ثقافة

روايات وأعمال فنية راجت زمن الصراع مع إسرائيل.. هل دهس قطار التطبيع أدب الجاسوسية العربي؟

يقول الناقد الأدبي أحمد بلال إن روايات الجاسوسية تعاني خمودا وضعفا في الأيام الأخيرة، ربما بسبب رحيل روّاده الكبار الذين أثروا هذا الفن ومهدوا طريقه من دون أن يكون لهم تلامذة يمتلكون الأدوات، ويواصلون المسيرة.

القاهرة – بمرارة شديدة، تحدث الكاتب الراحل نبيل فاروق في حوار صحفي سابق لجريدة الدستور المصرية في تسعينيات القرن الماضي يشكو معاملة جافة تعرض لها حينما ذهب لمقابلة ضابط مخابرات برواية من سلسلة “رجل المستحيل” التي أولع بها الشباب في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وقوبل عرضه بتحويلها إلى فيلم بالرفض.

وبالتزامن، قال الجاسوس المصري الشهير الراحل أحمد الهوان -الذي جسد شخصيته الممثل عادل إمام في مسلسل دموع في عيون وقحة- إنه تمنى الموت مرارا لما لاقاه من تجاهل لتكريمه التكريم اللائق، ولاحقا كُرّم جثمان الهوان بحضور قيادات من جهاز المخابرات، كما نعى الجهاز في الصحف الكاتب نبيل فاروق الذي توفي عام 2020.

بدا الأمر كأن الأدب والأعمال الفنية المتعلقة بالجاسوسية وأبطالها وكتّابها لم تعد على رأس اهتمامات المخابرات بعد أن أدت هذه الروايات والأعمال الفنية مهمتها في ذلك الوقت، ولم يعد الوقت الحالي مناسبا لها، بيد أن تصريحا صحفيا صدر من وكيل سابق لجهاز المخابرات عقب تصريحات نبيل فاروق والهوان، يؤكد أن الجهاز ساعد وكرّم كل من تعاون معه، مؤكدا أن هذه الشكاوى لا تعدو أن تكون اعتقادا من أصحابها في استحقاق المزيد، من دون النظر إلى اعتبارات تتعلق بلوائح وضوابط تخص عمل الجهاز، حسب تعبيره.

وفي السياق، ذكر الضابط السابق -الذي رفض ذكر اسمه في تصريحاته الصحفية- أن الكاتب صالح مرسي كان يكتب الأعمال التي يقدمها تحت إشراف الجهاز، وأن مسلسل رأفت الهجان تحديدا كُلّف مرسي بكتابته فور علم الجهاز بقيام فنان كان صديقا لرفعت الجمال -الاسم الأصلي لرأفت الهجان- بالسعي لإنتاج مسلسل عن قصة حياته.

دعم مخابراتي

وكان من المعتاد أن يذكر في مقدمة ونهاية العمل الفني -سواء أكان فيلما أم مسلسلا- أنه من ملفات جهاز المخابرات العامة.

وقدم صالح مرسي (توفي منتصف 1996) أهم الأعمال المكتوبة للسينما والتلفزيون، وأشهرها مسلسل رأفت الهجان الذي يحكي قصة جاسوس مصر الأشهر في إسرائيل، وذلك ضمن سلسلة من الأعمال بدأها بمسلسل “دموع في عيون وقحة”، و”الصعود إلى الهاوية”، و”الحفار وحرب الجواسيس”.

ارتحال صالح مرسي من أدب الرحلات إلى أدب الجاسوسية جعله واحدا من أشهر كتّاب ذلك النوع الأدبي.

وهناك كتابات جاسوسية للكاتب إبراهيم مسعود، منها “إعدام ميت” و”بئر الخيانة” و”فخ الجواسيس”، ليتوالى اهتمام الدراما بالنصوص المخابراتية في عدد من الأعمال الأخرى.

وبرحيل مرسي وفاروق انزوى أدب الجاسوسية، ولم يعد هناك كاتب يمكن أن يشار إليه بالبنان، أو عمل بارز يعلق بالأذهان.

وظهرت أخيرا رواية لكاتب يدعى صموئيل العشاي يقدم نفسه على أنه كان مقربا من رئيس جهاز المخابرات الراحل عمر سليمان، أطلق على روايته اسم “الخفاش”، وهي رواية ذات طابع سياسي لا جاسوسي، ترتكز على اتهام جماعة الإخوان المسلمين بتدبير ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

وبدت النزعة نفسها على مسلسل “هجمة مرتدة” الذي أنتجته العام الماضي الشركة المتحدة -التابعة لجهاز المخابرات- إذ رأى مؤلف العمل وصنّاعه أن ثورة يناير/كانون الثاني كانت مؤامرة بتخطيط قوى دولية عاونتها قوى محلية، على رأسها جماعة الإخوان المسلمين.

