ثقافة

الاستشراق ضد الحقيقة.. العنصرية الإعلامية في تغطية الحرب الروسية واللجوء الأوكراني

كشفت الحرب الروسية على أوكرانيا عن فصل جديد من فصول العنصرية والتنميط والاستشراق الإعلامي، وأظهر العديد من تغطيات وسائل إعلام كبرى مثل “فرينش إم إس إم” (French MSM)، و”بي بي سي” (BBC)، و”آي تي في” (ITV)، “سي بي إس” (CBS)، عن نظرة دونية لشعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في مقابل الترويج لتفوق حضاري للشعوب الأوروبية.

وأدان بيان لجمعية الصحفيين العرب والشرق الأوسط (AMEJA) ما أسمته بالتغطية العنصرية للحرب، ورفضت “تطبيع المأساة في أجزاء من العالم مثل الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا وأميركا اللاتينية” من خلال تجريد شعوب من إنسانيتهم وتحميلهم المسؤولية عن الصراع واعتبارهم مستحقين للحرب عبر وصمهم بعدم التحضر.

وأكد البيان التضامن مع المدنيين الذين يتعرضون لهجمات عسكرية في أجزاء مختلفة من العالم، وفي الوقت ذاته رفض المقارنات التي تبرر بعض النزاعات وتتعاطف مع أخرى، مما يساهم في إزالة سياق النزاعات ويقلل من معاناة السكان الذين يعانون من الاحتلال والعدوان. وأضاف أن “الضحايا المدنيين والنزوح في البلدان الأخرى أمر مقيت بنفس القدر في أي مكان مثلما هو الحال في أوكرانيا”.

ودعا البيان إلى تدريب المراسلين على الفروق الثقافية والسياسية للمناطق التي يقومون بإعداد التقارير عنها، “وعدم الاعتماد على التحيزات الأميركية أو الأوروبية. المقارنات غير الدقيقة والمخادعة لا تؤدي إلا إلى تأجيج الصور النمطية وتضليل المشاهدين، وتؤدي في النهاية إلى إدامة الاستجابات الضارة للأزمات السياسية والإنسانية”.

وكان مراسلون وإعلاميون قد عقدوا -على الهواء مباشرة- مقارنات تفيد بأن اللاجئين الأوكرانيين الفارين من الحرب الروسية “أكثر تحضرا” ويختلفون عن نظرائهم الذين تعرضوا لمحنة اللجوء من بلدان الشرق الأوسط، واعتبر بعض أولئك الإعلاميين أن الأوكرانيين أقرب ثقافيا و”حضاريا” لأوروبا مقارنة مع اللاجئين الآتين من المشرق العربي وشمال أفريقيا.

استشراق إعلامي

وتلعب وسائل الإعلام الغربية دورا كبيرا في تعزيز الصورة النمطية للاستشراق بنسخته الأخيرة العدائية. ففي دراسة لوسائل الإعلام البريطانية قامت بها الجزيرة الإنجليزية، لوحظ أن عدم التوازن في تغطية أخبار المسلمين في وسائل الإعلام يسهم بشكل كبير في “العداء” وكراهية الإسلام في الخطاب السياسي الغربي. وفي الولايات المتحدة تبدو الظاهرة أكثر عدائية، إذ تتضمن الخطابات الاستشراقية -مثل التي يعبر عنها المستشرق برنارد لويس- خلطا هائلا بين الإسلام والإرهاب.

وكان المفكر الفلسطيني الأميركي الراحل إدوارد سعيد قد فتح باب تفكيك المتن الأدبي الاستعماري على مصراعيه، ليصبح في غضون سنوات قليلة جدا رائد مدرسة فكرية نقدية تحمل اسم “ما بعد الكولونيالية”، التي تتناول الآثار الثقافية والاجتماعية التي خلفها الاستعمار في الشعوب التي خضعت له، وتركز هذه الدراسات على علاقات القوة في المجتمعات.

وأكد سعيد أن جوهر الاستشراق هو التمييز المتأصل بين التفوق الغربي والدونية الشرقية، معتبرا أنه (الاستشراق) ليس مجرد خيال أوروبي، بل كيان له وجوده النظري والعملي، واستثمرت فيه إمكانات كبيرة على مرّ الأجيال، وهو ما جعل الاستشراق مذهبا معرفيا عن “الشرق”، من خلاله تحكمت الإمبريالية في مجال كامل من الدراسات والإبداعات والمؤسسات البحثية، بقصد أو من دونه.

وبنى سعيد جدليته على أعمال الفيلسوفين الفرنسيين جاك دريدا وميشيل فوكو، وعرف الاستشراق بأنه ليس مجرد حقل أكاديمي، بل “نمط فكري مبني على تمييز أنطلوجي وإبستمولوجي بين الشرق وفي معظم الأحيان الغرب، مؤسسا لثنائية متجذرة بين الشرق والغرب”.

لكن سعيد -الذي توفي في سبتمبر/أيلول 2003- لم يشهد كل تحولات ما بعد العصر الكلاسيكي للاستشراق الأوروبي، وخاصة بعد أن لم يعد العرب والإسلام مشمولين بمحاولة المعرفة والتفهم، بل الكراهية والكراهية والكراهية، بحسب حميد دباشي مؤلف كتاب “بعد الاستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب”.

ويعتبر سعيد أن البشرية بشكل عام بمختلف شعوبها تشترك في سعيها للحرية والكرامة الإنسانية، وهو بذلك ينفي أفكارا اختزالية وعنصرية تقصر ذلك السعي الإنساني على الشعوب الغربية والأعراق البيضاء.

زر الذهاب إلى الأعلى