ثقافة

“عروبيا” اليمين المتطرف التي صاغتها “بنت النيل”.. نظرية مؤامرة عن أسلمة أوروبا وتعريبها

في 22 يوليو/تموز 2011 فجّر النرويجي اليميني المتطرف أنديرس بيرينغ بريفيك -الذي كان يتنكر في زي شرطي- قنبلة قرب مقر الحكومة في أوسلو، مما أودى بحياة 8 أشخاص، وانتقل القاتل بعد ذلك إلى جزيرة أوتويا، حيث أطلق النيران على مدى ساعة وربع الساعة على نحو 600 مشارك في المخيم الصيفي لرابطة الشبيبة العمالية، متسببا في مقتل 69 شخصا، أغلبهم مراهقون.

أصبحت تلك الحادثة من أبشع المجازر المؤلمة والأكثر دموية في تاريخ البلاد بعد الحرب العالمية، ونشر بريفيك رسالة طويلة مكونة من 1500 صفحة، ادعى فيها أنه يحاول القيام بما أسماه “الجهاد المضاد”؛ بهدف “منع الانتحار الثقافي للقارة الأوروبية” التي تعيش بأكملها تحت حصار الأجانب المتسللين، متهما النخبة الأوروبية بالتواطؤ مع أعداء أوروبا الذين يتسللون محتمين بأيديولوجيا التعددية الثقافية.

“عروبيا”

واستخدم بريفيك مصطلح “عروبيا” الذي يصف نظرية مؤامرة يمينية متطرفة معادية للمسلمين، تزعم أن كيانات عالمية تقودها قوى أوروبية -خاصة فرنسا- وبلدان عربية، تسعى لأسلمة أوروبا وتعريبها، وتقويض ثقافتها والتنكر لأوروبيتها.

استخدم المصطلح للمرة الأولى من قبل الكاتبة البريطانية جيزيل ليتمان التي تسمي نفسها أيضا “بات يور” أو “بنت النيل”، وتختص في شؤون الأقليات المسيحية واليهودية في الشرق الأوسط، وتقول ليتمان -التي ولدت في القاهرة سنة 1933 لعائلة يهودية مصرية هاجرت لبريطانيا بعد العدوان الثلاثي عام 1965- إن “عروبيا” سياسات أوروبية مزعومة تهدف إلى تعزيز موقف أوروبا في مقابل أميركا عبر مواءمة مصالح القارة العجوز مع الدول العربية.

وتفترض ليتمان أن أحداثا مثل أزمة النفط في زمن حرب 1973 ولجان الحوار الأوروبي العربي تشكل موقفا مشتركا بين الدول الأوروبية والعربية في مواجهة أميركا وإسرائيل، وتقول إن أوروبا تحولت من حضارة يهودية-مسيحية ذات صبغة علمانية في حقبة ما بعد التنور، إلى حضارة خاضعة لأيديولوجيا الجهاد والإسلام، حسب تعبيرها.

وترى ليتمان أن قضايا معاداة أميركا وإسرائيل تشكل جوهر التعاون بين الحكومات العربية والإسلاميين من جهة والسياسيين الأوروبيين من جهة أخرى. وفي ذلك السياق يسهل “الخونة المحليين” غزو أوروبا من قبل المسلمين، وتخليصها من الثقافة الأوروبية واستبدالها بالعروبة والإسلام، كما ادعى أيضا بريفيك منفذ الهجوم النرويجي الدموي ومتطرفون آخرون، بينهم منفذ هجوم كرايست تشيرتش ضد المسلمين في نيوزيلندا.

وتفيد النظرية المتطرفة بأن النخب الأوروبية تتآمر لتحفيز هجرة المسلمين من بلدانهم إلى القارة الأوروبية، وتصور الجنرال شارل ديغول (توفي 1970) -الذي قاد المقاومة الفرنسية للنازيين وأصبح رئيسا لفرنسا بعد الحرب- خائنا للحضارة الغربية من أجل المال، ووصف من قبل المؤلفة بأنه انسحب من الجزائر لمنح دولة عربية مسلمة حريتها على حساب المستوطنين الفرنسيين والمسيحيين الذين اضطروا للانسحاب إلى فرنسا.

وولدت ليتمان لعائلة يهودية ثرية في القاهرة، وفر والدها الإيطالي من إيطاليا أثناء حكم موسوليني، وكانت والدتها من فرنسا، وهاجرت الأسرة عام 1957 ووصلوا إلى لندن بوصفهم لاجئين عديمي الجنسية.

