث انتشر القتل الجماعي لكل من التصقت بهم صفة “عدو”. إن الإطار المكاني في هذه الرواية الديستوبية مدينةٌ ذات أسوار وقبة سكانها لا يدركون وجود عالم أكبر، وقد تخيّل زامياتين هذه المدينة قبل سنوات من تطبيق سياسة الستار الحديدي التي اعتمدها الاتحاد السوفياتي لعزل نفسه عن العالم.

الشمولية

مع أن زامياتين ألّف رواية “نحن” قبل عدة سنوات من ظهور مصطلح “الشمولية” في الخطاب السياسي وقبل 3 عقود من صياغة تعريف لهذا المفهوم ووصفه من قبل المنظرين السياسيين، فإنه توقّع جوهر هذه المقاربة وهو تدمير الفرد.

جادلت الفيلسوفة الأميركية (من أصل ألماني) حنة آرنت في كتابها “أصول الشمولية” وفي أعمال أخرى بأن الشمولية شكل جديد من أشكال الحكم وتختلف عن أشكال الاستبداد التي سبقتها، موضحة أن الطغاة في الماضي طالبوا بالطاعة، في حين تسعى الأنظمة الشمولية إلى طمس جوهر الإنسان. وفي هذا النظام تختفي ملامح الذات، ويتماهى البشر فيما أسمته آرنت “رجلا واحدا ذا أبعاد عملاقة”، وقد صاغ زامياتين هذا المفهوم في كلمة واحدة وهي “نحن”.

هجرة كاتب

لم يكن ممكنا نشر رواية “نحن” في روسيا السوفياتية، لذلك تُرجمت إلى الإنجليزية في عام 1924، ثم إلى التشيكية والفرنسية. بعد عامين من نشر النسخة التشيكية، تعرّض زامياتين -الذي كان في ذلك الوقت كاتبًا ذائع الصيت ويشغل منصب رئيس فرع لينينغراد لاتحاد الكتاب- للإدانة من قبل كل مجلة ودار نشر في الاتحاد السوفياتي، واضطر إلى الاستقالة من منصبه، وانتهى به الأمر منبوذًا. وفي عام 1931، هاجر زامياتين إلى باريس بإعفاء خاص، وفي ذلك الوقت كانت الحدود السوفياتية قد أغلقت بالفعل.

لم يكن زامياتين رجل أدب فقط، بل رجل علم أيضًا، فقد درس الهندسة، وعمل في بناء السفن وكان واحدا من مبتكري كاسحة الجليد الروسية العملاقة. كان لديه إحساس قوي بالطرق التي تستطيع من خلالها التكنولوجيا التأثير على الوجود البشري، وربما هذا ما مكّنه من تخيّل إمكانية اختزال البشر إلى مجرد أرقام.

لكن ما لم يتوقعه زامياتين هو أن تخيّل أسوأ ما في الطبيعة البشرية سيتحول إلى حقيقة تربط أحلك فترات القرن الـ20 بالمستبدين في القرن الـ21، الذين يدعون أتباعهم إلى التخلي عن أعراف الكرامة وتوقعات الأخلاق وأن يكونوا أسوأ نسخة عن أنفسهم.

رواية “نحن” الخيالية الديستوبية الساخرة من الاستبداد كتبها يفغيني زامياتين عام 1920 (الجزيرة)

وبالنظر إلى أوجه التشابه بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي، أنشأ المؤرخون فئة جديدة تجمعهما تحت اسم الشمولية. فقد اعتمد كلا النظامين على الدعاية والترهيب، وكلاهما عامل شعبه باحتقار. والاختلاف الوحيد هو أن هتلر استحث علانية أسوأ ما في الإنسانية، في حين أن البلاشفة بنوا دولتهم رافعين راية الأفكار الإنسانية الجميلة، وتصوروا وضعًا يكون فيه الجميع متساوين ويعيشون في انسجام تام، وهو ما يتوافق مع رواية زامياتين التي تنذر بفساد هذه الأفكار، بحسب تعبير الكاتبة.

ذكر زامياتين في روايته أنه إذا انساق شخص وراء تحقيق رغباته بدلًا من اتباع الجدول الزمني الرئيسي وأوامر فاعل الخير، لن يتمكن من العيش وسط المجموعة التي يسميها “نحن”، وفي هذه الحالة يجب إصلاحه أو إعدامه أو طرده.

