ثقافة

هويات ونزاعات وفكاهة.. الحرب تخيّم على “أيام الأدب الأوروبي” في النمسا

كريمس، النمسا – اختتم مهرجان “أيام الأدب الأوروبي” فعالياته يوم الأحد 20 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري في مدينة كريمس النمساوية، بتسليم جائزة التسامح للكاتب البوسني ميلينكو ميركوفيتش، التي تبلغ قيمتها 10 آلاف يورو.

وجائزة التسامح هي جائزة سنوية يمنحها اتحاد الناشرين النمساويين إلى كاتبة أو كاتب أسهم في “نشر قيم التسامح ضد المفاهيم المتصاعدة للعنصرية أو الكراهية”. وبسبب أهمية مهرجان أيام الأدب الأوروبي، قرّر المسؤولون عن الجائزة توزيعها في اليوم الأخير للمهرجان منذ العام 2018، في حين يكون مهرجان هذا العام هو المهرجان رقم 14.

الفائز بجائزة التسامح ميلينكو ميركوفيتش يوقع كتبه للجمهور (الجزيرة)

كتابة وموقف

ولد الكاتب ميلينكو ميركوفيتش في سراييفو يوم 28 مايو/أيار 1966، وهو كاتب من البوسنة والهرسك، وكرواتيا كذلك. ويكتب الشعر والرواية والمقالات السياسية والأدبية باللغة الكرواتية. بدأ ميركوفيتش حياته الأدبية مع نشر مجموعته الشعرية الأولى “مرصد وارسو” في عام 1988، ونال عنها جائزتي “جوران” و”ماك ديزدار” للشعر، ثم أتبعها في عام 1990 بمجموعته الشعرية الثانية “هل يتعلّم أحد ما اللغة اليابانية في هذه المدينة؟”، وفي عام 1992 نشر مجموعته الثالثة “سماء كوماندو”، قبل أن يُغادر العاصمة سراييفو عام 1993، التي كان يحاصرها الجيش الشعبي اليوغسلافي منذ الخامس من أبريل/نيسان 1992.

الكاتب البوسني ميلينكو ميركوفيتش يتسلم جائزة التسامح
الكاتب البوسني ميلينكو ميركوفيتش يتسلم جائزة التسامح (الجزيرة)

منذ أبريل/نيسان 1993 يقيم ميركوفيتش في زغرب، وبعدها بعام اشتهر أكثر من خلال مجموعته القصصية “سراييفو مارلبورو”، التي صدرت في عام 1994، ونال عنها جوائز محلية ودولية عديدة.

أصدر بعدها العديد من الروايات والقصص مثل “كاريفاني.. فسيفساء عائلية” (1995)، و”بريكو زاليدينوج موستا” (1996)، و”ماما ليوني” (1999)، وثلاثية السيارات الشهيرة “بويك ريفيرا” (2002)، و”فريلاندر” (2007)، و”فولغا فولغا” (2009).. وصولاً إلى عمله الأخير “هرقل” (2021).

نال ميركوفيتش عن أعماله السردية، التي ترجمت إلى أكثر من 15 لغة، جوائز كثيرة، منها جائزة الصحافة (1990)، وجائزة إريش ماريا ريمارك للسلام (1995)، وجائزة الأدب الإيطالي 2003، وجائزة اتحاد كتاب البوسنة والهرسك (2003)، وجائزة جورج ديهيو للكِتاب (2018).

وتمنح جائزة التسامح، التي نالها الكاتب الألماني من أصول إيرانيّة نافيد كيرماني في العام الماضي 2021، لكاتب أوروبي على قيد الحياة، بالنظر إلى “كتبه الإبداعيّة ومواقفه الشخصية”.

وقال ميركوفيتش للجزيرة نت إنه محظوظ في نيل هذه الجائزة، التي “تدل حيثياتها على ما يعنيه الأدب خاصة، والكتابة عامة، في خلق التواصل والتفاهم بين البشر، وترقية القيم الإنسانيّة”.

