ثقافة

الغياب والعدم وفلسفة ما لا يوجد.. “اللاشيء” في تاريخ الفكر والمجتمعات

لم يعد الحديث عن نظرية المعرفة أو الإبستمولوجيا حديثا عن العلم وتاريخه وفلسفته بالضرورة، وإنما أصبح عن “الجهل” كذلك أو ما يمكن اعتباره اللاعلم كعنصر أساسي لفهم مسار العلم.

هذا الأمر هو الذي جعل مطبعة جامعة أكسفورد العريقة تخصص هذه السنة للموضوع كتابين قائمين بذاتهما، أحدهما معنون بـ”الغياب والعدم.. فلسفة ما لا يوجد” (Absence and Nothing: The Philosophy of What There is Not) من تأليف الفيلسوف البريطاني ستيفن مومفورد، وكذلك كتاب “لا شيء.. تاريخ فلسفي” (Nothing: A Philosophical History) من تأليف روي سورنسن أستاذ الفلسفة بجامعة واشنطن.

صدر كلا الكتابين سنة 2022، ويستعرض هذا التقرير الكتاب الثاني بحكم رصده التاريخي فكرة الفراغ والعدم واللاشيء، وكلها وإن اختلف معناها تتقاطع مع فكرة أثر الغياب مع الحضور، والحضور مع الغياب.

يقدم الكتاب جولة “ترفيهية” حية ومرتبة زمنيا في تاريخ وفلسفة اللاشيء، مناقشا كيف تؤدي هذه الأفكار حول الظلال والفجوات والثقوب دورا إيجابيا للغاية في تطور بعض أهم الأفكار البشرية.

اللاشيء في الفلسفات القديمة

ينقل الكتاب في مطلعه عن لاوتزه الفيلسوف الصيني المشهور بفلسفته الطاوية والذي يرى أن هناك أهمية كبيرة لفكرة “غياب الفعل”، حيث يعتبر أن الافتراض الطاوي الكامن في “عدم فعل أي شيء” هو أفضل شيء يمكن للمرء أن يقوم به.

مرد هذه الفلسفة كامن في حفاظ المرء على طاقته والتناغم مع قوى الطبيعية، وتضع الطاوية كمثال على الأمر الصياد الموجود في عرض البحر، والذي يمكن أن يعود للبر بفعل تجديفه أو بفعل تركه أمواج البحر تقوده إلى بر الأمان، ومنه فإن الطاوية ترى أن الأمر محقق في كلتا الحالتين، سواء بفرط الفعل أو غيابه المطلق.

وحسب هذا الطرح، يرى الكاتب أن اتباع مسار الطبيعة هو أمر متناغم مع الطاوية التي تقدر الفراغ و”اللاشيء”، ولعبة “غو” (Go) الصينية مثال حي على أهمية الفراغ، هذه اللعبة التي يبدأ اللاعبان بلوحة، فهي على عكس الشطرنج يغدو فيها الفراغ موقفا منهجيا.

يجب في لعبة “غو” أن تبدأ كل لعبة بالفراغ، وهو تصور متوافق مع الفلسفة الطاوية في نظرتها إلى الطبيعة القائمة على “الفراغ”، فالطاوي يزرع حالة ذهنية فارغة.

لعبة “غو” الإستراتيجية تعتمد على التوازن ويعود تاريخها إلى الصين القديمة قبل الميلاد (شترستوك)

أما الفلسفة البوذية ونظرتها للفراغ وعدم الفعل واللاشيء فهي تتجسد أساسا في غياب مؤسس الهندوسية باعتبارها نتيجة طبيعية لغياب الأصل، الكون له ماض لانهائي ومستقبل لانهائي، أي تاريخ له بداية ونهاية يتقلص إلى العدم.

عقيدة أخرى مرتبطة بالبوذية هي عدم ثبات كل الأشياء المركبة، فكل شيء معقد ينهار، وبالنسبة للبوذية فإن إنكار الدوام يحتاج إلى أن يصاغ في صيغة محورية حتى لو وُجدت المركّبات فإنها ستوجد مؤقتا قبل اندثارها وتحولها إلى العدم.

في الواقع، لا توجد أشياء معقدة متاحة ليتم الإجهاز عليها، لا يمكنك أن تفقد ما لم يكن امتلاكه، ومنه -حسب هذا الطرح- تماثيل بوذا التي دمرتها طالبان في باميان، فهي لم تكن موجودة على الإطلاق ليتم فقدانها.

