ثقافة

مصطفى وهبي التل “عرار” .. الشاعر الذي انحاز للمهمشين وأصبح رمزا للثقافة العربية في 2022

عمان – لفرط انفتاحه على الثقافة العربية والتاريخ والتراث، وانتمائه للأرض والطبيعة وإخلاصه للحرية وتمرده على كل شيء، لم يشأ مصطفى وهبي التل إلا أن يقرن اسمه بالنرجس البري، فاختار لنفسه اسم “عرار”؛ لتكون حياته كأسلافه من الشعراء العرب القدماء، برية، متمردة على كل شيء، تعشق الحرية التي يتيحها فضاء الصحراء.

كان وطنيا، وعروبيا وإنسانا، و”صعلوكا” بالمعنى الإبداعي، متعدد الاهتمام بين الشعر والقانون والترجمة واللغة والفكر والسياسة، منحازا للفقراء والمحرومين والمهمشين، معتبرا الشعر وسيلته للدفاع عن الحق كما القانون الذي درسه أكاديميا، منفتحا على آداب العالم، مقاوما للقهر والتسلط متحررا من كل سلطة، حتى سلطة الأب، وهو ما دفع ثمنه بالنفي والسجن.

ومن المؤكد أن إحساسه المفرط بالذود عن حقوق الإنسان مبكرا، ومعاناته الوجودية لأسئلة لم تشف غليلها الإجابات في عالم السياسة الشائك، قد نهشت قلبه فقضى شابا ولم يجاوز العقد الخامس، موصيا أن يحتضن جثمانه تراب إربد، مسقط رأسه التي اختيرت بعد نحو 130 عاما من ولادته العاصمة العربية للثقافة والتي من الجدير أن تكرمه.

ربما كانت هذه المسوغات التي جعلت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) تعتمد الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل “عرار” رمزا عربيا للثقافة للعام 2022، بما يحمل هذ الاعتماد من أهمية للشاعر في وجدان الأردنيين والعرب، وما يشكل من حضور للمثقف الأردني في الحركة الثقافية العربية.

من القصيدة الشفاهية إلى الإحيائية

قالت وزيرة الثقافة هيفاء النجار إن الشاعر الرائد مصطفى وهبي التل يعد مفخرة للأردن، وإن اختياره رمزا للثقافة العربية، هو تكريم للمثقف الأردني، مشيرة إلى أنه نقل القصيدة من البيئة الشفاهية إلى القصيدة الإحيائية التي تمتد بجذورها إلى القصيدة العربية القديمة، محتفيا بالإنسان والمكان وتراثه، محملا القصيدة رسالة وطنية وقومية للدفاع عن عروبة فلسطين.

ودعت النجار إلى الإفادة من اختيار مسقط رأس الشاعر عرار (إربد) “عاصمة للثقافة العربية” في إعادة قراءة أشعاره ومقالته ضمن برنامج يحيي سيرة الشاعر الإبداعية والحياتية والفكرية.

الانحياز للحرية

كانت ولادة عرار في 25 مايو/أيار عام 1899، وقت كانت تركيا العثمانية تسيطر على البلاد العربية، وأتيح له وقتها أن يتلقى تعليمه الأول في الكتاتيب، قبل أن ينتقل عام 1912 إلى دمشق مواصلا رحلته الدراسية في مدرسة عنبر، وهناك التقى بعدد من الطلبة العرب المناوئين للدولة العثماني، فانخرط في العمل السياسي شابا يافعا، ونتيجة لنشاطه السياسي تم إبعاده إلى بيروت منفيا، ليعود إلى مسقط رأسه إربد وينقطع عن الدراسة، ويعمل في المدرسة الصالحية العثمانية التي كانت تعود لوالده.

وفي مطلع العام 1917 سافر بصحبة صديقه محمد صبحي أبو غنيمة قاصدا اسطنبول، ولكنه لم يبلغها، إذ استقر المقام به في “عربكير”، حيث كان عمه علي نيازي قائم مقام فيها. ليعمل بمنصب معلم ثان في منطقة “إسكيشهير”، واستقال منها في في مارس/آذار 1919.

وعند عودته إلى الأردن عمل في سلك التعليم مدرسا في الكرك، ثم حاكما إداريا في وداي السير والزرقاء والشوبك، وأصبح مدعيا عاما، ثم رئيسا للتشريفات في الديوان الأميري في عهد الملك عبد الله الأول.

ومع كل تلك الوظائف الرسمية التي تولاها عرار، إلا أن مزاج الشاعر لم يفارق روحه المتمردة، وظل منحازا للحرية، فبعد تسلمه منصب متصرفية البلقاء، عُزل واقتيد للسجن، وبعد خروجه اختار مهنة المحاماة عام 1930.

وقال الكاتب مفلح العدوان إن الشاعر عرار “يمثل وجدان الإنسان الأردني، بحضوره، وتجسده لكل ملامح المكون الأردني من أرض وإنسان، حيث تعكس سيرة حياته عبقرية التزامه بقيمه وأفكاره التي نادى بها، ونظمها مرة شعرا، وتارة نثرا، وفي أحيان كثيرة نهجا لا يحيد عنه”.

وأضاف “اختيار عرار رمزا عربيا للثقافة للعام 2022 من قبل الألكسو، فيه إنصاف لهذا الشاعر المهم ليس فقط على مستوى الأردن، بل على مستوى الحضور العربي والإنساني، لأنه شكل قيمة شعرية وأدبية وثقافية وسياسية، على امتداد حياته في النصف الأول من القرن الـ20، وبقي هذا الحضور مشعا حتى بعد غيابه، بحيث شكل مرجعية ومفصلا مهما في الأدب الأردني والعربي، وكان نموذجا للشاعر المتمرد المبدع المختلف إبداعا ومواقفا وعمقا في الثقافة والسياسة على مدار سيرة حياته”.

شاعر الأردن

أطلق النقاد على مصطفى وهبي التل (عرار) شاعر الأردن؛ بسبب ما حازه من ريادة شعرية أسست للقصيدة التقليدية الجزلة الرصينة، ولما تنطوي موضوعاتها من انحياز للناس البسطاء والفلاحين، وتقف ضد الظلم، وبسبب ما تتمتع به من بساطة واستعارة للمفردات اليومية المتداولة بين الناس، ولما للشاعر من تأثير في القصيدة العربية في استعاراته من قاموس اللهجة الدارجة، وتضمينه للأمثال الشعبية في شعره، وهو القائل متعاطفا مع الحصادين:

هب الهوا يا ياسين

يا عذاب الدراسين

هب الهوا يا حنيني

صار الظعن ظعنين

كان الشاعر عرار جريئا متمردا، يهتم بالمهمشين، وتحديدا “النوَر” (الغجر)، بوصفهم يمثلون فضاء الحرية ومنظومة للقيم المتخيلة التي تحقق العدالة الطبيعية، ولم يتوقف تأثيره على مريديه في نسج القصيدة؛ بل امتد إلى تشكيل تيار تجسد في إعلاء قيم الصعاليك النبيلة في الدفاع عن المظلومين.

ومن أفكاره التي جسدها شعرا:

بين الخرابيش لا عبد ولا أمة

ولا أرقاء في أزياء أحرار

بين الخرابيش لا حرص ولا طمع

ولا احتراب على فلس ودينار

الكل زط مساواة محققة

تنفي الفوارق بين الجار والجار

والشاعر عرار يعد من أوائل الشعراء المجدّدين في الساحة المحلية؛ ذلك أنه نقل القصيدة من الموضوعات التقليدية إلى موضوعات متمردة تعتبر جديدة على المجتمع الأردني القبلي والمحافظ، ورغم قربه من الأمير الملك عبد الله مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية، فإنه بقي منحازا للفقراء، وهو القائل:

أوَما تراني قد شبعت…

على حساب الأكثريّة

وأكلتُ بسكوتا وهذا الشعب لا يجد القليّة.. (القلية.. القمح الذي يحمص على النار)

ولبست، إذ قومي عُراة،

غيرَ ما نسجت يديّه.

كان الشاعر مصطفى وهبي التل الذي أتقن اللغة التركية والفرنسية والفارسية أول من حذر في شعره من خطر الأخطبوط الصهيوني الذي سيمتد على خريطة الوطن العربي، وهو ما يؤكد بعد نظره، وكان مؤمنا أن ينبوع الثقافة العربية الذي ترجمه من خلال الكتابة في الصحف والدوريات العربية وقتذاك يمثل قلعة الدفاع عن الحضارة العربية.

رباعيات الخيام

لم يكن “عرار” قطريا في خطابه رغم أنه اتهم بذلك؛ بل انفتح على امتداد البلدان العربية من خلال العلاقة التي نسجها مع الأدباء العرب في مصر وفلسطين ودمشق وبغداد وبيروت، وانفتاحه على الأدب العالمي، وترجماته لرباعيات الخيام.

واهتم بالقضايا الأدبية واللغوية والفكرية من خلال الحوار على صفحات الجرائد والمجلات مع عدد من الكتّاب العرب في ذلك الحين، منهم: إبراهيم ناجي، أحمد الصافي النجفي، إبراهيم طوقان، عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، الشيخ فؤاد الخطيب، كما كانت صلته وثيقة ببلاط الملك عبد الله الأول بن الحسين، حيث كانت تجتمع نخبة من الشعراء والأدباء، وتدور بينهم مساجلات ومعارضات شعرية.

وقد تنوع إنتاجه بين الشعر والتاريخ والدراسة اللغوية والقضايا الفكرية والترجمة، مثل “ديوان عشيات وادي اليابس”، و”بالرفاه والبنين”، و”الأئمة من قريش”، و”مقالات في اللغة والأدب”، و”أوراق عرار السياسية”.

وقال مدير الثقافة لمحافظة الطفيلة الدكتور سالم الفقير إن اختيار الشاعر الأردني “عرار” رمزا ثقافيا عربيا للعام 2022، “يشكل منعطفا ثقافيا للأدباء والمثقفين الأردنيين لأن تكون البوصلة الثقافية العربية تتجه إليهم كحالة لا بد من الوقوف عليها، إضافة إلى ما تحمله تلك الحالة ويحمله المثقفون في الأردن من مجموعة الآفاق المعرفية التي انتشرت خارج الحدود المكانية، لتشكل انطلاقة حقيقية جادة لرسم الأيديولوجيات الثقافية الوطنية الأردنية”.

مصطفى وهبي التل (عرار) على غلاف كتاب بريشة العراقي إبراهيم العبدلي (مواقع إلكترونية)

عشيات وادي اليابس

ومع أن الشاعر مصطفى وهبي التل، لم يتح له جمع أشعاره في كتاب، إلا أن الكثير من الباحثين والدارسين الأكاديميين وطلبة الدراسات العليا والنقاد التفتوا للقيمة الفنية والموضوعات الشعرية وحياته الصاخبة، فجمعوا أشعاره وكتاباته بعد وفاته، وكُتبت عنه الكثير من الدراسات والرسائل الجامعيّة.

شغل نجله وصفي التل منصب رئيس الوزراء في المملكة الأردنية خلال السبعينيات من القرن الـ20، ونجله سعيد التل منصب نائب رئيس الوزراء خلال تسعينيات القرن الماضي.

توفي مصطفى وهبي التل “عرار” في 25 مايو/أيار عام 1949، ودفن في إربد بناء على وصيته، وتم تحويل بيته إلى منتدى ثقافي ومتحف، وتحقق ما كان يحلم وهو يوسد رأسه ترابها أن تكون إربد “عاصمة الثقافة العربية”، وكان الشاعر نعى نفسه شعرا:

يــا أردنيات إن أوديت مغتـــربا
فانســــجنها بأبي أنتنّ أكفانــــي
وقلن للصّحب: واروا بعض أعظمه
في تــلّ إربد أو في ســفح شيــحان
قــالوا: قضى ومضى وهبي لطيته
تـغمـدت روحه رحمات رحــمان

زر الذهاب إلى الأعلى