الفكاهة والحرب

وكان مهرجان أيام الأدب الأوروبي قد افتتح أمسياته ولقاءاته يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي تحت عنوان “الهزل والأزمة”، حيث كان لا بدّ أن تخيّم أجواء الحرب الروسية على أوكرانيا، والتي بدأت يوم 24 فبراير/شباط الماضي، على محاور ونقاشات المهرجان، رغم أن موضوع الهزل والأزمة قد تم اعتماده قبل اندلاع هذه الحرب، وفق ما قاله مدير المهرجان فالتر غروند للجزيرة نت.

وأضاف غروند أنه تم الاتفاق مع الكاتبات والكتاب المشاركين، وهم من دول مختلفة كأوكرانيا وآيسلندا والبرتغال وألمانيا والنمسا وسويسرا والبرتغال وفرنسا وبريطانيا وبولندا وكرواتيا وأستونيا ورومانيا وسلوفينيا، قبل حدوث هذه الحرب بأسابيع، وذلك لكي يتحدث كل واحد منهم “عما عاناه شخصيا أو عائليا من خلال أزمات نشبت في بلده، ودور الفكاهة والسخرية والنكات والرسوم الكاريكاتيرية، كأسلوب واقعي، في مواجهة هذه الأزمات والكوارث”، وما الإمكانيات الأخرى “التي يوفرها الأدب للتعامل مع الحرب والدمار”؟

وختم مدير المهرجان كلامه للجزيرة نت بأنه من الممكن مناقشة كذلك “الدروس التي يُمكن استخلاصها من السخرية أو الفكاهة”.

“نادي الفكاهة”

في اليوم الأول كان اللقاء مع الكاتبة والصحفية والمترجمة الأوكرانية ناتالكا سنيادانكو (ولدت في مدينة لفيف الأوكرانية عام 1973)، والتي تعيش مع عائلتها حاليا حالة اللجوء في العاصمة الألمانية برلين. وكان من الطبيعي أن يتمحور حديثها حول المعاناة التي يعيشها الأوكرانيون من الحرب الحالية وتشتت الشعب الأوكراني في كل الاتجاهات من أجل النجاة، وكذلك للنجاة من “التدخلات والضغوط والتهديدات المستمرة من روسيا” ضد بلدها أوكرانيا منذ استقلاله في عام 1991 عن الاتحاد السوفياتي المنفرط عقده.

وروت الكاتبة، الفائزة بجائزة جوزيف كونراد للأدب في عام 2011، لحظات كثيرة من الرعب الذي عانته مع عائلتها، وكذلك عن “نادي الفكاهة” الذي اخترعه بعض الشباب الأوكرانيين لتخفيف ذلك الرعب بالفكاهة والنكات.

من جانبها رأت الفيلسوفة وعالمة التحليل النفسي السلوفينية ألينكا زوبانتشيتش (1966)، التي شاركت في ندوة مسائية في اليوم ذاته حملت عنوان “روح الفكاهة”، أن الفكاهة لها وقعها الخاص، ولكل شعب فكاهته التي تدل على ثقافة ذلك الشعب. بمعنى أن كل شعب له فكاهاته ومقدار تفاعله مع تلك الفكاهات، وأوضحت أن الفكاهة “تحدث بشكل أعمق وأوسع في أوقات الأزمات”، مشيرة إلى أن الحرب لها “أكبر تأثير على الهوية”. وطرحت أسئلة عميقة من قبيل: هل يفقد الناس هوياتهم عندما يغادرون مكانهم ولغتهم وحياتهم إلى مكان آخر ولغة أخرى وحياة أخرى؟ وهل من السهل عليهم الاحتفاظ بهويتهم؟

نزاعات ولجوء

عدة أمسيات تخللت أيام الأدب الأوروبي لروائيات وروائيين، والحوار معهم حول أعمالهم ونظرتهم للأزمات والحروب والنزاعات واللاجئين، وارتباط ذلك بالكتابة. تعرف الجمهور خلال الأيام الأربعة على الكثير من التجارب الإبداعية، وآراء كتابها، كما حصل على تواقيع الكتاب من خلال معرض كتب المشاركين المرافق للمهرجان.