أما ناجارجونا -وهو أحد أهم المعلمين والفلاسفة البوذيين- فإنه يرى أن الفراغ و”اللاشيء” أمر محوري في فلسفته، وتتجلى هذه الأهمية في اللغة السنسكريتية الهندية التي تختلف عن العربية واللاتينية من ناحية الدقة، جاعلة للفراغ والمسكوت عنه مجالا فلسفيا دالا ومشيرا إلى المعنى، وذلك عكس العربية التي تنهج مسلك الوضوح حتى لو توسلت بالمجاز والمحسنات اللغوية.

الإغريق والرومان بين الفلسفة والهندسة

بعد أن رأينا الفلسفتين الصينية والهندية ونظرتهما للغياب والفراغ تأتي الفلسفة الإغريقية التي تؤمن -بفعل فلسفتها المعززة بالهندسة والرياضيات- بغياب “الغياب”، فالنموذج اليوناني القائم على الهندسة يركز على الجوهر والشيء.

ركز الفيلسوف الإغريقي بارمنيدس على إمكانية إزالة السياق عن الأشياء الهندسية لأن الشيء قيد الفحص، ولكن عندما لا يوجد شيء ويبقى فقط الفراغ تستحيل عملية الفحص، لذلك لا يحب الإغريق العدم ويرونه غير مفهوم.

ويعتقد فلاسفة الشرق أن العدم هو غياب نسبي، مثل غياب الفعل (لاو تزو) أو غياب التعقيد (بوذا) أو غياب الأرضية (ناجارجونا)، ويتم تعزيز نسبية الغيابات من خلال التوجه العملي للفلاسفة الصينيين والهنود، وذلك على عكس الإغريق الذين يرون ضرورة غياب “الغياب” حتى يستقيم المعنى، ولأجل أن يبنى المنطق “الأرسطي” وتقام الهندسة والرياضيات.

وفي هذا الصدد، فإنه وحتى قبل بارمنيدس فإن طاليس ركز على أهمية الاختزال، حيث رأى أن كل شيء قابل للتفسير، ومنه كل شيء قابل للاختزال إلى شيء ما.

ووفق هذا الطرح، فإن خسوف القمر ليس سوى حجب للضوء عن الأرض، وضوء القمر ليس سوى انعكاس لضوء الشمس، وضوء الشمس ليس سوى ضوء لهيب ناري، ومنه يبدو الاختزال منهجا إغريقيا لفهم وتبسيط الأمور المبهمة والغامضة.

أما الفيلسوف اليوناني ليوكيبوس فإنه يحيل الذرات إلى آحاد ليصل حد اختزال كل شيء لشيء أو ما يقارب اللاشيء، وتستمر الميتافيزيقيا الاختزالية في بحث طاليس عن تفسير اختزال لكل شيء، ويقتصر النمو والتلاشي على المركّبات التي تختزل إلى الذرات.

أما الفيلسوف الإغريقي أفلاطون فهو يقارب العدم من خلال فكرة “الظلال”، فهو على دراية بالتشابه الكامن بين الظلال والشخصيات الخيالية، إذ إنه يؤمن بكون أن هذا العالم الذي نعيشه لا شيء مقارنة بالعالم الذي لم نعشه بعد، أي أن هذا العالم يجسد كواليس لمسرحية لم تلعب بعد، ومنه فإن هذا العالم ليس سوى ظل للعالم الحقيقي.

أما أرسطو فإنه يتحدث عما سماه “الغياب المحتمل”، هذا الغياب هو الذي يعد مفارقة “سفسطائية” حسب تصوره لا يمكن حله سوى من مقاربة نسبية تجعل الغياب محتملا أو ممكنا حسب الموضع الذي تقدم فيه عبر سياق ما.

أما الشاعر الروماني لوكريتيوس فإنه يرى الغياب بمثابة تجسيد للمستقبل اللامتناهي، مع عدم وجود فروق جوهرية بين وجودك أو عدمك، لذا حسب تصور هذا الشاعر الروماني فإن الغياب هو الحاضر بعد الموت.

اللاشيء وأثره اللاهوتي

كما تحدث الكتاب عن القديسة المصرية سانت كاترين الإسكندرانية باعتبارها المثال الأبرز للفكر الذي يولي أهمية “للعدم” و”اللاشيء” في عالم النساء بحكم أن كل من ذُكر من فلاسفة هم من رجال فقط.