ويُنسب إلى ليتمان استخدام مصطلح “الذمة” في سياقات خارج نطاقها التاريخي، إذ تناقشه بالتفصيل في كتابها “الإسلام والذمة.. حين تتصادم الحضارات”، وتدعي أن فكرة الذمة لا يمكن فهمها إلا في “سياق الجهاد والغزو المتشدد والحرب الدائمة ضد غير المسلمين”.

وتمثل فكرة “عروبيا” إلهاما كبيرا للعديد من نظريات المؤامرة في أقصى اليمين الغربي، وتصور ليتمان في كتابها الإسلام بأنه دين طفيلي وقمعي وهمجي، وترى أن المحور الأوروبي العربي تحول من مجموعة نقاش ثانوية إلى محرك أسلمة القارة، حيث تتحول المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية الأوروبية لأدوات “جهادية”.

ترسانة أفكار اليمين المتطرف

ويبدو موضوع التهديد الديموغرافي أساس تلك النظريات اليمينية، ويحذر منظروه من أن الإسلام -في وقت ما في المستقبل- سيستولي على أوروبا، أو كما قال برنارد لويس “ستكون أوروبا إسلامية بحلول نهاية القرن”.

وتنضم “نظرية عروبيا” لمجموعة من ترسانة أفكار اليمين القومي المتطرف في القارة العجوز، ويتم الربط بينها وبين “الاستبدال العظيم” للمفكر اليميني الفرنسي رينو كامو.

وتتشكل هذه النظرية من عنصرين أساسيين؛ يتمثل العنصر الأول في التوقعات الديموغرافية التي تقول إنه نظرا للهجرة الجماعية وارتفاع معدلات الخصوبة؛ فإن السكان من أصل غير أوروبي في طريقهم إلى تجاوز عدد السكان الأصليين في أوروبا، وهذا من شأنه أن يساعدهم في فرض ثقافتهم ودينهم على القارة.

من ناحية أخرى، يؤمن كامو بأن “الاستبدال العظيم” سيحدث نتيجة مؤامرة تنفذها “سلطة خفية”، وهي النخب الحاكمة الرأسمالية المناصرة للعولمة التي تدعم عمليات الهجرة الجماعية من أجل بناء عالم جديد تختفي فيه كل الخصوصيات القومية والعرقية والثقافية، ويصبح قابلا للسيطرة والتشكل بما يلبي احتياجات الاقتصاد المعولم.

ويستخدم منظور اليمين المتشدد مصطلح “الماركسية الثقافية” للإشارة إلى نظرية مؤامرة تدعي أن الماركسية الغربية هي أساس الجهود الأكاديمية والفكرية المستمرة لتخريب الثقافة الغربية من داخلها، ويتم تحميل “مدرسة فرانكفورت” الفلسفية مسؤولية إلهام الحركات التقدمية الحديثة وسياسات الهوية والصواب السياسي، مدعية أن هناك تخريبًا مستمرًا ومتعمدًا للمجتمع الغربي من خلال حرب ثقافية مخططة تقوض القيم المسيحية المحافظة التقليدية وتسعى إلى استبدالها بالقيم الليبرالية ثقافيًا منذ الستينيات.

وضمن ترسانة أفكار اليمين المتشدد تحتل رواية “مخيم القديسين” مكانة بارزة؛ إذ تنظّر لتدمير الحضارة الغربية عبر الهجرة الجماعية من العالم الثالث إلى فرنسا والغرب، وتبدأ بغزو من اللاجئين الهنود الجائعين لفرنسا.

رواية “مخيم القديسين” للمؤلف الفرنسي جان راسبيل صدرت عام 1973 (الجزيرة)

ويصور مؤلفها الفرنسي جان راسبيل (ولد 1925) انهيار الحضارة الغربية إثر موجات هائلة من مهاجري العالم الثالث، إذ تدخل جحافل المهاجرين من الجنوب وتهاجم أراضي فرنسا وتستهدف المواطنين الفرنسيين بدعم مجموعات يسارية وفوضوية غربية، وتنشئ حكومات مؤيدة للمهاجرين وتتقاسم المنازل مع السكان الأصليين وتجبر الملكة البريطانية على تزويج ابنها لامرأة باكستانية، كما تروى القصة في سويسرا آخر معاقل العالم الغربي التي تبدو كدولة مارقة في النظام الجديد نتيجة عدم فتح حدودها للمهاجرين.

وإذا كانت تلك الأفكار اليمينية المتشددة معتادة -في أعمال أدبية وفكرية عديدة- منذ عقود، فإنها كانت هامشية ولم تتحول لتيار سياسي جارف، وتصبح سائدة في وسائل الإعلام وحتى الأروقة الأكاديمية سوى في الأعوام الأخيرة، التي تحول فيها اليمين المتشدد لتيار سياسي يصل للسلطة أو يكاد في دول أوروبية عديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى