ثقافة

“حَجَرُ الأرض”.. أحمد فال الدين يستعرض صراع “الغزاة والحماة” في أفغانستان

تجذر حضور التاريخ وفلسفته كمحرك فاعل وناظم ومفسر للوقائع المعاصرة في أفغانستان، وربطه بفلسفة الجغرافيا “المتعدية” للجغرافيا السياسية، هذه الفلسفة التي تستحضر جغرافيا أفغانستان لمعرفة أغوار القول فيها والقول عنها على حد تعبير فيلسوف الجغرافيا محمد بلفقيه وجعلها أنموذجا لفهم الحاصل وفهم سياقه وأبعاده، هو بالضبط ما دفع الباحث والصحفي أحمد فال الدين، الذي عمل مراسلا تلفزيونيا ميدانيا لقناة الجزيرة، أن يكتب عن هذه البلاد.

أضاف فال الدين كتاب “حجر الأرض: صراع الغزاة والحماة في أفغانستان” الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات لهذه السنة لأعماله السابقة مثل “في ضيافة كتائب القذافي” كتاب عن تجربة اعتقاله في طرابلس أثناء تغطية أحداث الثورة في ليبيا بداية عام 2011، وتحريره لكتاب “مطارحات في الفكر والدولة والمجتمع” (2013) وغيرها.

هذا الكتاب الذي يربط كل الأحداث المعاصرة المهمة بنسيج معرفي وسردي محكم، يجمع بين حادثة تحرك الدبابات السوفياتية جنوبا مساء 24 ديسمبر/كانون الأول 1979، لغزو أفغانستان، ليمر بدخول المقاتلات الأميركية جبال الهندوكوش مساء 7 ديسمبر/كانون الأول 2001 لغزوها مجددا، وانتهاء بخروج الولايات المتحدة الأميركية منها مؤخرا، هذا الحدث الأخير عاشه الكتاب كموفد لقناة الجزيرة لتغطيته عن كثب،  حيث نجح بفضل بعد تكوينه الفلسفي والأدبي الكبير من إعطاء تغطيته عمقا كان حاضرا في المقابلات التي أجراها مع قياديي حركة طالبان، والتي انتزع عبرها تصريحات عميقة تظهر أبعادا لم تظهر من قبل عن أفغانستان وطالبان وقيادتها.

الكتاب تجسيد لمحاولة صحفي تسلح بأدوات البحث الأكاديمية لتجنب استنساخ تجارب كثير من الصحفيين الذين يعميهم الخبر اليومي الجاف المنبت عن جذوره التاريخية، وشروطه الحضارية.

وهنا قدّم لنا الكاتب عبر هذا الكتاب أدوات ليس فقط لفهم واقع أفغانستان، بل كذلك لفهم كيف يمكن أن تكون الصحافة فضاء لتقديم نظرة فوقية مازجة بين اليومي والتاريخي، واللحظي والحضاري، تمنح المرء ثباتا في عالم متقلب، وتمده بفهم ليوميات الأخبار المتلاحقة.

الصحفي والكاتب أحمد فال الدين عمل مراسلا تلفزيونيا ميدانيا لشبكة الجزيرة، ومنتجا أول بقطاع ضبط الجودة (الجزيرة)

وفي هذا السياق التقت الجزيرة نت المؤلف وكان هذا الحوار:

  • القارئ للكتاب يلمس بشكل واضح جنوحك للتاريخ وفلسفته، حينما تتفاعل مع الجغرافيا الأفغانية التي تربطها بامتدادها التاريخي الخراساني، وبين أحداث الحاضر الأفغاني ووقائع الماضي الخراساني، هل تريد إخبارنا أن كل شيء يسكن التاريخ وفلسفته، وأن إدراكهما كفيل بفهم ما يحصل اليوم في أفغانستان؟

هو كذلك. فالكائن الإنساني إنما هو منتج تاريخي فحسب، فنحن لو أخذنا أي بقعة من بقع هذه الأرض وتفحصنا حاضر سكانها لوجدناهم نتائج ثقافية واجتماعية لما مر بأجدادهم من تحولات وحروب وصراعات وأفكار وثقافات، وحتى من طفرات جغرافية. فالقراءة اللحظية للأحداث المغروسة في حمأة التاريخ قراءة كليلة مبتورة. ومن هنا -ربما- كان اهتمامي بالأبعاد التاريخية للأحداث التي غطيتها في أفغانستان كما أشرتم. ثم إن أي باحث يملك حسا تاريخيا يسحره التاريخ في بيئة مثل أفغانستان.

فجبال أفغانستان ليست مكانا رماديا بعيدا عن زعازع (اضطرابات) التاريخ، بل ظلت دائما في بؤرة الملحمة البشرية، ومأساة الإنسان. ولذا يحسن بمن يتناول حاضرها الميل على شيء من ماضيها لفهم واقعها المتكشف الكثيف.

ونحن -معاشر الصحفيين- كثيرا ما نقع في الاختزال والاستعجال أثناء التغطيات بسبب طبيعة عملنا. فالصحفي -التلفزيوني خاصة- محكوم بدقيقة أو دقيقتين ليحكي فيهما قصة متشابكة متشاجرة. وهذا يجعله يلجأ للعناوين بدل التفاصيل، وللمحات بدل التفصيلات. ولهذا رأيت أن من حق المشاهدين عليّ أن أكتب نصا آخر أحكي فيه ما كان يدور بذهني أثناء تلك التغطيات المقتضبة، وأروي فيه ما كان الزمن والمساحة المتاحة يلجماني عن البوح به.

  • نجد أنك تستحضر في الكتاب “الذاتي” باستحضار تجاربك الشخصية، وتنطلق منها نحو فكرة “موضوعية” بشأن ما هو حاصل بين الولايات المتحدة وأفغانستان، كيف تستطيع الجمع بينهما، أي انتقالاتك السلسة بين الذاتي والموضوعي لبناء أفكار صلبة مدعومة بالحجة والبرهان، لتقدم لنا تصورا واضح المعالم عما يحدث في أفغانستان؟

هذا ما حاولته، ولا أدري أوُفقت فيه أم لا. ما أراه أن الصحفي ينبغي أن يعايش تغطياته بقلبه وعقله وأن يؤنسنها وسعه. فلا يتعاطى معها باعتبارها أمرا بعيدا عنه، أمرا متعاليا هناك.. كأنه يحكي عن أقوام لا صلة له بهم. بل عليه تأمل حالهم من خلال تأمل حاله.

وهنا تظهر البقعة المقدسة التي يلم كل صحفي ممتع بإنسانيته بالوقوف فيها: وهي أن يقترب حتى يرى ذاته في الآخر موضوع التغطية، ثم يحافظ في الوقت عينه على تركيزه وموضوعيته (ولا أقول حياديته) ليقوم بمهمته على أكمل وجه. فالصحفي المتحفظ، ذو العينين المفتوحتين يستطيع تقديم الخبر في صيغة إنسانية تمزج بين تجاربه الذاتية، وقصص الآخرين موضوع الحديث، مع شيء من التشويق النابع من قصص الإنسان. وبذا، فقد حاولت أن تكون مشاهداتي -باعتباري إنسانا أولا- رافدا لحكاية قصص الآخرين كذلك.

  • قراءاتك المركبة عن أفغانستان وخراسان عموما، لم تمنعك من تعزيزها بمقابلات مع من كان يصنع واقع طالبان وأفغانستان، هل محرك هذه المقابلات هو واجب الصحفي الساعي للتحقق والتحقيق، أو الباحث الأكاديمي الرصين الذي يسعى لفك طلاسم الواقع وتحريره من تجاذبات التوظيفات الإعلامية له، أو هو خليط بين الأمرين كحال “الذاتي” و”الموضوعي” معك، وخاصة أنك كنت ترى أن الصحفي هو باحث ولكن بلغة إعلامية، والباحث هو صحفي ولكن بأدوات أكاديمية؟

نعم، الصحفي -في النهاية- مخلوق لحظي آني. فعودته للماضي إنما تنبع من تقديسه للحاضر وانشغاله به، وحرصه على فكه وتركيبه. ولذا كان من الضروري تطعيم مادة الكتاب بمقابلات مع أشخاص صنعوا اللحظة التي كنت أرقب، وهي لحظة الانسحاب الأميركي من كابل. فالعودة لهم عوة للماضي -باعتبار المفاوضات التي شاركوا فيها غدت ماضيا- ثم هي عودة للحاضر لأنهم ما زالوا فاعلين في المشهد ومنفعلين بيومياته. ومن هنا جاءت المقابلات مع ناس كرئيس وفد المفاوضات شير عباس ستانكزاي، وغيره من الشخصيات الطالبانية الشاهدة على لحظات فارقة من التاريخ المتكشف أمام أعيننا.

والصحفي -كما أشرتم- لا ينجح إذا لم يكن باحثا. فعندما يتحول لآلة تنقل الواقع ببغائيا فقد فشل في مهمته، لأنه لا يوجد في هذه الدنيا واقع غير مركب. والتركيب يتوسل للبحث والفهم والتحليل. وبهذا، فالصحفي باحث كما تفضلتم. لكنه ليس باحثا أكاديميا ساكنا، بل هو باحث حيوي منغرس في الواقع، لا أسير للنظريات والسرديات التي يتلهى بها الأكاديميون. فهو أقرب إلى المنهج الواقعي منه إلى المنحى المثالي، بالمعنى الفلسفي للعبارة. فالميدان والشارع والصورة والناس هم مصدر مادته الأولى وأسياد حكايته، لا الأطر الذهنية والمذاهب الأكاديمية المنبتة عن الواقع الصاخب للحياة.

