ثقافة

رأس سبارطيل.. تعرف على أقدم منارات المغرب

الرباط- في ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي شمال المغرب، تنتصب منارة رأس سبارطيل، وهي واحدة من أقدم المنارات في المملكة.

حصلت هذه المنارة مؤخرا على لقب “المنارة التراثية” لعام 2023 من طرف مجلس الجمعية الدولية للتشوير البحري، لتكون بذلك المنارة العربية والأفريقية الوحيدة الحاصلة على هذا اللقب، بالنظر لتاريخها العريق وأدوارها المهمة وطابعها المعماري الفريد.

مدخل منارة رأس سبارطيل (الجزيرة)

دور ملاحي مهم

لا يمكن زيارة شمال المغرب دون التوقف في منطقة رأس سبارطيل، وهي قمة صخرية جبلية تقع على بعد 14 كلم غرب طنجة، حيث ملتقى بحرين و3 قارات.

تتميز المنطقة بتنوع نباتي وغابوي مهم، وبوجود كهوف ومغارات نحتتها مياه المحيط، إلى جانب منارة يتجاوز عمرها قرنا ونصفا من الزمان.

بعد انحسار خطر القراصنة الذين كانوا يهددون السفن العابرة للبحر الأبيض المتوسط خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، أصبح غرق السفن هو التهديد الأول والأخطر في هذه السواحل.

وتعد حادثة غرق الفرقاطة التعليمية البرازيلية “دونا إيزابيلا” سنة 1860، أخطر الحوادث التي شهدتها المنطقة، إذ أودت بحياة 250 من الطلبة الضباط، مما جعل الحاجة ملحة لتأمين مرور السفن.

بعد سنة من ذلك، أمر السلطان العلوي محمد بن عبد الرحمن ببناء منارة في رأس سبارطيل، واستمرت أشغال البناء سنتين تحت إشراف مهندس فرنسي وبيد عمال محليين مؤهلين، فيما تطلب استيراد لوازم الإنارة وتركيبها وضبطها سنة كاملة.

أثار تشييد هذه المنارة وافتتاحها في أكتوبر/تشرين الأول 1864 مخاوف الدول الكبرى من استغلالها في فترة الحرب من طرف الخصوم، لذلك طالبت بريطانيا وفرنسا وإسبانيا السلطان المغربي بإبرام تفاهم يضمن حياد المنارة، ووقعت 10 دول من بينها الولايات المتحدة الأميركية سنة 1865 اتفاقية بهذا الشأن.

ويتضمن الاتفاق تكاليف ونفقات تشغيل المنارة وصيانتها، فيما أوكلت مهمة المراقبة للجنة دولية تتناوب الدول الموقعة على الاتفاقية على رئاستها سنويا.

ويؤكد رئيس مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية عبد العزيز الزناتي، للجزيرة نت، أن المنارة لعبت منذ تشييدها أدوارا متنوعة، سواء على مستوى الملاحة البحرية أو على مستوى الأبعاد الجيوسياسية، وهو ما جعلها من أبرز المنارات المغربية التي تحظى بمكانة خاصة وباعتراف دولي.

المغرب/ طنجة/ سناء القويطي/ مدخل منارة رأس سبارطيل/ مصدر الصورة: سناء القويطي
مدخل منارة رأس سبارطيل (الجزيرة)

هندسة معمارية أندلسية

تتميز منارة رأس سبارطيل بهندسة معمارية مستوحاة من عمارة المساجد الأندلسية، وفق توضيحات وزارة التجهيز والماء، وتتميز أيضا بقاعدتها الواسعة وشكلها الذي يشبه الصومعة النموذجية المغربية. ويبلغ علوها 31 مترا، ولها سلم حلزوني يتألف من 101 درجة، و”درابزينات” من خشب الماهونجي تفضي إلى مصباح المنارة الذي يضم النظام الضوئي، وعند نهاية هذا السلم شرفة تطل على منظر بانورامي رائع لكافة شواطئ المدينة.

تقع منارة رأس سبارطيل في بيئة ذات ظروف مناخية قاسية، مما يستدعي إجراء صيانة دورية لها. وهكذا خضع المبنى لعدة عمليات ترميم، تم تنفيذ آخرها عام 2013. وقد حافظت أشغال الترميم على الملامح الأصلية للمبنى، وصانت أصالة الهندسة المعمارية الأندلسية بوصفها تراثا يوثق لتاريخ المدينة والبلد على حد سواء.

وأوضحت صفاء اليزيدي المسؤولة بمديرية الموانئ والملك العمومي البحري في وزارة التجهيز، للجزيرة نت، أن منارة رأس سبارطيل استفادت من أعمال إعادة تأهيل خصصت لها مليوني درهم (192 ألف دولار) لصيانة المبنى والمعدات الفنية، وذلك في إطار خطة وزارة التجهيز للحفاظ على التراث التاريخي والمعماري لمنارات المملكة.

وأضافت أنه في يوليو/تموز 2021، افتتحت المنارة للجمهور كجزء من الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بعد إنشاء المتحف الوطني للمنارات والتشوير البحري فيها. ويعرض هذا المتحف التاريخ البحري المغربي ومجموعة مهمة من المعدات التقنية المتعلقة بالمنارات.

من جهته، أكد عبد العزيز الزناتي على ضرورة استثمار القيمة التاريخية للمنارة وموقعها المميز، لتحقيق مردودية أكبر وجعلها ذات جذب قوي ونقطة رئيسية في المسارات السياحية للمدينة، خاصة خارج فصل الصيف.

المغرب/ طنجة/ سناء القويطي/ ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي بمنطقة رأس سبارطيل بطنجة / مصدر الصورة: سناء القويطي
ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي في منطقة رأس سبارطيل بطنجة (الجزيرة)

تنوع نباتي

ويتميز محيط منارة رأس سبارطيل بتنوع نباتي مهم، أفرزه تأثير البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.

ويوضح عبد العزيز الزناتي أن النظام البيئي في المنطقة يعتبر من أهم النقاط الساخنة من حيث التنوع البيولوجي النباتي والحيواني في طنجة، ومن أندر المشاهد البيئية الساحلية، حيث يوجد تناغم خاص بين المكون القاري الغابوي والمكون البحري العميق نسبيا.

وتعد أشجار الصنوبر المكون الأساسي للنظام البيئي في “رأس سبارطيل”، والذي يضم كذلك عدة أنواع نباتية محلية كالدرو مثلا، أو مزروعة كأشجار الأوكاليبتوس.

أما من ناحية منطقة الوحيش، فتعتبر المنطقة -بحسب المتحدث- مرتعا حقيقيا للطيور المستوطنة والمهاجرة، إذ يمكن الاستمتاع بمشاهدة مرور النحام الوردي واللقالق وغيرها من الطيور في مشهد نادر يوثق وصولها من قارة أوروبا إلى أفريقيا. هذا بالإضافة إلى كون غابة سبارطيل تضم العديد من الحيوانات الأخرى، من الزواحف و البرمائيات والحشرات التي تزيد من التنوع البيولوجي والدور الإيكولوجي للموقع، مما يؤشر على غناه وقيمته الاستثنائية.

منارة تراثية

وحصلت منارة رأس سبارطيل على لقب المنارة التراثية لعام 2023 التي تمنحها الجمعية الدولية للتشوير البحري، وذلك بعد منافستها 41 ملف ترشيح من 20 دولة.

وأطلقت الجمعية الدولية للتشوير البحري ووزارة المحيطات والبحار الكورية لقب المنارة التراثية سنة 2018، في إطار ما سمي بإعلان أنشيون.

وتشير صفاء اليزيدي إلى أن هذا الإعلان أتاح النظر إلى المنارات من منظور مختلف، يتجاوز أدوارها التقنية في التشوير البحري وإرشاد البحارة، إلى الاعتراف بقيمتها التراثية وأدوار الثقافية والتاريخية.

ويهدف هذا اللقب إلى تسليط الضوء على المنارات ذات الإمكانيات الثقافية والتراثية المهمة، والتي تم تثمينها والمحافظة عليها من طرف المصالح المختصة للبلد، كما تهدف إلى التعريف بهذه المنارات على الصعيد العالمي.

ومنذ إطلاقه، حصلت 4 منارات أخرى على اللقب، إذ فازت به منارة كوردون الفرنسية سنة 2019، ومنارة سانتا أنتونيو دي بارا البرازيلية سنة 2020، ومنارة كاب بايرون الأسترالية سنة 2021، ومنارة هوميكوت الكورية سنة 2022.

زر الذهاب إلى الأعلى