ثقافة

تراث إنساني في أتون النزاع.. آثار أوكرانيا ومتاحفها ضحية محتملة للحرب الروسية

يخشى أوكرانيون وعلماء آثار من أن الحرب الحالية قد تسفر عن فقدان عشرات المجموعات الأثرية والتاريخية والفنية كما حدث في 2014 عندما تعرض متحف دونيتسك الإقليمي للتاريخ المحلي للقصف بالصواريخ المضادة للدبابات 15 مرة، ودُمر نحو 30% من مجموعته المكونة من 150 ألف قطعة أثرية.

يخشى خبراء آثار وباحثون في التراث الإنساني المادي من أن تسفر الحملة الروسية على أوكرانيا عن تدمير تراث ثقافي ثمين لا يقدر بثمن.

وزادت المخاوف مع خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي قدم فيه سردية غير مألوفة لتاريخ أوكرانيا، مبينا أن الأخيرة لم تكن أبدًا دولة، ولم يكن لها وجود مستقل، وليست لديها لغة خاصة، بل كلها جزء من روسيا، مشككا في التكوين التاريخي للدولة الأوكرانية الحديثة التي قال إنها نتاج مأساوي لقرارات زعماء سوفيات سابقين مثل فلاديمير لينين، وجوزيف ستالين ونيكيتا خروتشوف.

وبينما يرى بوتين في خطابات مختلفة أن الأوكرانيين والروس شعب واحد، ترفض الشخصيات الثقافية الأوكرانية ذلك بوصفه دعاية روسية تهدف إلى سلب هوية أوكرانيا وحقها في تقرير المصير.

ويخشى أوكرانيون وعلماء آثار من أن الحرب الحالية قد تسفر عن فقدان عشرات المجموعات الأثرية والتاريخية والفنية كما حدث في 2014 عندما تعرض متحف دونيتسك الإقليمي للتاريخ المحلي للقصف بالصواريخ المضادة للدبابات 15 مرة، ودُمر نحو 30% من مجموعته المكونة من 150 ألف قطعة أثرية.

آثار القرم

ومنذ عام 2014، استولت روسيا على نحو 4095 أثرًا أوكرانيًّا وطنيًّا ومحليًّا في شبه جزيرة القرم، وفقًا لتقرير لعام 2021 صدر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (يونسكو).

ورأى التقرير أن “مواقع التراث العالمي لليونسكو والمواقع الثقافية الأخرى في شبه جزيرة القرم المحتلة مؤقتًا تتعرض لمعاملة وحشية وسرقة من قبل سلطات الاحتلال”، حيث “تواصل (روسيا) مصادرة الممتلكات الثقافية التابعة لأوكرانيا”.

وحسب تقارير حقوقية، فإن الإجراءات الروسية في القرم شملت تصدير القطع الأثرية بشكل غير قانوني من شبه الجزيرة لعرضها في روسيا، والقيام ببعثات أثرية غير مصرح بها، وهدم مقابر لمسلمي القرم، والإضرار بمواقع التراث الثقافي لتتار القرم أثناء “الترميم”.

وقالت منظمة اليونسكو إن عددا كبيرا من الآثار القيمة ذات الأهمية الوطنية والعالمية “عانت من خسائر لا يمكن تعويضها”.

متاحف في خطر

وفي مقاله بصحيفة وول ستريت جورنال (WSJ) كتب كونستانتين أكينشا المؤرخ الفني وخبير الفن الذي تمت مصادرته خلال الحرب العالمية الثانية؛ أنه مع غزو روسي واسع النطاق ستكون جميع مجموعات المتاحف المهمة تقريبًا في خطر، كثير منها في المدن التي سميت على أنها أهداف روسية محتملة، مثل متحف خاركيف للفنون، الذي يضم نحو 20 ألف عمل فني، بما في ذلك لوحات مهمة لإيليا ريبين (1844-1930)، الرسام الواقعي العظيم وأحد أشهر الفنانين الروس في القرن 19، والرسام البحري الشهير إيفان إيفازوفسكي (1817-1900).

