ثقافة

تراث حضارة أنهكته الحروب.. هرات الأفغانية و8 آلاف عام من الازدهار المهدد بالاندثار

هرات – لم تكن مصادفة أن تنشأ إحدى أعرق الحضارات في التاريخ الإنساني في وادي هِرات (غربي أفغانستان)، وهو سهل خصيب يقع بين جبلين يسمّيان بالأبيض (سفيد كوه) من الشمال والأسود (سيا كوه) من الجنوب، ويبلغ عرض الوادي بينهما 50 كلم وطوله 300 كلم.

فعلى غرار حضارتي الرافدين والنيل (الهلال الخصيب) يعزو أستاذ التاريخ السابق في جامعة هرات، نعمت سَروري، نشوء الحضارة في هذا الوادي منذ 8 آلاف عام إلى نهر “هري رود” الذي ينسب إليه اسم المنطقة.

ويضيف سروري -للجزيرة نت- أن عاملين رئيسيين عززا مكانة المنطقة هما: الموقع الإستراتيجي بين وسط آسيا وشبه القارة الهندية والشرق الأوسط، وهو ما أسال لعاب الأباطرة والمحاربين على مر التاريخ منذ ما قبل الإسكندر المقدوني، ووقوعها في منتصف شعاب طريق الحرير الذي كان يربط بين الحضارات القديمة والمتوسطة القدم، من الصين في شرق آسيا إلى غربها أو ما يطلق عليه حاليا الشرق الأوسط إلى أوروبا، الذي تسبّب في ازدهار المنطقة الاقتصادي والثقافي.

التراث الإنساني

تعدّ الحقبة التيمورية أكثر حضارات هرات ازدهارا، وذلك للزخم العلمي والثقافي والعمراني الذي ما زالت آثاره قائمة حتى الآن، والذي جعل كثيرين يطلقون على هرات عاصمة الثقافة الأفغانية.

نعمت الله سروري يشترط تحقق الأمن لازدهار مواقع الحضارة العريقة في هرات (الجزيرة)

وقد بذلت جهود عالمية ومحلية على مدى العقدين الماضيين لإدراج مدينة هرات على لائحة التراث الإنساني في اليونسكو، وأُدرجت بالفعل معالم منها على لائحة التراث الإنساني المهدد بالاندثار.

وبينما تسجل إدارة الثقافة والتراث في ولاية هرات نحو 800 موقع أثري في الولاية، يجمع خبراء الآثار والمؤرخين على أن أهم وأبرز المعالم الأثرية التي كان لها دور تاريخي في مختلف المجالات هي: منارات مجمع المصلى، وقلعة السلطان اختيار الدين، ومسجد هرات الكبير، ومجمع ضريح خواجه عبد الله أنصاري.

منارات هرات

ولعل أبرز ما يلفت انتباه زوار مدينة هرات هو مناراتها الست المتبقية من بين 10 منارات بنتها السلطانة غوهر شاد زوجة السلطان شاروخ حسين بايقرا، أبرز سلاطين المملكة التيمورية في القرنين الـ14 والـ15 الميلاديين.

ويقول خبير الآثار هُمايون أحمدي -للجزيرة نت- إن السلطانة غوهر شاد أرادت من بنائها تتويج مجمع المصلى الحضاري، الذي كان حاضرة علمية وثقافية واقتصادية، ويضيف أن بوابات المنارات السفلية كانت على مستوى أسقف الطبقات الأربع لمباني المراكز الثقافية والعلمية التي كانت بمنزلة جامعة ملحق بها مراكز للعبادة ودار للأيتام ودواوين إدارية.

لقد اندثرت جميع مباني مجمع المصلى ولم يبق إلا 5 منارات كاملة يبلغ ارتفاعها 72 مترا، وتهدّم نصف السادسة، وأدرجت منارات هرات على قائمة اليونسكو للتراث الإنساني المهدد بالاندثار. ويؤكد أحمدي أن سببين حالا دون ترميم المنارات المتبقية، هما: ضعف الخبرات الأفغانية التي لا تتوافق مع معايير منظمة الثقافة والعلوم في الأمم المتحدة (اليونسكو)، ونقص التمويل لهذا المشروع الضخم.

همايون أحمدي: وقف الحرب هو البداية للحفاظ على منارات هرات التاريخية (الجزيرة)

ويقول أحمدي الذي يدير قسم ترميم الآثار في دائرة الثقافة بولاية هرات “إن الخطر الأكبر الذي يهدد المنارات المتبقية هو الحرب والإهمال، ويرى أن نجاتها من الحرب كانت معجزة، فقد كان أول استهداف لها من قبل القوات البريطانية في أربعينيات القرن الـ19، وذلك لحرمان القوات الروسية من اتخاذها مراصد في حال تقهقرت القوات البريطانية أمام قوات روسيا القيصرية، ثم كانت على خطوط النار في الحرب السوفياتية الأفغانية”.

ولم تكن السلطانة غوهر شاد الرائدة الوحيدة في مجال العمارة والإدارة، فتاريخ هرات يحكي سلسلة طويلة من الرائدات في الإدارة والعلوم على مدار التاريخ، منها أن شقيقتين أخذتا على عاتقهما إقامة جسر على نهر هري رود، وما زال يصنف على أنه أبرز المعامل العمرانية في المدينة، وقد دمرته الحروب مرات عدة وأعيد بناؤه على الطراز نفسه والهيئة ذاتها.