الروائية البرتغالية يارا مونتيرو (1979) تحدثت عن عوالم روايتها “جاذبيّة الدموع”، التي تدور حول نزوح عائلة الشخصية الرئيسية فيكتوريا من أنغولا إلى البرتغال -وقد استمر استعمار أنغولا منذ اكتشفها المستكشف ديوغو كاو في عام 1484 حتى العام 1975- لكن من دون الأم، التي أصرّت على البقاء في أنغولا والمساعدة في أي شيء، ولو صغير، لإنقاذ بلدها أو أحد أبناء البلد. وبذلك يكون الخط الرئيسي للعمل هو عودة فيكتوريا إلى أنغولا باحثة عن أمها.

الكاتبة البرتغالية يارا مونتيرو.
الكاتبة البرتغالية يارا مونتيرو تشعر بالحنين لجذورها الأنغولية (الجزيرة)

تدور الرواية حول الأزمة الشخصيّة لفيكتوريا، وبقية أبناء بلدها، في فقدان مكانها ولغتها ووالدتها ضمن الأزمة العامة التي تخص بلدا كاملا، لذلك تذهب الرواية في جانب منها إلى العاطفة العالية خلال السرد، وإلى الشعر والمونولوغ والكثير من الحكايات.

وبسؤال مونتيرو عن بذرة هذه الرواية وعلاقتها بأنغولا، قالت الروائية البرتغالدية للجزيرة نت إنها ولدت في أنغولا لكنها غادرت مع عائلتها إلى البرتغال وهي في الثانية من عمرها. صحيح أنها حصلت على الجنسية البرتغالية، وتزوجت من رجل برتغالي، لكنها تشعر بأن “جذورا أخرى تناديها وحكايات من بلد آخر”.

وقالت مونتيرو إن الهوية لا تعني لها هوية ثابتة، سواء كانت الهوية الأنغولية أو البرتغالية أو غيرها، بل هي “هوية سائلة أو متجددة”، والأهم أن تكون هوية غير متعصبة “ولا تساهم في الوقوف ضد هويات الآخرين”.

غرام الجزُر

في اليوم قبل الأخير، ناقش الجمهور كذلك الكاتبة والصحفية والممثلة يوانا لير (1962) في روايتها الأحدث “غرام الجُزر”. وهي رواية على شكل فلاشات وريبورتاجات تناولت حياة 7 لاجئين علقوا في مركز موريا، الواقع على جزيرة ليسبوس اليونانية، وطال انتظارهم كثيرا، متراوحة مدة انتظارهم بين 6 أشهر و3 سنوات. وهؤلاء اللاجئون كانوا من الكاميرون وإيران وأفغانستان.

غرام الجُزُر للكاتبة السويسرية يوانا لير
رواية “غرام الجزُر” للكاتبة السويسرية يوانا لير (الجزيرة)

قالت لير للجزيرة نت إنها نقلت قصصا حقيقية آلمتها “خلال الاستماع إليها وخلال كتابتها وخلال تدقيقها، وستؤلمني كذلك بعد صدورها”، مستطردة بأن “نسبة عالية تقدر بـ95% هي نسبة موت المهاجر أو إعادته إلى تركيا، في حين أن النسبة التي تخص النجاة والوصول إلى أوروبا هي فقط 5%”.

رواية مكثفة لحيوات مختلفة، تسرد طبقات مختلفة من الشخصيات والحكايات.

الكاتبة السويسرية يوانا لير
الكاتبة السويسرية يوانا لير تقدم في روايتها حياة لاجئين علقوا في مركز موريا الواقع على جزيرة ليسبوس اليونانية (الجزيرة)

خلال 4 أيام مكثفة، استمع الحضور لقصص وحكايات عن أزمات حدثت في دول الاتحاد السوفياتي السابق وفي ألمانيا وأنغولا ودول يوغسلافيا السابقة وأوكرانيا وفرنسا، ليخيم بذلك موضوع الحرب على أجواء دورة هذا العام لأيام الأدب الأوروبي. ولكن لا بدّ من الإشارة إلى أن وضع تلك الأزمات والكوارث والحروب قبالة النكتة والهزل والفكاهة والسخرية وضع ذكي جدا، وجعل ظلال الآلام أخف حدة على المشاركين والحضور.

زر الذهاب إلى الأعلى