  • قدمت لنا عبر رؤيتك لفلسفة تاريخ وجغرافيا أفغانستان وكذا عبر مقابلاتك المهمة التي جمعتك بمحيط طالبان، صورة جديدة عن الملا عمر “حجر الأرض”، وحررته من أسر الصورة النمطية التي صنعها الغرب بأدواته الإعلامية، وكان تحريرك هذا مساعدا لفهم طبيعة حركة طالبان التي جسدت مقاومة للغزو الغربي أساسا، هل يمكنك أن توضح لنا الأمر أكثر؟

نعم، نحن -معاشر المنحدرين من بلدان العالم الثالث- نعيش عصرا يفرض علينا فيه كل شيء. لا يفرض علينا نمط العيش ووسائله فحسب، بل تفرض علينا التصورات عن ذواتنا وعن الآخر. فالإعلام العالمي -إلا النادر- صدى ببغائي لحفنة من وكالات الأنباء تتولى صياغة المصطلح وصناعة الصورة. وهذه الوكالات بعيدة ثقافيا ونفسيا من الإنسان الأفغاني أيام السلم، فكيف في أوضاع الحروب. فإذا جاءت تصفه أو تتحدث باسمه في حضوره -على لغة إدوارد سعيد- فإنها تصوره وفق صورها وتصوراتها المثقلة بالتاريخ، والنمطية، وتاريخ الصراع.

ومن هنا فالصورة التي نقلت عن الملا عمر صورة مرسومة رسما. ولذا حاولت أن أخرج الرجل وأنقله كما رآه الأفغان القريبون منه. فتحدثت مع حراسه ومعاونيه للاقتراب من صورته أكثر. وقد وفقت -بتوفيق الله- في الحصول على معلومات تنشر لأول مرة عن حياته إبان الاختفاء، وطبيعته، ومزاجه، ولحظات اقتراب الأميركيين منه، ويومياته، ويوميات المحيطين به الذين ظلوا أوفياء له رغم العروض الأميركية المالية السخية لمن يدلي عنه بمعلومات.

لقد كانت قصة تشبث شباب فقراء بحماية الملا عمرا قصة من قصص الإنسان، وتذكيرا بقدرته على التضحية من أجل مبادئه بكل بهارج الدنيا، والوقوف صلبا أمام أقوى قوة فيها. كان الاطلاع على تلك التفاصيل دروسا فلسفية عن الإنسان بالنسبة لي.

  • قراءتك لتاريخ خراسان وأفغانستان يظهر أن تلك البقعة الجغرافية “مقبرة للإمبراطوريات” على حد تعبير جو بايدن، ولكن يظهر كذلك استمرارية القلاقل داخلها، هل هو استشراف منك بأن واقع أفغانستان في ظل استمرارية المطامع، سيظل معضلة أمنية للجميع؟

أفغانستان مصابة بما وصفته في الكتاب بـ”لعنة الحسناء”. تلك الحسناء التي يغدو جمالها سبب الوبال عليها، فموقعها الإستراتيجي يجعلها أبدا مأوى أفئدة الإمبراطوريات. فقد كانت تاريخيا تتربع على طرق القوافل، وظلت جبالها ممرا ضروريا لأي إمبراطوري ذي تفكير كوني. ومع تراجع مكانتها الإستراتيجية بعد اكتشاف الطرق البحرية والطيران فإنها تظل محورية كذلك. فهي ترقد قرب القوى الصاعدة: الهند والصين وروسيا، ولذا سيظل الحضور فيها محوريا لدى جميع القوى الكبرى في المدى المنظور.

أما عن استقرارها فهذا قرار أميركي. فلو أن الأميركيين فكوا الحصار عنها ومنحوها فرصة التنفس فإمكان طالبان -برأيي- توفير استقرار أمني وحياة اقتصادية جيدة، لكن الأميركيين قرروا معاقبة الأفغان على بسالتهم، وضيقهم باستعمارهم، وهزيمتهم إياهم في رابعة النهار. ولذا ما زالت واشنطن تحاصر أفغانستان، وما زالت صورة الجندي الأميركي الفار لا يلوي على شيء تطارد واشنطن. ولذا لم تعترف أي دولة بحكومة طالبان حتى اللحظة بسبب الولايات المتحدة حسبما أخبرني مسؤول أفغاني. وهذا أمر لافت أخلاقيا، فطالبان باقية في المدى المنظور، وإنما المعاقب الشعب الأفغاني الذي وفر خزانا روحيا وجهاديا لطالبان لطرد المحتلين.

