الأخبار

أبقى على دعم الخبز بعد احتجاجات.. ذكرى ممدوح سالم تجدد مخاوف إلغاء الدعم بمصر

القاهرة ـ لا يُذكر اسم رئيس وزراء مصر الأسبق ممدوح سالم إلا مقترنا باحتجاجات يناير/كانون الثاني 1977، يوم هتفت الجماهير الغاضبة ضده “عاوزين حكومة حرة.. العيشة بقت مُرَّة.. ممدوح بيه يا ممدوح بيه.. كيلو اللحمة بقى بجنيه”.

وكلما أقدمت الحكومة المصرية على اتخاذ قرار بالإلغاء الكامل والشامل للدعم، بما في ذلك دعم الخبز، استدعى مراقبون ومحللون -في إطار تحذير الحكومة- ذكرى هذه الاحتجاجات التي اندلعت على إثر قرار حكومة رئيس الوزراء اللواء ممدوح سالم -الذي تحل ذكرى رحيله هذه الأيام- إلغاء الدعم جزئيا عن مواد تموينية.

وأدت القرارات وقتئذ إلى اشتعال الأسعار بمجرد الإعلان عنها، وأشعلت معها الشارع في احتجاجات ومظاهرات حاشدة اضطرت الحكومة إلى التراجع عن القرار.

وأعلنت الحكومة المصرية أخيرا على لسان مسؤولين كبار الاتجاه لإلغاء الدعم بالكامل، وقرب زيادة سعر الخبز، وسط تطمينات إعلاميين مقربين من السلطة بأن ذلك لن يدفع المصريين إلى الاحتجاج كما حدث في سبعينيات القرن الماضي.

وقال الإعلامي إبراهيم عيسى إن القرارات الاقتصادية القاسية لن تؤدي إلى أي رد فعل مما يبغيه ويتمناه “الإخوان (المسلمون) والقوى الكارهة للاستقرار”، على حد قوله.

وراهن عيسى بمستقبله على استحالة حدوث احتجاج، مشيرا إلى أن القرارات الأصعب مرّت بالفعل، وأن القرار “القشة” المتوقع أنها تقصم ظهر البعير “لن تقصمه”.

مسؤول غير سياسي

الخلفية الأمنية لسالم جعلته يتخذ قرار إلغاء الدعم “البعيد عن الحصافة السياسية” برأي مراقبين، حيث لم يمارس سالم السياسة بعيدا عن دولاب الدولة، إذ كان رئيس الوزراء الراحل ضابط شرطة، تدرّج في المناصب حتى صار وزيرا للداخلية، قبل أن يتولى رئاسة الوزراء.

ورغم تولي سالم الوزارة 3 مرات في السبعينيات، فإن اسمه لا يُذكر إلا مقرونا باحتجاجات 1977، التي التصقت به، رغم أن رئيس الوزراء في مصر لا يمكنه اتخاذ قرارات -خاصة المتعلقة باستقرار البلاد- إلا بعد الرجوع للرئاسة.

وقال سياسيون عاصروا ذلك الوقت إن تعيين الرئيس الراحل حسني مبارك نائبا لرئيس الجمهورية جاء بضغوط من المؤسسة العسكرية لإحداث توازن في تركيبة السلطة، خشية أن يخلف ممدوح سالم الرئيس السادات، باعتباره ثاني أكبر رأس في السلطة، وهو شخص من خارج المؤسسة العسكرية.

وتقول مراسلات وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، حسب وثائق ويكيليكس، عن ملابسات تعيين مبارك نائبا للسادات، إن سفير واشنطن في القاهرة وقتئذ، هرمان إيلتس، قال في مراسلاته للخارجية الأميركية “ما زال المراقبون في مصر يبحثون عن سبب مقنع لترقية مبارك إلى منصب نائب الرئيس، وإن التفسير الذي ساقه إسماعيل فهمي (وزير الخارجية وقتئذ) هو واحد ضمن العديد من التفسيرات المطروحة، ومنها القول إن الجيش قدم للسادات ما يشبه الإنذار الأخير بالإصرار على تعيين شخص عسكري في منصب من مناصب صنع القرار لتحقيق التوازن مع تعيين مسؤول من وزارة الداخلية رئيسا للوزراء”.