“أنا خائف”

بعد نشر زامياتين رواية “نحن” في الخارج، أقصي من جميع المؤسسات السوفياتية مما اضطره في نهاية المطاف إلى مطالبة الزعيم السوفياتي ستالين بالسماح له بالهجرة. في عام 1921، كتب مقالاً بعنوان “أنا خائف”، تحدث فيه عما اعتبره نظامًا سوفياتيا ناشئًا لا يسمح سوى للكتاب الموثوق بهم أيديولوجيًا بنشر أعمالهم، في وقت يسكت فيه أولئك الذين لا يستطيعون صياغة كلماتهم بدقة لتلائم تطلّعات النظام الجديد.

ووفق زامياتين، لا يمكن للأدب الحقيقي أن يزدهر على يد أدباء يخضعون لوطأة نظام بيروقراطي خانق، بل لا بدّ من المنعزلين الحالمين المتمردين عقلانيًا، وأن الكاتب يجب أن يكون مؤمنًا بأفكاره وصانعَ بصمةٍ في التاريخ. واعتقاد زامياتين أن كتاباته سيخلّدها التاريخ كان صحيحًا. فقد عاد إلى الكتابة مرة أخرى بدعم من أصدقائه المؤثرين الذين توّسطوا للسماح له بمواصلة النشر، وأمضى 3 سنوات في كتابة مسرحية ظن أنها ستعيد له سمعته. وفي عام 1928، سُمح بقراءة مسرحيته “أتيلا” أمام مسرح لينينغراد الكبير للدراما التابع للاتحاد السوفياتي.

اعتقد زامياتين أن الاتحاد السوفياتي سيعترف به بوصفه واحدا من كتّابه، ولكن سرعان ما حظرت هيئة الرقابة الإقليمية مسرحيته. ومن هنا، من المنطقي جدًا إدراك أن رواية “نحن” حظرت لأنها تنبّأت ببعض جوانب الشمولية السوفياتية، التي تريد إذعانًا تامًا وغير مشروط من الجميع. لكن زامياتين، الذي أمضى أعوامًا في العمل مهندسا لبناء سفن في إنجلترا، اعتبر روايته تحذيرًا من الحداثة وتبِعاتها، وتحذيرًا من مخاطر الفوردية والسعي الحثيث وراء يوتوبيا اجتماعية.

ترى الكاتبة أن كتابات زامياتين تتحدّى المنطق، مما جعله الكاتب الأبرز عن الشمولية ومن ضحاياها المخضرمين. في رواية “نحن”، يصف زامياتين دوامة العقلانية، وعالما من السببية اللامتناهية حيث لكل عمل نتيجته المتوقعة.

“إرهاب الدولة”

تقوم سياسة الإرهاب العشوائي على بثّ الخوف في صفوف المواطنين من إمكانية سجنهم أو إدانتهم أو ضربهم أو اغتصابهم أو إعدامهم في أي وقت، ومعاقبتهم دون سبب أو تحذير أو لجوء إلى العدالة. أدى حظر مسرحية “أتيلا” عام 1928، وما أعقبه من حملة تشهير جماهيرية احتجاجًا على النشر الأجنبي لمسرحية “نحن” في العام التالي، إلى حرمان زامياتين من نشر كتاباته في الاتحاد السوفياتي بشكل قطعي حتى هذا اليوم، وسُحبت أعماله بالكامل من الصحافة حتى الترجمات والمقالات الأكاديمية النقدية التي كان من المقرر أن تُطبع تم إلغاؤها.

في رسالته إلى ستالين عام 1931، التي أشار فيها زامياتين إلى أنّ قانون العقوبات السوفياتي يتيح إمكانية استبدال عقوبة الإعدام بالطرد من البلاد، قال “إذا كنت حقًا مجرمًا وأستحق أن أُعاقب، فأنا أجرؤ على أن أقترح ألا تكون عقوبتي شديدة مثل الموت الأدبي، لذلك أطلب أن يتم تخفيف عقوبتي بالنفي إلى الخارج مع منح زوجتي الحق في مرافقتي”.

عاش زامياتين في باريس لمدة 6 سنوات حتّى وافته المنية عن عمر ناهز 53 عامًا، كان ذلك في عام 1937 عندما نفّذ الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين أكبر عدد من أحكام الإعدام، ومات في خضم الإرهاب السوفياتي الشنيع، وكان على الأرجح لا يزال يأمل العودة إلى الوطن والاعتراف به كاتبًا.

وتختم الكاتبة بالقول إن الأديب الراحل لم يكن يعلم أن الشعور بالوحدة والضياع الذي شعر به في عشرينيات القرن الماضي -بأن لا شيء له معنى- كان من الأهداف الفعلية والممنهجة للأنظمة الاستبدادية.

زر الذهاب إلى الأعلى