ثقافة

الأخوان بربروس والسيدة الحرة.. سادة البحار الجزائريون الذين انتصروا على أوروبا

كان النصف الثاني من القرن الـ15 فترة دراماتيكية في تاريخ العالم، إذ سقطت القسطنطينية في يد الأتراك العثمانيين في عهد السلطان محمد الثاني، وبدأت الحرب التي أدت إلى سقوط الأندلس وشبه الجزيرة الإيبيرية في يد المسيحيين، وهي الحرب المعروفة في التاريخ الأوروبي بحرب الاسترداد (the Reconquista)، كما اكتشف كولومبوس أميركا.

وعندما قامت أوروبا بغزو أميركا الشمالية والجنوبية، احتلت بذلك أراضي جديدة غنية، وبدأت تطوير طرق تجارية ساهمت في تغذية تطورها الاقتصادي والعسكري السريع على مدى قرون لاحقة.

وفي تقرير لموقع ميدل إيست آي (Middle East Eye) البريطاني، قالت الباحثة إسراء قندور إن الحقبة التي سبقت تطوير شبكات النقل عبر المحيط الأطلسي، كان تركيز دول أوروبا الجنوبية منصبا على المناطق القريبة منها جغرافيا.

كما أسس محمد الفاتح الإمبراطورية العثمانية التي أصبحت الأقوى عسكريا في منطقة الأناضول وأوروبا الشرقية، واستمر الخلفاء الذين جاؤوا من بعده في استخدام تلك القوة عبر البحر الأبيض المتوسط.

وقد وضع ذلك العثمانيين في صراع مع القوى الصليبية، مثل فرسان القديس يوحنا الذين سعوا للحد من انتشار القوة الإسلامية على الشواطئ الجنوبية لأوروبا، بحسب الكاتبة.

وقد تم تعزيز القوات البحرية العثمانية بقوات غير نظامية في شمال أفريقيا، عرفت باسم “القراصنة البربر”، ومعظم عناصرها من أحفاد المسلمين الذين طردوا من إسبانيا.

حروب البحر المتوسط

كانت الحروب التي دارت على مدى عقود من أجل السيطرة على البحر الأبيض المتوسط​ مرهقة لكل الأطراف المتصارعة، وشهدت فظائع كثيرة شملت المذابح في عرض البحر، وأخذ الأسرى عبيدا وغير ذلك من الفظائع التي تركت بصمتها في الثقافتين الأوروبية والتركية.

وقد وصف فولتير المعارك مع العثمانيين في روايته كانديد، في حين استخدم شكسبير تلك الصراعات خلفية لمسرحيته التراجيدية المشهورة “عطيل”.

ولا تزال بعض السفن الحربية في تركيا تحمل أسماء الأدميرالات الذين قادوا تلك المعارك البحرية خلال حروب السيطرة في البحر الأبيض المتوسط.

تمثال لخير الدين بربروس في ميدان بشكتاش بمدينة إسطنبول (غيتي)

وسلط تقرير ميدل إيست آي الضوء على 3 بحارة عثمانيين لعبوا دورًا حاسمًا في انتصارات المسلمين في المعارك المذكورة آنفا، وهم:

عروج ريس

كان قرصانا وأدميرالًا في الجيش العثماني في عهد السلطان سليمان الأول، قبل أن يعين فيما بعد حاكما للجزائر العاصمة.

ولد عروج ريس على الأرجح في عام 1470م في جزيرة ميديلي العثمانية، التي تعرف الآن بجزيرة ليسبوس اليونانية، وكان الثاني من بين 4 أشقاء، عملوا جميعهم في البحر تجارا في البداية، ثم أصبحوا قراصنة يعملون لصالح الإمبراطورية العثمانية.

وسرعان ما أصبح عروج أحد أشهر القراصنة البربر في التاريخ، وكان يتحدث لغات عديدة من بينها الإيطالية والإسبانية والفرنسية واليونانية والعربية، إذ تمكن من تعلمها خلال رحلاته التجارية.