وفي هذا الصدد، تعلمنا كاترين دروسا عن أهمية المعروفين وإن كانوا غير الموجودين، كما تعلمنا أهمية ما هو خارق للطبيعة الموازي لأهمية الطبيعة نفسها، وأهمية غير الموجود الموازي لأهمية الموجود، وأهمية الخيال الموازي لأهمية الواقع.

أما ميتافيزيقيا الفيلسوف والقديس أوغسطين فهي تتمحور -حسب طرح الكتاب- بكونها تجسيدا لفكرة “شر الغياب هو غياب للشر”، إذ يقول الكاتب إن أوغسطين يرى أنه لا يوجد شيء بين الخير والشر، فمجرد غياب الشر بحد ذاته خير، ويعتبر أن كل شيء جميل بقدر ما هو موجود.

ويحرص أوغسطين على مدح الجمال، فإذا كانت جمالياته صحيحة فلا توجد فترات حرمان جميلة، والظلال تساعد في إظهار الجمال من خلال الكشف عن العمق الثاوي داخله.

أما الراهب الإنجليزي فريدوجيسوس -حسب الكتاب- فإنه يجسد فكرة أخرى عن “الغياب” و”اللاشيء” باعتباره تجسيدا للحضور، وجعل من الظلال مثالا على ذلك، حيث رأى غياب الضوء والظلال ممكنا، وهنا وجب استحضار سياق فريدوجيسوس الذي كان يشهد أهمية كبيرة للكتاب المقدس المسيحي بحكم انتمائه إلى العصور الوسطى، ومنه فإنه وظف قراءته اللاهوتية ليستحضر نصوصا تؤكد أهمية الظلال والخفاء والعدم.

أما الفيلسوف اليهودي الذي ترعرع في الحضارة الأندلسية الإسلامية موسى بن ميمون فهو يرى الغياب من زاوية مختلفة، وقد قلب -حسب الكتاب- هرم المعرفة اللاهوتية من أعلى إلى أسفل.

يرى موسى بن ميمون أن الله تجسيد لمطلق الخير، لكنه في الوقت نفسه يختلف مع الذي يراه أفلاطون، فابن ميمون يرى ضرورة وجود مكان للفراغ من أجل إدراك المعاني اللاهوتية التي قد لا تظهر بفعل قوة الضوء المنبعث منها، وهنا مكمن أهمية الفراغ والغياب واللاشيء كتجسيد لأحد معاني الوجود والمعنى والشيء.

يعطي ابن ميمون أهمية عالية للصمت، ويرى أنه أعلى مراتب التسبيح الذي يمكن أن يقدم لله الذي يجسد الخير المطلق، ومنه فإن ابن ميمون يعطي قيمة للعدم من خلال ربطه بالمطلق المتجسد في الله.

اللاشيء وشذرات الفلسفة الحديثة

ويستعرض الكتاب فلسفة اللاشيء لدى عدد كبير من الفلاسفة وعلماء الفيزياء الحديثة، وينقل عن الفيلسوف التشاؤمي شوبنهاور أن الغياب يتجلى في غياب المعنى نفسه، حيث يرى أن أحد أقوى الدوافع الذي يقود الرجال إلى الفن والعلم هو الهروب من الحياة اليومية المؤلمة والكئيبة والميؤوس منها.

وبرأيه، تتوق الطبيعة المتقنة إلى الهروب من الحياة إلى عالم الإدراك والفكر الموضوعيين، ويمكن مقارنة هذه الرغبة بشوق سكان المدينة للهروب من محيطها الصاخب والمكتظ إلى صمت الجبال العالية، وهنا تكمن أهمية الفراغ والصمت والغياب، وهو نفس الطرح الذي وافقه عليه في ما بعد عالم الفيزياء أينشتاين.

أما الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون فيرى أن كل شيء يُعرف بالغياب، فالبرد هو تجسيد لغياب الحرارة، والظلام هو لغياب الضوء، والصمت لغياب الصوت، ومنه فإن الغياب يسكن الحضور، والحضور لا يتم إلا بالغياب، الشيء لا يكون إلا في غياب اللاشيء، ليتحول إلى علاقة جدلية يمسي فيها الغياب شرطا للحضور، ويصبح الحضور شرطا للغياب، ومنه وعبر هذا العرض لمتن الكتاب يظهر لنا كيف ركز الكاتب على أهمية “لا شيء” من أجل إيجاد معنى وغاية لكل شيء، وأهمية الفراغ لفهم الوجود، والظل لإدراك الأجساد.

زر الذهاب إلى الأعلى