قلعة اختيار الدين

يعود تاريخ القلعة المحصنة وسط مدينة هرات إلى نحو 4 آلاف عام، وتقول روايات تاريخية إن امرأة تدعى شميري، كانت تتمتع بالذكاء والإدارة، هي أول من أمر ببناء القلعة، وهو ما يؤكد برأي المؤرخ سَروري أن حضارة هرات تعود إلى ما قبل اجتياح الإسكندر المقدوني لوسط آسيا، وأن قلعة اختيار الدين كانت تسمى باليونانية “أركا كوانا”.

جانب من قلعة اختيار الدين التي يعود بناؤها إلى ٤ آلاف سنة (الجزيرة)

ويضيف أن السلطان اختيار الدين أعاد بناءها وتوسعتها، لتكون دارا للحكم تتمتع بالمنعة والحصانة، ففضلا عن السور المنيع الذي يبلغ طوله نحو 250 مترا وشيّد عليه 18 برجا للدفاع عنها، وقد أعيد ترميمها عام 2015 بتمويل من مؤسسة الآغا خان العالمية للثقافة والتراث.

المسجد الأزرق

يؤكد المؤرخون أن مسجد هرات الكبير أو المسجد الأزرق كان أكبر معابد النار عند الزرادشت أو الآريين، وأطفئت النار بعد فتح البلاد على أيدي الصحابي الجليل الأحنف بن قيس وإسلام أهلها عام 29 للهجرة، ويُصنف المسجد على أنه خامس أكبر المساجد في العالم، وهو أول مسجد بني في غرب أفغانستان.

ويقول مدير مجمع المسجد عبد العزيز تشتي إن البناء الحالي أقيم في عهد السلطان التيموري غياث الدين غوري، ودأبت العادة أن يتميز كل سلطان يعقبه بإضافة جديدة للمسجد، سواء بالنقوش والفنون أو التوسعة، وأشهر الخطاطين الذين أشرفوا على تزيينه الخطاط محمد علي.

بلاط مزجج وبداخله كتابة ودعوات في جامع هرات الكبير (الجزيرة)

أما المؤرخ سروري فيضيف أن المسجد تعرض للتدمير مرات عدة، واحترق بالكامل عام 414 للهجرة وقد كان مبنيا من الخشب، وأعاد بناءه على هذه الهيئة السلطان التيموري شهاب الدين غوري.

وتظهر في المسجد فنون العمارة التيمورية، من هندسة متقنة، وزينة للجدران من الداخل والخارج ببلاط الكاشي المخطط باللغتين العربية والفارسية، سجلت عليه أشعار وتواشيح دينية وعبارات تؤرخ للحضارة التيمورية، كما خُطت سورة الإسراء كاملة بالبلاط الكاشي على أعلى جدار في ساحة المسجد الرئيسة، بحيث تبدأ السورة من زاوية وتنتهي بالزاوية المقابلة وتغطي جميع الجدار متعدية 4 أبواب ضخمة.

ومن العلماء الذين أقاموا في المسجد الأزرق فخر الدين الرازي وخواجه عبد الله أنصاري، وكلاهما معروف بإسهاماته العلمية التي ما زالت تدرّس حتى الآن في الجامعات، لا سيما الغربية المرموقة.

مجمع عبد الله أنصاري

ينحدر نسب العلامة عبد الله أنصاري (القرن الـ11) إلى الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، وتشهد فنون العمارة الموجودة في مجمع ضريحه على مدى ازدهار العلم والعلماء، ويضم المجمع مجموعة مدارس ومقامات لعلماء لجؤوا إلى هرات وقضوا فيها، ويقول المؤرخ سروي إن عبد الله أنصاري ترك أكثر من 80 مجلدا في مختلف العلوم، كما فعل فخر الدين الرازي الذي دفن في هرات.

ضريح عبد الله أنصاري يضم مجموعة مدارس ومقامات (الجزيرة)

وينتشر بين مثقفي هرات أنها لم تكن قادرة على استيعاب الطلاب الوافدين إليها من جميع أنحاء العالم، حتى سُنّ قانون يقضي بعدم قبول أكثر من طالبين من كل قطر من أقطار العالم الإسلامي.

ولم تسجل هرات شاعرا أو أديبا يضاهي الشاعر والأديب عبد الرحمن جامي في القرن الـ15 الذي عاش في العهد التيموري وأثراه بالعلم والأدب.

ضريح عبد الله أنصاري من الداخل (الجزيرة)

عوامل التراجع

يكاد يجمع المثقفون والمؤرخون الهرويون على أن الحروب المتعاقبة تشكل الخطر الأكبر على ثقافة المنطقة وتراثها، ويقول خبير الآثار أحمدي -للجزيرة نت- إن الضمان الوحيد للحفاظ على تراث هرات وتنمية حضارتها ونشر ثقافتها يكمن في منع الحرب.

أما المؤرخ سَروري فيصرّ على أن هرات ما زالت عاصمة الثقافة الأفغانية، لكنه يعترف بأن الجغرافيا السياسية الحديثة حدّت من نمو الحضارة الهروية وازدهارها، ويرى أن العهود الإمبراطورية أتاحت للهرويين استقطاب العلماء في جميع المجالات، وجاءت الدولة الوطنية لتحدّ من انتقال الخبرات، لا سيما مع تراجع الأمن والاقتصاد.

ونظرا لأن أفغانستان دولة حبيسة لا تطلّ على بحر، فقد تراجعت أهمية طرق الحرير واستبدلت بخطوط التجارة البحرية والجوية، لكن سروي يعتقد أن مقومات العلم والثقافة موجودة وستعود لهرات لأن الأسس التي تقوم عليها الحضارات كلها فيها.

زر الذهاب إلى الأعلى