ثقافة

جامعة كمبريدج البريطانية تعترف: هكذا استفدنا من تجارة الرقيق

قالت جامعة كامبريدج البريطانية اليوم الخميس إنها استفادت من عائدات العبودية على مدى تاريخها، ووعدت بزيادة المنح الدراسية لذوي البشرة السمراء، وتمويل المزيد من الأبحاث في موضوع تجارة الرقيق.

يأتي هذا الاعتراف -الذي نشر في تقرير طويل على موقع الجامعة- في الوقت الذي تعيد فيه سلسلة من المؤسسات الرائدة، مثل بنك إنجلترا وكنيسة إنجلترا، تقييم الدور المركزي الذي لعبته العبودية في إثراء بريطانيا، وكيف استفادت من الظلم المرتبط بالعبودية؟

تبرعات من أموال العبودية

وقالت الجامعة -التي تأسست قبل قرابة 8 قرون- إن تحقيقا طلبت إجراءه لم يصل إلى أي دليل على أن الجامعة نفسها امتلكت أي عبيد أو مزارع استعباد بشكل مباشر، لكنها أظهرت أنها حصلت على “فوائد كبيرة” من العبودية.

وذكر تقرير التحقيق أن الاستفادة جاءت من خلال المتبرعين للجامعات الذين كسبوا أموالهم من تجارة الرقيق، كما أن الجامعة استثمرت في الشركات التي شاركت في هذه التجارة، وحصلت على رسوم من عائلات تملك مزارع يعمل فيها الرقيق.

وخلص الباحثون إلى أن زملاء من كليات كامبريدج تعاونوا مع شركة الهند الشرقية، في حين كان لمستثمرين في الشركة الأفريقية الملكية أيضا صلات بكامبريدج، وكلتاهما كانت تعمل في تجارة الرقيق.

كما تلقت الجامعة تبرعات من مستثمرين في كلتا الشركتين، واستثمرت أيضا بشكل مباشر في شركة أخرى تعمل في تجارة الرقيق، وهي شركة “البحر الجنوبي”، إذ “ساعدت هذه المشاركة المالية في تسهيل تجارة الرقيق وجلبت فوائد مالية كبيرة للغاية لكامبريدج”، وفقا للتقرير الذي أعدته مجموعة من الأكاديميين في الجامعة البريطانية العريقة.

وقال تقرير “موروثات الاستعباد” إن “مثل هذه المشاركة المالية ساعدت في تسهيل تجارة الرقيق، وجلبت عائدات مالية كبيرة للغاية لكامبريدج”، وبالإضافة لذلك كان عدد من خريجي كلية كامبريدج يمتلكون مزارع العبيد في الأميركتين.

وأضاف أنه في حين أن دعاة إلغاء عقوبة الإعدام البارزين مثل ويليام ويلبرفورس، تلقوا تعليمهم في كامبريدج وطوروا حملاتهم بها، فإن إرثهم الكامل يحتاج إلى مزيد من الدراسة، ودافع أعضاء بارزون في الجامعة أيضا عن الأسس الفكرية لتجارة الرقيق.

واعتبرت الجامعة أنها -بلا شك- قد “استفادت اقتصاديا من الاستغلال الاستعماري، الذي كان قائمًا على عمل العبيد كما فعلت الدولة ككل، ويستمر الإرث الاقتصادي لهذا المكسب في بعض النواحي”.

أخطاء تاريخية

وذكر تقرير الجامعة أنها تخلد ذكرى عدة شخصيات دون الإشارة إلى تورطهم.

ولا يشير تمثال ويليام بيت الأصغر، وهو عضو البرلمان عن الجامعة الذي كان رئيسا للوزراء في نهاية القرن الـ18، إلى مساعيه لوقف إلغاء العبودية أو لاستعادة العبودية في هايتي بعد الثورة هناك.

وفي الوقت نفسه، تأسس متحف “فيتزويليام” (The Fitzwilliam Museum) بأموال وأعمال فنية موروثة من مسؤول ينتمي لشركة البحر الجنوبي.

وردا على التقرير، قالت الجامعة إن المتحف سيقيم معرضا عن العبودية والسلطة في العام 2023، في حين أوصى متحف كامبريدج للآثار والأنثروبولوجيا بإعادة القطع التي لديه من مجموعة “بنين برونز”، التي نُهبت خلال حملة عسكرية عنيفة في القرن الـ19 من منطقة أصبحت فيما بعد جزءا من نيجيريا الحالية.

وأعادت إحدى كليات كامبريدج قطعا أخرى من مجموعة بنين برونز العام الماضي، وفعلت جامعة أبردين في أسكتلندا الشيء نفسه.