ازدهار وانحسار

وقال الناقد أحمد بلال -في حديثه للجزيرة نت- إن روايات الجاسوسية ارتبطت بالصراع العسكري والتصعيد السياسي، لأن الجماهير حينئذ تكون معبّأة بالشعور القومي الذي يسهم في ترويج الرواية وإقبال الجماهير على قراءتها والتفاعل معها، فروايات الجاسوسية تكون من الروايات الرائجة تبعا لذلك الشعور القومي العام، وقد تستمر في رواجها في فترات الخمود والمسالمة.

ويكمل بلال “يكون رواج هذه الروايات آنذاك اعتمادا على ما تتضمنه من استحضار التاريخ اتكاء على الجانب الوجداني المتأصل في ضمير الأمة، أو اتكاء على ما تثيره من شغف وتشويق ماتع؛ على الأخص عندما يكون الخطاب الروائي موجها للناشئة من الفتيان في سن المراهقة ممن تتحفز مشاعرهم وتتطلع إلى الانتماء القومي والتشبث بالهوية”.

الناقد أحمد كريم بلال يرى أن روايات الجاسوسية تعاني خمودا وضعفا في المدة الأخيرة (الجزيرة)

وتابع الناقد الحاصل على جائزة “كتارا” في النقد الأدبي أن هذا النوع من الروايات قد عانى خمودا وضعفا في الأيام الأخيرة، ربما بسبب رحيل رواده الكبار الذين أثروا هذا الفن ومهدوا طريقه من دون أن يكون لهم تلامذة يمتلكون الأدوات، ويواصلون المسيرة، ولعل جو الموادعة والتطبيع العام الذي تشهده المنطقة العربية مع إسرائيل يجعل هذا النوع من الروايات محفوفا بخطر المواجهة مع السلطات التي يتوقع منها ألا تسمح لهذا النوع من الأدب بالرواج؛ لأنه -قطعا- سوف يسبب لها كثيرا من الحرج مع الصديق الإسرائيلي الذي قطعت شوطا كبيرا في التطبيع معه.

النقاد وحرب الجواسيس

وبيّن مدرّس الأدب والنقد بجامعة الأزهر عادل نيل، في كتابه “الرواية المخابراتية في الأدب العربي الحديث” الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة، أن اعتماد الرواية المخابراتية في جلّ الأعمال على حقائق وأحداث واقعية تحمل أبعادا توثيقية كان سببا في رفض بعض النقاد الاعتراف بفنيته.

وانعكست الهزيمة العربية في فلسطين عام 1948 ثم نكسة يونيو/حزيران 1967 على الأدب وكذلك ما أرساه ذلك الانهزام في العالم العربي من هزيمة نفسية؛ فبينما آثر فريق من المبدعين العودة إلى أحضان الريف والقرى في ما يكتبونه، آثر فريق آخر من الكتّاب أن يعرّي عوامل الزيف والهزيمة التي أوصلت المجتمعات العربية إلى هذا الحال، ومن جهة أخرى ظهر نمط من الكتابات يحاول إعادة الثقة بالشخصية العربية بإبراز دور أجهزة المخابرات وجهودها في الحرب ضد القوى الاستعمارية، حسب الكتاب.

ورصد المؤلف بواكير كتابات الجاسوسية، ومنها كتاب “قصتي مع الجاسوس” المنشور عام 1970 للكاتب والضابط السابق بالقوات المسلحة ماهر عبد الحميد، وتوالت أعماله في الاتجاه نفسه في ما بعد بعدد من الأعمال منها: “كنت صديقا لديان”، و”جاسوس فوق البحر الأحمر”.

ولفت المؤلف إلى كتابات نبيل فاروق الذي أسهم في مزيد من الشيوع لأدب الجاسوسية عبر أعماله المتعددة، ومن أبرزها سلسلة “رجل المستحيل” و”حرب الجواسيس”.

وازدهرت كتابات الجاسوسية في ذلك الوقت، ثم خرجت أعمال لم تحظ برواج أعمال نبيل فاروق، منها رواية “جاسوس” للكاتب عبد الله يسري عام 2008، ورواية “الثعبان” للكاتب إلهامي راشد التي كتبها من نسج خياله وليس اعتمادا على أحداث حقيقية.

وأدت جملة من العوامل إلى محدودية رواج الرواية المخابراتية مقارنة بغيرها، من ذلك صعوبة الحصول على المعلومات اللازمة لسرد الرواية نظرا لضوابط تخص نوعية العمليات المتناولة، ومن جهة أخرى “ثمة إهمال نقدي لهذا اللون الأدبي جاء نتيجة اعتقاد بعض النقاد أنه يفتقر إلى مقومات الإبداع والخيال باعتماده على أحداث حقيقية على الأرجح”، كما أن طبيعة الصراع في تلك الأعمال تفرض تكرار الشخصيات وإطارا فنيا محدودا للشخصيات والنتائج المتوقعة في العمل، حسب الكاتب.

زر الذهاب إلى الأعلى