وقد تعرض عروج وأحد أشقائه ذات سفر أثناء عودتهما من رحلة تجارية، إلى هجوم من قبل مجموعة من فرسان القديس يوحنا في جزيرة رودس اليونانية. وقتل شقيقه في الهجوم، في حين أصيب أوروك بجروح وأسر عدة سنوات من قبل المهاجمين.

وبعد أن أنقذه شقيقه خير الدين بربروس من الأسر وأخذه إلى أنطاليا في جنوبي تركيا، أصبح عروج من أصحاب الحظوة عند شهزاد كوركوت، نجل السلطان العثماني بايزيد الثاني.

وبدعم من كوركوت، احترف الشقيقان القرصنة للتصدي للتهديد الذي يشكله فرسان القديس يوحنا، وكذلك السفن البرتغالية والإسبانية.

وقد اكتسب عروج تأييدا، واكتسب سمعة جيدة لدوره في مساعدة اللاجئين اليهود والمسلمين على الهروب من إسبانيا إلى شمال أفريقيا بعد سقوط الأندلس.

ويعتقد أن أصل شهرته باسم “بربروس” هو تحريف اللقب الذي عرف به “بابا ريس”، أو أنه لقب بذلك بسبب لحيته الحمراء، فكلمة “Barbarossa” تعني “اللحية الحمراء” باللغة الإيطالية.

وقد عرف الأخوان خيريتين (خير الدين) وعروج باسم الأخوين بارباروسا، وقد ألهم الأخوان العديد من القراصنة.

وقد غزا عروج الجزائر في عام 1516، ووسع القوة العثمانية في شمال أفريقيا على حساب إسبانيا وحلفائها. وتوفي وهو يقاتل الإسبان في عام 1518 في تلمسان بالجزائر. لكن العثمانيين استعادوا السيطرة الكاملة على الجزائر على مدى العقود التي تلت ذلك.

وبعد وفاة عروج، واصل شقيقه خير الدين القتال في البحر الأبيض المتوسط ​​حاملاً اسم ومهمة شقيقه.

وما زال إرث عروج ريس قويًا في تركيا، إذ أطلقت أنقرة اسمه على عدد من السفن البحرية والبحثية.

بربروس خير الدين باشا

بنى بربروس خير الدين باشا، المعروف أيضًا باسم “خيريتين خضر” و”خضر ريس”، سمعته مع شقيقه، كما بنى سمعة مستقلة بعد رحيل أخيه.

وقد كانت الإمبراطورية الإسبانية هي العدو الرئيسي لخير الدين شأنه في ذلك شأن عروج، ولا شك في أن كراهيته للنظام الملكي الإسباني كانت مدفوعة بما مارسه الإسبان من طرد للمسلمين خلال الحروب التي أسفرت عن سقوط الأندلس.

ونتيجة لانتصاراته في المعارك البحرية ضد الإسبان، أصبح خير الدين أحد أشهر القراصنة في التاريخ، ومنحه العثمانيون نتيجة لذلك رتبة الأدميرال الأكبر في أسطولهم البحري.

وقد لقب بـ”خير الدين” نتيجة لتفانيه في الانتقام لهزيمة المسلمين في إسبانيا، ومعاملته الإنسانية للاجئين المطرودين من شبه جزيرة أيبيريا، التي تعرف أيضا بشبه جزيرة الأندلس إبان الحكم الإسلامي وتقع في الجزء الجنوبي الغربي من القارة الأوروبية وتتكون من إسبانيا والبرتغال وأندورا ومنطقة جبل طارق.

وعيّن خير الدين حاكما للجزائر بعد أن تعهد بالولاء للسلطان العثماني سليم الأول. ثم استخدم أراضي شمال أفريقيا قاعدة لمهاجمة السفن الأوروبية والقيام بمهام الإنقاذ، بما في ذلك نقل اللاجئين من أيبيريا إلى شمال أفريقيا.

وقد أكسبته نجاحاته ضد الإسبان سمعة جيدة، وعيّنه العثمانيون قائدا لقواتهم البحرية خلال صراعاتهم مع البندقية وهابسبورغ.

وقد قاد القرصان الأسطوري العثمانيين إلى النصر في معركة بريفيزا عام 1538 ضد تحالف القوى المسيحية، المعروف باسم الرابطة المقدسة، والذي شمل إسبانيا والبرتغال والبندقية والدول البابوية، إضافة إلى بلدان أخرى. كما كان له دور محوري في إقامة الحكم التركي في تونس وكذلك الجزائر.

وتحت قيادة خير الدين أصبح العثمانيون القوة المهيمنة في البحر الأبيض المتوسط​، واستمر الوضع على ذلك النحو فترة طويلة بعد تقاعده في إسطنبول عام 1545، حيث توفي بعد عام واحد من تاريخ تقاعده.

السيدة الحرة

السيدة الحرة أو “الست الحرة” بحسب المؤرخين، ولدت بشفشاون حوالي سنة 1493 (899 للهجرة). ربيت ونشأت في حجر والدها الأمير علي بن موسى بن راشد، مؤسس مدينة شفشاون والحفيد الخامس للشيخ عبد السلام بن مشيش.

تزوجت السيدة الحرة من القائد المنظري بتطوان، وذلك حوالي سنة 1510 (916 للهجرة)، وكان الزواج بمثابة تحالف بين إمارة شفشاون وقيادة تطوان، لأجل تقوية جبهة الدفاع ضد البرتغال.

وكانت لدى السيدة الحرة، التي تتحدث عدة لغات بطلاقة، القدرة على تقديم استشارات إستراتيجية، فأصبحت مستشارة زوجها في شؤون الحكم والقضايا الدبلوماسية.

وبعد وفاة زوجها في عام 1515، تولت منصب الحاكم، وشرعت في الانتقام من الحكام الجدد في وطنها الأم عقابا لهم على اضطهادهم للمسلمين من سكان المدن التي استولوا عليها.

ولم تتقبل السيدة الحرة، شأنها في ذلك شأن معظم سكان غرناطة، سقوط مدينتها. وكان زوجها قد عمل على تحصين مدينة تطوان لاستخدامها قاعدة لقتال الإسبان والبرتغاليين.

استطاعت اللاجئة الأندلسية التواصل مع القراصنة البربر، وتمكنت من تجميع أسطول خاص بها بمساعدة ودعم الأخوين بربروس.

وتولت السيدة الحرة مسؤولية العمليات البحرية الإسلامية في غرب البحر الأبيض المتوسط، في حين سيطر خير الدين بربروس على الجزء الشرقي.

وشكل الاثنان تحالفا ساهم في الحد على نحو كبير من أنشطة الإمبراطوريتين الإسبانية والبرتغالية في البحر الأبيض المتوسط.

وقد تمكن أسطول السيدة الحرة، المدعوم من قبل حلفائها العثمانيين، من كسب أموال طائلة من الغنائم والفدية التي جمعوها في معاركهم وغاراتهم.

وعلى الرغم من أن الأرقام الدقيقة للثروة التي جمعتها غير معروفة، فإن ثروتها كانت كافية لتحقيق ازدهار في تطوان لتصبح مدينة مهمة في شمال أفريقيا.

وقد كانت تملك قوة بحرية قوية للحد الذي جعل الإسبان والبرتغاليين يعتبرونها نقطة الاتصال الرئيسية للتفاوض مع القوات الإسلامية.

وقبل وفاتها، تزوجت السيدة الحرة من ملك المغرب الذي قيل إنه أعجب بها من النظرة الأولى. وواصلت حكم تطوان وأدارت عمليات القراصنة بعد زواجها من الملك، قبل أن ينتهي حكمها إثر انقلاب نفذه ربيبها -نجل المندري- أطاح بحكمها.

زر الذهاب إلى الأعلى