وتبحث مؤسسات بريطانية أخرى أيضا في مجموعاتها. وقال بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) في أغسطس/آب الماضي إنه أزال أعمالا فنية تصوّر محافظين سابقين لهم صلات بالعبودية.

وقالت كامبريدج إنها ستنشئ أيضا مركزا مكرسا لأبحاث موروثات الاستعباد، وتعمّق العلاقات مع جامعات في منطقة البحر الكاريبي وأفريقيا، وتزيد المنح الدراسية للدراسات العليا للطلاب البريطانيين ذوي البشرة السمراء وكذلك الطلاب من أفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي.

وقال ستيفن توب نائب رئيس الجامعة، في تعليق على التقرير، “لا نستطيع تصحيح أخطاء التاريخ، لكن يمكننا أن نبدأ بالاعتراف بها”.

الإمبراطورية وتجارة الرقيق

وجرى الكشف عام 2013 عن وثائق تاريخية عن مدى ضلوع بريطانيا في تجارة الرقيق، وعن العائلات البريطانية التي صارت غنية بحصولها على تعويضات تقدر بمليارات الدولارات بأسعار اليوم من تلك التجارة بعد إلغائها في القرن الـ19.

ونقلت صحيفة “الإندبندنت” (The Independent) البريطانية عن الدكتور نيك درابر من جامعة كوليج لندن -الذي اطلع على مستندات التعويضات- قوله إن خُمس الأثرياء البريطانيين في عصر الملكة فيكتوريا التي حكمت بريطانيا بين عامي 1837 و1901، جمعوا ثرواتهم كلها أو جزءا منها من تجارة الرقيق.

نقلت السفن البريطانية بين عامي 1800 و1810 نحو 3 ملايين عبد عاشوا بعدها حياة السُخرة (غيتي)

وأضافت الصحيفة أن ثمة عائلات ثرية في كل أنحاء بريطانيا ما فتئت حتى اليوم تستمتع من عائدات تلك التجارة التي آلت إليهم.

وكانت تجارة الرقيق مصدرا رئيسيا للثروة في الإمبراطورية البريطانية، إذ كان العبيد يُسخَّرون للعمل في تجارة السكر بجزر الهند الغربية، وزراعة القطن في شمال أفريقيا، ولم يقتصر الثراء من تلك التجارة على سادة العبيد وحدهم، بل هناك من استثمر في نقل الأفارقة لاستعبادهم. ونقلت السفن البريطانية بين عامي 1800 و1810 نحو 3 ملايين عبد عاشوا بعدها حياة السُخرة.

وأقر ولي العهد السابق (الملك حاليا) تشارلز الثالث في العام 2018 بدور بلاده في تجارة العبيد، معتبرا أنها من الفظائع المروعة التي “تركت وصمة لا تمحى على تاريخ عالمنا”، وقال في كلمة له في دولة غانا -التي كانت مركزا كبيرا لاحتجاز العبيد الأفارقة قبل شحنهم بعيدا عبر المحيط الأطلسي- إن “الظلم العميق الذي حدث في الماضي لا يمكن نسيانه مطلقا”.

وألغت بريطانيا تجارة العبيد عبر الأطلسي في العام 1807، لكن الإلغاء الكامل للعبودية لم يأت إلا بعد جيل آخر.

حراك ضد رموز العبودية

وقبل عامين، أسقط متظاهرون غاضبون التمثال البرونزي لتاجر الرقيق إدوارد كولستون (توفي 1721)، بعد 125 عامًا من بنائه، قرب ميناء نهر بريستول جنوبي غربي بريطانيا، الذي كان أحد أهم موانئ تجارة الرقيق في بريطانيا.

وطالب متظاهرون بإزالة نصب تاريخي للزعيم البريطاني ونستون تشرشل، الذي يتهم بتبني آراء عنصرية بيضاء، وبكونه مسؤولاً عن سياسات وحشية في الهند “درة تاج” الإمبراطورية البريطانية السابقة.

وفي المقابل، أزالت سلطات العاصمة البريطانية في عام 2020 تمثال تاجر العبيد الشهير روبرت ميليغان، الذي امتلك سفنا في القرن الـ18 وعمل في تجارة العبيد، وتم اتخاذ القرار استجابة للالتماسات التي دعت إلى إزالته، مما يدل على أنه يمكن للمؤسسات اتخاذ قرارات مهمة في هذا السياق.

المصدر : الجزيرة + رويترز + الصحافة البريطانية

زر الذهاب إلى الأعلى