ويمضي السفير الأميركي بالقول إن “تلك الشائعات أمر طبيعي ومتوقع مع أي حكومة لها علاقات وطيدة مع الولايات المتحدة”.

أما الدليل الثاني -حسب البرقيات المتبادلة التي كشفت عنها ويكيليكس- فهو “ترقية وزير الداخلية ممدوح سالم إلى منصب رئيس الوزراء، بسبب تفضيل الأميركان لرجال الشرطة، خاصة الصارم منهم كممدوح سالم الذي تحرك ضد المتطرفين والشيوعيين”.

كما توجد رواية أخرى مشابهة لذلك التفسير، تقول إن الجيش غير راضٍ عن سياسات السادات، وإنه طلب ترقية مبارك ليجعل أحد رجاله مراقبا في موقع مقرب من الرئيس، ولكن السفير الأميركى رجح أن تكون ليبيا -بسبب خلافها مع النظام المصري آنذاك- هي من يروج لتلك التفسيرات المتعلقة بوجود احتقان بين الجيش والسادات.

والمؤكد بعيدا عن هذه الروايات أن المؤسسة العسكرية كان لها كلمة حاسمة إبان هذه الأحداث، دفعت رئيس الوزراء إلى التراجع، إذ أبلغ قائد الجيش، المشير عبد الغني الجمسي، أنه لن يدفع بقوات إلى الشارع لمواجهة الجمهور الغاضب من رفع الأسعار، قبل أن يلغي رئيس الوزراء الإجراءات الأخيرة.

 

 

بداية ونهاية

ولد ممدوح سالم عام 1918 في الإسكندرية، وتخرج في كلية الشرطة، وتدرج في العمل الشرطي، وبدأت انطلاقته في دولاب السلطة حينما اختاره الرئيس جمال عبد الناصر ليكون مسؤولا عن أمنه الشخصي.

واختير سالم بعد ذلك محافظا لأسيوط عام 1967، ثم للغربية عام 1970، ثم للإسكندرية 1970، ثم وزيرا للداخلية عام 1971، ونائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للداخلية عام 1972.

وكلفه السادات بمنصب رئيس الوزراء أول مرة عام 1975، ثم اختير مساعدا لرئيس الجمهورية عام 1978، وهو منصب كان يعني غالبا بداية النهاية للحياة السياسية للمسؤولين الكبار في مصر.

وفي 24 فبراير/شباط عام 1988، ودع ممدوح سالم الدنيا في العاصمة البريطانية (لندن)، عن عمر ناهز 70 عاما.

ومن القرارات التي ارتبطت بالرجل أثناء عمله الوزاري إلغاء تأشيرة الخروج للمصريين، وإنشاء إدارة مكافحة جرائم الأموال العامة بمصلحة الأمن العام عام 1972، كما أنشأ قطاعا للأمن السياسي بوزارة الداخلية.

ومن الطرائف التي ذكرها الكاتب الصحفي الراحل أحمد بهاء الدين، في كتابه “محاورات مع السادات”، أن وزير الداخلية ممدوح سالم قال له إن “كل التقارير التي تتلقاها أجهزة الأمن ضد الصحفيين يكتبها صحفيون مثلكم”.

ردّ عليه بهاء الدين، وكان رئيسا لاتحاد الصحفيين العرب، ومفصولا لتوه من عمله كاتبا بصحيفة الأهرام بقرار من صديقه القديم الرئيس السادات، “هذا طبيعي، أدق التقارير عن الطلبة يكتبها طلبة وهكذا هو الحال في كل مجال، ونحن نعرف الصحفيين الذين يحترفون كتابة التقارير السرية لأجهزة الأمن ضد زملائهم، ولكنكم لو تحريتم عنهم قبل أن تأخذوا بكلامهم لعرفتم أنهم من أردأ نوعيات الصحفيين الفاشلين المملوءة قلوبهم بالضغينة على كل صحفي ناجح”.

ردّ سالم “طبعا ونحن نعرف ذلك، ولكن هل تتوقع من صحفي مستقيم حسن الأخلاق ابن ناس وناجح في عمله أن يكتب تقريرا للمباحث نظير أجر؟ هات لي عشرة من هؤلاء ولو كانوا من خريجي جامعة أكسفورد يوافقون على كتابة تقارير للمباحث، وسوف تستغني المباحث فورا عن النوعية التي تكتب التقارير عادة”.

زر الذهاب إلى الأعلى