ويرى مؤلف كتاب “المسروقات الجميلة: النهب السوفياتي للكنز الفني في أوروبا” أن السيناريوهات الأكثر رعبا تشمل تضرر مراكز المتاحف الكبرى مثل كييف وأوديسا؛ إذ تضم العاصمة الأوكرانية كييف مجموعات ذات أهمية دولية، ويضم متحف الكنوز التاريخية لأوكرانيا نحو 56 ألف قطعة، بما في ذلك مجموعة ذهبية شهيرة من القرن الرابع قبل الميلاد، ويحتوي المتحف الوطني للفنون في كييف على مجموعة رائعة من الفن الروسي.

ومن بين أبرز قطع المتحف الوطني في كييف روائع ريبين وميخائيل فروبيل (1856-1910)، وهو أحد الفنانين الروس الأوائل الذين ابتعدوا عن التقاليد الأكاديمية لصياغة أسلوب أكثر شخصية وحداثة، ويضم متحف خانينكو أهم مجموعة من الأعمال الأوروبية والآسيوية في البلاد، من الرموز البيزنطية إلى لوحات عصر النهضة الإيطالية، والأعمال الفنية الفلمنكية، وأعمال الرسامين الفرنسيين مثل فرانسوا باوتشر (1703-1770) وجاك لويس ديفيد (1748-1825)، حسب الكاتب.

ويحتوي المتحف الوطني للفنون في أوكرانيا على مجموعة شاملة من الفن الوطني من العصور الوسطى حتى الوقت الحاضر، ويقع بالقرب من القصر الرئاسي والبرلمان ومؤسسات السلطة التنفيذية الأوكرانية ومجلس الوزراء، وجميعها أهداف محتملة في الهجوم الروسي.

وخلال ثورة ميدان عام 2014 (الانتفاضة الشعبية ضد الرئيس فيكتور يانوكوفيتش) وجد المتحف نفسه في قلب أعنف معركة بين شرطة مكافحة الشغب والمتمردين.

مديرة المتحف ماريا زادوروزنايا ومجموعة من القيمين الذين حاولوا حماية المجموعة لم يغادروا المبنى لعدة أيام، وكانوا محظوظين عندما لم تنفجر زجاجة حارقة اخترقت السقف وسقطت على السقف الزجاجي لإحدى القاعات.

دليل إخلاء المتاحف

وأصدرت وزارة الثقافة وسياسة الإعلام في أوكرانيا مؤخرًا إرشادات لحماية وإخلاء مجموعات المتحف في حالة الحرب، لكن الخطر على التراث الثقافي للأمة لم يصبح موضع نقاش عام.

وحسب الكاتب، فإن المشكلة هي لوازم مثل هذا الإخلاء؛ إذ قد يكون شحن مجموعات المتحف إلى الجزء الغربي من البلاد أثناء الحرب أمرًا بالغ الخطورة، ومع التفوق الجوي الروسي وإمكانية قصف الطرق الرئيسية تصبح مثل هذه المهمة محفوفة بالمخاطر للغاية.

ولن تكون هناك حاجة أقل إلحاحًا إلى حزم الأعمال الفنية وإيجاد مرافق تخزين مناسبة وآمنة، حسب الكاتب. وتتمتع أغلب المتاحف بميزانيات بائسة، ولن تكون قادرة حتى على تحمل تكاليف النقل اللازمة، وربما سيكون الملاذ الأخير هو نقل مقتنياتها إلى أقبية المتاحف. ويحاول بعض مديري المتاحف بشكل عاجل إرسال أبرز مجموعاتهم إلى المؤسسات في الخارج لإبعادها عن الاستهداف والأذى.

زر الذهاب إلى الأعلى