أحيانا، ينتابني ضيق من أن طبيعة الواقع المعاصر تنمطنا وتحد من رؤيتنا وفهمنا للأشياء. فوجود دول قوية تتصرف في بنية الدنيا اقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا يجعلنا لا نرى الخطأ خطأ. فما دامت القوى الكبرى وصمت دولة ما بأنها مارقة فنحن -لا إراديا- ننجر وراء تلك المحكية، عاجزين عن توسيع أخيلتنا، والتفكير في أن هذه الدولة “المارقة” قد تكون محقة في مروقها، عاجزين عن رؤية الظلم الذي يضعه القوي، والشروط المجحفة التي يمليها.

  • هناك امتداد تاريخي للصمود الذي ابتدأ خرسانيا واستمر أفغانيا، ولكن في المقابل هناك ضمور في عملية إنتاج العلماء والأكاديميين إذا ما قارنا أمجاد الأمس وواقع اليوم الأليم، ألا يجعلنا هذا أمام مجتمع لا يعرف سوى الحرب وفنونه، فيما لم يعد يعرف شيئا عن “الحضارة” وسننها، والسلم ومنطقه؟ بصيغة أخرى هل طالبان مؤهلة للتعامل مع شروط ومستلزمات الدولة الحديثة أو أنها عالقة بين خلافة منشودة وواقع مختلف؟

لا خلاف أن الهوة مخيفة بين واقع اليوم وصورة الأمس. وهنا نعود للتاريخ كرة أخرى. فأنا أوافق المؤرخين الذين ذكرت كلامهم ضمن الكتاب في أن وسط آسيا المسلم -خاصة أفغانستان- لم يتعاف بعد من ضربات جنكيزخان، فالتدمير غير المسبوق في التاريخ الذي تعرضت له بنية الحضارة في أفغانستان فوق التخيل.

تخيل أن أجمل المدن وأفضل المناطق الزراعية في العالم يومها قتل سكانها كافة. فأصبح نظام الري الذي طور فيها على مدى آلاف السنين خاويا لا يوجد على ظهر الأرض من يعرف كيف يديره. ومن يذهب لأطلال المدن القديمة مثل بلخ وبست يعرف حجم الفاجعة. لذلك أوافق لويس دبري في “أن ضربة المغول لأفغانستان كانت مثل الضربات النووية، غير أن هيروشيما وناغازاكي تعافتا ولم تتعاف المدن الأفغانية حتى اليوم”.

هذا كلام لمؤرخي القرن الـ21، أما المؤرخون القدماء فقالوا الكلام نفسه بل أشد، وهنا تحضر عبارة الحميري معلقا على الدمار الذي فعله المغول هناك، حيث قال عنهم: “فسبحان من أرسلهم لطي محاسن الدنيا”.

نعم، طويت “محاسن الدنيا”، كالتطور العلمي الذي أشرت له بسبب مسار تاريخي طويل، مضافا إليه التاريخ المعاصر. فهذه الأمة تحت القصف منذ 41 عاما، لم تأخذ نفَسا واحدا منذ دخل الروس إليها نهاية السبعينيات حتى رحيل الأميركيين في 30 من أغسطس/آب 2021. وها هي الآن تخضع لحصار أميركي ماحق. إن الاستقرار شرط للإنتاج العلمي، فمن الصعب على من يعيش تحت الرصاص أن يراقب مختبرا 10 ساعات.

ثم إني أتوجس كثيرا من عبارات مثل “هل طالبان مؤهلة للتعامل مع شروط ومستلزمات الدولة الحديثة”؟ هذه العبارات -برأيي- يصنعها القوي لمحاصرة المغلوب نفسيا بعد محاصرته اقتصاديا واجتماعيا. فطالبان بسطت يدها طالبة الانخراط في كل شيء من شروط العالم اليوم ودوله “الحديثة”، وقبلت كل ما طلب منها.

كان لديها شرط وحيد وهو خروج المحتلين من بلادها. ما عدا ذلك هي مستعدة لكل شيء. لكن الولايات المتحدة لم ترحب بها ولم تقبلها “دولة حديثة” بل تريد خنقها اقتصاديا وحصارها أخلاقيا حتى يتسنى لها الاستمرار في إفشالها، كما فعلت في غزة والأمثلة تطول.

طالبان حركة وطنية مثل حركة التحرير في الجزائر، وحزب المؤتمر الوطني الأفريقي (رئيسه كان متزوجا من 4 نساء ويستقبل في واشنطن معهن) ولها وجه اجتماعي محافظ، لكنه ليس عائقا حقيقيا أمام انخراطها في أي شيء معاصر.

زر الذهاب إلى الأعلى